المرأة والإبداع:
في نصوص قصصية مغربية
تمهيد:
إن الحديث عن علاقة المرأة بالممارسة الإبداعية، هو حديث
عن موقع ومكانة وأهمية الإبداع النسوي في سيرورة الكتابة الأدبية من جهة، ثم هو
حديث عن المرأة كمادة للاستهلاك أو موضوع استهوى العديد من المبدعين والأدباء، وعن
المرأة كمبدعة وفاعلة ومنتجة للإبداع من جهة ثانية.
من هنا، فإننا نسعى إلى مقاربة علاقة المرأة بالإبداع من
خلال معالجة العمل الإبداعي باعتباره نتاجا إبداعيا نسائيا خالصا، ونظرا إلى تعدد
المجالات الفنية والأشكال الإبداعية التي بصمتها المرأة بخصوصيات أنثوية من شعر
ورواية ومسرح وتشكيل.. فإننا سنقتصر على جنس أدبي واحد استأثر باهتمام المبدعات
وبانشغالهن الثقافي ويتعلق الأمر بفن "القصة القصيرة". إن مقاربتنا
لجملة من النصوص القصصية تجنح لملامسة بعض الموضوعات/التيمات المهيمنة على هذه
النصوص، خاصة تيمتي الحرية والاحتجاج لما لهما من حضور قوي في متن قصص نسائية
متعددة، وهو حضور لا يمكن إغفاله كذلك من داخل نصوص قصصية رجالية، فما هي يا ترى
تجليات وتمظهرات هاتين التيمتين/الموضوعتين في قصص قاصات/مبدعات مغربيات؟
إن المقاربة التحليلية لبعض النصوص القصصية التي تعلن
انخراطها في بوثقة الإبداع النسائي المغربي، هي كفيلة بكشف هاتين الموضوعتين، وكشف
أبعادهما الظاهرة والخفية. وتجدر الإشارة إلى أن النصوص قيد الدراسة والتحليل هي
نماذج لقاصات أكدن انخراطهن في المشهد الثقافي المغربي خاصة والمشهد القصصي العربي
عامة. لكن قبل إخضاع هذه النصوص للتحليل، نرى من الأجدر الوقوف عند مفهوم الكتابة
النسائية، نظرا إلى ما يثيره من ردود فعل مختلفة من قبل مجموعة من الباحثات
والمبدعات.
أولا - الكتابة النسائية بين الرفض
والقبول:
يبدو الحديث عن الكتابة النسائية مغامرة مليئة ومحفوفة
بكثير من الصعوبات والمخاطر، لأن هذا المصطلح أثار، ولا يزال يثير، جدلا واسعا
وإشكالا كبيرا في المشهد الثقافي، وهو إشكال مرتبط بمسألة تخصيص هذه الكتابة بأنها
نسائية، خاصة وأننا لا نلجأ إلى هذا التخصيص عندما يتعلق الأمر بأعمال إبداعية
رجالية، كما أن تصنيف هذه الكتابة/الإبداع تم على أساس جنسي (امرأة مقابل رجل)،
لذلك كانت هذه التسمية مرفوضة وغير مقبولة ومستساغة لدى الكثير من الباحثات والمبدعات،
فالقاصة (خناثة بنونة) تعتبر هذا التصنيف رجاليا، حيث كان الغرض منه "إبقاء
تلك الحواجز الحريمية الموجودة في عالمنا العربي وترسيخها حتى في مجال
الإبداع"، وبالتالي، فهذا التصنيف الجنسي لا ينسجم وطبيعة الأدب نفسه، لأن
"الإنتاج [الأدبي ] يعطي نفسه ويملك الحكم عليه في ما يقدمه دون اعتبار للقلم
سواء كان رجاليا أو نسائيا".
أما الناقدة (رشيدة بنمسعود) فترى أن الغموض يلف ويعتري
هذا المصطلح، لذلك تعددت وجهات النظر المقدمة حول مفهوم "الأدب
النسائي"، والسبب حسب -الناقدة- "آت من عدم تحديد وتعريف كلمة نسائي
التي تحمل دلالات مشحونة بالمفهوم الحريمي الاحتقاري، وهذا ما يدفع المبدعات إلى
النفور منه على حساب هويتهن.. كما أن تبرير هذا التبرم والرفض لمصطلح أدب المرأة..
لا يمكن إرجاعه إلا إلى الخوف من إلصاق تهمة الدونية والرغبة في انتحال موقع
الرجل".
في حين أن الناقدة (يمنى العيد) ترى أن إلصاق هذه الصفة
بالإبداع/الكتابة النسائية يخضع لمعطيات الواقع الاجتماعي، مما يجعلها خصوصية غير
ثابتة لأنها "ظاهرة تجد أسسها في الواقع الاجتماعي التاريخي الذي عاشته
المرأة" أما رأي الناقد (كارمن بستاني) فينطلق من كون هذه الخصوصية نابعة من
النظرة الدونية للمرأة، مما يدخل أدبها في الأدب المهمش واللامفكر فيه، وهي نظرة
تحكمها معطيات واقعية وأعراف اجتماعية وثقافية".. وهذا ما يفسر هامشية الأدب
النسوي والغموض الذي يكتنف الفارق بينه وبين الأدب الذكوري، وهو فارق ناجم عما هو
معيش، ونابع من المخيلة الضاربة في عمق الانتماءات الاجتماعية والثقافية".
وتذهب الناقدة التونسية (زهرة جلاصي) إلى القول بأنه آن
الأوان لكي نتخلص من الطرح التقليدي "الذي أطلق على الأدب الذي تكتبه المرأة
تسمية الأدب النسائي"، لأن الإبقاء على ذلك المصطلح/الطرح يعد تكريسا للعزلة
والتهميش ولذلك "قد آن الأوان لنضع حدا لمسألة الفصل والعزل وتحديد مقاييس
خاصة في مقاربة علاقة المرأة بالكتابة.. نعم لتأهيل المرأة الكاتبة وتحفيزها على
الإبداع.. ولإتاحة الظروف المهيأة لصقل تجربتها، كأن يكون لها مكتبها الخاص
وفضاؤها.. المهيأ لممارسة الكتابة.. لكن لا "للفيتو" والعزلة".
أما الكاتبة العمانية (فاطمة الشيدي) فتستبعد تصنيف
الكتابة على أساس جنسي وتلح على عدم الإيمان بعدم وجودها، بطريقة تنبعث منها
السخرية ويعلوها الضجر، حيث ترى أن الرجل والمرأة معا يتحملان المسؤولية من خلال
إبداعهما، في بعث ثقافي جاد لأن "الأقلام سواء كانت ذكورية الحبر أم أنثوية
مسؤولة مسؤولية حقيقية عن بعث ثقافي أدبي منتظر" ولذلك وجب "الإيمان
بأنه ليس هناك حبر معطر وآخر غير ذلك، وليس هناك أدب ملتح وآخر يلبس عباءة وليس
للخصوصية الجنسية الخلقية (بفتح الخاء) أي آثار على إنتاج الثقافة".
