ص1       الفهرس  61-70

أ دب الأطفال: مداخل أولية

 

عبد الله المتقي

ممهدات:

ظلت الطفولة لسنوات طوال، علامة على الدونية والقهر، ولقد تمثل ذلك في مختلف أساليب العقاب والمراقبة الصارمة التي كان يمارسها الكبار في حق هذه الكائنات الصغيرة. بيد أن العناية بهذه المرحلة العمرية لم تصبح جدية إلا في القرن 18 بظهور الفيلسوف والمربي الطبيعي (جان جاك روسو) وانتشار تعاليمه من خلال كتابه إميل حيث اهتم بدراسة الطفل كإنسان حر.

ومع القرن العشرين شكلت الطفولة كظاهرة سيكولوجية وسوسيولوجية محور الكثير من الأبحاث والدراسات التي تناولت هذه المرحلة من منظور شمولي متكامل، يتغيا الكشف عن علاقات التفاعل والتأثير المتبادل بين جميع الدوافع والمتغيرات الذاتية والموضوعية والاجتماعية والثقافية حتى. إن هذه التطورات الحديثة التي مست الطفل والطفولة أدت في المجال الأدبي والفني إلى انوجاد إنتاج ثقافي موجه للأطفال يتجلى في كل الأجناس الأدبية والفنية من شعر ومسرح وتشكيل وموسيقى وقصة…لذا يمكن الحديث في هذا المضمار عن أدب مختص بالطفولة، فما معنى أدب الطفل؟

تعريف أدب الطفل:

بدءا يجب التنبيه إلى التمييز بين معنائية الكتابة للطفل ومعنائية أدب الطفل. وهكذا، إذا كانت الكتابة للأطفال تعني فيما تعنيه كل ما كتب للصغار فإن أدب الطفل يعني "مجموعة الإنتاجات الأدبية المقدمة للأطفال التي تراعي خصائصهم وحاجاتهم ومستويات نموهم، أي في معناه العام يمثل كل ما يقدم للأطفال في طفولتهم من مواد تجسد المعاني والأفكار والمشاعر…"


[1] . وأمام تعاظم رصيد المعارف تجدر الإشارة إلى أن أدب الطفل يشمل الأدب المكتوب من قصة وأشعار ومسرح… كما يشمل الحكايات والقصص المصورة والمسموعة على الأشرطة من صوت وصورة…

هكذا يمكن الحديث عن الإنتاجات الأدبية "التي تقدم للأطفال والتي يدخل فيها عنصر اللغة أو لا، يدخل ما نجده مبثوثا في وسائل الإعلام المختلفة من كتب وأشرطة ومجلات سواء أكانت قصصا أو مسرحيات أو أناشيد أو أغاني"[2].

وقبل الخروج من هذه التحديدات التقريبية لأدب الطفل يمكن أن نطرح مجموعة من الملاحظات والتساؤلات كالتالي:

ـ هل المقصود به (أدب الطفل)ذلك الأدب الذي يبدعه الطفل بنفسه كما يتخيله ويتمناه؟ أم هو ذلك الذي يكتبه الراشد في غيابه و"المنطق يقتضي أن ينتج الأطفال أدبهم، حتى يستحق هذه التسمية، تسمية (أدب الأطفال) عوض أن يخضع لوصاية الكبار بأدبهم الذي يحمل ما يحمله؟"[3]

ـ هل يمكن اعتبار أناشيد الأم وأحجيات الجدة أدبا للطفل؟

ـ وهل يملك الطفل تربية الطفل؟

أهمية أدب الطفل:

حتى نتبين أهمية أدب الطفل في بناء واكتمال شخصية الطفل لا بد من أن نقف عند بعض مزاياه وأهدافه ومنها:

ـ مساعدة الطفل على امتلاك اللغة شفاهيا وكتابيا، وإثراء هذه اللغة التي تعتبر دعامة أساسية لبناء شخصيته الوطنية والقومية.

ـ صقل مواهبه وتربية ذوقه وإثراء حسه الجمالي والإدراكي.

ـ تنمية قدراته على التركيز والإصغاء.

ـ إشباع متخيله وامتصاص صراعه الداخلي بتخليصه من الانفعالات الضارة.

ـ مساعدته على فهم معنى الحياة والتكيف معها.

ـ إثارة انتباهه وجلب اهتمامه وتمرير جملة من القيم والمعايير الاجتماعية والسلوكية والسياسية وتأكيد العاطفة الوطنية والدينية.

