معلم الوسط القروي وسؤال البحث
يحيى بوافي
* إن أحوال العالم
والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر"
ابن خلدون "كتاب العبر".
* التغيير قادم فلنجعل
منه حليفا لنا وليس عدوا، وأن ننتهزه كفرصة، ولا ننظر إليه كخطر، ونتبناه كحاجة
وليس إجبار"
اكوفي عنان
دون استهلال نبادر إلى القول إن الفكرة التي تضع هذه
المقالة في حسبانها الدفاع عنها والإجابة عن قضاياها هي التي يمكن إيجازها في
السؤال الآتي: ما هي أفضل الصيغ التي يجب أن يتسلح بها الفاعل التربوي بالوسط
القروي لتعميق دوره؟ هل هي صيغة الاستلام الكلي والانخراط اللاتساؤلي في عتاقة البنيات
التي يشتغل وفقها هذا الوسط أم على العكس من ذلك تقمص شخصية الباحث – حتى وإن كانت
هذه الصفة هي عصب ماهيته- ومن ثم التعايش مع الوسط بالبعد التشاركي لهذه الصفة أي
(البحث) وغايتنا في هذه الورقة هي التدليل على أي من الصيغتين أكثر جدوى وإفادة
ومردودية؛ إن بالنسبة إلى الفاعل التربوي كذات فردية، أو بالنسبة إليه كدور سوسيو-
مهني؟
ولتيسير ذلك لتكن أول محطة بالنسبة إلينا هي تحديد
مكونات العنوان ولو بشكل موجز حتى تتضح ميزات كل مكون ومن ثم تسهل عملية تحديد
البعد العلائقي والوظيفي للمكون الأول في لجة المكون الثاني.
أولا من أجل تحديد لمفهوم الوسط القروي:
إن الأشياء تتحدد وتتميز بأضدادها كما كان يحلوا للقدماء
أن يصرحوا، فهل بالإمكان تحديد وصف للوسط القروي بالاتكاء على خلفية الوسط
المديني "المتحضر"؟ وإن كان ذلك ممكنا، فإلى أي حد تصلح هذه الآلية
لتحديد الوسط القروي في المجتمع المغربي كمجتمع ثالثي لا زالت ملامح تطوره لم تتضح
بعد، ولا زال البعد التقليداني والحداثاني يقتسمان الفعل فيه بهذا الشكل أو ذاك
حتى وإن كانت الغلبة في حلبة الصراع والتداخل هاته للبعد الأول ملفوفا برداء
الثاني، إزاء وضع بهذا الشكل، لا يسعنا إلا توسل البعد الوصفي والتركيز عليه، ما
دامت البنيات الفاعلة هي ذاتها!
قد تكفي نظرة أولية مورفولوجية، للوسط القروي لتجعلنا
نميزه بكونه ذا ميزات جغرافية ومحددات أخرى تتظافر كلها لتعمق جبروت الطبيعة ولهول
آثارها التي تطال حتى البنى الثقافية والقيمية وأنماط السلوك والاتجاه نحو الذات
ونحو كل ما يقع خارجها أو قل إنها ترمم رؤية إنسان هذا الوسط إلى العالم باصطلاح
غولدمان، ونحن إذ نأخذ هذه النظرة في الحسبان، فإننا سنحاول إضافة إلى جعل الوسط
القروي ميسما لكل ما يتصف بالقسوة والتنوع وعدم التجانس وضعف البنية التحتية إلى
الحد الذي تنعدم فيه والنقص المريع في كل المرافق الاقتصادية منها والاجتماعية
والثقافية، إضافة إلى كل هذا، لنحاول تعرف الوسط القروي من خلال استشارة أبرز
الأدبيات السوسيولوجية التي اتخذت من المجتمع المغربي موضوعا لها، اعتبارا لكونه
كان بدويا في الأصل، ولتكن أول محطة لنا هي الخلدونية مع مراعاة، شرطها
التاريخاني، والشروط الموضوعية التي أحاطت بها ورسمت حدودها فكيف ينظر ابن خلدون
إلى البدو عبر كتابه "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم
والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" وخاصة المقدمة التي تشكل قسمه
الأول؟
لقد كان مقصد ابن خلدون من وراء تأليف كتابه هذا، بعدما
مني بالخيبة من السياسة كممارسة، هو إيجاد علم ذي قانون خاص؛ علم جديد يعرفه بوضوح
بقوله "وكأن هذا العلم مستقل بنفسه فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري،
والاجتماع الإنساني، وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة
بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أو عقليا"[1].