يتضح من خلال ما سبق، أن مصطلح "الأدب
النسائي" يعرف شيوعا وانتشارا في الكتابات الأدبية والنقدية، لكن معظم
المبدعات والأديبات والناقدات يرفضنه على اعتبار أنه "يشكل نظرة تصنيفية على
أساس جنسي وهو ما لا ينسجم مع طبيعة الأدب نفسه" وهذا ما دفع بالناقدة (خالدة
سعيد) إلى اعتبار مصطلح "الأدب النسائي" شديد الغموض والعمومية؛ ولذلك
فهي ترفض هذا المصطلح وهذه التسمية التي تستبطن الحكم بالهامشية مقابل مركزية
مفترضة؛ وذلك لأن "القول بكتابة إبداعية نسائية تمتلك هويتها وملامحها الخاصة
تفضي إلى واحد من حكمين: إما كتابة ذكورية تمتلك مثل هذه الهوية وهذه الخصوصية وهو
ما يردها بدورها إلى الفئوية الجنسية فلا تعود صالحة كمقياس ومركز، وإما كتابة بلا
خصوصية جنسية ذكورية، أي كتابة بالإطلاق كتابة خارج الفئوية، مما يسقط الجنس
كمعيار للتمييز إلى ذكوري ونسائي".
من هنا يعد التعريف الذي صاغته (سعاد الناصر) كفيلا
بتجاوز اللبس الذي قد يترتب - نتيجة تضارب الآراء- على هذا المصطلح، ومنه
فـ"أدب المرأة هو مصطلح إجرائي فقط لتمييز الكتابة التي تكتبها المرأة عن
الكتابة التي يكتبها الرجل، باعتبار أن الأولى تصدر عن فئة من النساء قليلة جدا
بالمقارنة مع الثانية" لكن هل ما تكتبه المرأة وتبدعه هو نفس ما يبدعه الرجل؟
ثانيا - الكتابة النسائية
والرجالية: بين الائتلاف والاختلاف:
يبدو أن الأدب والكتابة التي تنتجها المرأة لا محالة
تختلف عن الكتابة التي ينتجها الرجل تفكيرا وأسلوبا، هذه الحقيقة تؤكدها بعض
النساء أنفسهن، حيث تقول (كارمن البستاني): "ليس لنا نحن والرجال، الماضي
نفسه والأسلوب نفسه"، وهذا ما ينسجم والتصور الأفلاطوني القائل بـ"أنه
على العموم يفوق أحد الجنسين أخاه الجنس الآخر، في بعض الأشياء، وأن كثيرات منهن
يفقن كثيرين منهم في أمور كثيرة"، مما يعني أن العلاقة بين الجنسين مبنية على
فلسفة الاختلاف (بيولوجيا، عقليا، فنيا، ثقافيا..) فضلا على أن حقيقة اختلاف
التفكير نجد مبررها عند ديكارت الذي يقول "العقل هو أحسن الأشياء توزيعا بين
الناس (بالتساوي).. وإن اختلاف آرائنا لا ينشأ من أن البعض أعقل من البعض الآخر
وإنما ينشأ من أننا نوجه أفكارنا بطريقة مختلفة".
وهذا يعني أن كل واحد منا يفكر بطريقة تجعله مخالفا
للآخر، لأنه يخط في عقله ما يراه مناسبا لذاته على اعتبار أن جون لوك يعتبر العقل
"لوحا أبيض تسجل عليه حقائق الواقع"، وثانيا فتفكير الرجل يختلف عن
تفكير المرأة، وما دام الإبداع والكتابة عملية يتم فيها اعتمال العقل، فهذا يعني
ضمنيا أن الإبداع النسائي (أدب المرأة) يختلف عن الإبداع الرجالي. لكن الاختلاف
هذا لا يعني وجود تراتبية إبداعية تقدم هذا الإبداع على الآخر، لأن الإبداع إبداع
بغض النظر عن جنس منتجه (المبدع).
بالإضافة إلى ذلك نجد في مرجعيتنا
الدينية أن القرآن الكريم، يؤكد حقيقة الاختلاف بين الجنسين، لكن الله سبحانه
وتعالى لم يضع الحواجز بينهما (المرأة والرجل) ولم يحث على النظر إلى جنس ما نظرة
احتقار، بل كرمهما معا، وعلى قدر عمل الرجل أو المرأة يكون الجزاء والعطاء الإلهي:
-(يا أيها الذين آمنوا إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أتقاكم)-، بل الأكثر من ذلك، أن الله سبحانه وتعالى يدعو في كثير
من الآيات الكريمة إلى ضرورة السكن والمودة والرحمة والستر بين الجنسين.
ثالثا - تجليات التحرر والاحتجاج في
القصة النسائية المغربية:
إن مقاربتنا لنصوص قصصية لمبدعات مغربيات هي محاولة لرصد
تيمتي (thème) الحرية والاحتجاج، كموضوعتين تحكمت فيهما مجموعة من
الرؤى التي توجه السرد نحو بلورة جملة من القناعات الفكرية التي تحاول المرأة المبدعة/القاصة
تضمينها في هذه النصوص. فضلا عن أن مقاربتنا هاته ستركز على الشخصيات الأساسية في
هذه النصوص القصصية، سواء كانت عبارة عن الشخصية-السارد (personnage-narrateur) أو الشخصية-الممثل (personnage-acteur)، حيث الأولى تقوم بوظيفة السرد، في حين الثانية تضطلع بوظيفة
الفعل، لكن دونما إغفال لباقي العناصر المميزة للنص القصصي والتي تتعالق معها
الشخصية كالوصف وزوايا النظر والزمان والمكان.. خاصة وأن "الشخصية تلعب دورا
من الدرجة الأولى وأن عناصر السرد تنتظم انطلاقا منها" وبالرغم من أن الشخصية
القصصية تتخذ بعدا خياليا إلا أنها حاملة لأبعاد وقيم اجتماعية أو ثقافية أو
أخلاقية أو نفسية، مما يجعلنا نخالها شخصا (personne)
واقعيا ما دام "الكاتب يخلق أشخاصه، مستوحيا في خلقهم الواقع، مستعينا
بالتجارب التي عاناها هو أو لحظها" هذا هو المنطلق المتحكم في مقاربتنا
لشخصيات النصوص القصصية النسائية، لكن دون النظر إليها باعتبارها نماذج بشرية
حقيقية، بل باعتبارها حاملة لأبعاد دلالية عميقة.
وتجدر الإشارة إلى أن ملامسة ومقاربة تيمتي الحرية
والاحتجاج، سيكون من داخل نصوص قصصية للقاصات: (لطيفة باقا)، و(ربيعة ريحان)،
و(لطيفة لبصير) وهي نصوص تحكمت في تناولنا لها الطريقة المعروفة في الدراسات
النفسية والتربوية بالعينة العشوائية، حيث كان قصدي الوقوف عند نصوص قصصية لم
يطلها النقد، باعتبارها نصوص لا تجمعها مجامع قصصية، ولا يحكمها تاريخ زمني موحد
من حيث صدورها، مما جعلها محكومة بمعيار الاختلاف والتنوع فضلا عن كونها نماذج
قصصية منشورة في منابر ثقافية متنوعة (ملاحق ثقافية، مجلات ثقافية مختصة..).