ـ تقنين وتدبير وتنظيم مختلف أنشطة الوقت الحر.

ـ إخراج الطفل من حالة التمركز حول الذات إلى كائن اجتماعي.

شروط الكتابة للأطفال:

يعتقد البعض أن الكتابة للأطفال مهمة بسيطة جدا ويستشهدون في ذلك بوضوح وبساطة لغة وتعابير هذه الكتابة. إن هذا صحيح، بيد أن المسألة ليست بهذه السهولة نظرا إلى انوجاد عدة اعتبارات تربوية وسيكولوجية وفكرية وإبداعية… إذ "ليس من السهل أن يمارس المبدع الكتابة للأطفال، لأن الكتابة للطفل تتطلب بالإضافة إلى تقنية الكتابة، الحس التربوي"[4].

المهم أن الكتابة للصغار أصبحت تشغل في الراهن الثقافي والتربوي حيزا مهما علاوة عن خصائص وشروط تميزها عن الكتابة للكبار، سواء ما اتصل بلغتها وتساوقها مع قاموس الطفل وحصيلته الأسلوبية أو بمضمونها ومناسبته لكل مرحلة من مراحل نموه، ذلك أنه من الأمور التي يجب أن يعرفها الكاتب هي جمهوره الذي يكتب له، وما دام هذا الجمهور هم الأطفال وجب على الكاتب أن يعرف مراحل نمو هذه الشريحة الاجتماعية وخصائصها النفسية، والتي من شأنها أن تتيح للكاتب اختيار الأساليب الملائمة والواضحة والألفاظ اليسيرة التي تكون في مستوى الكيان الوجداني والثقافي والإنساني للأطفال. هكذا نخلص إلى أن أدب الطفل ذو خصائص فنية وتربوية إضافة إلىشرطي المتعة والتسلية.

في ضوء هذه الشروط لا يسعنا إلا أن نقول مع عبد الجبار السحيمي: "إذا كان الطفل عالما بلا ضفاف، فجائيا، له قابلية بلا حدود للدهشة، وقابلية بلا حدود للاندهاش، فإن تشكيل ثقافته إذن، سيتطلب مهارة لاعبي السيرك، وأناة علماء التربية وعلم النفس، ورهافة لغة الشعراء الكبار، وأيضا الكثير من الجنون الخارق وغير المعتاد"[5].

ننتهي مما سبق إلى مجموعة ملاحظات تطرح نفسها بحدة بخصوص الحديث عن شروط الكتابة للأطفال، وهي كالتالي:

ـ هل تتطلب الكتابة للأطفال سنا معينا، حتى ينضج المبدع، أم يكفي أن يكون المبدع طفلا لحظة الكتابة وفي أي سن كان؟

ـ هل يكفي أن نقدم للأطفال عوالم مفروشة بالورود "وهناك دول قد تجاوزت موضوعات (التابو) أو المحرم مادام الطفل على اختلاف مستوياته يصطدم يوميا بمختلف تجلياتها في السلوك والعلاقات الاجتماعية، ومظاهر حياتية مختلفة، بموضوعات هي ملك للجميع كبارا وصغارا"[6].

ـ هل عندنا نظرية لجمالية التلقي تخص الصغار؟

ـ ما هي شروط الكتابة للأطفال عندما يكتب الأطفال للأطفال؟

وسائل تشجيع أدب الطفل:

رغبة منا في تطوير أدبنا الطفولي واستثماره في تنشئة الأطفال وتثقيفهم بما يضمن لهم شخصية قوية ومتوازنة لمواجهة التحديات وجميع أشكال الانحراف نساهم بالاقتراحات التالية:

ـ حث مؤسسات التعليم الأولي على إحداث ركن للمكتبة، بما يناسب الصغار وحاجياتهم، كتجهيزه بالرفوف المنخفضة، وتأثيثها بالكتب والأشرطة والمجلات والقواميس المصورة…

ـ إنشاء أجنحة خاصة بالأطفال بالمكتبات المنزلية والعمومية والبلدية وبدور الثقافة والشباب.

ـ توفير مكتبات مدرسية بمؤسسات السلك الأول من التعليم الأساسي كما هو الحال بمؤسسات التعليم الثانوي والسلك الثاني من التعليم الأساسي.

ـ إدراج مادة أدب الطفل في برامج تكوين المعلمين والمشرفين التربويين.

ـ إقامة معارض لكتاب الطفل ولقاءات مفتوحة للأطفال بمعية المبدعين.