والتاريخ بحسب ابن خلدون حركة انتقال مستمرة من البداوة
إلى الحضارة عبر الدولة إذ تقوم جماعة بدوية قبيلة أو مجموعة قبائل بالثورة على
الدولة في أطرافها، وغالبا ما تكون الدولة في طور هرمها، فتنزع منها السلطة وتنشئ
دولة جديدة قد يطول عمرها وقد يقصر، ولكنها في النهاية تهرم وتشيخ فتقوم جماعة
بدوية أخرى بنفس ما قامت به تلك فتؤسس دولة جديدة تلاقي هي الأخرى نفس المصير
وهكذا دواليك. حركة التاريخ الدائرية هذه هي أشبه ما تكون بالعود الأبدي النتشوي
حتى وإن كان نتشه يدعو إلى العود الأبدي لحفز الإنسان على تواجد ذاته، في الوقت
الذي نجد فيه ابن خلدون –كما يقول عبد الكبير الخطيبي- مكتفيا بمعاينة تدهور
الإنسان ساجنا نفسه في يوتوبيا الأصل والنموذج الأول[2].وإذا ما سئل ابن خلدون عن سبب هذه
الدورة البدوية الحضرية فإنه يجيب ببساطة قائلا: هذا "يحدث في العمران بمقتضى
طبعه" لكن الذي يهمنا من الخلدونية ها هنا هو إلحاحها على التغير والتطور
التاريخي المرتبط بالانتقال من طور البداوة إلى الحضارة[3]، كما يهمنا كذلك وبشكل أخص البعد
الوصفي الذي خصت به طريقة عيش البدو الرحل أو "العرب ومن في معناهم"
بمصطلح ابن خلدون هذه الفئة التي تسمها "خشونة البداوة" في مقابل رقة
الحضارة والتي تعني فيما تعنيه الاعتماد على "المعاش الطبيعي من الفلح
والقيام بالأنعام.. على الضروري من الأقوات والملابس والمساكن وسائر الأحوال
والعوائد" إنه نمط حياة وأسلوب أولئك الذين يقطنون "الأرض الحرة التي لا
تنبت زرعا ولا عشبا بالجملة... مثل أهل الحجاز وجنوب اليمن ومثل الملثمين من
صنهاجة الساكنين بصحراء المغرب وأطراف الرمال في ما بين البربر والسودان.. ومثل
العرب أيضا الجائلين في القفار" وفي معناهم ظعون البربر وزناتة في المغرب
والأكراد والتركمان والترك بالمشرق" هؤلاء الذين "يتخذون البيوت من
الشعر والوبر أو الشجر أو من الطين والحجارة غير منجدة - والذين- قد يأوون إلى
الغيران والكهوف" ويتناولون يسيرا من الأقوات" بعلاج أو غير علاج البتة
إلا ما مسته النار" "اجتماعهم وتعاونهم وحاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من
القوت والمسكن والدفاءة إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة ويحصل بلغة العيش من
غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك"[4] هذا كلام ووصف لابن خلدون دون قبل أزيد من ستة قرون ولكن هل تغير
شيء فيما يصفه هذا الكلام؟ فهل ظلت البادية خاصة منها النائية على ضفاف مجرى
التاريخ؟ أم هي السكونية القاتلة لزمننا الراكد؟ بل ربما أصبح هذا الزمن أكثر
إقصائية في حق "البدو وأكثر جبروتية من زمن "ابن خلدون" بعدما خبت
جدوة العصبية وتعطل مسار الانتقال الطفروي واللاتدريجي الذي كان ينقل القبيلة أو
الجماعة القبلية من "خشونة البداوة" إلى رقة الحضارة عن طريق الملك
والدولة.
بعد هذه اللمحة الخلدونية والتي اكتفينا فيها بالجانب
الوصفي لبساطته من جهة ولكونه أسطع بيانا وأبلغ لسانا لوضع نحياه رغم فارق
الأزمان! بعد كل هذا ننتقل إلى استشارة الأبحاث المنجزة من طرف الآخر ولنقف في
البداية عند الماركسية.
فالمغرب لم ينل إلا النظر القليل من كتابات رائدي
الماركسية تمثل في بعض المقالات من مجموع 847 مقالة التي كتبها كل من ماركس وإنجلز
لثلاث صحف رئيسية كانوا يتعاملون معها وقد اتخذت هذه المقالات موضوعا لها الحرب
التي كانت تدور بين الدولتين الاستعماريتين والمغرب خاصة إسبانيا، وقد تحدد المغرب
لدى رائدي الماركسية كبلد متوحش نسبيا لذا كانت الماركسية تلتمس الأعذار للاستعمار
بصفته ضرورة تاريخية وأداة غير واعية للتاريخ، فكان الاستعمار من منظورهما بمثابة
الطريق الأمثل الذي من شأنه أن يقود المغاربة كـ"أنصاف متوحشين نحو التقدم.
ولنقف عند نص "لإنجلز" ذو نفحة خلدونية يقول: "إن الحضريين وقد
أصبحوا موسرين ومترفين يتراخون عن احترام القانون أما البدو الفقراء فينظرون بحسد
وطمع إلى هذه الثروات والملذات فيتحدون تحت قيادة نبي هو المهدي لمعاقبة الكفرة
وإقامة الشعائر الدينية والعقيدة الحقة ثم الاستيلاء على كنوز الكفار مكافأة لهم
على ما قاموا به وعلى رأس كل مائة سنة يجدون أنفسهم بطبيعة الحال في نفس وضعية من
سبقوهم فيحق التطهير مرة أخرى فيطهر مهدي جديد ليتم إجراء اللعبة من جديد ولقد جرى
الأمر على هذا الشكل منذ فتوحات المرابطين والموحدين الأفارقة بإسبانيا.."[5].
والمغرب كبلد غير أوروبي لا يمكن أن يندرج إلا ضمن مفهوم
نمط الإنتاج الأسيوي والذي يتميز بالخصائص التالية بـ: 1) غياب الملكية الخاصة
للأرض، 2) عدم الانفصال بين الزراعة والصناعة، 3) الاكتفاء الذاتي إنتاجا
واستهلاكا في إطار القرية، 4) وظيفة الدولة الأشغال الكبرى وعلاقاتها بالمشاعات
استغلال وجلب الفائض العيني غالبا، 5) تجارة بعيدة المدى لا تترك للقرى وظيفة
الاتصال العضوي بالمدن ومن ثمة الركود[6].
دائما مع أنجز من طرف الآخر حول الذات المغربية من أبحاث
لكن هذه المرة لم تنجز هذه الأبحاث رغبة في تطوير الذات إنما رغبة في استجلاء
بنياتها وفهم دقائقها، والتحكم في ديناميتها، قصد إخضاعها وتيسير استغلالها وكما
يقول E.Douté الذي يعتبر من الإثنولوجيين
الأوائل الذين انكبوا على دراسة المغرب "يجب على السياسة العامة أن تتلاءم
داخل كل بلد للخاصية العامة للطبيعة وللسكان فيجوز القول بهذا المعنى بأن من واجب
السياسة أن تكون بمثابة الجغرافيا والسيكولوجيا الاجتماعية إن الكاتب الشهير الذي
ألف روح الشرائع لم يكن يقصد شيئا من مؤلفه سوى أن يقدم الدليل على ذلك.."[7].