1-3-البوح التحرري:
يتعلق الأمر بتقديم الذات الأنثوية من خلال رؤية المرأة
المبدعة الراغبة في التحرر من مجتمع ذكوري، حيث تغدو الكتابة "قضية أخرى لا
علاقة لها بالنميمة والحديث عن الأخريات.. إنه حديث عن الذات.. الذات التي تنام
فيها مستنقعات أجيال من النساء المحكومات بالصمت والكبت منذ قرون" وبالتالي
فالكتابة عامة ومنها القصصية هي أداة للكشف عن الجسد الأنثوي وانشغالاته، ومنه
فالبوح هنا هو عملية تفضي إلى "البحث عن خيوط النسيج الذاتي داخل العمل
[الإبداعي ] في علاقة مع هذه الخلفية القابعة في وعي النص ومحيطه في الوقت
ذاته"، بما هو بوح يراهن على جعل الذات تتخذ قراراتها بنفسها، علاوة على
تصرفها غير المقيد بشروط مسبقة وهذا يعني أن المنحنى التحرري في ثنايا النصوص
القصصية المزمع مقاربتها يعد نشاطا واعيا وهادفا نحو التحرر الكلي والعام، على
اعتبار أن حرية المجتمع هي السبيل أو بالأحرى الشرط الأساسي للعبور نحو حرية الفرد
رجلا كان أو امرأة من هنا تطالعنا في قصة (كوبنهاجن) لربيعة ريحان، شخصية المرأة
المثقفة المسافرة خارج الوطن - مع ما يهجس به فعل السفر من دلالات التحرر والهروب
من وطأة الزمن والمكان والإنسان- للمشاركة في مهرجان ثقافي، فهذه المثقفة ترفض بعض
الممارسات الاستفزازية التي يبديها الرجل/الجمركي - الذي يحمل دلالة المراقبة
للذات الأنثوية-، لذلك تثير هذه القصة إشكالية علاقة الرجل بالمرأة، التي هي علاقة
متوترة، بين رجل جمركي يمتلك سلطة تخول له ممارسة الرقابة والعنف المعنوي على
المرأة من خلال "إجراءاته المزعجة" حيث يتضح أن جسور التفاهم قد نسفت
بينهما، وذلك ما ولد هيجانا وسخطا عارمين في نفسية المرأة الكاتبة "كنت أعرف
أن الرجل لا يفهمني بما فيه الكفاية، لذا كنت مختنقة من هذا الرصد غير
المتوقع.." وكأن رصد هذه المبدعة/الإنسانة جاء فقط لكونها امرأة، وهو رصد
يبدو غير متوقع تجاه هذه الشخصية الأساسية في القصة، على اعتبار أنها امرأة كاتبة
ومنه فالبوح عما يجيش في أعماق ودواخل الذات المبدعة، كان من أجل محاكمة الرجل
الذي لا يزال يكرس الرؤية الاحتقارية تجاه المرأة حيث هذه الأخيرة كائن ضعيف
ومتبرم في سلوكاته وغير مستقر على حال "وجمت إذ تصورت الرجل في هذا الجو
المفعم بالصمت والأسئلة، يراني مجرد امرأة توهمه بادعاءات ملفقة"، لذلك تبدو
جسور التواصل منكسرة، والفضاء يخيم عليه الصمت والمأساة، مما جعل المرأة المبدعة
تحس بلا مبالاة الرجل الجمركي المحكومة بخلفيات موغلة في القدم، لكن هذه النظرة
اللامبالية بالمرأة ستتلاشى حينما تكتشف هويتها ككاتبة ومبدعة "قلت آخر ما
تبقى عندي من كلام، وقد أشاع ما حصل في نفسي الحسرة:
ـ أنا كاتبة..
مد الرجل بصره نحوي بانفعال وقال مستدركا:
عفوا.. كاتبة؟!
قلت:
ـ نعم.. ومدعوة..
فتحركت يده تتصفح الجواز من جديد، وهو يقول كلاما سريعا
غامضا فيه إثارة مرح، سعيا لترميم تواصل مشروخ.."، وكأن الكتابة بذلك تعد
جسرا للعبور من ضفة الأسر والمماطلة والإزعاج إلى ضفة الحرية والتفاهم والاحترام،
ومنه فـ"امتلاك شهادة ميلاد كاتبة، تخول لها [المرأة] الخروج من دائرة
المجموعة الصامتة". فتغدو الكتابة أو الإبداع عملية تحرر من جملة من
الإكراهات المجتمعية، لذلك تتطلع الشخصية الرئيسية/المرأة المثقفة إلى التحرر من
السلطة الذكورية (الجمركي)، التي تقمع فعلها وتشل حركتها وتكبل حريتها، فتجعلها
غير قادرة على الانطلاق، بحكم القيود التي يكبلها بها هذا الرجل الذي تتضخم مشاعر
الكراهية تجاهه بفعل هذه الأعمال، "كرهت وسواس الرجل، ذلك الذي خنق في نفسي
الرغبة في الانفلات وود التواصل بإشارات محبة، وجعلني صريعة غل لا يوصف".
أما قصة (رغبة فقط..) للطيفة لبصير، فتنفتح على نبرة
اليأس المنبعثة من جسد الشخصية الساردة (المرأة) الراغبة في التحرر من قيود
المكان/الفضاء "لو أملك أن أرحل بعيدا عن هذه الأمكنة ولكني لا أستطيع الهرب،
تأسرني أمكنتي وكأنها تفاصيلي الصغرى، وأحلامي الواقفة" حيث يتضح أنها تعني
التمزق الداخلي للذات في هذه الفضاءات التي تغدو سجنا، لكنها لا تملك الأداة
الكفيلة بتجاوز هذه الأمكنة، وما دامت تفتقر للفعل القادر على تحريرها من رتابة
هذا الفضاء وقتامته، لذلك تنبجس الرغبة في الحروب والانطلاق خارج المحيط إلى أماكن
أخرى "كم أتمنى الهروب إلى أمكنة بعيدة، ولكن أي الأمكنة تخلو من هاته الإبر
التي تنغرز في جسدي، تشدني إلى هذا النظام الدؤوب.."، فالأماكن تتشابه
والقيود في كل مكان والنظام الذي يحكمها واحد، لذلك تظل المرأة- بطلة القصة سجينة
داخل البيت، باعتباره فضاء لا تستطيع هذه الشخصية التخلص من قيوده مما جعلها
تستسلم وتذعن لضرورة البقاء في هذا الفضاء، ولا تتطاول على الأعراف والعادات حيث
تمارس نوعا من الكبح للذات وتقر بينها وبين نفسها "علي أن أهيئ الغذاء
كالعادة وأقبل ابني الذي يزمجر كالعادة، وأستقبل زوجي كالعادة".
