ص1       الفهرس  61-70

الإصلاح الجامعي ومنزلة الأساتذة الباحثين

  إدريس قصوري

تقديم:

  إن أهمية التعليم العالي، بالنسبة إلى الموقع الذي نتحدث منه، يتطلب منا مقاربة خاصة إلى حد ما لموضوع الجامعة، كما يفرض هذا النوع من المقاربة حساسية التحول العميق الذي تخضع إليه الجامعة من جراء تطبيق مقتضيات الجامعة، والأستاذ الباحث، ومهنة التدريس والتكوين والبحث بالتعليم العالي.ولهذا،  فإننا سنباشر مقاربتنا لتوضيح بعض الأسس والمعالم من خلال عدة مستويات تفند الأطروحة الخاطئة التي يتم الانطلاق منها لإدخال ميكانيزمات جديدة للتعامل مع الجامعة انطلاقا من كونها غير منتجة، تخرج البطالة وتكلف ميزانية الدولة الكثير من الأموال التي يجب تقليصها، أو إعادة النظر فيها جذريا اعتمادا على المردودية، وبحثا عن الجودة، وبناء على رفع تكلفة الوحدات الجماهيرية، مع تجاهل السبب الحقيقي الكامن في طبيعة الاقتصاد المغربي غير المنتج وتعدد أوجه نهب المال العام، فضلا عن سوء تدبير الميزانية الضعيفة.ولذلك، فإن مستويات معالجة موضوع مستخدمي الجامعات هي:

1- التوجيه والفرض: ويتمثل في توصيات البنك الدولي حسب المواد التالية:

- المادة 10: التي تتحدث عن ارتفاع أعداد الأطر التعليمية،

- المادة 22: التي تتحدث عن ارتفاع رواتب الأطر التعليمية،

- المادة 13: التي تشير إلى استخدام الأطر بفعالية،

- المادة 29: التي توصي بإعادة تركيبة الاعتمادات المالية الجامعية،

- المادة 31: التي تلح على إعادة توجيه المستخدمين (وليس الأساتذة الباحثين) داخل النظام التعليمي.

2- التبني والإقرار: ويتعلق الأمر بالقرارات العليا التي أقرت وصادقت على هذه التوجهات وأصبغت عليها طابع القدسية والتي أعطت الإشارة لإنجاز الميثاق الوطني من جهة، و أمرت باعتماد القوانين التشريعية والتنظيمية لمقتضيات الميثاق من جهة ثانية باعتبار كل من الميثاق والقوانين المشار إليهما أعلاه تترجم توصيات البنك العالمي. وقد تمثل ذلك في:

2-1- التبني: رسالة الملك الراحل الحسن الثاني التوجيهية للجنة الملكية للإصلاح يوم 8 مارس 1998، حيث جاء فيها: "(...) وحرسا منا على إقرار نظام تربوي جديد، يتجنب سلبيات المقاربات السابقة، ويتوخى تحقيق الأهداف المستجدة قررنا – تحقيقا لما سبق أن أعلنا عنه – إحداث لجنة مكونة من شخصيات لها إلمام واهتمام بقضايا التربية والتعليم والتكوين، وبما يرتبط بها، من أجل اقتراح الاختيارات الأساسية التي من شأنها إعادة النظر في هذا القطاع الحيوي، غايتها في ذلك إرساء قواعد مدرسية وطنية مغربية، جديرة بولوج القرن المقبل"


[1]. 

2-2- الإقرار: رسالة محمد السادس الخاصة بالمصادقة على الميثاق الوطني، يوم 8 أكتوبر 1999والتي جاء فيها: "(...) إن الضرورة لتقتضي أن ننظر إلى أساليب التدبير من أجل ترشيد النفقات المرصودة للتعليم والصرامة في التعامل مع الأموال العامة واستغلال الموارد المادية وعقلنة تدبيرها".

3- الالتزام والإخراج : ويجسدها الميثاق الوطني للتربية والتكوين من خلال المواد التالية:

- المادة 78: التي توصي بإعادة هيكلة التعليم العالي خلال 3 سنوات،

- المادة 137: التي تلح على اعتماد مبدأ مكافأة المردودية كميكانيزم جديد للتعويض والترقية،

- المادة 138: التي تصرح بمراجعة القوانين المتعلقة بمختلف المراتب (الأنظمة) التعليمية وتنبه إلى ملاءمة الأنظمة للحقوق والواجبات الجديدة،

- المادة 150: التي تقول بالارتقاء بالجامعة إلى مؤسسة مندمجة المكونات ذات استقلال مالي فعلي وتستفيد الجامعة من ميزانية تمنحها لها الدولة تحدد حسب معايير (معيقات) واضحة وعلنية، وتدبر مواردها البشرية في جميع مكوناتها،

- المادة 152: التي تستثني مؤسسات تكوين الأطر التابعة للتعليم العالي غير الجامعي من نسق تسريح أساتذة الباحثين إلى مستخدمين، حيث تؤكد احتفاظ مؤسسات تكوين الأطر بهياكلها الخاصة. وهو ما يترجمه كل من القانون 07.00 للأكاديميات والنظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية.

4 – الالتزام والتنفيذ: ويتمحور حول التصريح الحكومي أمام البرلمان و مجلس المستشارين يومي17 و 20 أبريل 1998. ونظرا إلى ما لهذا الركن من أهمية باعتباره انضباطا كليا وشاملا لسلطتي التبني والإقرار من جهة، وبكونه جسر تكييف مقتضيات الميثاق الوطني إلى قوانين تشريعية وتنظيمية من جهة ثانية، ثم بكونه توجيها واضحا لما ينبغي أن تكون عليه أحكام القوانين التي يجب إنجازها بسرعة وبدقة وتحظى بإجماع ويكون عليها إجماع برلماني وحكومي منقطع النظير من جهة ثالثة مع استشراف كل آفاق تتبع وتطوير جميع الأحكام.

وتنقسم التوجيهات الحكومية إلى مرحلتين:

4-1- الالتزام والتصريح: ويخص كل المقتضيات التوجيهية الواردة في التصريح الحكومي الذي يقول:

-"وستنكب الحكومة على إعادة النظر في تدبير الموارد البشرية في الوظيفة العمومية على أسس عقلانية، وذلك، تحسينا لأداء الإدارة، وضمانا للتحكم في حجمها"[2]،

-"وفي نطاق هذا البرنامج، ستتخذ الحكومة التدابير الرامية إلى إلغاء الامتيازات، وتجميد الأجور العليا، في انتظار مراجعة وترشيد نظام المرتبات بالوظيفة العمومية وفق معايير منسجمة تعتمد على قيم العدالة والاستحقاق والمردودية"[3]،

- ستقوم الحكومة بسياسة لتطهير وتجديد القطاع الحكومي بالاعتماد على التعاقد مع المؤسسات والشركات العمومية حول برامج تمكن من إدماج نشاطها في الاستراتيجية الحكومية، وتقييم آدائها وتحديد مسؤوليات التسيير والمراقبة بها"[4]،

- "إن الحكومة عازمة على تأسيس برامجها على أرضية مالية متينة تحترم مقتضيات التوازنات الاقتصادية والمالية الإجمالية"[5]،

- "ولنفس الغرض سيتم إنعاش ثقافة جديدة مرتكزة على الاقتصاد في النفقات العمومية اتجاه تخفيض وتيرة إنفاق الدولة"[6]،

- "ومن جهة أخرى، سنعمل على متابعة الإصلاح الجامعي وتعميقه، ودمقرطة تسيير الجامعات وضمان استقلاليتها وتشجيع شراكتها مع المؤسسات العمومية والخاصة"..

4-2- التنفيذ والحصيلة: ويخص كل التدابير وعناصر أجرأة الميثاق الوطني التي تفتخر الحكومة بإنجازها أو ترى ضرورة استكمالها. وتتضمن:-"لعب انفتاح المؤسسات العمومية على القطاع الخاص دورا مهما في الزيادة من فاعليتها والرفع من درجة مردوديتها"[7].

-"ترتكز مضامين الميثاق على مرتكزات وغايات تحديث نظام التربية والتكوين، وإرساء دعامات تعميم التعليم، وتحسين المردودية الداخلية، إضافة إلى التحكم في مجالات تدبير الموارد البشرية وتعبئة التمويل وتحديث عقلنة التدبير"[8].

-"ومنحت الجامعات بمقتضى هذا القانون الاستقلال البيداغوجي العلمي والثقافي مع إمكانية إبرام عقود لعدة سنوات مع الدولة بشأن بعض أنشطة التكوين والبحث"[9] .

-"بالإضافة إلى كل ما سبق، أقر هذا النظام أجهزة لمراقبة وتقييم منتظم للمردودية الداخلية والخارجية لجميع الجوانب البيداغوجية والإدارية والبحث، مع إحداث لجنة وطنية لتنسيق التعليم العالي، و إقرار تحفيزات ذات طابع جبائي لفائدة مؤسسات التعليم العالي فيما يخص اقتناء سلع التجهيز والعقارات اللازمة لمزاولة مهامها"[10].