ـ ترجمة كتب الأطفال ذات الطابع العالمي الجيد.

ـ مساهمة وزارتي التعليم والشؤون الثقافية بطبع وتوزيع الكتب والمجلات الخاصة بالأطفال كل الأطفال.

ـ إمداد الكتاب الصغار بالوسائل اللازمة ونشر إنتاجاتهم بين جمهور الأطفال بتهييء الظروف الملائمة للإنتاج الثقافي.

ـ إفساح المجال أمام الجمعيات المحلية والوطنية في أداء وظائفها الثقافية والتربوية.

ـ إقامة مسابقات بين المبدعين في أدب الطفل، وتخصيص جوائز لأحسن الكتب إخراجا والتي تدفع إلى مزيد من الإنتاج.

ـ حث وسائل الإعلام على تخصيص برامج لمتابعة الإصدارات الطفولية الجديدة والتعريف بها.

ـ تخصيص صفحة أسبوعية للأطفال بالجرائد الوطنية.

ـ إخراج الدراسات والبحوث المنجزة حول الطفل والتي قد تفيد مبدعي الصغار بالمعطيات العلمية وتوظيفها في إنتاج ما يناسب خصوصية الطفل العقلية والوجدانية.

وقبل هذا وذاك ينبغي الإشارة إلى أن أدب الطفل لا ينبغي أن تحتكره شريحة من الأطفال دون أخرى بل يجب أن يشمل الاهتمام الطفل المديني والقروي والمعاق علاوة على أطفالنا بالمهجر حتى يتمكنوا من مناعة ثقافية تجنبهم أي تشويش لشخصيتهم.

ملاحظات:

1 ـ إذا كانت ثقافة الطفل مسؤولية جماعية، فما موقع الطفل مثلا في برامج المجالس البلدية والقروية التي لا تتقن إلا لعبة الثالوث الماكر (الواد الحار، النظافة، الإنارة) علما أن الإنسان كائن ثقافي أيضا.

2 ـ رغم ما حققه اتحاد كتاب المغرب من تراكم ثقافي وتنظيمي يبقى أدب الطفل في أنشطة هذه المؤسسة ومنشوراتها مغيبا، و الشيء نفسه يمكن ملاحظته بخصوص سلسلة شراع.

3 ـ هل يحضر الطفل عند التفكير في تعزيز البنيات الثقافية والتجهيزات الأساسية المرتبطة بالحقل الثقافي (دور الثقافة والسينما – مسارح – معاهد موسيقية…)

4 ـ وهل يقرأ الكبار أولا وأخيرا!؟

خاتمة:

أما آن الأوان أن تعرف الهيئات المسؤولة أن الطفولة المغربية تمثل نسبة 42% من البنية السكانية أي ما يعادل نصف سكان المغرب وأن "كل طفل هو في جوهره مشروع رجل، وكل رجل يحمل داخله الطفل الذي كان يوما، فكل بناء يقوم على أساس، وأساس الرجل الطفل"[7]، كما أننا في وضع وفي زمن لا يسمح لنا بتهميش طفولتنا بل يحثنا على الاهتمام بهذه الشريحة الصغيرة وتسليحها بأسلحة العصر. ولعل من أهم هذه الأسلحة هي الثقافة والمعرفة وتيسير تداولها وتوفير بنياتها الشرطية حتى لا تهمشنا العولمة.

 

 



[1] - د.هادي نعمان الهيتي، ثقافة الأطفال، عالم المعرفة، ع123، ص155.

[2] - محمد الهلالي، أدب الطفل والتنشئة الاجتماعية، مجلة آفاق تربوية، عدد 4، 1991، ص44.

[3] - د.عبد الرحيم مودن، الأطفال والآداب، العلم الثقافي، 22 نوفمبر 1997.

[4] - ورد في حوار مع المرحوم الشاعر عبد الله راجع، مجلة السائرون على الدرب، س.1، ع1، مايو 1980، ص9.

[5]-  عبد الجبار السحيمي، هوامش حول الصحافة وتشكيل ثقافة الطفل، مجلة الدراسات النفسية والتربوية، ص119، ع8 شتنبر 1999.

[6]-  د.عبد الرحيم مودن، المرجع نفسه.

[7]- عبد الكريم برشيد، مسرح الطفل: أسسه النفسية والجمالية، مجلة الدراسات النفسية والتربوية، ع8، شتنبر 1999.