وبما أن المغرب كان بلدا زراعيا في الأصل، ولما كانت
أريافه تشكل قاعدة خطيرة للمقاومة، فإن المكتشفين والباحثين والمسيرين والإداريين
انكبوا على دراسة عالم الريف، الذي كان يتوجب معرفته لا من أجل تطبيعه وحسب، وإنما
أيضا من أجل السيطرة عليه واستغلاله اقتصاديا وإقامة مستوطنات فيه فكيف كانت نظرة
الكتابات السوسيولوجية الكولونيالية للريفيين المغاربة؟
لقد صورت أغلب الكتابات الكولونيالية الريف المغربي
كمرتع للبدائية والسحر، محاولة المزاوجة بينهما وبين الدين الإسلامي، إضافة إلى
إقرانها بين شجاعة المغربي وبين التعصب الديني فهو يقاوم مقاومة مدهشة، والحرب
عنده بمثابة شيء عادي يقضيه أو نشاط اقتصادي بقدر ما هي أيضا هوى وعادة" كما
أن المغربي، بحسب هذه الكتابات، لا يصدر في كل أفعاله إلا عن الحس الانفعالي
والغرائزي البسيط إذ "تحتد وتنتشر بين أهل الريف المتعة الجنسية والجشع وسرعة
التأثر والميل إلى الفوضى ميلا يخفف منه ذلك التآزر الغريزي الذي يقوى في مواجهة
خطر مشترك.."[8] (جورج هاردي).
هكذا فاللاعقلانية والسحر والشعوذة أو ما يسميه جاك بيرك
بـ"عامل دوتي نسبة إلى صاحبه الذي أكدت أبحاثه هيمنة هذه العوامل والبنيات
على العقلية المغربية، متدخلة في كل الأنشطة الحياتية للفلاح المغربي خاصة منها
الزراعية إذ استغلت هذه العوامل كمفاتيح تفسيرية من طرف R.Mantagne لتفسير دور "مجلس انفلاس"
و"امزوار" في المجتمع البربري و"مولى التسهيل" في المجتمع
العربي. فهو يعتبر أعضاءه بمثابة شخصيات سحرية ويتساءل ماذا لو لم يكن هؤلاء
الأعضاء ورثة المشعوذين والكهنة و"ملوك الزراعة"، أولئك الذين كانت
ممارستهم السحرية أو السحرية الدينية توفر الرفاه وتصون حياة القبيلة سابقا
"لهذا كان النشاط الزراعي لدى الفلاح المغربي يتم في انفصال عن مفهوم
"السببية" ويرشح بغلبة الألوان الطقوسية، والبعد عن الإدراك الحقيقي
لمفهوم "الزمن" والسبب في ذلك على الأرجح كما يقول Berques "هو بكامل البساطة أن جهازه العصبي ليس بالجهاز العصبي الذي
للعالم الصناعي، بسبب انعدام التكيف عنده وبسبب قصور تكوينه في الآن نفسه"[9]. صفات من هذا النوع هي التي جعلت من الفلاح المغربي كائنا منغلقا
على ذاته، رافضا لكل تغيير أو تطوير، ينعدم فيه كل نزوع إلى الاستهلاك فبمناسبة كل
زيادة في الأجر يميل ساكن البلاد الأصلي "إلى العمل أياما أقل من المعتاد
وإلى التلهي بما ربح من نقود وإلى الاستراحة يومين أو ثلاثة (جاك بيرك)[10].
إذا كان من غير المفاجئ أن تلوك السوسيولوجيا
الكولونيالية مثل هذه الأوصاف، وأن تنتج مثل تلك الخطابات في حق الفلاحين
المغاربة، لكون المحرك الأول لها هو المركزية الأوروبية، ولكون وقودها هو النظرة
الدونية للآخر أيا كان، بغية إبراز بدائيته وعقليته الماقبل منطقية، سعيا وراء
إضفاء الشرعية على العملية الاستعمارية لإبرازها كعملية تحديث وتحضير للآخر قصد
إخراجه إلى شط الحضارة ونور الحداثة! ومن تم تدثير سوءات الاستعمار وحركة التوسع
الإمبريالي التي لم تحركها سوى الأطماع الاستغلالية بالدرجة الأولى.
إذا كان كل ذلك غير خاف، فإن الذي لا يجب أن يغرب عن
أذهاننا بالرغم من الطابع التعميمي والتنميطي لرواد السوسيولوجيا الكولنيالية
والتناقض الذي عاشوه موزعين بين البعد العلمي والموضوعي والبعد الاستعماري
والسياسي، بالرغم من كل ذلك فإن هذه السوسيولوجيا ليست كلها شرا، بل هناك جوانب
إيجابية فهي على الأقل استطاعت أن تسلط الضوء على الذات المغربية وعلى بعض آليات
اشتغالها فقد كانت ذات طابع اختباري ساعد على فهم البنيات الاجتماعية المغربية عبر
مجموعة من الأوصاف المونوغرافية والإتنوغرافية الدقيقية..، إضافة إلى ما تميز به
باحثوها من بعد الدماجي؛ للتدليل على ذلك لا بأس من إدراج واقعة أوردها عبد الله
حمودي في كتابه "الشيخ والمريد": "ذات يوم من أيام الربيع الجميلة
(وكان ذلك في نهاية العشرينات من هذا القرن) زار ج.س.كولان وهو ضابط استخبارات
أحاط بشؤون البلاد، وخاصة البادية، القايد التيوتي وقد مثل أمامه بقصبته بتيوت
الواقعة جنوب شرق تارودانت كان الاستقبال حارا، فالضيف حائز على رتبة ضابط في
"الشؤون الأهلية" وقد امتد حديثهما إلى ما بعد الأكل وكان القايد معجبا
بهؤلاء الضباط الذين لم يكونوا يقتصرون على إجادة اللغة العربية (لغة القرآن) بل كانوا
يتحدثون لغته هو (أي الأمازيغية) السوسية، وكان من الحضور أحد رجال الله من
تمكليشت فدار الحديث بين هؤلاء، فطلب هذا الرجل من كولان إن كان يعرف بعض آيات
الكتاب، وتعجب الجميع حين تلا هذا الأخير ثلاث أو أربع آيات، فقال القايد
"لعجب هذا العسل في جلد الكلب"[11].
ولقد تأسست سوسيولوجيا الوطنية على نقد السوسيولوجيا
الكولونيالية وغيرها المدارس السوسيولوجية خاصة الماركسية والانقسامية، على يد
مجموعة من الباحثين الرواد كبول باسكون وألبير عياش، وعبد الله حمودي، وعبد الصمد
الديالمي ، والتباري بوعسلة.. وغيرهم وانبنت نظرتهم إلى البنيات الاجتماعية
المغربية على مفهوم الوحدة. الذي غيبته السوسيولوجيا الوطنية.