-"من أجل تحسين ظروف الدراسة والبحث اتخذت الحكومة عدة إجراءات استعجالية تهم تنويع التكوينات ولا مركزيتها (...) وتفويض عدد من مهام تسيير الموارد البشرية والمالية إلى الجامعات وذلك في إطار دعم اللامركزية واستقلال الجامعة في انتظار إعادة النظر في علاقتها مع الإدارة المركزية، وسن سياسة تعاقدية في إطار العلاقة ما بين الوزارة والجامعات وتشجيع المنافسة في ما بينها"[11].

5 – المصادقة والاعتماد: ويتعلق الأمر بمصادقة كل من مجلس النواب والمستشارين لمقتضيات الميثاق الوطني واعتمادها بالإجماع دون دراسة بعض اختياراتها الخطيرة والمأساوية على النظام التعليمي وكل مكوناته من تلاميذ وطلبة وأساتذة باحثين و إداريين وأسر مغربية. حيث، نجد القانون 01.00 يبلور، في كل مواده، مفهوما جديدا للجامعة يقوم على هدم مهنة الأستاذ الباحث والانحدار إلى أسفل الدرجات. إذ، يتحول الأستاذ الباحث إلى مستخدم انسجاما مع تحويل الجامعة إلى مقاولة للتربية والتكوين، كما يشتغل القانون 01.00 وفق نسق يخرج الأساتذة الباحثين من إطارهم النظامي في الوظيفة العمومية إلى نظام تعاقدي صرف رغم الحديث عن الإطار النظامي، مادام أن عناصر و شبكة الإطار النظامي هي الحاضرة بقوة في صياغة عمل الأساتذة الباحثين و بنينة علاقة مختلف المكونات والهياكل الجامعية، كما يتجلى ذلك في:

1 – الجامعات:

- المادة 3: تجعل من مهام الجامعة القيام بأعمال الخبرة والتكوين المستمر،

- المادة 4: تتحدث عن الاستقلال الإداري والمالي للجامعات باعتبارها مؤسسات عمومية ذات شخصية معنوية،

- المادة 5: تشير إلى أن الجامعات يمكن أن تبرم مع الدولة عقودا لسنوات عدة بشأن أنشطة التكوين والبحث،

- المادة 7: تضيف بأنه بإمكان الجامعة أن تقدم خدمات بمقابل، وأن تحدث محاضن لمقاولات الابتكار، وأن تستغل البراءات والتراخيص، وأن تسوق منتجات أنشطتها، كما يحق لها أن تدعم النشاط المقاولاتي، عبر:

- المساهمة في مقاولات عمومية وخاصة،

- إحداث شركات تابعة لها.

-المادة 8: تعطي الضوء الأخضر للجامعات لإحداث شهادات خاصة بها في مجال التكوين الأساسي والتكوين المستمر،

لمادة 12: تتحدث، من بين ما تتحدث عنه، عن انتداب رئيس الجامعة لاقتناء عناصر من الممتلكات العقارية للجامعة أو تفويتها بين جهة وعن الاقتراضات من جهة ثانية،

-المادة 16: تسند مهمة تعيين مستخدمي الجامعة وتحديد مقرات تعيينهم لرئيس الجامعة، كما تجعله قابض موارد الجامعة والآمر بصرف نفقاتها،

-المادة 17: تسمي موظفي الجامعات من أساتذة و أساتذة باحثين وإداريين بالمستخدمين مما يخرجهم عن إطار الوظيفة العمومية ويدخلهم في إطار الصيغة التعاقدية دون إرادتهم وبطرق ملتوية، كما تشير إلى أن نظام التعويضات يحدد بمرسوم نظام المستخدمين،

-المادة 18: تتحدث عن كون ميزانية الجامعة تشتمل على:

في باب الموارد:

- إعانات الدولة،

- رسوم التكوين المستمر،

- مداخل وموارد مأذون بها بموجب نصوص تشريعية وتنظيمية (وهي رسوم تسجيل الطلبة)،

- محاصيل وأرباح الأبحاث والخدمات وأعمال الخبرة، ومن كل العمليات التي تقوم بها الجامعة،  ومن الأرباح، ومن ممتلكاتها،

- فوائد القروض المبرمة مع هيئات مالية دولية،

- مواد ذات طابع عرضي آتية من بيع سلع أو قيم... الخ،

- تسبيقات الخزينة،

- إعانات مالية غير إعانات الدولة،

- الهبات والوصايا والمحاصيل والموارد المختلفة؛

في باب النفقات:

- نفقات التسيير والتجهيز،

- المرتبات والأجور والتعويضات والإعانات المدفوعة إلى المستخدمين،

- نفقات التعويضات التكميلية،

- المبالغ المرجعة من القروض والتكاليف المرتبطة بها،

- نفقات مختلفة.

- المادة 21: تتحدث عن تسيير عميد المؤسسة لمجموع المستخدمين المعينين للعمل بالمؤسسة، 

- المادة 34: تندرج هذه المادة ضمن المواد المخصصة لباب مؤسسات التعليم العالي غير الجامعية، وتتحدث عن كون مدير المؤسسة يسير جميع المستخدمين المعينين بالمؤسسة،

- المادة 35: تجمع بين الأساتذة وبين المستخدمين الإداريين والتقنيين، كما تتحدث عن ترسيم وترقية الأساتذة الباحثين،

- المادة 75: تتحدث عن إعانات مالية فقط تقدمها الدولة لتمويل جزء من الخدمات الاجتماعي للطلبة،

- المادة 76: تقصر الخدمات الاجتماعية على المستحقين من الطلبة، وتجعل هذه الخدمات مرتبطة بخدمات خاصة يشارك فيها المهنيون التابعون للقطاع،

- المادة 81: تتحدث عن لجنة وطنية لتنسيق التعليم العالي من بين ما يعهد إليها تفعيل التضامن والتعاون المالي،

- المادة 83: تشير إلى أن مؤسسات التعليم العالي تستفيد من تحفيزات جبائية تتعلق بعمليات اقتناء سلع التجهيز والعقارات،

- المادة 84: تتحدث عن نظام جبائي محفز على إحداث مؤسسات للتعليم العالي ذات منفعة عامة،

- المادة 86: تؤكد استفادة كل من سيستثمر في بناء أحياء وإقامات أو مركبات جامعية من تحفيزات جبائية،

- المادة 90: تشرعن نقل موظفي الدولة العاملين بالجامعات والمؤسسات الجامعية إلى الجامعات التي يعملون بها في انتظار المصادقة على النظام الأساسي الخاص بمستخدمي الجامعات، إضافة إلى تأكيد المواد 91- 92 – 93 – 94 – 95 للأحكام غير النظامية وإلا لماذا ذكرها والإلحاح عليها إذا كانت وضعية الأساتذة الباحثين / المستخدمين تشكل وضعية نظامية وليست تعاقدية كما سنعود لنوضح ذلك. فرغم كون المادة 4 تقول إن الجامعة مؤسسة عمومية ذات شخصية معنوية، فإن الروح المنظمة للقانون 01.00 روح ثقافة الخوصصة والقطاع الخاص.

إنه بالرجوع إلى مختلف الأحكام الواردة في مواد القانون 01.00 والتي سبقت الإشارة إليها، نجدها تركز على :

- الاستقلال الإداري والمالي (المادة 4)،

- تعيين الأساتذة الباحثين والمستخدمين من طرف رئيس الجامعة وصرف النفقات (المادة 16)،

- وضع نظام أساسي لمستخدمي الجامعات (المادة 17)،

- إعانات المستخدمين (المادة 18)،

- تسيير العميد والمدير للمستخدمين المعينين بالمؤسسة الجامعية (المادتان 21 و 34)،

- تجمع المادة 35 بين الأساتذة والمستخدمين،

- نقل موظفي الدولة العاملين بالجامعات والمؤسسات الجامعية إلى الجامعات التي يعملون بها في انتظار النظام الأساسي الخاص بمستخدمي الجامعات (المادة 90)،

- وضعية مستخدمي الجامعة (المادة 91)،

- المستخدمون المنقولون أو المدمجون بالجامعات (المادة 93)،

- النظام الأساسي الخاص بمستخدمي الجامعات (المادتان 94 و 95).

إن أحكام هذه المواد ولغتها وتعابيرها تبدو غامضة فيما يتعلق بوضعية الأساتذة الباحثين ومهنتهم وموقعهم داخل ما سيأتي من نظام أساسي خاص بمستخدمي الجامعات حسب المادتين 17 و 90 رغم كون أحكام المادة 18 تضيء حقيقة نقل الأساتذة الباحثين إلى مستخدمين من خلال كل المجال الوظيفي الجامعي الذي أصبحت عليه الجامعة، وكذا في علاقات هذه الأخيرة بالأساتذة الباحثين ورواتبهم وأجورهم وتعويضاتهم والمهام المسندة إليهم، فضلا عن ترقيتهم وتأديبهم وترسيمهم.

وبوقوفنا عند المواد أعلاه نجدها تستعمل الكلمات والتعابير والمركبات التالية:

- الأساتذة الباحثون في تجاور للمستخدمين (المادة 16)،

- استعمال كلمة مستخدمين كثيرا كمرادف للأساتذة الباحثين وكبديل عنها، في الآن نفسه، باعتبارهم موظفين سابقا (المواد 17 و 18 و 91    و 93 و 95)،

- استعمال كلمة مستخدمين ككلمة مجاورة لكلمة الأساتذة فقط دون صفة باحثين (المادة 35).