يلاحظ، إذن، أن الذات راهنت على التحرر والانفصال عن
البيت كفضاء يقيد الرغبات، لكن مجموعة من المعيقات حالت دون تحقيق هذا الموضوع
والاتصال به، مما دفع بهذه المرأة للسقوط في متاهة التيه والقلق النفسيين، بل
اللامبالاة بما حولها، ومنه الاستسلام اللامشروط للرجل والتسليم بهذا الواقع
والقبول بالمهانة، لذلك ينبعث الشعور بالتقزز من هذا الكائن/الرجل، الذي يعتبرها
مجرد بضاعة لتنفيس رغباته الجنسية "شعرت بالتقزز من هذا الكائن الذي أحتويه
بين ذراعي، لم أستطع أن أبتعد ما دمت أنا سيدة هذه البداية اليتيمة، تركت جسدي
لروائحه ولعابه ويديه النحيلتين ولأشيائنا التي انسحبت منا من حيث لا ندري..
وكأنني جسد غائب" إذن، لم يعد الهروب والتحرر والرحيل عند هذه المرأة مقيدا
بزمان ومكان، بل أصبح مطلبا ملحا في أية لحظة وفي اتجاه أي مكان، حتى تتحرر الذات
من العقم والرتابة والملل الذي يكبلها "لو أستطيع أن أرحل في غياب ينسيني كل
هذه اللحظات العقيمة"، يبدو إذن أن التحرر بعيد التحقق، حيث لا سبيل إلى
الانعتاق من زمن عقيم. ما دامت الذات الساردة لا تستطيع كسر القيود والأغلال التي
تكبلها.
ويمكن القول إن فكرة الهروب هي فكرة احتجاجية بالدرجة
الأولى، فلو لم يكن الإحساس لضيق فسحة العيش لما تولدت الرغبة في الرحيل والتحرر
والانفلات من قبضة القيود والمنزل/البيت، لذلك تبوح الذات بأسرارها الرافضة للقيم
الاجتماعية التي تحصر المرأة بين أربعة جدران مما يدفعها لأن تحبر رغبتها في
التحرر على الورق تعبيرا وإبداعا يستبطن هذه الرغبة، ويدفعها كذلك لتكتب وتتصل مع
الأصدقاء فضلا عن الانفتاح على العالم الخارجي "أرفض الغرفة.. واللحظات
العصيبة وإنزوائي.. معي أوراق.. أرقام سرية.. ورغبة مخترقة"، وذلك ما يجعلها
كمبدعة تكسر القيود والأغلال وتحرر نفسها بالقوة، وتحقق ذاتها وإنسانيتها عبر
مشروعها الإبداعي، على اعتبار "أن يكون للمرأة مشروع إبداع وتساهم هو أن تصير
كائنا بذاته تنجب ذاتها باستمرار كما تنجب أولادها، تخرج من محدودية الوظيفة
الجنسية إلى آفاق الإنسان، تنجب امتداده الزماني والمكاني وتعطي لمراميها وأحلامها
مبدأ لا يشيخ، وهذا هو أساس التحرر" الذي يغدو مطمحا بل هدفا تراهن عليه
الذات المبدعة عبر شخوص القصة وساردها.
إن هذا ما نلمسه في قصة (مسافة) للقاصة نفسها (لطيفة
لبصير)، حيث الرغبة في التحرر من قيود المكان/البيت والانعتاق من هذا الفضاء
"أرتمي في حضن القطار وأجعله يأخذني حيث يريد.." مما يجعل من فكرة
الهروب والفرار والانطلاق خارج البيت، تحكمها رؤية "الأنا المتلفظة" (moi-enonciateur) الراغبة في التخلص من السلطة الاجتماعية العتيقة،
وكسر بعض الأعراف السلفية الجامدة "أخبرته بأنني أريد شايا أسود.. سأحتسيه
بالرغم من أنني راغبة في قتل كل العادات.." لذلك تعتمل في دواخل هذه الشخصية
أحاسيس الإقصاء والقمع التاريخيين، تساهم هي نفسها في تكريسها "ينبغي أن
أستيقظ هناك أشياء ترصدني منذ زمن بعيد أجدني الآن بداخلها".
وبهذا يكون التحرر من إكراهات المكان مطلبا للعديد من
الشخصيات الأنثوية القصصية، وهو تحرر مقترن بالانفلات من قبضة الزمن، فنجد الألم
والحزن يرصع الذات الأنثوية ويثقل كاهلها في الليل، الذي ينفتح على السواد والسكون
والوحشة والرهبة، مما يطرح إشكالية تحرر الذات القلقة والمضطربة من قبضة الزمن
الليلي "كل ما يقلقني هو ذلك الليل الذي يحضر متطاولا بهواجسه وأفكر هل
أستطيع أن أذهب أبعد من الليل وأتجاوزه، هل أستطيع أن أخضعه لي حتى يصير طفلا
هادئا بين جوانحي وأهدهده.." يبدو الليل، هنا رمزا لفترة مظلمة تتوخى الذات
الساردة/المتلفظة تجاوزها، أملا في إشراقة الغد وانبلاج الصبح على رجل مروض كسرت
رجولته مثلما تلاشى الظلام فتعلو المساواة على التفاوت، مما يولد الهدوء والتآلف
والتناغم مع الكائن/الرجل والزمن.
لكن إذا كان السفر نوعا من التحرر وسبيل من سبل التخلص
من رتابة البيت والتزاماته المتنوعة، فإن السفر التحرري عبر الحلم "أيقظني
الرجل الذي يجلس أمامي" يجعل فكرة التحرر تتعثر وتضيع على مشارف الحلم الذي
يخونه الواقع، وهذا ما يجعل المرأة غير قادرة على الخروج من منطقة الظل وتخوم
الضياع والتلاشي إلا عبر الكتابة الفنية والممارسة الإبداعية، باعتبارها
"وسيلة من وسائل التحرر، وسبيلا من سبل الخلاص من وضعها في مجتمع لا ينزلها
منزلة متكافئة مع الرجل".
نجد معالم الوعي التحرري كذلك عند بطلة قصة (أبهة
الاغتراب) لربيعة ريحان وهو وعي ليس بنزوة عابرة بل هو موقف واع، يسعى للتحرر
الشامل الذي انخرطت فيه المرأة التي تعرضت لأقصى درجات المهانة والاحتقار
"أعود لأستحضر صور القهر الصامت للعنف الفظيع، بانتظار شمس الحلم الساطعة،
التي لم تتحقق بعد.." حيث التحرر هو أمل هذه المرأة البطلة، لذلك ستشرق شمس
الانبعاث من ضغط الواقع والموروث لتأفل لحظات القمع والقهر والتدجين. ويلاحظ أن
صوت البطلة عبر ضمير المتكلم "الأنا" يظل مهيمنا ومرتبطا بعنصر نسوي آخر
هو (الأم) حيث يغيب الرجل حتى وإن كان أبا أو أخا أو زوجا.. وكأن القاصة تتوخى
التحرر من سلطة الرجل في الإبداع، وتحتفل فقط بالمرأة ما دامت لا تستطيع التحرر من
سلطته في الواقع المعيش.
