الفلسفة والديمقراطية في العالم:
من أجل مدرسة للحرية
تقديم:
ليس غريبا عن حقل
التفكير الفلسفي التساؤل: هل يمكن أن تحتل الفلسفة مكانة ما في عالم اليوم؟ بماذا
يمكن أن يفيد التراث الفلسفي الخالد؟ هل يفيد تعليم الفلسفة الإنسان وهو يعيش
تجربة عصر يطغى عليه تدفق المعلومات والصور وتحاصره التقنية في أبسط وأقرب أشيائه
اليومية؟!
من أجل الاقتراب من هذه
الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها، أنجز الفيلسوف والصحفي "روجي-بول دروا-Roser-Pol Droit" تحقيقا حول: "الفلسفة والديمقراطية في
العالم"(*) وذلك بتوجيه من المنظمة
العالمية للتربية والثقافة والعلوم (Unesco).
لقد استهدف التحقيق جمع معطيات حول تعليم الفلسفة في العالم، وأهمية وفائدة هذا
التعليم وكذا الصعوبات والمشاكل التي تعترضه.
وفي
هذا الإطار وضع "فيديركو مايور-Féderico Moyer" –المدير العام السابق لمنظمة اليونسكو- تصديرا لهذا
التحقيق/الكتاب، وبالرغم من كون الأستاذ "مايور" غير متخصص في الحقل
الفلسفي –بالمعنى التقني للاختصاص- فإن ما أورده في هذا التصدير ينم عن حس فلسفي
مرهف، وعن دراية دقيقة يروح التراكم الفلسفي الذي أبدعه الفلاسفة عبر التاريخ.
ونظرا لأهمية الأفكار والاقتراحات التي يحملها التصدير، وباعتباره يضع الفلسفة في
عمق التحولات والصراعات والتفاعلات الاجتماعية، نقدم ترجمة له تعميما للفائدة
المحتملة.
التصدير:
أنتم
الذين تفتحون للتو هذا الكتاب تعرفون أن زمننا هو، أكثر من أي زمن آخر، زمن
الأخطار والآمال. أن تقيموا بالشمال أو بالجنوب، أن تكونوا شبابا أو شيبا، فإنكم
لا تجهلون أننا جميعا نواجه مخاطر كونية كبرى وفي مجالات أساسية متعددة. بالفعل،
لم يسبق للإنسانية أن حازت على هذا القدر من القدرة على الهدم، ولم يسبق لها أيضا
أن امتلكت مثل هذه القوة لبناء مستقبلها، ولهذا نعتبر كل يوم أن الصعوبات تتزايد،
ولكن المبادرات تتعدد أيضا من أجل جعل العالم أكثر إنسانية.
هل
للفلسفة في هذا العالم المتحول من دور تلعبه؟ بدون تردد، نقول، نعم، في نظري،
فمساهمة الفلاسفة أساسية لفهم حاضرنا وبناء مجتمعات الغد، وعلى هذا الأساس قررت
السهر شخصيا على تطوير أنشطة "اليونسكو" في المجال الفلسفي. هناك سببان
رئيسيان يفسران هذه القناعة، وهما ما أتمنى توضيحه في بعض الكلمات.
السبب
الأول: يوجد في التراث الفلسفة الهائل عدد كبير من الأدوات التي يمكنها أن تتيح
لنا فهما جيدا للتغيرات التي تجري أمام أنظارنا. لا يتعلق الأمر بأن نطلب من
الفلاسفة، القدماء أو الجدد، أن يكونوا أجوبة جاهزة، ولكن من الضروري الالتفات إلى
هذا الخزان الرائع من الأفكار والمفاهيم التي تقدمها المذاهب الفلسفية، حيث سنجد
أدوات لبلورة تحليلات جديدة يتطلبها العصر الحالي. لا ننسى أنه في كل الثقافات يجد
التفكير المتداخل الاختصاصات (Interdisciplinaire) عاداته الأكثر قدما والأكثر صلابة عند الفلاسفة. بالنسبة لهم،
فإن ضرورة إزالة الحواجز أمام المعارف، مقارنة الإجراءات النظرية، وفتح مجال
التفكير إلى أقصى حد، ليست ضرورة جديدة، إنه الأفق الطبيعي لأسفارهم الروحية. بهذا
المعنى، فالفلسفة مدرسة للحرية، إنها تحفز الفكر على اليقظة لدائمة، فضد الرتابة
الفكرية يكمن العلاج الذي تقدمه في خلق مفاهيم. يتمثل التحريف الأساسي الذي تقوم
به الفلسفة في ما يلي: "لتتجرءوا على أن تكون لكم أفكار جديدة! لتكن لكم
أفكار لم يسبق لأحد أن كونها!"، وعليه، فمن واجب اليونسكو أن تدعو الفلاسفة
لتحليل المشاكل الكبرى التي تطرح حاليا على الإنسانية في جميع المجالات. إن نداء
اليونسكو ليس لمنافسة منظمات الأبحاث المتعددة التي تنظم في العالم كله أعمالا
متخصصة-تاريخ الفلسفة أو التحليل العالم للمذاهب- بل يسعى إلى مهمة مختلفة: حث
الفلاسفة على التعاون بفعالية في التفكير الدولي في التحديات العالمية عن طريق
صياغة نصوص والمشاركة في اللقاءات العمومية، وبواسطة مقابلات مسجلة وأنشطة موجهة
بالتعاون مع وسائل الاتصال الكبرى.