إن هذه الاستعمالات المتعددة قد تبدو عبارة عن خلط أو التباس، فتارة يتم الحديث عن الأساتذة الباحثين وأخرى عن الأساتذة فقط وثالثة عن المستخدمين إما مقرونة بالتسميات قبلها أو منفردة ومستقلة في الحكم. غير أن الحقيقة تؤكد أن المسألة لا تتعلق بخلط أو ازدواجية في التعبير أو غموض في التوصيف،   وإنما الأمر يتعلق باصطلاحات دالة تعبر عن السياق الفعلي الجديد الذي أصبح عليه واقع الأساتذة الباحثين في الجامعة. وإنه إن بدا هناك شيء من الالتباس، فإنه مقصود من طرف المشرع أيضا أو من كان وراء تحرير القوانين حيث يختلط الأمر في المرحلة الانتقالية ولا يتعرض لرفض الأساتذة الباحثين، ونظرا إلى ما فيه من رفع للحرج عن المسؤولين الجامعيين والحكوميين. ولذلك، فإن الغموض هو نفسه:

أ- آلية للتعتيم عن واقع الأمر لعدم إثارة حفيظة الأساتذة الباحثين،

ب- تعبير عن أحكام قانونية حقيقية ناطقة بالوضع الجديد الذي أصبحت عليه الجامعة.

ولتوضيح هذه الحقيقة سنعود إلى:

أولا: تسمية المستخدمين: تقول المادة 6 من القانون 01.00: "الجامعات متعددة التخصصات، ويمكن إن اقتضى الحال أن تكون مختصة، وتضم مؤسسات للتعليم ومؤسسات للتكوين ومؤسسات للبحث يطلق عليها بعده اسم "المؤسسات الجامعية"، كما تضم مصالح للجامعة ومصالح مشتركة".

وبالنظر إلى مكونات الجامعة، في هذه المادة، فنجدها تضم:

1-مؤسسات للتعليم،

2- مؤسسات للتكوين، المؤسسات الجامعية،

3- مؤسسات للبحث،

4- مصالح جامعية، المصالح الجامعية،  

5- مصالح مشتركة

وهي التركيبة نفسها التي نجد الفقرة السابعة من المادة 16 تعطي من خلالها لرؤساء الجامعات صلاحية تعيين الأساتذة والمستخدمين والإداريين والتقنيين.

يتبدى من خلال هذه العناصر، أن بنية الجامعة تتكون من مؤسسات للتعليم وأخرى للتكوين وثالثة للبحث، بالإضافة إلى المصالح الجامعية من جهة، والمصالح المشتركة مع جهات غير جامعية من جهة ثانية. ويمكن القول إن أمر تسمية الموظفين الإداريين والتقنيين المعينين، بكل المؤسسات والمصالح الجامعية والمشتركة، قد تبدو محسومة من حيث تسميتهم بالمستخدمين.

ومن خلال المادة 6 أعلاه يتضح أن القانون 01.00 لا يتحدث عن مؤسسات للتعليم والتكوين والبحث باعتبار المؤسسة الواحدة يمكن أن تجمع كل هذه المجالات والميادين، وإنما يتحدث القانون 01.00 حسب صياغة: "مؤسسات التعليم ومؤسسات التكوين ومؤسسات البحث" عن الفصل والتفريق، وليس عن الوصل والإدماج. وهو ما يعني أننا سنكون أمام مهام مختلفة ومتنوعة داخل الجامعة الواحدة. وتجمع مهمة التعليم التي يقوم بها أستاذ ومهمة التكوين التي قد يقوم بها أستاذ أو أستاذ باحث أو مهني أو صاحب تجربة وكفاءة، ومهمة البحث ويقوم بها الباحث أو الأستاذ الباحث خصوصا وأن الدولة تعتزم إخراج النظام الأساسي للباحث إلى حيز الوجود والذي قد يكون فيه أساتذة باحثون أو باحثون من غير أن يكونوا أساتذة أو أساتذة باحثين ولكنهم سيندمجون ضمن نظام الباحث وليس ضمن نظام الأستاذ الباحث.كما أن القانون يعطي للجامعة صلاحية تحديد مراكز البحث داخل المؤسسات الجامعية بتغطية تجميع طاقات الباحثين ولكن في الحقيقة للتمييز بين التدريس والبحث.بحيث؛ سيكون هناك من تسند إليه مهام التدريس ومن تناط به مهام البحث، علما بأن مهمة التدريس تشكل القاعدة ومهمة البحث تمثل الاستثناء والهامش. وهذا ما يفسر كون مراكز البحث التي هي الآن في طور الهيكلة من لدن الجامعات ستتحول إلى مراكز مستقلة ولها ميزانيتها الخاصة.

ولعل هذه الاستراتيجية هي التي شرعت رئاسة جامعة الحسن الثاني في تنفيذها تحت شعار أقطاب البحث، حيث حددت خمسة مراكز تسمى أقطاب امتياز[12].ولا ننسى ما صرحت به رئيسة هذه الجامعة من قول مطابق ويصب في نفس الغايات من كون "مهمة الأساتذة تربوية وتكوينية أولا، ثم يأتي البحث ثانيا، سواء منه البحث للتكوين أو البحث العلمي أو البحث الأساسي"[13].

إن هذه الاعتبارات القانونية والمشاريع الموازية لها تجعلنا نفهم حيثيات ومبررات تعدد اصطلاح التسميات الواردة في القانون 01.00 على أنها تعين وتعرف وتجسد واقعا جديدا للعمل بالجامعة وينطبق على مختلف المهام والوظائف المستقبلية للمؤسسات الجامعية المختلفة. وبذلك يكون اصطلاح مستخدم هو المفهوم الجديد الذي يركب ويكثف كل المهام المتباينة السابقة، ويناسب جميع فئات وعينات الموظفين الجامعيين سابقا سواء أكانوا إداريين أو باحثين أو أساتذة باحثين.

ثانيا: إطار التسمية:  تطهير الوظيفة العمومية: جاء في التصريح الحكومي للوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي أمام البرلمان و أمام مجلس المستشارين يومي 17 و 20 أبريل 1998:

- إن الحكومة ستنكب على إعادة النظر في تدبير الموارد البشرية في الوظيفة العمومية، ضمانا للتحكم فيها[14]،

- تجميد الأجور العليا، في انتظار مراجعة وترشيد نظام المرتبات بالوظيفة العمومية وفق معايير تعتمد المردودية،

- قيام الحكومة بسياسة تطهير وتجديد القطاع الحكومي بالاعتماد على التعاقد مع المؤسسات والشركات العمومية[15]،

- الاقتصاد في النفقات العمومية في اتجاه تخفيض وتيرة إنفاق الدولة[16]،

- ضمان استقلالية الجامعة وتشجيع شراكتها مع المؤسسات العمومية والخاصة[17].

إن كل هذه التوجهات والتدابير تؤكد أن سياسة الدولة والحكومة تقوم على:

- إعادة النظر في نظام الوظيفة العمومية،

- تطهير قطاع الوظيفة العمومية والتحكم في حجم الموظفين،

- تجميد الأجور العليا "وترشيد" نظام المرتبات بالوظيفة العمومية،

- اعتماد مبدأ "المرد ودية"،

- اعتماد التعاقد مع المؤسسات والشركات الخاصة،

- "اقتصاد" النفقات العمومية وتقليص إنفاق الدولة،

- "استقلالية" الجامعة،

- إعادة النظر في علاقة الجامعة بالوزارة الوصية !!

ولعل هذه التدابير والتباشير كلها تجعل الجامعة كبش فداء وفأر تجربة من السهل نبذه وطرده خارج نظام الوظيفة العمومية في إطار نظام تعاقدي دون إرادة الجامعيين أو حتى استشارتهم. وذلك، من أجل وضع حد لأجورهم المرتفعة ؟!  و إعادة النظر في مرتباتهم الضخمة؟ ! من أجل تقليص نفقات الدولة على حسابهم باعتبار النظام التعليمي يمثل نموذجا مناسبا لإعمال فلسفة التقويم "والترشيد والتخليق" التي تعذر على الدولة إعمالها في كل القطاعات الأخرى وبالنسبة إلى دوائرها العليا ولحكومتها ووزرائها ومدراء الدواوين والكتاب العامين ومدراء الشركات العمومية الذين تصل رواتبهم إلى ملايين الدراهم شهريا ناهيك عن ثقافة الفساد والرشوة، بل إن الدولة وهي تخشى محاسبة البنك العالمي، بخصوص مرتبات الأساتذة الباحثين وتدعي تقليص النفقات ومراعاة التوازنات المالية لا يحرجها أن يكون راتب رئيس الجامعة يضاعف مائة مرة راتب عون خدمة الذي يلزمه قضاء 8 سنوات كاملة من العمل يوما بيوم كي يحصل على مبلغ 70000 درهم الذي يتقاضاه رئيس الجامعة شهريا والذي يضاعف 8 مرات راتب أستاذ تعليم العالي مساعد حامل الدكتوراه الوطنية أو الذي قضى 10 سنوات من الأقدمية بالتعليم العالي على الأقل.