وتيمة الحرية تحضر بقوة في قصص (ربيعة ريحان) ففي قصتها
(جناح الريح)، يتضح أن التطلع إلى التحرر كان منذ عتبة النص وبدايته، وذلك عندما
عملت على إمداد البطلة/الشخصية الرئيسية بأداة تمكنها من التحليق في الفضاء وتاليا
التحرر من سلطة الفضاء الأرضي وكأن هذه الشخصية وهي تلج قلب الطائرة فإنها تمتطي الحرية؛
لذلك تحس الذات الأنثوية بالفرح والنشوة المضمرة في أفعال تعكس رحابة الفضاء
والأفق والعلو "حلقت الطائرة.. وبعيدا كانت تمضي.." لكن هذه الرحابة
سرعان ما تتلاشى فتعود الرتابة وينبعث الملل، عندما تتوجه خطة السرد نحو خلق جو
يعمه التوتر والصراع والتنافر بين رجل زنجي ومضيفة الطائرة، حيث تبرز الرؤية
الاحتقارية للمرأة/المضيفة، لأنها لا تعمل على ما يريح الرجل الزنجي الذي يعامل
هذه المضيفة معاملة تسيء لأنوثتها حسب ما تراه ساردة القصة، حيث يبدو من حديثها
أنها هي الأخرى متضايقة من هذا الرجل "رأيته يتنطع بثقة وحنق.. وهي تتلبس
ألفاظ المضيفة وتعابير المجاملة.."، فهذا التصعيد الكلامي جعل القصة ترغب في
التحرر من سلطة الرجل، ووصايته وأفكاره التي تعتبر المرأة مخلوقا ضعيفا لأنه خرج
من "ضلع أعوج" وهو ما يثير أحاسيس المرارة والتوتر الداخليين لدى بطلة
القصة، وذلك ما يعكسه المونولوج الداخلي التالي "فأسأل في داخلي: هؤلاء.. ألم
يهجسوا مثلي، من قلق أو اهتمام.".
ولتبديد هذا القلق والألم تنخرط الذات في عالم شاعري،
ليتجدد الشعور بالجسد والأمل في التحرر، خاصة وأن أجنحة الطائرة بدأت تسري فيها
الحركة لترفع الجسد الأنثوي ليحلق في الأفق البعيد "أغمض عيني في استسلام
للجسد المنهك.. لكني بلا تردد.. أجدني.. سرحت أتأمل بعينين منفتحتين، اهتزازات
الجناح، فوق السحاب البعيد المتضام.. يحجب الأرض، وحدودها الغائمة.." وكأن
البلاء يتلاشى كلما اتجهنا نحو السماء، ربما للقداسة المرتبطة بهذا المجال، والتي
ترسخت في لاشعورنا، في حين ينتشر الألم كلما اقترب الإنسان من الأرض. والرغبة في
التحرر تنبعث من جديد في هذه القصة، حينما تتجاذب الشخصية الرئيسية أطراف الحديث
مع امرأة (maquilleuse) تشتغل مع إحدى الفرق المسرحية، حول الرهبة والخوف
الذي يسيطر عليها عندما تركب الطائرة "أول ما تأخذ الطائرة في الارتفاع..
ينفتح ألف باب للروع في قلبي.." هذا ما جعل الرجل الجالس قرب بطلة القصة
يتبرم من هذا الحديث/الثرثرة، تبرم تعكسه حركاته وردود فعله تجاه المرأتين، ولذلك
فالمرأة/البطلة، ترغب في التحرر من سلطة المراقبة التي يفرضها هذا الرجل، وتطمح
إلى تحقيق بعض الرغائب الموقوفة التنفيذ، من خلال التطلع إلى أجنحة الطائرة
باعتبارها تجسيدا رمزيا للانعتاق من أسر الرتابة وصدأ الجمود الذي يغلف ويسجي
الذات الأنثوية، مما ولد التطلع نحو الأفق بشكل مفتوح وصاف "نظرت نحو الرجل
برهة، ثم استدرت أرقب سطح الجناح وهو يومض بوهج عميق، فيما لا تزال الطائرة، توغل
في الأفق الساطع، الفسيح.." حيث الإحساس بالارتياح في الأفق الفسيح الخالي من
كل سلطة ورقابة.
أما قصة (رحابة تغري بالعويل) للطيفة باقا، فأهم ما
يلاحظ على الشخصية الرئيسية في هذه القصة، هو أنها تخشى العزلة والوحدة، لذلك تعمل
على تبديدهما في فضاء المدينة عبر رحلة القطار، حيث تستدعي في إحدى مقصوراته،
الآخر النقيض/الرجل ليساهم في تحريرها من عزلتها في هذا السفر، الذي ينطوي على
أبعاد تحررية، "أخبرت رجلا غامضا صادفته في مقصورة فارغة على متن القطار
فتقاسمنا بعد ذلك أيس كريم واحدا.. إنني لا أحب المدن التي تمنح نفسها بسهولة..
وأيضا الرجال الذين يفعلون ذلك". لأن هذا الرجل مخالف للآخرين الذين يتهافتون
بسرعة نحو المرأة، وهم محملون بنظرة جنسية. لذلك تود الشخصية الرئيسية في القصة أن
تتحرر من أغلال الجنس والجسد، خاصة وأن الرجل يختصرها في هذين العنصرين فقط، وهذا
ما يعكسه المقطع السردي التالي بقوة "الفتاة الأجنبية التي تركت فخذيها
السخيتين لعيني رجل مغربي مسكين بقاعة الانتظار تبتسم لي كأنها تعرفني أفكر فيما
يحدث الآن في رأس الرجل المنصرف عن آخره إلى فخذيها.."، فالبوح، هنا، كان للرغبة
في التحرير والتحرر من النظرة الشبقية للرجل الذي يرى في جسد
الفتاة/الأجنبية/المرأة عموما، أداة للمتعة ومتنفسا للشهوة، وهذا ما ولد التوتر
ويولد الرغبة في "العويل" والبكاء والتطهر من أسر الرتابة وفظاعة
الواقع، بالماء والشعر والإبداع والقراءة "سأخبرها أنني أمام كل هذه الخسارات
أظل أشعر برغبة في البكاء أو في قراءة الشعر أو تبليل قدمي المتعبتين بماء المطر
الأول..".
يمكن القول، إذن، إن الرغبة في التحرر التي أفرزتها
المعاناة وتنوع أشكال الإحباط التي تعانيها المرأة، وإن كانت هدفا ورهانا خاصا
بالمرأة، تبقى من المطالب الأساسية، ومطلب التحرر في جوهره إنساني عام، ولذلك كانت
المناداة بتحرير المرأة من داخل النصوص القصصية بمثابة الدعوة للاعتراف بالجميل
ورد الاعتبار إليها، نظرا إلى الأدوار التي تقوم بها في الحياة كأم وزوجة وأخت
وحبيبة.. وبالتالي فالتحرر عند المرأة المبدعة هو تحقيق لوجودها الإنساني من جهة،
وهو رفض لوضعية القهر والتدجين من جهة ثانية، وعليه فإن المرأة التي تمتلك أداة
الكتابة والإبداع، تمتلك "انتصارا على رواسب ثقافة الموؤودة من أجل
تكريس ثقافة (المولود)" أي ثقافة التحرر من القيود والخروج من دائرة الصمت، ويلاحظ
أن تيمة (thème) الحرية/التحرر تحضر في القصص المقاربة بشكل مضمر
حينا ومعلن حينا آخر، وهذا ما يجعل من "فعل الكتابة لدى النساء بشكل أخص
عملية تحرر من حيث إنه وعي وموضعة وكشف لتجارب ومعاينات وتصورات وحاجات وأحلام طال
عهدها بالصمت والخفاء، والكتابة تبلورها، تخرج بها إلى مدار العام تسمح بتشكل
خصوصياتها، تشكلا مبتدعا داخل قوانين العام كمتخيل جماعي وفضاء جماعي وقضايا ولغة
وتصورات ومنظومة إشارية قيمية وموروثات".