بعد كل هذا نتساءل هل من مشروعية لبحوث نظرية وميدانية
أخرى؟ خاصة إذا ما علمنا أن جل البحوث الوطنية تتخذ من أبحاث السوسيولوجيا
الكولونيالية ببلوغرافيا لها؟
لنؤجل الإجابة عن هذا السؤال؟.
الكل يجمع على أن الوسط القروي مهمش بحيث أصبح مستودعا
لكل ما يرتبط بهذا الوصف من جهل وأمية وفقر، وانعدام كلي للتجهيزات والبنى التحتية
الأساسية، إذ غدا جزءا مطوقا ومفصولا عن سبل التنمية التي يرتادها المغرب كبلد
سائر في طريق النمو، فهل كان ذلك مجرد لعبة للقدر؟ أم هو تجل من تجليات
الهرم الخلدوني الذي لا يرتفع؟ أم أن القدر الذي جعل القرى المغربية أكبر
خاسر في مسار التنمية والتحديث الذي شهده المغرب كان إفرازا حتميا لطبيعة السياسة
الترابية التي انتهجت من طرف أنظمة الحكم والتي شكل الطابع السياسي فيها حجر الزاوية
على حساب البعد التنموي؟
لقد تركزت رهانات المخزن حول الهيمنة على المجال وإخضاع
ساكنته وضبطها نتيجة عوامل تاريخية وسياسية متنوعة، منذ ما قبل الاستعمار إلى
الآن، ففي عهد "الإيالة الشريفة" – قبل الاستعمار- لم تكن البوادي
المغربية تفز سوى بنقع "الحركات: وجبروتها، والتي كانت تنظم لأجل إخضاع
الرافضين لأداء الضرائب والمحتجين ووضعهم تحت سلطة المخزن، وكذلك لضبط الهجمات
الجبلية على مراكز السلطة وطرق المبادلات التجارية، كما كان المخزن يتوسل بهيئات
وسيطية لتأطير السكان ممثلة في الطوائف والزوايا بشيوخها ومريدها؛ وكل القرارات
التي كانت تهم البوادي كانت تتخذ بناء على التقاليد الشفوية والمعلومات المحصل
عليها عبر الوسطاء "فضيع المخزن بذلك فرصة الوصول إلى ذاكرة الجماعة"[12].
وقد كانت هشاشة هذا التوجه من الأسباب التي فوتت على
المغرب تجنب الاستعمار؛ وخلال مرحلة الحماية الممتدة من 1912 إلى 1956 ازداد حال
البوادي المغربية سوءا من خلال إصرار الحضور الاستعماري على ضبط المجالات الترابية
والسيطرة عليها وإخضاع الأفراد لمراقبة الإدارة المباشرة عن طريق أداء الضرائب
والتعبئة للقيام بأعمال السخرة. وقد شهدت هذه المرحلة كذلك وضع حد لتقسيم الإيالة
الشريفة (بلاد المخزن-بلاد السيبة). واستعاضت عنها بتقسيم مزدوج الأول ذو طابع
تنموي إذ أدى تجهيز البلاد انطلاقا من الساحل الأطلنتي في اتجاه الداخل، ببنيات
التجهيز والخدمات لأجل الاستغلال السريع للموارد المتوفرة، إلى نمو اقتصادي
انطلاقا من الساحل الأطلنتي أدى بدوره إلى ظهور ثنائية لا زال المغرب المستقل
يعاني انعكاساتها الوخيمة، أما التقسيم الثاني فهو ذو طابع إثني إذ تم تقسيم
المغرب إلى "بلاد العرب" و"بلاد البربر" وخضعت الثانية لما
سمي بـ"الاستعمار التأطيري" لأجل الحفاظ على نقائها الإثني، دون أن
يطالها التحديث لأن التحديث كان يهدد بقلب البنيات التقليدية الذي لم يكن في صالح
الاستعمار، الذي اعتمد بدوره مميزات التدبير المخزني حيث استعملت الإدارة
الاستعمارية القواد المحليين مع غض الطرف عن تجاوزاتهم، كما خلقت بشكل ماكر
مواجهات بين سكان المناطق الجبلية والمدن، وهكذا لم يقم الاستعمار سوى بإعادة
العمل بسياسة المخزن لكن في شكل متطور، إذ سخر النظم القبلية كأداة للتحكم لذلك
حافظ على بنيات هذا النظام، دون أن يطور أو يغير بعمق مجتمعات المناطق الجبلية،
لتظل هذه الأخيرة معزولة شكليا وفعليا ومفصولة عن باقي البلاد السائرة في طريق
التحديث.
وفي ظل الاستقلال خاصة السنوات الأولى منه، ظل حال
البادية على ما هو عليه، اللهم ما كان من انتهاء لأعمال السخرة، وتقييد التنقل،
وانطلاق موجات الهجرة نحو المدن وخارج البلاد، أما تعامل المخزن مع البادية فقد
استمر في نفس النهج، باستثناء بوادر الأمل التي ظهرت مع أول حكومة وطنية من خلال
تصورها للحلول الذي اعتمد على التدخل القوي للدولة لأجل التصنيع وإجراء إصلاح
عقاري وتحديث الفلاحين، لكن هذا التصور أجهض في بدايته، أما دون ذلك فقد بقيت
البادية أرضية لضمان الاستقرار، لكن هذا المنطق شهد أولى بوادر التغيير من خلال
أحداث 58 و59 في الأطلس الكبير والريف، التي جعلت المخزن يغير طريقة تعامله مع
هؤلاء السكان إذ استفادوا من مشروع كبير للتنمية المحلية هو حوض سبو، لكن هذا
الحدث ظل استثنائيا في ظل القاعدة المتحكمة الهادفة إلى ضبط ومراقبة ساكنة البوادي
مع إغفال تنميتها لذا كان إقبار مشروع خبراء منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة
القاضي بإنشاء حركات التنمية القروية كأفضل السبل لتجاوز ثنائية الفلاحة التقليدية
والفلاحة الحديثة بدعوى أن الأمر يتعلق بمؤامرة شيوعية؛ وحتى التدخلات التي أقدمت
عليها الدولة في الميدان الفلاحي اقتصرت على ما هو تقني دون أدنى اهتمام بتنظيم
الفلاحين وتحسين أحوال معاشهم ومدهم بمختلف الخدمات فكانت النتيجة الطبيعية لذلك
أن انفصمت العرى بين التنمية الفلاحية والتنمية القروية.