 

2- السياسة التعاقدية مع الجامعات:

- إن السلطات الحكومية مكنت المؤسسات العمومية من تقنين الاستثمار وتكاليف الاستغلال[18]،

-والتحكم في مجال تدبير الموارد البشرية[19]،

- ثم تمكين الجامعة من إمكانية إبرام عقود لعدة سنوات مع الدولة بشأن بعض أنشطة التكوين والبحث[20]،

- إمكانية تقييم منتظم للمردودية الداخلية والخارجية[21]،

- تفويض عدد من مهام تسيير الموارد البشرية والمالية إلى الجامعات في انتظار إعادة النظر في علاقتها مع الإدارة المركزية وسن سياسة تعاقدية بين الوزارة والجامعات وتشجيع المنافسة في ما بينها[22].

إن هذه الإنجازات الحكومية للفترة التشريعية 1998-2002 تظهر أن الاستراتيجية المرسومة للجامعة تقوم اليوم وغدا خارج الإطار النظامي وأكثر داخل النظام التعاقدي دون إرادة الأساتذة الباحثين وخارج القانون الذي ليس له أثر رجعي خصوصا، فيما يتعلق بالمكتسبات المحققة. وبذلك، فإن الحكومة تفتخر بتقنين الاستثمار والتحكم في مجالات تدبير الموارد البشرية وباستقلالها في تسيير الموارد البشرية والمالية ووضع أسس تقييم المردودية وإبرام عقود التكوين والبحث بين الدولة والجامعة في انتظار إعادة النظر في العلاقة القانونية بين الجامعات والإدارة المركزية التي ستقوم على التعاقد وليس على أحكام الوظيفة العمومية. وهو الأمر الذي نجد له قرائن واضحة ودالة داخل القانون 01.00 نفسه.

3- الوضعية القانونية غير النظامية:

ورد بالقانون 01.00 الذي راكم، في الباب السادس الخاص بالأحكام الختامية والانتقالية، عدة مقتضيات تعزز وتصرف الواقع الجديد لتسمية المستخدمين الذي أصبح عليه الأساتذة الباحثون باعتبارهم موظفي الدولة سابقا تم نقلهم حاليا إلى مستخدمين لدى الجامعات بمقتضى المادة 90 من القانون 01.00 في انتظار المصادقة على النظام الأساسي الخاص بمستخدمي الجامعات حسب المادة 17. وهو الأمر الذي يتطابق والكلام الحرفي والتصريح الوارد في حصيلة العمل الحكومي حول استكمال نسج العلاقة التعاقدية بين الدولة والجامعات.

ولا يمكن فهم الوضعية الجديدة للمستخدمين إلا خارج الإطار النظامي و داخل الإطار التعاقدي وبعيدا عن أحكام نظام الوظيفة العمومية مهما انطلقنا في بناء القانون 01.00 من اعتبار الجامعة مؤسسة عمومية. بحيث، لا نجد أي مبرر لما تقوله المواد التالية الواردة بالقانون 01.00 لو لم يتعلق الأمر بتغيير الواقع الجامعي وتغير وضعية الأساتذة من باحثين إلى مستخدمين:

- المادة 91: "لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون الوضعية التي يخولها النظام الأساسي الخاص بمستخدمي الجامعات للموظفين المنقولين عملا بالمادة 90 أعلاه أقل من الوضعية النظامية التي كان المعنيون بالأمر يستفيدون منها"،

- المادة 92: "تعتبر الخدمات المنجزة من لدن الموظفين المذكورين في المادة 90 أعلاه في الجامعات والمؤسسات الجامعية والإدارة كما لو أنجزت بالجامعات"،

- المادة 93: "يواصل المستخدمون المنقولون أو المدمجون في الجامعات تطبيقا لأحكام هذا الباب انخراطهم برسم نظام المعاشات في الصناديق التي كانوا يشتركون فيها بتاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ وذلك بالرغم من جميع الأحكام المنافية"،

- المادة 95: "لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون الوضعية النظامية التي يخولها النظام الأساسي الخاص بمستخدمي الجامعات للموظفين المدمجين المشار إليهم في المادة 94 أعلاه أقل من وضعيتهم النظامية عند تاريخ إدماجهم. وتعتبر الخدمات المنجزة من لدن الموظفين المشار إليهم في المادة 94 أعلاه قبل إدماجهم في الجامعات كما لو أنجزت بالجامعات".

وإذا كانت قراءة أولية لهذه المواد تجعلنا نلاحظ أن المادة 91 الخاصة بالأساتذة الباحثين الموظفين العاملين بالجامعات تتحدث عن الوضعية التي يخولها النظام الأساسي الخاص بمستخدمي الجامعات دون تحديد هذه الوضعية هل هي نظامية أم غير نظامية، في الوقت الذي يشير الجزء الثاني من نفس المادة 91 بكل وضوح إلى الوضعية القديمة بأنها وضعية نظامية، وإذا كانت المادة 95 الخاصة بالملحقين العاملين بالجامعات والراغبين في الاندماج في نظام المستخدمين الجامعيين، تتحدث عن "وضعية نظامية" في ارتباط بالنظام الأساسي الخاص بمستخدمي الجامعات مما يطرح العديد من الالتباس، فإن مزيدا من المقارنة مع مختلف المقتضيات والأحكام، يظهر أن الأمر لا يتعلق، في الحقيقة، بوضعية نظامية. فلو كانت المسألة تتعلق بوضعية نظامية واضحة وفعلية لما تم اللجوء إلى المواد 91 و 92 و 93 و 95 نفسها لوضع مقتضيات" وقائية" من أجل العمل على:

- تحصين الوضعية القديمة من حيث الأجور (المادة 91)،

- احتساب الخدمات القديمة (المادة 92)،

- مواصلة الانخراط بنظام المعاشات في الصناديق الأصلية رغم جميع الأحكام المنافية تفاديا لكل الإشكاليات التي ستطرح على مستوى التعاقد من حيث السن، ومن حيث احتساب سنوات العمل،

ومن حيث الراتب المعتمد الذي اتضح مؤخرا أن الدولة، لا تعتمد سن 65 سنة ولا وضعية الأجر بعد السنة الستين في احتساب المعاشات (المادة 94)،

- تكافؤ الوضعية النظامية القديمة والوضعية التعاقدية الجديدة التي تطلق عليها المادة 95 وضعية نظامية للتضليل.

وبما أن الفقرة الأولى من المادة 98 من القانون 01.00 تجعل تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ هو تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، وبما أن تاريخ نشر القانون 01.00 بالجريدة الرسمية هو يوم 21 صفر 1421 الموافق ليوم 25 ماي 2000، فإن الأساتذة الباحثين قد أدخلوا في نظام المستخدمين منذ يوم 25 ماي 2000 في انتظار إخراج النظام الأساسي المطابق لوضعيتهم وواجباتهم الجديدة حسب المادة 17 إلى حيز الوجود. ولعل خير دليل على ذلك هو كون الجامعات قد شرعت، منذ مدة، في تنفيذ تدابير الوضع الجديد سواء باعتبارها مؤسسات عمومية غير تابعة للوزارة، و إنما للمملكة المغربية أو بتسليمها بيانات أجور و رواتب الأساتذة الباحثين باعتبارهم مستخدمين، وباعتبار الجامعة هي مصدر الراتب الشهري وليس وزارة التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، أو بتسليم الجامعات لهذه الوثائق بتسمية مستخدم أو عون Agent مكان أستاذ باحث رغم استمرار العمل بالنظام الأساسي للأساتذة الباحثين لسنة 1997 لحد الآن والذي لا يحق لأحد تجاوزه.

4- استثناء المؤسسات غير الجامعية:

 إن واقع المستخدمين الذي أصبحت عليه الوضعية المهنية مكونات الجامعات يتأكد بالرجوع إلى المقارنة بوضعية مؤسسات تكوين الأطر التي حافظ عليها القانون 07.00 المنظم للأكاديميات من خلال المادة 10 التي حافظت على أطر هذه المؤسسات كأطر وكمؤسسات تابعة للوظيفة العمومية ولأحكام نظام الوظيفة العمومية. بحيث، نجد وزارة التربية الوطنية قد حرصت على إبقاء الأساتذة الباحثين والإداريين بمؤسسات تكوين الأطر، وعلى كل الموظفين التابعين لها والعاملين بالتعليم العالي كموظفين تابعين للدولة وخاضعين لأحكام قانون الوظيفة العمومية كما تنص على ذلك المادة 152 من الميثاق الوطني التي تطالب بحفاظ مؤسسات تكوين الأطر على هياكلها، وحيث تقول المادة 1 من القانون المنظم للأكاديميات، تبعا لذلك، "يظل الموظفون والأعوان المنتمون إلى الهيئات التعليمية والإدارية والتقنية العاملون بمصالح وبمؤسسات التربية والتكوين التابعة للقطاع العام في الجهة، خاضعين لأحكام النظام العام للوظيفة العمومية وكذا لأحكام أنظمتهم الأساسية الخاصة".

إننا لن نفهم الوضع الجديد للأساتذة الباحثين والإداريين الجامعيين إلا من خلال نص المادة 10أعلاه التي تلح على إبقاء موظفي وزارة التربية الوطنية داخل نظام الوظيفة العمومية وتابعين لأنظمتهم الأساسية الخاصة. فلو كان الأمر لا يتطلب هذا الحرص، وأن الوضعية لا تتعلق، بالنسبة إلى الجامعيين، بوضعية تعاقدية أو بوضع مهني خارج الوظيفة العمومية، كما عمل القانون 07.00 على تحصين موظفي وزارة التربية الوطنية داخل نظام الوظيفة العمومية الذي يتماشى مع حصة 70 % الوطنية و 30 % الجهوية الموضوعة كأساس لتخطيط برامج ومناهج الأكاديميات من جهة، والذي لا نشك، على أنه عمل احتياطي من عدم إثارة حساسية وسخط موظفي وزارة التربية الوطنية الذين يعدون بمئات الآلاف. من جهة ثانية وعلى عكس العدد المحدود وغير المؤثر سياسيا للأساتذة الباحثين الجامعيين، خصوصا وأن الهاجس الذي يحكم الجامعة هو الذي يحكم النظام التعليمي برمته المتمثل في الخوصصة الشاملة وتقليص النفقات.