2-3-البوح الاحتجاجي:
يتعلق الأمر في هذا المحور بالبوح بما يجيش في الذات من
رغبة في الاحتجاج والرفض، الذي يكون معلنا حينا ومضمرا أحيانا أخرى في متن النصوص
القصصية النسائية كما تعكسه بعض المحافل السردية، وبعض الشخصيات، والاحتجاج هنا
يتمفصل إلى احتجاج على الرجل وتمرد على سلطته، ثم إلى احتجاج على المجتمع وبعض
أعرافه ناهيك عن إدانة الواقع وملابساته وإكراهاته، ولعل اتخاذ القصة أداة لملامسة
هذا العنصر نابع من تعريف القصة التي يعتبرها البعض "هي ككل جنس أدبي شكل من
أشكال التعبير عن الذات الجوانية وجيشانها وانفعالها بكل ما يدور حولها
وفيها".
ولذلك فالتعبير عن الذات والانشغال بالجسد الأنثوي واضح
بشكل جلي في قصة (أوراق الخريف) لربيعة ريحان، حيث يقدم لنا السارد- الشخصية
الأنثوية الرئيسية في القصة، رافضة انشغال المرأة بانحناءات جسدها وبمواطن الجمال
فيه والانجذاب إليه "ففي الحمام لا تذكر مرة أنها اغتسلت عارية تماما، أو
أطالت النظر إلى عري الأخريات! وحدها تغرق في فيض من الضيق والتعثر الفاضح في
متابعة هذا الانشغال الحميمي الفذ". فالاحتجاج واضح في هذا المقطع على وضعية
المرأة التي لا ينظر إليها إلا باعتبارها أنثى/سلعة وليس باعتبارها أنثى/إنسانة،
بل الغريب في الأمر هي نفسها تكرس هذا التصور وهذه الوضعية، مما دفع بالشخصية
الرئيسية إلى توجيه الكلام إلى امرأة تتجمل "أنت بهذا تشيئين نفسك وأنت
مناضلة ولست سلعة!، فهذه المناضلة التي تناضل من أجل تحسين وضعيتها وربما ضد
الرجل، فإنها تتزين لأجله، مما يوحي برفض وثورة على اختزال المرأة واعتبارها مجرد
بضاعة في سوق للعرض والطلب خاصة وأنها تثقل وجهها بمختلف عناصر الزينة والتجميل
"تأملت عينيها المنتفختين قليلا وبشرتها الملونة بالزينة والمساحيق"،
إنه رفض للاهتمام المفرط بالجسد ومنه رفض واحتجاج على أحد العناصر التي تتعثر فيها
المرأة، حيث الكينونة الأنثوية لا تتحقق إلا عبر تحويلها إلى جسد وسلعة، حتى تنال
اعتراف الرجل بها، لأن جسدها يحقق رغباته ويشبع شهواته ونزواته، لذلك "فمن
الانحطاط ألا يعترف الرجل بالمرأة إلا من خلال جسدها الذي يظل الشغل الشاغل لها،
فتقضي الساعات تلو الأخرى في تزيينه وجعله محط أنظاره".
من هنا فالاحتجاج على النظرة التي تختزل المرأة كعنصر
تزييني، هو حصيلة وعي نابض يحاول قدر الإمكان، استئصال الرؤية الشهوانية التي
تعتبر المرأة بضاعة للاستغلال ومتنفسا للشهوات، واستنباتا لرؤية تعتبرها كائنا
إنسانيا مثبت الهوية، ليبدو إذن أن الرفض والاحتجاج الذي تمارسه الذات النسوية عبر
الكتابة القصصية وغيرها من الأجناس الإبداعية، جاء كرحلة شاقة قطعتها المرأة من
أجل "استرداد كينونتها المشتتة المهيضة التي نفتها العلاقات الاجتماعية
القائمة على الاستلاب والحيف، ونسف ذلك التابو الطقوسي الذي فرض عليها كسياج من
حديد ينبغي أن لا تتخطاه ولا تناقشه"، وكأن المرأة المبدعة حينما تحاول تلمس
تضاريس الذات الأنثوية وما يجيش بداخلها عبر الكتابة، فإنها تحقق غاياتها وتؤكد
وتثبت هويتها بل جدارتها في المجتمع، ما دام الإبداع ممارسة ونشاطا، يجعل المرأة
المبدعة كإنسان تعيد إنتاج إنسانيتها/هويتها، ومنه تحقق وجودها ككائن فاعل ومنتج
يصارع من أجل البقاء والاستمرارية وتأكيد صوتها المطمور، مما يعني أن البوح عن
مكامن الذات هو تحد للذات أولا، وللظروف المادية والطبيعية والمجتمع ثانيا.
هكذا إذن، نجد القاصة ربيعة ريحان في قصتها (أبهة
الاغتراب) تخلق شخصية معادلة لها كامرأة تعيش "الاغتراب" والإقصاء
والتهميش، مما ولد الإحساس بالتوتر والانكسار النفسيين، تقول الساردة "أقولها
مطبقة العينين في حياد وأنا أصد عني نهب الأفكار والاحتمالات، وضربات التوتر
المتلاحقة التي تضيق بها النفس" حيث يتضح أن التوتر يكتسح الذات الأنثوية من
كل الجوانب فيدخلها في متاهات الألم وسراديب المعاناة، لذلك تبوح الذات بما
يجتاحها من تصور يضاعف الإحساس بالضيق والانكسار، فتتضح نغمة مفعمة بالحزن تنبعث
من الذات لأنها انخرطت حاليا - عكس الماضي- في أشغال عصفت بالبسمة ورحابة الصدر
"كنت مهما تطاول الضيق، أكتسب رحابة الصدر له، فلا يكون الانقطاع، ولا تغيض
البسمة، لكن هذا الانشغال الآن، عصف بمواطن التحفظ، وبكل اليقظة الممكنة، مما
تتحدد خطوطها لهذا الشرط المقوم لترابط الود.." فأحاسيس الذات
الملتاعة/المتألمة تترجم عبر سخرية لاذعة تثوي بداخلها احتجاجات على سلطة الأم
التي لا تزال تحمل فكرا تقليديا، وعبره الاحتجاج على الواقع وأعرافه، حيث نلمس
نوعا من العتاب واللوم الخفيف للأم التي تهاجم صديقة بطلة القصة وشخصيتها الرئيسية
"كانت تهاجم أنوثتها بغضب، فتسقط على الفور، في تلك التلميحات إلى صحبتها
الدائمة لشبيهات لها متسكعات..