وبعد فشل الانقلابيين العسكريين في بداية السبعينيات انتشرت
بشكل مثير البيروقراطية الإدارية الهادفة إلى مراقبة الساكنة خاصة القروية منها،
فضاقت بذلك شبكة التأطير الترابي بإنشاء دوائر وعمالات وأقاليم جديدة بدعوى أسباب
ديموغرافية وتقريب الإدارة من المواطنين فانتقل عدد الدوائر من 14 دائرة 1959
بالنسبة إلى ساكنة تقارب 11 مليون إلى 71 دائرة ترابية (ووصل عدد العمالات 14)
بالنسبة إلى ساكنة تجاوزت 26 مليون (إحصاء 1994) وذلك بمعدل دائرة واحدة كل 18
شهرا، فكان من انعكاسات ذلك: تقليص ميزانية الاستثمار من أجل التنمية، لأن معظم
الموارد خصصت للتسيير، كل هذا جعل شبكة السلطة المحلية لا تكون مشروعا لتنمية
البلاد، بل تسعى إلى التحكم في الموارد وتوزيعها، فكان من عواقب ذلك أن ظل سكان
القرى لحالهم خاصة إذا ما نحن استحضرنا النزوع التنموي الحضري في اتجاه المدن الذي
شهدته جل الأقاليم، وكذا كون البوادي لم تعد تشكل ضعفا للدولة بل ظهرت نقط ضعف
أخرى في هوامش المدن فهل سيرفع التهميش عن الوسط القروي فيما هو آت من الزمن؟ وهل
سيكون له موطن قدم في سيرورة التغيير التي يشهدها مغرب القرن الحادي والعشرين؟
إن التقرير الرسمي حول استراتيجية التنمية القروية،
مثلا، يقدر لتنفيذ هذا الهدف أجلا يستمر إلى 2020 ليحصل اندماج
"المغربين" على المستوى المجالي والتنموي، لكن ما يضعف الآمال في ذلك هو
تأهب المغرب للدخول بشكل مباشر إلى المنظمة العالمية للتجارة في أفق 2010، فكيف
سيقدر العالم القروي على مسايرة هذه الوتيرة وأكثر من 3/2 سكانه يعيشون تحت عقبة
الفقر، إذ إن قرابة 4 ملايين منهم أي ما يقارب 30% يعيشون بأقل من 10 دراهم للشخص
في اليوم الواحد، إضافة إلى أن هذا الوسط أصبح يشغل آخر القائمين من مغرب الأربعة
بدل الإثنين الذي أصبح مألوفا فهناك:
1- مغرب مؤهل ومندمج في الجغرافيا الافتراضية
والمستقبلية للعالم وهو مغرب نخبة صغيرة تضمن تواجدها على مستوى العالم والاندماج
فيه (المدن الكبرى-الأحياء الراقية).
2- مغرب حضري قوامه الطبقة الوسطى المنهكة بالتحولات
الاقتصادية والثقافية، والمنفصلة عن سوق الشغل والحركة المهنية وإعادة التشغيل.
3- مغرب ضواحي المدن الكبرى الغارق في الإقصاء وسوء
التجهيز والاكتظاظ والسكن الغير اللائق (القنبلة الموقوتة).
4- مغرب قروي معزول يعيش الفقر والعزلة في شروط قاسية،
متقوقع في إطار اقتصاد الكفاف الساعي لاكتفاء ذاتي شبه مستحيل[13].
فما هو موقع المدرسة في وسط بهذه الملامح؟ وما محلها من
الإعراب فيه؟ طبعا لن تكون كواحدة من المؤسسات التربوية إلا مرآة لتهميشه وأزمته،
حتى وإن كان تواجدها فيه يتخذ طابعا أزمويا في الأصل؟
هذا التجلي الأزموي الذي يجد تعينه بدءا من هيكلها
المادي، وصولا إلى عطائها وعلاقاتها مع محيطها بمختلف تلويناته، فكل المؤشرات
المتوفرة تنطق بحلة الإعاقة التي تعيشها المدرسة في هذا الوسط (الوسط القروي)، وكل
الأرقام والنسب تنضح بالخرس الذي يميزها ويمنعها من الاندماج في وسطها والفعل فيه،
وما ذلك إلا انعكاس لفعل الإعاقة والتهميش والإخراس الذي مورس في حق الوسط المحتضن
لها، فالمدرسة كمؤسسة حديثة أصبحت كطفح جلدي غريب ومغترب عن جسد القرى المغربية
وهمومها ولم تستطع أن تعارض المؤسسات التقليدية خاصة الزوايا والمساجد التي كانت
تؤدي دورها بفاعلية في صفوف ساكنة البوادي، ولعل ذلك راجع، بالدرجة الأولى، إلى
تجاهل تحديث البنيات الاجتماعية القبلية للمجتمع القروي، وزرع المدرسة فيه بشكل
ارتجالي وغير مدروس ولا موضوعي، فكانت النتيجة الحتمية لكل ذلك أن غدت المدرسة
(خاصة بعد انسداد الآفاق، وبالتالي كفها (المدرسة) عن تأدية أدوارها في الترقي
الاجتماعي الذي كانت تلبيه عند بداية الاستقلال، والذي شكل أس مواقف واتجاهات
محيطها البشري نحوها مصنعا لإنتاج فئة من الأفراد الغير المندمجين في وسطهم، والذي
يرزحون تحت وطأة الفصام والاغتراب الذي يولده الشرخ الفاصل بين التنشئة الاجتماعية
كما جاد بها وسطهم المحلي، خاصة الأسرة، وبين تنشئتهم في المدرسة، التي لا تأخذ
بعين الاعتبار طبيعة تنشئتهم الأولى، نتيجة انعدام الاستمرارية السوسيو-ثقافية
بينها وبين محيطها لاغترابها عنه. هذه الفئة، غالبا، ما لا تكمل تعليمها وتكون
ضحية للتسرب والهدر نتيجة عوامل مختلفة، لتعود إلى موطنها في القرى، مستنكفة من
العمل اليدوي الذي يتطلبه العمل الفلاحي، منحرفة عن بعض القيم التي تؤطر مجتمعها
المحلي، لاجئة إلى تناول المخدرات والخمر، للتخفيف من الفصام العاصف بها، وحتى
تصنع طقوسا تمنحها تميزها داخل محيطها كما أن أفرادها يصبحون أول المبادرين إلى
ممارسة العنف في حق المدرسة وفي حق أطرها[14].