ولعلنا نجد، من جهة أخرى، داخل القانون 07.00 نفسه المنظم للأكاديميات ما يؤكد أن إطار المستخدمين هو الإطار المقصود اعتماده لكون القانون 07.00، وإن احتفظ في المادة 10 بالحقوق المكتسبة لرجال التربية والتكوين، فإنه شرعن، في المادة 11، العمل بنظام المستخدمين بخصوص من سيعينون مستقبلا بالأكاديميات أو من سيلتحقون بها. حيث، تقول هذه المادة: "تتكون هيأة المستخدمين الخاصة بالأكاديميات من:

- أعوان يتم توظيفهم من لدن الأكاديمية طبقا لنظام أساسي خاص يحدد بمرسوم،

- موظفين و أعوان في وضعية إلحاق".

 وهكذا، نجد أن أطر الأكاديميات ستكون مزدوجة الوضعية المتمثلة في ازدواجية الأنظمة:

- نظام الموظفين القدماء خاضع للأحكام العامة للوظيفة العمومية التابعين لوزارة التربية الوطنية،

- نظام مستخدمي الأكاديميات سيحدد في نظام أساسي خاص يحدد بمرسوم.

وأكثر من ذلك، نجد أن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية ينص، في المادة 1، على أن مقتضيات المرسوم رقم 2.02.854 صادر في 8 ذي الحجة 1423 (10 فبراير 2003) بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، تسري على الموظفين المنتمين إلى قطاع التعليم العالي و مؤسسات تكوين الأطر بمختلف درجاتهم وهيئاتهم رغم احتفاظ السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي بتدبير شؤون الأطر المعنية.

وتعزز المادة 113 هذا الوضع بالإلحاح على أنه "يتم تدقيق وتفصيل المهام المسندة لمختلف الأطر المنصوص عليها في مواد هذا المرسوم ومراجعتها وذلك بموجب قرار لوزير التربية الوطنية وبعد استطلاع رأي السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي". 

كما تشير المادة 27 من المرسوم رقم 2.02.382 إلى أن مديرية الموارد البشرية وتكوين الأطر بالوزارة تتكون من (...) قسم التدبير المندمج لموظفي التعليم الثانوي ومؤسسات التكوين والذي يضم مصلحة الأساتذة الباحثين بمؤسسات تكوين الأطر.

وقد يضاف إلى ذلك كله، كون مسألة إخراج المراسيم المنظمة لمؤسسات تكوين الأطر قصد إعادة هيكلتها لم تر النور بعد ولا تزال مسألة خلافية بين وزارة التربية الوطنية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر من حيث الجهة التي ستتكلف بتدبير شؤون هذه الأطر هل هي الجامعات أم وزارة التربية الوطنية. وهذا الأمر موضوع صراع المادتين 94 و100 من القانون 01.00 من جهة، والمادة 10 من القانون 07.00 والمادة 1 و 113 من النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية من جهة ثانية.

ولابد أن نشير، رغم كل ذلك، أن التفاؤل بخصوص مصير ومستقبل أطر مؤسسات تكوين الأطر سيكون صعبا ولن يكون أحسن من مصير مستخدمي الجامعات. فرغم حفاظ مؤسسات تكوين الأطر ووزارة التربية الوطنية بأطرها داخل نظام الوظيفة العامة، فإن قانون الأكاديميات والميثاق الوطني والقانون 01.00 كلها نصوص تعيد النظر في اختصاصات مؤسسات تكوين الأطر ومهام الأساتذة الباحثين التابعين لهذه المؤسسات التي أصبحت أولوياتها تنحصر في إعادة التكوين، والتكوين المستمر المقاولاتي، و إعداد دبلومات عليا تقنية ومهنية و إجازات مهنية بالأساس بعيدا عن التكوين الأساسي والبحث العلمي.

ويمكن القول بعد كل هذه المحاولات، لفهم الوضعية الحقيقية للأطر الجامعية بين الموظف والمستخدم، إن الحقيقة لا تنكشف إلا من خلال تبيان نسق المهام والتكاليف التي أصبحت للأطر الجامعية داخل النظام التعاقدي الجديد والتي نقترب منها على مستوى الأهداف والخلفيات:

ثالثا- الأهداف والخلفيات: وهي وإن كانت تبدو متمايزة، فإنها متكاملة:

1- الأهداف: إن الأهداف التي تقف وراء هذا الاختيار السياسي الاستراتيجي, لنقل الأساتذة الباحثين إلى مستخدمين وإخراجهم من إطار الوظيفة العمومية وأحكامها العامة، أهداف معلنة كما جاء في مقتضيات التصريح الحكومي وفي الحصيلة الحكومية ومن خلال استشراف الآفاق المستقبلية، وأخرى غير معلنة.

1-1- المهننة والخوصصة: إن من بين الاستراتيجيات التي أصبحت ثابتة في "إصلاح" نظام التربية والتعليم بالمغرب هو إعطاؤه روحا مهنية خالصة تهيمن عليها مهنة المكونين على جوانب البحث والمعرفة الموازية. ويستقيم هذا الاختيار مع التوجه العالمي الذي يقسم الأدوار الحضارية للأمم باعتبارين:

أ -  صناعي،

ب- تجاري.

وسيشغل الاعتباران على أساس احتكار الدول المتقدمة للحق في التصنيع بكل ما يوازيه من اكتشاف واختراع وبحث علمي متقدم في جميع المجالات، وتسلح ومن ثمة، لعب الدور الأساسي في توجيه العالم والسيطرة على الكون وضمان احتكار آليات القوة والهيمنة، فيما ينحصر دور الأمم المتخلفة في التجارة والمتاجرة بها ومعها أي في الاستهلاك واستقبال المنتوجات الأجنبية التي يتم شراؤها بالعملة الصعبة، وما يحيل عليه كل ذلك من الاكتفاء بالقيام بدور هامشي وسلبي وعدم امتلاك سبل ولوازم التقدم وتأبيد بنية التخلف والتبعية رغم امتلاكها لكل المقومات البشرية والمادية لتطوير ذاتها ولعب دور الريادة الحضارية.

1-2: إعادة صياغة مهنة الأستاذ الباحث: بحيث تقوم على التدريس وليس البحث. والمؤسف هو أن نجد مثقفي الدول المتخلفة يزرعون بذور الأفول والخنوع بمسايرتهم لتوصيات المؤسسات العالمية ومجاراة قرارات التخلف. بحيث، نجد رئيسة جامعة الحسن الثاني – المحمدية تقول في مقاربة لها أسمتها: "ثقافة التجديد": "أعتقد فيما يبدو لي أن وضع المغرب في مجال البحث، يجب أن يحدد في ضوء مستوى البحث في العالم. فهذا الأخير في تقدم متزايد وفي متناوله إمكانيات هائلة وبنية تحتية قوية تمكنه من الاختراع المتسارع، أما هذا الوضع، ومن باب الغرور أن تكون استراتيجيتنا تقوم أساسا على الاختراع، قد نترك المجال لذلك إذا توفرت الإمكانيات والقدرات العلمية، ولكن يجب أن نبحث عن الامتياز بالمقارنة،  وذلك بالتركيز على ثلاثة عناصر:

          - تحويل المعارف،

          - تحيين المعارف،

          - تكييف المعارف"[23]

ولابد أن نذكر الأستاذة رحمة بورقية بأن رهانات البحث العلمي لا تتوقف على الإمكانيات أو على وضعية من القوة والتطور، و إنما على:

1- مشروع المجتمع الوطني الديمقراطي الحر أولا،

2- الإرادة السياسية المستقلة ثانيا،

3- القرار السياسي الملزم ثالثا،

  4- الصيرورة الزمنية الطويلة رابعا.

ولعل هذه المهننة تلتقي تلقائيا مع الغاية التي ترمي إلى الخوصصة التعليمية. إذ؛ يتلازم بعد المهننة مع عمق الخوصصة ولا  يستقيم، في تصور المسؤولين، إلا في ظلها، حيث تتحكم المقاولة  والشركاء في المهنة التعليمية، ويوجهون أطرها، ويضعون برامجها وأبحاثها ويقيمون مردوديتها وكفاءتها. فنظام المسالك المعبرة عن الحاجيات والأسلاك القصيرة المدد والتكوين يجيبان، بشكل فعال، عن تلازم المهننة والخوصصة وعن تحويل الجامعة إلى مقاولة للتربية والتكوين وشركة للخبرة والتجارة.