ـ ديما بالسرول، بحال لولاد..".
أما قصة (رائحة القسوة) للطيفة باقا فتفوح منها رائحة
الاحتجاج على الرجل، وهذا الاحتجاج نابع من كون الشخصية الرئيسية في القصة، تمتلك
ميزة البوح بما يعتمل في داخلها، فتفصح عن أحاسيسها ومكنوناتها، بخلاف مجموعة من
النساء، وكأن الكتابة هي نقيض موضوعي للتكتم، لأنها تغدو جسرا للتعبير والبوح
"..هذه الميزة بالذات، أقصد ميزة التكتم لم تكن أبدا من شيمي"، مما يعني
أن البوح والتعبير عما يخالج الذات من أحاسيس ملؤها الرفض والاحتجاج، يعد من
الأسلحة الرامية إلى الحيلولة دون بلوغ الذات الأنثوية إلى حالة من التدهور النفسي.
ونبرة الاحتجاج تأخذ بعدا أكثر تصعيدا -في القصة السالف
ذكرها- عبر الثورة والتمرد على الواقع، رغبة في قتل المسؤولين الذين يكرسون الهوية
المهيضة للمرأة، ويسلبونها شرعية الاعتراف بها كمعادل مواز للرجل "يمكنني
الآن أن أقتل بعض مسؤولي هذه البلاد التي شاءت إحدى الصدف أن أولد فوق أرضها"
وكأن الولادة فوق أرض أخرى، كانت ستعصف باللامساواة بين الرجل والمرأة، ناهيك عن
ضمان الحقوق المشروعة لهذه الأخيرة، لأن في هذه البلاد حتى في الأماكن التي يجب أن
يخضع فيها الرجل والمرأة إلى المساواة: المساجد، نجد المرأة تأخذ في هذه الفضاءات
المقدسة هامشا صغيرا، لذلك تتضاعف مأساويتها ويزداد إحساسها بالهامشية/التهميش
والدونية، فتعلن مباشرة تمردها على هذه الفضاءات "..التاكسي الأحمر الذي كان
يحملني.. مر أمام المساجد التي لم أدخلها أبدا لأنها كانت تخصص هامشا صغيرا جدا في
الخلق للنساء المؤمنات"، حيث يبدو أن المساواة بالرجل هي الغاية التي تهدف
إليه هذه الشخصية النسوية لأن الفضاءات المقدسة لا مجال للتفاوت فيها.
إن التمرد والاحتجاج لا يقتصر على الإنسان والمجتمع، بل
يتجاوزه إلى الاحتجاج على المرض وعلى اللحظة الزمنية الراهنة بجميع إكراهاتها،
لأنها نسفت استمرارية البطلة، وبالتالي استمرار مشروع إثبات الذات عبر إنجاب طفلة
تحملها إلى ذكريات الطفولة وإشراقات الماضي البريئة والجميلة "يبدو أنني سوف
أفشل تماما في التفكير في شيء جميل من الآن فصاعدا.. سيستأصلون رحمي.. لن يكون
بإمكاني إنجاب طفلتي.."، لذلك فهذه المرأة ترفض النظر إلى المرآة كأداة
مضاعفة للذات، لكي تمنحها صورة عن تضاريس جسدها الأنثوي وتقاطيعه، لأنها امرأة تعي
جسدها جيدا، ومنه فالنظر في المرآة/المرأة قد يثير التقزز والمرارة من الجسد/الذات
"لست في حاجة إلى النظر في مرآة الحمام لأتذكر تقاطيعه التي تصيبني بالغضب
أحيانا..".
إذن نبرة الاحتجاج تعالت بعدما استمعت الذات إلى نبض
الجسد الآيل للاندثار والتلاشي لأنه صدق بسذاجة كل ما يجعله ينخرط في الهامش، لذلك
نرى الشخصية الرئيسية في قصة (منذ تلك الرائحة) لربيعة ريحان، تشعر بأنها تحولت من
امرأة إلى دمية في هذا العالم وإن تلبست بلبوس إنساني: خاصة وأنها فقدت ما يجعل
جسدها يحافظ على توازنه "في هذه الحياة الجديدة.. أنا دمية زرقاء.. فقدت
ساقها" فهي إذن، بمثابة لعبة في يد الرجل الذي لا يهمه إلا امتلاك الدمى بحكم
نظرته الشهوانية، أو نظرته المتعالية، وبالتالي فهذا الرجل الشهواني والراغب في
اللعب بدماه/نساءه، لازالت تحكمه عقلية تقليدية، لذلك يعمل على امتلاك قدر كبير من
النساء/الدمى "زوجي يملك معملا كبيرا للدمى يا "وردية". لكن ما
يلاحظ في هذه القصة، أنه أثناء أحد الاسترجاعات (Analepse)-
حيث يتم استرجاع أحداث ماضية وقعت لبطلة القصة رفقة صديقتها، "وردية"-
يتم الكشف عن موقف يناقض الرؤية التقليدية السابق ذكرها، موقف يرى أن الجنس
الآخر/الرجل لا يعتبر سلبيا دائما، لأنه "لا يزال هناك الكثير من الرجال
يستحقون أن نحبهم في هذه الحياة كما في باقي الحيوات الأخرى.." فليس كل
الرجال أشرارا، بل هناك بعضهم تعلوه سمة الخير ويستحق حب المرأة وعطفها ويمكنها أن
تتآلف معه ويتآلف معها. لكن هذا الموقف سينقلب إلى احتجاج واضح على الرجل الذي
ينظر إلى المرأة باعتبارها "مجالا إغرائيا لعملية واحدة: الجنس"، ويتضح
أن الاحتجاج والرفض في القصة، يتم عبر تدفق الذكريات الطفولية لبطلة القصة، وذلك
ما جعلها تبوح بمشاعر التقزز والمهانة التي لحقتها من طرف الجنس الآخر/ الرجل
المعلم الذي لا يؤدي رسالته التربوية على أحسن وجه وبالتالي فالاحتجاج على رؤية
الرجل الشهوانية تجاه المرأة نجد جذوره في الماضي، أي في مرحلة الطفولة حيث
التفكير البريء، وإن كان في القصة قد تحول إلى تفكير معقلن، لأن المرأة/الطفلة تعي
سلطة الرجل وفوقيته - حتى وإن كان مثقفا ومربيا- "كنت أحمل معي دميتي إلى
الفصل معلمنا "السي العلمي" كان يأخذها مني خلال الدرس ويلقي بها في
خزانة الفصل.." حيث يرغب الرجل/المعلم أن يظل موضع انشغال الطفلة/التلميذة،
وليس لعبتها/دميتها، مما قد يصرفها عن الدرس من جهة وعن التفكير في الرجل/المعلم
من جهة ثانية.