لكل ذلك صارت المدرسة في هذا الوسط أداة هدم وتدمير
للأهداف التي وجدت من أجلها؛ إذ أصبحت تعيش أزمة تدمير ذاتي في حق نفسها كما في حق
وسطها.
وللمزيد من التدليل على هذا الوضع الذي تعيشه المدرسة في
الوسط القروي نورد بعض الأرقام الناطقة بذلك، فنسبة التمدرس في هذا الوسط بلغت حسب
إحصائيات 1994، في صفوف الذكور 6،59% وفي صفوف الإناث 6،25% في مقابل 5،87% في
صفوف الذكور و4،80% في صفوف الإناث بالوسط الحضري. كما أن نسبة المسجلين بالوسط
القروي شهدت تراجعا ما بين سنتي 1982 و1986، بالرغم من الأخذ بمشروع التعليم
الأساسي إذ تراجعت بنسبة 4،3% لدى الذكور ونسبة 3،4% لدى الإناث، في مقابل زيادتها
في الوسط الحضري، كما أن 30% من أطفال العالم القروي فقط هم الذين يستفيدون مما
يمكن تسميته بالتعليم الأولى، و33% فقط هي التي تستفيد من التعليم الأساسي و17%
فقط هي التي تصل إلى التعليم الثانوي، وتزداد هذه النسبة تراجعا في صفوف الإناث
طبعا، هذا دون أن نغفل الأمية المتفشية ذاك هو حال الوسط القروي، وحدود استفادته
من خدمات المدرسة الكائنة به، وهو الحال الأساس الذي لعب دورا فعالا، في جعل
المغرب يتربع على عرش الرتبة 125 على سلم التنمية البشرية، لكن رب قائل يقول وما
علاقة كل هذا بسؤال البحث؟
نجيب بأن البحث هو الخيار الاستراتيجي القادر على جعلنا
نتلافى - ولو في الحدود الدنيا- هذا المصير الذي آلت إليه المدرسة المغربية عامة،
والكائنة منها بالوسط القروي خاصة، كما أنه الأداة الكفيلة بوضع حد للتدخلات
الارتجالية في هذا الوسط، والاستعاضة عنها بأخرى ذات طابع عقلاني تتخذ من معرفة
المجال القروي والظروف المحيطة به والمؤطرة له قاعدة للتدخل المتبصر في كل ما
يهمه، "بهدف الاستجابة للأولويات والأسبقيات التي تفرضها شروط الحياة القروية
وإدماج ذلك في مشروع تنموي شمولي"[15]
ومن ثمة تكسير أغلال الاغتراب التي تكبل المدرسة بهذا الوسط، وتمنعها من أداء
وظائفها الأساسية، وتكبح كل نزوع لها نحو تحقيق الاندماج الكلي فيه. في اتجاه
تكسير العزلة عن الوسط القروي بعامة وإلحاقه بمسار التنمية الذي يشهده المغرب،
شريطة أن يتم ذلك في إطار تنمية شمولية، فالمدرسة لا يمكن أن تضطلع بأدوارها
الأساسية في التغيير، إلا إذا هي انخرطت في شبكة من المؤسسات الأخرى، ذات الطابع
التجهيزي والتنموي لهذا الوسط.
وخيار البحث كذلك سيضع حدا للطبيعة الشاذة لسيرورة
الإصلاح التربوي في المغرب والمتمثلة في تأسيسها على جدلية الأسباب الداخلية
والخارجية الأولى متمثلة في الاصطدام بالأزمة، والثانية تجد تعيينها في الضغوط
الممارسة من طرف جهات خارجية، فالبحث هو الكفيل باستبدالها بسيرورة إصلاح موضوعي
مبني على الاستباق والاستشراق والإقدام على اجتثات عوامل الأزمة قبل الوقوع فريسة
لها.
والبحث الذي يتخذ من ميزات ومكونات الوسط القروي تيمات
له، وكذا البحث التربوي عامة هو الكفيل بوضع حد لنزوع التجريبية الغير المؤسسة،
الذي يقويه "النقل الوحشي" للمفاهيم والمنهجيات دون تقويم حقيقي،
والطابع الانتقائي العشوائي الذي لا ينتج سوى إرث نظري تربوي مفتقر لأدنى خاصيات
الانسجام والتناغم، الشيء الذي لا ينتج سوى ميل قوي نحو السلطة، يتجلى على الخصوص
في كثافة خطاب الأمر والنهي وإعداد وصفات تربوية وتعليمية ذات استعمال إجباري،
فتكون النتيجة الحتمية لذلك هي لفظ المدرسين خارج دائرة المشاركة الفعلية،
وبالتالي حرمانهم من المبادرة الحرة وكل رغبة في الابتكار والتجديد وتسييد طابع
النمطية والبعد الواحد على ممارستهم[16].