إن هذا التوجه النفعي يقتضي تلازم العلاقات بين التعليم والمحيط ويتوقف على مدى التماس الجامعة مع المقاولة، وهو الالتماس الذي لن يكون له من معنى من دون إعادة النظر في مدلول أهم مكون في بنية الجامعة الذي هو الأستاذ الباحث بإعادة تسميته وتحويله إلى مستخدم ليس بتغيير لغوي أو لفظي في الكلمات لبطاقة هويته ولكن بتفعيل جملة من المعايير والميكانيزمات الجديدة وإدخالها على بنية الجامعة لتؤثر، مباشرة وبشكل جذري، على مهنة الأستاذ الباحث ومهامه وأولوياته وليقوض فضاء الجامعة، حيث تشع روح الخوصصة وتزدهر ثقافة المهننة والمتاجرة.

ومن جملة هذه الضوابط الجديدة هنا إعمال مفهوم المردودية لتبرير الإنتاجية ومن أجل التحكم في المستخدم.

1-3- المردودية: يعد مفهوم "المردودية" من بين الاصطلاحات البراقة الجديدة والدخيلة على تدبير الشأن الجامعي. حيث يتحدث البنك العالمي والميثاق الوطني والقانون 01.00 عن مكافأة المردودية، وكأن الجامعة معطلة ولا تشتغل. بيد، أننا نفهم أن هذا المفهوم المغري تم إقحامه لتمرير قضايا أخرى ذات خطورة على تصورنا للجامعة وتبريرها كما هو الشأن بالنسبة إلى الجودة.

وهذا المفهوم ذو حدين: ذلك؛ أنه يعطي للمسؤولين إمكانية إدخال ميكانيزمات في التقويم والمراقبة، ويحقق مزيدا من الضبط والضغط على هيأة المستخدمين من جهة، كما يبرر الإقصاء والتهميش والمحسوبية والزبونية وتسريح المستخدمين أو تجميد أو تعطيل بعضهم ليشتغلوا بالتناوب من فصل إلى آخر و من سنة إلى أخرى ومن مؤسسة إلى أخرى ومن فئة إلى أخرى.

1- 4- الجودة: إن كلمة الجودة قد حظيت، هي الأخرى، باحتفاء كبير من طرف المسؤولين بالتعليم العالي، والجامعات. فبدأت توظف كشعار رنان و نغمة ساحرة من أجل بيع وتسويق جيد للمنتوج الجامعي، وكأنهم يتوقعون انشراح صدور المقاولة المتوحشة لسلعهم. فلقد انساق المسؤولون الجامعيون وراء أطروحة المقاولة التي تخفي عجزها ولا وطنيتها وراء عدم جودة الخريجين، وكأن المحيط احتضن كل المهندسين والأطباء والأطر المتخرجين من مدارس عليا مشهود لها بالكفاءة أو الآتية من دول أجنبية ذات المصداقية، ليبقى أن هذا المفهوم لا يخلو، هو أيضا، من خلفيات تداري الواقع الحقيقي وتجري وراء مقاولة وهمية أو متوحشة.

1- 5 - التقييم: إن التقييم أو التقويم كآلية لضبط المردودية والتحكم في الأستاذ الباحث وتغيير سلم أولوياته وتوجيه البحث وتقنين مجالاته لا يقتصر على التفعيل الأكاديمي والتعليمي والمهني للمؤسسات والأطر الجامعية، ولكن يراد به، أكثر من ذلك، إدخال ميكانيزمات غير مسبوقة على التعليم العالي للتحكم في الأساتذة والأطر بناء على أسس غير أكاديمية، وغير علمية مهما كانت تتوفر على حد من المصداقية البيداغوجية، وانطلاقا من الرغبة في تغليب البعد التقني – المهني المحض على البعد الأكاديمي المنهجي أو البعد المعرفي الإنساني الرحب أو البعد العلمي البحث، ناهيك عن مركزة دور الأستاذ الباحث في التعليم والتكوين قبل البحث.

1- 6- هيمنة المقاولة: إن هذه الثقافة الجديدة تفتح الجامعة على مصراعيها أمام المقاولة للتحكم في التكوين والبحث وتوجيهما بالشكل الذي تريده، في أي وقت كان، سواء بتواجدها داخل الجامعة أو من خارجها، وسواء عبر تحديد الحاجيات والأولويات بوضع البرامج والمسالك، وخلق الكليات والجامعات، أو من خلال الإشراف على التداريب والمشاركة في الامتحانات والمصادقة على التقييم و إعادة التوجيه المتواصل.

1- 7 - تقليص النفقات: إن الغاية الكبرى، في المرحلة الحالية بالنسبة إلى التعليم العالي، في نظر المسؤولين، هي إعمال كل الوسائل المؤدية إلى تقليص النفقات وخفض الاستثمار ومراجعة التكلفة في التعليم العالي. فاعتماد مبدأ مكافأة المردودية، أو البحث عن الجودة، أو إدخال التقييم، أو توجيه التعليم والتكوين والبحث في اتجاه المقاولة، وبحسب حاجيات المحيط، كلها قضايا تصب في تقليص النفقات التعليمية وتخليص الدولة منها. ومن أجل ذلك كله، كان لابد أن يتحول الأستاذ الباحث والإداري الجامعيين إلى مستخدمين يبحثون عن المردودية الفعالة والجودة العالية والتعليم النافع ويقبلون الخضوع لسلطة المقاولة ورقابة التفتيش، وعلى استعداد للعمل حيث تشاء الجامعة والقيام بكل المهام والتكاليف التي تسند إليهم داخل المؤسسات أو المصالح الجامعية أو المصالح المشتركة.

2 – الخلفيات: إن هذه الأهداف تتضمن خلفيات كثيرة تعطي لمدلول كلمة: مستخدم معناها الحقيقي بغض النظر عن المجالات التي يمكن أن ندخل فيها بشأن الإطار والتفسير القانونيين للمستخدم.

2-1- تكاليف جديدة: إن المردودية والجودة تتطلبان إسناد تكاليف جديدة للأطر الجامعية لا توجد ضمن النظام الأساسي للأساتذة الباحثين لسنة 1997. وقد يكون أغلب هذه التكاليف مرتبط بتكوينات هامشية أو ذات بعد تطبيقي وأعمال خبرة أو إدارة أو أعمال بشركات ومقاولات غير أعمال البحث التي تظل هامشية.

2-2- ساعات عمل: وتقتضي هذه الوضعية الجديدة "ملاءمة " جديدة لعدد ساعات العمل التي يقوم بها كل إطار من إطارات الأساتذة الباحثين / المستخدمين، إما بإعادة صياغة مفاهيم الدروس الأساسية والدروس التوجيهية والدروس التطبيقية وتحويل نظام الساعات حسب الواقع المرغوب فيه أو رفع ساعات العمل في ظل هيمنة الدروس التطبيقية والتوجيهية على المسالك والوحدات في مقابل ارتفاع عدد أساتذة التعليم العالي المكلفين بالدروس الأساسية المقلصة في هذا "الإصلاح" إن لم نقل غائبة،  بالإضافة إلى التطور الذي سيعرفه إطار الأستاذ المؤهل من جهة أخرى والذي يقترب إلى حد ما من إطار التعليم العالي. وفي جميع الأحوال، فإن الإيقاعات الزمنية للمستخدمين ستتغير جذريا نحو الأعلى باعتبار مهمة الأستاذ ستنحصر في التدريس والتكوين أو الإدارة على حساب البحث والثقافة، فضلا عما يسمى بالتعويضات التحفيزية.

2- 3- توقيف التوظيف: إن التركيبة الجديدة لساعات العمل ولإيقاعات الزمن، إلى جانب التعويضات التكميلية ستؤدي إلى توقيف التوظيف انسجاما مع ما سمي بالمردودية الفعالة ومع استراتيجية تقليص النفقات الجامعية. بحيث، تتحقق معادلات جديدة من التكاليف ونسب التأطير والخدمات المنجزة تكون لصالح الجامعة على حساب المستخدم والتوظيف.

2-4- العمل بالعقد: مادام الأمر أصبح يرتبط بالمستخدم وبمؤسسات متنوعة المهام وباعتماد الكفاءة، فإن الجامعة أصبحت منفتحة، أكثر من أي وقت مضى، ومن أحكام النظام الأساسي لسنة 1997، لتنويع وضعيات أطرها وتفعيل العمل بنظام العقد، سواء بالنسبة إلى حاملي الشهادات أو من غير شهادات موازية ومماثلة، وباسم التجربة والخبرة حتى تتمكن الجامعة من تلبية الخصاص كلما اقتضى الحال ذلك.

2-5- التعويضات التكميلية: ومن أجل " تحفيز؟  " المستخدم على العمل والبرهنة على درجة عالية من المردودية ؟ ارتأى المسؤولون تجميد راتبه و إخراجه من إطار الوظيفة العمومية، فأدخل القانون 01.00 مكان ذلك نظام التعويضات التكميلية عن المهام الإضافية أو البديلة التي سيقوم بها حتى يرتفع أجره ! ويتضخم راتبه ! سواء من خلال تحمل أعباء المسالك والوحدات والمجزوءات أو من خلال القيام بأعمال إدارية والالتحاق بالمصالح الجامعية والمصالح المشتركة.