وبالنظر إلى طبيعة الرؤية المهيمنة في القصة (التبئير في
الدرجة الصفر (focalisation zero) تبدو بطلة القصة وشخصيتها
الرئيسية والقائمة بوظيفة السرد، واعية ومدركة لطبيعة النظرة التي تحرك
الرجل/المعلم في التعامل معها (الطفلة) ومع صديقتها (وردية) كطفلتين، وهي نظرة
بريئتين "في فترة الاستراحة كان "السي العلمي" يجلسنا فوق حجره،
يداعب صدرينا الضامرين، ويسألنا:
ـ متى ستكبران أيتها المعزتان؟!"
يتضح الاحتجاج، إذن، على سلطة الرجل، بل رفض لهذه
السلطة، فضلا عن كوننا نلمس ثورة على رؤيته الاحتقارية والشهوانية تجاه
الطفلة/المرأة، بل تجاوز الأمر ذلك إلى تقديم صورة للرجل تعكس مظاهر التسلط كما
تعكس مظاهر الاعتداء الجنسي على الطفلة البريئة كما يبرز من خلال تذوق مذاق لعاب
المعلم/المربي "السي العلمي" كان ضخما له كرش.. وكان مذاق لعابه مقيتا..
مقيتا..".
ولعل التركيز على استرجاع مظاهر التسلط في مرحلة الطفولة
هو محاولة لكسب عطف المتلقي من جهة، ثم تضخيم لصورة التسلط من جهة ثانية لأن
"الأطفال كنفوس ساذجة بريئة تشعرنا بكثير من الانقباض والاهتزاز حين تسقط
فريسة للاضطهاد والعذاب وتضاعف - تبعا لذلك- من قوة الإدانة والتقريع".
أما في قصة (الكية) للطيفة لبصير، فتبدو القاصة مختبئة
خلق السارد الكلي المعرفة، حيث تحتج على الرجل، رغم اتخاذها له بطلا لقصتها،
بطريقة ملفوفة بالاستهزاء والسخرية من الرجل المبدع (الشخصية الرئيسية) - بالرغم
من كونه شاعرا ويقاسمها الاحتراق بجمرة الإبداع- بل نلمس رغبة في محاكمة هذا
الرجل/الشاعر، لأنه كان أولى به ألا يترك زوجته تقاسي الوحدة والملل، مما دفع بها
لكي "تحدثه في الهاتف.. هل هي الحضرة؟"، حيث كان الصوت الأنثوي المنبعث
من الأسلاك المغناطيسية (الهاتف)، كافيا ليوقظ الشهوة الجنسية لديه، ويؤجج الرغبة
في الاستمتاع بالمرأة المثقلة بجملة من الأعمال المنزلية الرتيبة، وهذا ما دفع بها
لأن "تدفن مؤخرتها في السرير وتغط في نوم عميق مثقل بالأعمال المنزلية وتربية
الأطفال والواجب اليومي الميكانيكي"، وهي وضعية ترفضها القاصة وتحتج عليها،
كما أنها ترفض الرؤية الذكورية التي تختزل المرأة في عنصر يثير الحواس الجنسية،
حتى في بعض اللحظات التي يجب فيها أن تكبح الشهوة الجنسية، مثل بعض لحظات التذكر
والحلم والغواية "يتذكر أنه أمسك يديها وأنها مررتهما برفق على كل أعضائه،
لذلك تذوب أعضاؤه الآن، ترغبها.. هل كانت حلما أم قصيدة؟ هل أفرزتهما شطحاته التي
لا تنتهي.."، لذلك فالقاصة كانت ذكية عندما جعلت الرجل عوض النظر إلى المرأة
نظرة شبقية، يتوجه إلى الانشغال بجسده والانطواء على ذكوريته، ولذلك فهي تحاكمه
وتجعله يجلد بسياط الألم "إنها الكية يا بثينة ألهبت نار الجسد.." لأنه
اختزل المرأة في عنصر/شيء يلبي به رغباته الجنسية. وبذلك عملت القاصة عبر سارد
القصة وشخصيتها كسر العرف الاجتماعي والرؤية الذكورية، التي ترى أن المرأة مجرد
جسد أو بالأحرى بضاعة للاستغلال ومتنفسا للشهوة.
رابعا - ملاحظات على سبيل الختام:
إن الحديث عن تحرر المرأة من داخل نصوص قصصية، هو حديث
عن حرية الإنسان عامة مما يعني ضمنيا أن كل إصلاح حقيقي لوضع المرأة عبر تحريرها،
يقتضي إعادة النظر في الوضع الإنساني برمته، علاوة على أن الاحتجاج على معاناة
المرأة، هو احتجاج على كل الأوضاع المأساوية التي يعيشها الإنسان عامة، وثانيا
فالمبدع (امرأة ورجل) حينما يكتب فهو يعبر عن الواقع الذي يعيشه ويعانيه هذا
المبدع في علاقته بعدة أطراف ووضعيات.
وفي الختام نرى من اللازم استعراض بعض النتائج كما يلي:
ـ إن هيمنة تيمة الحرية في العديد من القصص التي
تناولناها لمبدعات مغربيات نابعة من الوعي بمسألة حرية المرأة لذلك انعكس هذا
المطلب العام على الكتابة والإبداع.
ـ إن القاصات حينما يعبرن عن رفضهن لبعض الأعراف
والتقاليد، ويحتججن على بعض الممارسات التي تكرس هامشية ودونية المرأة، يكن قد
عبرن بصدق عما يعتمل في دواخلهن، ما دامت "الكتابة فعلا سافرا مفضوحا وكشفا
وتعرية للداخل".
ـ إن الشخصيات القصصية الأساسية التي تبدعها القاصات
المغربيات تكون من النساء اللواتي يستخدمن ضمير (الأنا) يعتمدن الرؤية من خلف،
ويتحدثن عن المشاكل التي تتعرض لها المرأة، وأحيانا يغيبن الرجل كشخصية إيجابية في
متن النص القصصي وكأنه تغييب (للأنا) الذكورية المهيمنة في المجتمع، وأحيانا أخرى
يحضر كنقيض موضوعي للمرأة يقمع ويساهم في التهميش لذلك تقاومه (الأنا) الأنثوية
بكل قوة.
ـ إن صوت المرأة يصلنا في بعض القصص عبر الشخصيات،
محاولا تجاوز فكرة ضعف المرأة ويطمح لمساواتها مع الرجل، كما أن هذا الصوت يصلنا
أحيانا ملفوفا بالسخرية اللاذعة والهادفة.
ـ تطرح بعض النصوص القصصية إشكالية الاغتراب المكاني،
الذي يستدعي بالضرورة الرغبة في التحرر والتوق للانعتاق من كل الفضاءات المنغلقة
التي تغوص فيها الذات الأنثوية الممزقة، خاصة فضاء البيت/المنزل الذي يثقل كاهل
المرأة بمجموعة من الإكراهات المتنوعة والمتعددة.
ـ تطفح هموم الذات الأنثوية على سطح النصوص القصصية بشكل
كبير، حيث لا تجد المرأة القاصة بدا من بلورة مأساتها الذاتية إلا من خلال تعبيرها
عن التحرر والرفض والاحتجاج على معطيات الواقع المادي وقيمه وقوانينه التي فرضت
بعضها قهرا وقسرا على المرأة.