وعلى ذكر الفاعلين والممارسين التربويين لا يمكن أن نغفل
ما سيكون للبحث من نتائج إيجابية على ذواتهم، من حيث إنه سيشعرهم بقدراتهم
وإيجابياتهم داخل النسق التربوي، وسيمكنهم من إعادة مد جسور التواصل مع المحيط
الذي يطبعها في غالب الأحيان، ذلك يؤطر ممارساتهم (خاصة العاملين بالوسط القروي
منهم) لكن هذه المرة بشكل موضوعي وعقلاني، ولا يخفي ما لذلك من كبير أثر على
قيمتهم في أعين وسطهم، إذ سيعيد تطبيع وجبر علاقتهم به، بدل التشنج الذي يطبعها في
غالب الأحيان، ذلك أن تحركهم في الوسط سيكون آنذاك مؤسسا على إدراك واع لعلل
التشنج قصد تجاوزها. وبذلك سيغدو معلم الوسط القروي ذا دور أساسي يتجاوز وضعيته
الحالية، التي تجعل منه كائنا تاسوعيا (من مدة الغقامة
التي تبلغ 9 أشهر)، أشبه ما يكون بمريد في رحلته التي لا تنتهي بحثا على الفرج
اللدني حاملا أسماله مضحيا بإقامته الأسرية، باحثا عن لحظة جوانية، مختزنا، ما
شاءت الأقدار أن يختزن، من أدواء القر وحريق الحر، في عظامه وفي أمعائه وفي لسانه
من أختام وبصمات للجوع والعطش..
لكن كل ذلك لن يتأتى إلا إذا تخلى المعلم عن نزعته
الاستعلائية واندمج بصفة الباحث مع وسطه، وحرص على الاستفادة من الفلاحين إنسانيا
وليس على مستوى المأكل والمشرب فحسب –كما هو واقع الآن- فالتواضع هو الوضوء
الضروري للصلاة في محراب العلم والبحث فلماذا لا يكون المعلم، الذي يحتل المرتبة
الثانية كموظف في وصوله إلى أنأى المناطق وأشدها عزلة بعد "المقدم"
و"الشيخ"، لماذا لا يكون ذاتا باحثة تعرفنا بشكل موضوعي على ما تعج به
هذه المناطق من خصوصيات وتشكيلات اجتماعية وثقافية وسوسيو-اقتصادية.. قصد توظيفها
في عقلنة أبعاد التنمية التي قد تستهدفها، مثلما تستفيد السلطة من دقائق الحياة
اليومية التي يعتبر "المقدم" أداة للأخبار بها والتي لا تستغل سوى في
الإخضاع والضبط والإكراه.
كما أن الاعتماد على المعلمين في إنجاز البحوث و تسليحهم
بالأدوات النظرية والميتودولوجية هو الكفيل بتجاوز عيوب وثغرات البحوث
الأنتروبولوجية والسوسيولوجية المتخذة من الوسط القروي موضوعا لها، والتي كانت
تشتغل على مستوى مجموعات بشرية منتقاة، ومجالات ترابية محددة، والتي غلبت البحث
النظري على حساب البحث الهادف إلى تنمية المجموعات البشرية المتخذة موضوعا له،
خاصة إذا ما نحن استحضرنا كون المدارس، خاصة الابتدائية منها، قد أصبحت تغطي كل
المناطق القروية تقريبا- حتى النائية منها والتي لا تصلها أية خدمة اجتماعية
باستثناء التعليم.
لكل هذا، نقترح ،كخطوة أولية، ضرورة توفير ملف بحثي لكل
وحدة مدرسية يتم إنجاز محتوياته من طرف الفاعلين التربويين العاملين بها، ليتم
إيداعه في نهاية السنة الدراسية بأرشيف المجموعة المدرسية، شريطة ألا يقتصر على
المعلومات المعتادة، التي تتخذ من الحياة المدرسية في بعدها الميكروسكوبي هدفا لها
فقط، بل أن يتم تعزيز ذلك بنفس بحثي يتوزع على مجموعة من الثيمات الأخرى التي يزخر
بها محيط المؤسسة، ومثل هذا الإجراء سيجعل من الممارسين أكثر فاعلية إن من جهة
البحث، أو من جهة توسيع دائرة الفعل التواصلي مع محيط المؤسسة، بدلا من إرهاق كل
طاقاتهم واستنزافها في عملية النسخ المكرورة والمعطوبة التي لا طائل وراءها، والتي
عفا عنها الزمن مذ كان الفلاسفة في أمس الحاجة إلى ناسخين؛ إضافة إلى ما بمكن لهذا
الإجراء تقديمه، من تعزيز للتواصل بين الممارسين طيلة سنة دراسية كاملة، كما سيكون
بمثابة النبراس، الذي يضيء الاطلاع عليه، السبيل أمام كل وافد جديد، ومن تم شحذ
طاقته للتعامل الإيجابي والمعطاء مع وسطه، بدلا من ذهابه معصوب العينين إليه، أو
حشو رأسه بالترهات التي تخلفها الوسائط الشفاهية، التي لا تترك وراءها سوى نقع
التعاطي العشوائي والضبابي مع الظاهرة التربوية كظاهرة حساسة.
وذات الإجراء سيساهم في إضفاء طابع الجدية والجدوى على
عمل الفرق التربوية في اتجاه علمنة (من العلمية) خطابها، وجعله ينضح بالدقة والموضوعية
والبعد الاقتراحي، بدلا من إعادة استنساخ المشاكل عند نهاية كل دورة بشكل مكرور،
وكلما نما عمر المؤسسة إلا وربا عيار بحثها وترعرع، فتنحصر بالتالي بقع الظلام
التي تلفها، ومن ثم تتضح الرؤية ويصبح كل تجديد قد يمسها سواء تعلق الأمر ببنيتها
التحتية أو بالجانب التنظيمي والتربوي وكل ما يدخل تحت يافطته، ذا طابع موضوعي
ومؤسس على الحاجيات والخصوصيات.
وفي انتظار تزويد المعلمين بالحد الأدنى من الكفايات
التي يتطلبها البحث، من خلال التكوين بمختلف أنواعه، بالإمكان الاعتماد في إنجاز
ذلك على البعد الوصفي والبيوغرافي السيري[17]،كـ(تتبع الظواهر الاجتماعية كما يحكي عنها الأهالي، وتعقب سير
الأعيان والتحولات التي بالإمكان أن تطرأ على السقف القيمي للمحيط..إلخ).