وبذلك، يكون المستخدم الذي أنزل به كل حيف الوظيفة العمومية طيلة سنوات وعقود عديدة من الزمن قادرا على تحطيم كل الحواجز المالية ؟ في فترات زمنية وفصول معينة من السنة أو خلال سنوات ما حسب الاعتمادات والمسالك المحتملة وبمدى استطاعة المستخدم وتهافته على رفع حصص عمله، كما تتمكن الجامعة من تشغيل ونفخ من تريد وتعطيل من تريد. حيث، يشتغل جزء من المستخدمين لسنة معينة وتتعطل الفئة الأخرى لفصول أو سنوات في انتظار سنوات الغيث. ويكون من يرفض اللعبة الجامعية الجديدة محكوما عليه بالتهميش والبؤس.

2- 6- الإطار والتعويضات: إن هذه الميكانيزمات المتدخلة في تأثيث وبلقنة الفضاء الجامعي تجعل مفهوم الشهادات الجامعية العليا والإطارات الموازية لها والمتفرعة عنها عديمة القيمة والفائدة وستظل صورية. ذلك، أن المستخدم إطار يقوم بكل التكاليف والمهام الموكولة إليه. وهنا سيكون المستخدم المتفرع عن إطار أستاذ تعليم عالي مساعد مثلا يقوم بمهام تجعل راتبه أكثر!! من راتب أستاذ التعليم العالي و الأستاذ المؤهل. ولا يهم المسؤولين التفريط في التجربة والخبرة والأقدمية خصوصا وأن واقع المسالك لم يعد فيه مجال للدروس الأساسية، وأن الجامعة قد تمت هيكلتها، في الحقيقة، على سلك واحد ينتهي بدبلوم الدراسات الجامعية في الوقت الذي تظل فيه الأسلاك الأخرى قليلة الطلبة إن لم تكن صورية. والواقع، أن ما يهم المسؤولين ليس هو البحث و إنما تحريك عجلة الجامعة نحو المقاولة بثقافة القطاع الخاص وبمنطق التجارة واستراتيجية بلترة الأستاذ الباحث.

غير أنه لابد من الإشارة إلى أن التعويضات التكميلية التي تقاوم مفهوم الإطار وتحارب الشهادات وتعصف بالأقدمية:

- لا تدخل ضمن الراتب الأساسي،

- وتؤثر سلبا على معاش التقاعد،

- وهي ظرفية حسب أيام العمل (العطش) والفصول (العمل الموسمي) والسنوات المتضاربة وميزانية الجامعة المتغيرة.

2-7- تجميد الترقية: إن العمل بالتقويم، وبالتعويضات التكميلية، ليس له من هدف، في ظل تقليص النفقات، سوى تجميد ترقية المستخدمين والتحكم فيها بتفعيل ميكانيزمات معقدة وصعب الاستجابة لها إن لم يكن المستخدم يتواجد طيلة الوقت والأيام بالمؤسسة أو بمصالحها المتنوعة للقيام بمهام على حساب البحث وعلى حساب التكوين كذلك.

ولعل التحكم في الترقية يرتبط بالتحكم في التدرج والتطور المهني للمستخدم قصد عرقلة وصوله إلى الدرجات المتقدة من إطاره أو إلى نهاية الإطار نظرا إلى ما لذلك من آثار إيجابية على راتبه من جهة ومن انعكاسات مالية على المعاشات. وهذا يعني، أن التحكم في الترقية له علاقة مباشرة بتجميد الأجر دون أن ننسى أن من له حظوظ الاستفادة من الترقية هو ذاك الذي قام بأعمال معينة وحصل على تعويضات تتعلق بها.

2- 8- تجميد الرواتب: إن تجميد الترقية وتفعيل التعويضات التكميلية التي أصبحت امتيازا لا يستفيد منه سوى فئة من الأساتذة، وبصفة متقطعة وغير منتظمة، وبقيمة متباينة ومتفاوتة، يؤدي حتما إلى تجميد أجور الأطر الجامعية وتقليل إرادتها في استثمار جهودها المهنية في مشروعها الذاتي وتطوير تجربتها العلمية، والميل على العكس من ذلك، للانغماس في العمل اليومي جريا وراء التعويضات التكميلية. وبذلك، فإن من كان رأسماله الرمزي هو البحث العلمي ما عليه إلا أن يستعد لتحمل غبن التهميش أو تغيير الموقف وربما الجامعة أو استباق الزمن وتقديم استقالته. 

2-9- تشجيع الاستقالات: إن هذا الوضع المتردي يريد أن يؤدي بالأساتذة الباحثين إلى تقديم الاستقالات الفردية والجماعية والبحث عن ذواتهم خارج الجامعة بعدما تخلصت الوظيفة العمومية منهم من أجل تخفيف العبء على الجامعة و إنجاح مشروعها الاستراتيجي في تقليص النفقات وربح بعض الاستثمارات.

10- تسريح المستخدمين: وفي مقابل كل ذلك، فإن الجامعة قد أشرت على إعطاء نفسها حق اللجوء إلى الإجراءات القصوى والحاسمة بإمكانية تسريح مستخدميها الذين يظهر أنهم غير مندمجين وغير منسجمين مع ثقافة المقاولة أو غير مستعدين لبيع خدماتهم، مادام أنهم لم يعودوا موظفين لدى الدولة، وبما أن الجامعة هي التي تؤدي رواتبهم بحسب تعاقدها على تكوينات ومسالك ومشاريع مع الدولة وغيرها من "الشركاء". وبذلك، يدخل مبدأ المرونة كمقوم مركزي في ثقافة الباطرونا ونظام السوق فضاء الجامعة ومعجمها من الباب الواسع من حيث كون الجامعة ستصبح محكومة بتوازن ماليتها الإجمالية، وبتحقيق أرباح ومكاسب سنوية في ظل مفاهيم المنفعة، والجودة والمردودية كي تتحقق نتيجة تطهير القطاع الحكومي العمومي على حساب الجامعيين:

2-11- إلحاق المستخدمين بالقطاع الخاص: ويبقى الرابح الأول والأخير في هذه الإكراهات هو التعليم العالي الخاص الذي سيستفيد من أطر التعليم العمومي ومستخدمي الجامعات ومن تجربتهم بعد ما كونتهم الدولة، ورغم كون الجامعات هي التي تدفع تعويضاتهم ومعاشاتهم. بحيث إن التعليم العالي الخاص سيستفيد من الأطر الجامعية بالشكل الذي يريد في إطار اتفاقيات أو شراكات عوض أن يعتمد سياسة وطنية للتوظيف وحل مشكلة الخريجين من حملة الشواهد العليا. 

تفييء المؤسسات الجامعية والكليات والشعب: كما سبقت الإشارة إلى أن التعليم ما قبل العالي سيعرف اختلالات كبيرة وتباينات واضحة في المستوى المادي من أكاديمية إلى أكاديمية ومن جهة إلى جهة ومن مدينة أو إقليم إلى مدن و أقاليم أخرى ومن نيابة إلى نيابة ومن ثانوية إلى ثانوية داخل نفس النيابة أو المدينة والإقليم والجهة وبالأكاديمية نفسها، حيث ستكون هناك أكاديميات ونيابات وثانويات غنية وأخرى فقيرة مما سيكون له انعكاس على عدم تكافؤ الفرص بين التلاميذ وعلى تعليم مؤهل وله إمكانيات وآخر فقير ومعدوم؛ وكما سبق القول بأن اعتماد مبدأ التعويضات التكميلية سيؤدي إلى تفييء الأساتذة الجامعيين، وخلق اختلالات في الرواتب والأجور بالنسبة إلى الأستاذ الواحد من فصل إلى فصل ومن سنة إلى سنة، وبين الأساتذة فيما بينهم، فإن اعتماد توجيه نظام التكاليف الجامعية، بحسب المنافسة فيما بينها في ارتباط بالتكوينات والمسالك والمشاريع والانفتاح على المحيط والقطاع، سيؤدي إلى جامعات غنية وأخرى فقيرة، فضلا عن التفاوت بين الجهات وبين القدرة على إنتاج شراكات وتلقي إعانات وقروض وطنية ودولية ستكون كلها مرتبطة أيضا، بالنسبة إلى الجامعات ومدى تأهيلها وسمعتها التي لن تكون سوى في صالح الجامعات القديمة وذات الموارد البشرية المرتفعة مقارنة مع الجامعات الجديدة والصغيرة المحدودة المؤهلات والموارد البشرية وخصوصا من حيث الإداريين. ويرتبط بهذه الاختلالات تفييء المؤسسات الجامعية داخل الجامعة الواحدة بحسب العناصر السابقة إضافة إلى الميز الموجود في "الإصلاح" بين كليات الآداب و كليات العلوم وبين هذه الأخيرة وبين الكليات التقنية سواء من حيث طبيعة المسالك ومضامينها، أو من حيث حجم المشاريع التقنية التي تحظى بالأولوية أو من حيث مراكز البحث. ويضاف إلى ذلك ما سيؤدي إليه تطبيق رسوم التسجيل من تمايز مهول بين الجامعات ومن كلية إلى كلية مهما تطابقت التخصصات. بحيث، إننا سنكون أمام كليات غنية وأخرى فقيرة كما هو الشأن بين كلية الآداب بنمسيك مثلا وكلية الآداب عين الشق اعتبارا لطبيعة الفئات الاجتماعية التي تلجأ إلى كل كلية منهما مثل أنفا و المعاريف ومرس السلطان حيث تقطن ساكنة ذات دخل قد نقول إنه مرتفع إجمالا والتي يتسجل أبناؤها بكلية الآداب عين الشق، بينما سنجد الفئات الاجتماعية التي تلجأ إلى كلية الآداب بنمسيك تأتي من بنمسيك والحي المحمدي والفداء درب السلطان؛ وهي فئات اجتماعية فقيرة.

وقد يضاف إلى كل ذلك التميز البين بين الشعب والتخصصات داخل الكلية الواحدة. إذ، سنجد بعض الشعب تتوفر على ميزانية أكثر من الشعب الأخرى مادام أن المنظرين للإصلاح الحالي المفلس من رؤساء الجامعات المبجلين قد اقترحوا في مشروع القانون الداخلي الذي قدموه لبعض الجامعات بأن تكون ميزانية الشعب، حسب العنصر الثامن والمادة 14 بالصفحة 39 من هذا المشروع المفلس،  بحسب طبيعة التدريس والتعليم المقدم من طرف هذه الشعب. وهو ما يعني أن شعب مثل الدراسات الإسلامية واللغة العربية والتاريخ والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع ستضطر لمسايرة السوق لبيع منتوجها بطريقة نافعة تمكنها من الحصول على حقها من الميزانية.

2-13  - إعادة الانتشار : قد تكون مسألة إعادة الانتشار مسألة غير ذات أهمية بالنسبة إلى الجامعات بما  أن النظام الأساسي لسنة 1997 يجعل دائرة عمل الأستاذ الباحث تقترب من 100 كلم بعيدا عن  مقر تعيينه. غير أن مسألة إعادة الانتشار التي تعني إعادة تعيين المستخدمين من طرف رئاسة الجامعة في مقرات عمل جديدة من مؤسسات ومصالح و مصالح مشتركة تطرح العديد من الإكراهات مهما كانت تجيب عن توازنات أو حاجيات أو تستجيب لإعادة هيكلة جديدة لمكونات الجامعة، خصوصا إذا كان التعيين الجديد تعسفيا في حق الأساتذة الباحثين والإداريين. ومن بين الإكراهات والإشكاليات التي   ستطرحها مسألة إعادة التوزيع والانتشار ما يلي:

1- تعسفية التعيين الجديد كلما كان يخالف إرادة الأستاذ الباحث أو الإداري،

2-عدم استقرار الأطر الجامعية المتجولة من مؤسسة إلى أخرى ومن مصلحة إلى مصلحة       

3-عدم التوازن بين التدريس والبحث نظرا إلى ضياع الوقت بين المؤسسات ولعدم تواجد الأستاذ في مقره الأصلي حيث يتوفر أو يوفر لنفسه إمكانيات العمل والبحث بحسب الاستغلال الجيد للوقت،

4-عدم توفر جميع الأساتذة على مكاتب أو مقرات عمل لكونهم سيصبحون بمثابة رحل من مؤسسة إلى أخرى،

5-تشتيت الوحدة الاجتماعية للأساتذة وضرب فعاليتهم النقابية التي بدأت في التلاشي من الآن،

6- خلق أوضاع اجتماعية سيئة و إضافة تكاليف مالية، ومجهودات في السفر والتنقل بالنسبة إلى الأساتذة والإداريين الذين لا يتوفرون على جامعة موحدة بتراب نفس المدينة مثل جامعة المحمدية – بنمسيك، حيث سيؤثر ذلك سلبا على الأساتذة والإداريين الذي اختاروا الاستقرار الاجتماعي بالدار البيضاء أو بالمحمدية وسيتم تعيينهم بالمدينة الأخرى علما بأن هناك فرقا بين استكمال ساعات العمل الوارد في النظام الأساسي لسنة 1997 الخاص بالأساتذة الباحثين وبين التعيين الجديد النهائي أو لسنوات أو لسنة أو لفصل على الأقل، دون تعويض على عكس ما كان ينص عليه النظام الأساسي لسنة 1997.

تركيب:

إن كل هذه العناصر التي تنظم مدلول كلمة مستخدم توضح مدى التغير الذي يطرأ على الجامعة والتحول الذي تخضع له المهنة والانقلاب الخطير الذي حصل في أولويات مهمة الأستاذ الباحث ليس من أجل تفعيل المردودية والبحث عن الجودة، ولكن أولا وأساسا من أجل تقليص نفقات التعليم العالي على حساب التكوين والبحث وأخلاقيات المهنة. وبهذا، فإن كلمة مستخدم ليست كلمة فارغة، ولكن قيمتها تستمدها من مضمونها المشحون بقيم السوق والرأسمال والبلترة والاستغلال المتوحش ناهيك عن التبخيس المعنوي الذي لحق الأطر الجامعية من خلال التخلي عن المدلول الرمزي للأستاذ الباحث كأستاذ باحث وكموظف دولة.

ولعل الفرق بين الأستاذ الباحث وبين المستخدم يظهر للعيان في ما تحيل عليه كلمة أستاذ من قيمة رمزية من جهة وتشير إليه كلمة باحث من إرادة ذاتية في العمل وحرية في البحث وفاعلية في تلقين المعرفة والزيادة في التنمية، وبين ما تتضمنه كلمة مستخدم من زيادة في التكاليف والمتاعب وتعسف وتحسن في العمل و خضوع لإرادة المشغل الجامعي وتبعية لحاجيات المقاولة، فضلا عن البون الشاسع بين الباحث من حيث وضوح المهمة المنوطة به تربويا وعلميا وثقافيا وحضاريا وبين المستخدم وغموض الأدوار التي ستسند إليه وتضاربها.

وبلغة المعرفة والعلم، يمكن القول إن كل من لفظ المستخدم ولفظ الأستاذ الباحث يترجم لوجهة نظر حادة لما يكون عليه المفهوم الجديد للجامعة. فكلمة مستخدم تجسد تصورا يقوم على تكليف الأستاذ بمهام محددة، يجب أن يقوم بها بدقة، ودون مناقشة حتى وإن غيرت حياته المهنية ومفهومه للتعليم والتكوين أولا والبحث ثانيا، وفرضت عليه أعباء لا علاقة له بها وعلاقات شراكة وتجارة وربح يتبرأ منها، فيما يجسد لفظ الأستاذ الباحث تصورا ديناميا ومرنا للعمل يقوم على الفعالية داخل الاختيار والحرية والبحث الذي له نفس مكانة التعليم والتكوين في إطار علاقات أكاديمية واضحة ذات أفق إبداعي واستكشافي وليس تكييفي أو تحويلي أو مجرد استهلاكي.

على أن هذه المسألة التي قد لا تتضح سلبياتها لكل من لم يتابع دراساته العليا ولم يؤسس حياته المهنية ومصيره الثقافي على البحث والأعراف الأكاديمية وخصوصا إذا كان يحمل نظارات تقنوقراطية أو منغمسا في دواليب وزارة المالية والحسابات التقويمية، ذات الآثار الوخيمة على استقرار الشغل كما هي عادة رؤية المشرع للوظيفة العمومية في الوقت الذي يشكو حملة الشهادات العليا من البطالة. ذلك، أن مفهوم المستخدم، من حيث ارتباطه بالجامعة، سيرتبط لا محالة بتسريح الموارد البشرية وبعدم استقرار الشغل الذي لم يعد يهم الدولة في شيء مادام هاجسها هو تقليص نفقات التعليم العالي وتطهير موظفيه من الوظيفة العمومية.



[1]- مقتطفات من الخطب الملكية المتعلقة بالتعليم (مارس 1999 – شتنبر 2000) والميثاق الوطني للتربية والتكوين، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، المملكة المغربية، يناير2000، ص: 6.

[2] - الجهود الإصلاحية بوزارة التربية لوطنية. مارس 1998- يوليوز 2002، ص ص: 108 – 109.

[3] - خطب الوزير الأول، خطب الوزير الأول الأستاذ عبد الرحمن يوسفي ج 1، 1998 المملكة المغربية.مطبعة المعارف الجديدة. الرباط 2002 ص: 52.

[4] - المرجع نفسه، ص – ص: 52 – 53.

[5] - المرجع نفسه، ص: 57.

[6] - المرجع نفسه، ص: 58.

[7] - المرجع نفسه، ص: 32

[8] - المرجع نفسه، ص: 33.

[9] - المرجع نفسه، ص: 36.

[10] - المرجع نفسه، ص: 37.

[11] - المرجع نفسه، ص ص: 283 – 284.

[12] - رحمة بورقية، مشروع تطوير جامعة الحسن الثاني- المحمدية، أبريل2002، ص: 33 / 36.

[13] - المرجع نفسه، ص: 77

[14] - خطب الوزير الأول، ج 1، مرجع سابق، ص: 52.

[15] - المرجع نفسه، ص: 57.

[16] - المرجع نفسه، ص: 58

[17] - المرجع نفسه، ص: 60

[18] - حصيلة العمل الحكومي، مرجع سابق، ص: 32

[19] - المرجع نفسه، ص: 33.

[20] - المرجع نفسه، ص: 37

[21] - مشروع القانون الداخلي للجامعات المنجز من طرف رؤساء الجامعات والمقدم من طرف رئاسة جامعة الحسن الثاني – عين الشق بالدار البيضاء لمجلس الجامعة في شهر مارس 2003.

[22] - المرجع نفسه، ص ص: 283 – 284.

[23] - رحمة بورقية: مشروع جامعة الحسن الثاني – المحمدية، مرجع سابق، ص – ص: 83-84.