وأخيرا وليس آخرا يبقى البحث بمثابة الدعامة والسبيل
الأمثل لنقل المقتضيات الهادفة التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى
الوجود بالفعل. خاصة ما تعلق منه بربط المدرسة بمحيطها من خلال مجلس تدبير المؤسسة
المنصوص عليه في المادة 149، والذي من شأنه أن يعيد مصالحة المؤسسة التربوية مع
محيطها من خلال إشراكه، ولو بصفة استشارية، في كل ما يهم السير الأمثل لها، فالبحث
هو القادر على ضمان تواصل إيجابي وهادف بين مختلف الشركاء لما له من دور في تحليل
الحاجيات في شكليه الخارجي والداخلي وإلقاء الضوء على الصعوبات بعد حصرها وفق منطق
الأولويات، كما يجدر بنا الإلماع إلى ما سيكون للبحث من أدوار هامة في تطعيم
اللجنة الدائمة لتجديد البرامج والمناهج، المنصوص عليها في المادة 107 من الميثاق،
بالمعطيات الضرورية الكفيلة بمساعدتها على التكييف والتحيين المستمر للمناهج
والبرامج، وبالتالي إقدارها على استباق الحاجيات والمتطلبات قبل بروزها في شكل
أزموي، والبحث هو الإجراء الذي سيمكن المؤسسة التربوية من فعالية التصرف في 15%
المخصصة لها من نسبة 15% من مدة التدريس المتروكة تحت تصرف الأكاديميات والمخصصة
للشأن المحلي والجهوي.
إن البحث هو الذي سيمكن من بنينة أنشطة ملبية لحاجيات
المحيط في هذه المدة.
ومن شأن البحث والتمكن من آلياته أن يجسد المغازي
البعيدة للمادة 133 من الميثاق التي تقول "إن تجديد المدرسة رهين بجودة عمل
المدرسين وإخلاصهم والتزامهم ويقصد بالجودة، التكوين الأساسي الرفيع، والتكوين
المستمر الفعال والمستديم والوسائل البيداغوجية الملائمة، والتقويم الدقيق للأداء
البيداغوجي، ويقتضي التزام المدرسي بفحوى هذا الميثاق احتضانهم للمهمة التربوية
كاختيار واع وليس كمهنة عادية..[18]
وسيظل البحث وسؤاله مطروحا بكامل الحدة، وبالغ القوة، ما دام غائبا وبالأخرى مغيبا
في كافة الميادين، وحتى إن كانت هناك بحوث فهي نادرة، خاصة في الميدان التربوي
بالرغم من وجود مؤسسات عليا (كلية علوم التربية، المدارس العليا للأساتذة، المراكز
الجهوية..) وتزداد وتيرة هذا التغييب حدة عندما يتعلق الأمر بالبحث الذي يتخذ من
المدرسة القروية موضوعا له.
لهذا فالبحث هو الدرب الكفيل بجعلنا خارج حكم الحلقة
المفرغة -على الأقل في الميدان التربوي- والذي يجعل منا شعبا رائعا في تحبير
الآمال البهية الرائعة، والتي يخسف بعض بريقها عند الأجراة، لينطفئ ما تبقى منه في
معمعان التطبيق ومسالكه المتشعبة، لنعود بعدها إلى تحبير آمال جديدة ويدنا على
أفئدتنا من أن تلقى نفس المصير.
والبحث هو العقار الذي سيبرئنا من الداء الأكبر ويشفينا
منه، والذي تتحدد أعراضه كما يقول بول باسكون في: "زرع النماذج مع غياب
التجديد، ويوم يجدد المغرب فإنه لن يظل في المؤخرة"[19] وتلك هي أمنية آمانينا!●
[1] - المقدمة،
المجلد الأول، الطبعة الثانية، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، بيروت، 1961.
[2]
- عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج، ص218، تعريب جماعة من الأساتذة،
منشورات عكاظ، فبراير 2000.
[3]
- المقدمة، مذكور.
[4]
- نقلا عن كتاب نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، محمد عابد
الجابري، ص324، المركز الثقافي العربي، ط.1993.
[5]
- عبد الله ساعف، كتابات ماركسية حول المغرب، من 1860 إلى 1925، ص21، ترجمة سعيد
المعتصم، دار النشر، توبقال، 1982، الطبعة الأولى.
[6]
- بن محمد قسطاني، النظريات الاجتماعية والبنيات التقليدية بالمغرب، مجلة فكر
ونقد، عدد 7، مارس 1998.
[7]
- هذه النصوص مأخوذة من دراسة عبد الجليل حليم، الفلاحون المغاربة في الإثنولوجيا
الاستعمارية بين الجمود وقابلية التحسن، صورة الآخر: العربي ناظرا ومنظورا إليه،
أشغال الندوة الدولية التي عقدتها الجمعية العربية لعلم الإجماع تحرير الطاهر
لبيب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، آب/أغسطس، 1999.
[8]
- نفسه.
[9]
- نفسه.
[10]
- نفسه.
[11]
- عبد الله حمودي، الشيخ والمريد، النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية
الحديثة، ص139، ترجمة عبد المجيد جعفة، دار توبقال للنشر، ط.2، 2000.
[12]
- محمد الناصري، مراقبة المجال الترابي أو تنميته؟ مأزق السلطة منذ قرن التحولات
الاجتماعية بالمغرب، مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى، 2000.
[13]
- نفسه، ص62.
[14] - انظر ما
تنشره الجرائد الوطنية من اعتداءات على أطر المدرسة القروية خاصة المدرسات منهم.
[15]
- مصطفى محسن، تقرير تركيبي حول ندوة؛ وضعيات التعليم بالوسط القروي بالمغرب واقع
وآفاق، جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 2048، 15 مارس 1989.
[16]
- التعليم: أي مشروع، عبد اللطيف الفلق، التحولات الاجتماعية
بالمغرب، مرجع سبق ذكره.
[17]
- للمزيد من الاطلاع على أهمية السيرة كوثيقة اجتماعية، انظر المعرفة والسلطة في
المغرب، ديل أف-إيكلمان، ترجمة محمد أعفيف، مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث،
2000.
[18]
- الميثاق الوطني للتربية والتكوين، منشورات اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين
يناير 2000.
[19]
- مجلة بيت الحكمة، ملف حول بول باسكون، العدد 3، السنة 1، أكتوبر 1986، دار
الطباعة والنشر، البيضاء، ص29.