الحكم
عن طريق الرأي الخاص:
السبب
الثاني الذي يقنعني بأهمية الفلسفة في بناء مستقبلنا هو أيضا بدون شك أكثر قطيعة،
أريد الحديث عن التربية، فتعليم فلسفي واسع الانتشار بطريقة سهلة المنال وملائمة،
يساهم بشكل أساسي في تكوين مواطنين أحرارا، إنه يدرب بالفعل على الحكم الخاص
(الشخصي)، على مواجهة مختلف الحجيج، على احترام كلام الآخرين، وعلى الخضوع لسلطة
العقل فقط. إنه مرة أخرى، وبشكل أكيد، مدرسة للحرية.
يقود
هذا التعلم العملي للحقوق الأساسية أيضا إلى اكتشاف الكوني (L’universel)، إنه يوسع فعلا قدرات التفكير وحقل الفكر من خلال فهم
وجهات النظر غير المألوفة، فهو يسمح –بعيدا عن الأجوبة المختلفة- بإدراك إلى أي
مدى تقرب أسئلة الحياة الأساسية بين الكائنات الإنسانية أكثر مما تباعد فيما
بينها. هكذا، كم ستكون –على سبيل المثال- التساؤلات حول أسس معارفنا، حول القيم
التي يجب أن تقود أفعالنا، حول احترام الغير، وحول مسؤوليتنا اتجاه الأجيال
القادمة كونية حقا.
إن
صيغة مفتوحة وفي مقدور الجميع للتدريب على التفكير الفلسفي تجسد "مجتمع
العقول" هذا الذي سبق لـ"بول فاليري" أن اعتبره من آماله في سنوات
الثلاثينات، بمجلس التعاون الفكري الدولي. بهذا المعنى، فكل ما يساعد على إمكانية
تعليم فلسفي يساهم في بناء "دفاعات السلام في عقل الناس"، وهي مهمة
تأسيسية لليونسكو. لقد دعت، إذن، هذه المنظمة دائما إلى دعم تطور التعليم الفلسفي
للشباب والكبار، ولكي يكون هذا الدعم ناجعا، وتتمكن مبادرات اليونسكو من حفز
الطاقات، لا مفر من معرفة دقيقة بالوضعية الدولية. لقد عملت اليونسكو منذ خلقها
إلى الآن في هذا الاتجاه، هكذا وانطلاقا من 1950، قرر المؤتمر العام في دورته
الخامسة أن يجري: "تحقيقا حول المكانة التي يحتلها التعليم الفلسفي في مختلف
أنظمة التربية، حول الكيفية التي يقدم بها، وحول التأثير الذي يمارسه على تكوين
المواطن" [ قرار رقم 4-1212]. إن نتائج هذا التحقيق الأول التي نشرت من طرف
مطابع اليونسكو سنة 1953 تحت إدارة الفيلسوف الفرنسي "جورج كونغلهيم"،
يجب أن تستعاد وتوسع. هذا هو هدف برنامج "الفلسفة والديمقراطية في
العالم" والذي أسندنا مهمته للفيلسوف والصحافي "روجي-بول دروا".
ديمقراطيات
جديدة:
لقد
كان اتساع التحولات السياسية والثقافية ما بين أواسط القرن العشرين ونهايته جديرا
بالاعتبار، ويمكن أن نقول أننا لا نقطن نفس الكوكب الذي سكنه الناس في سنوات 1950.
لقد تغيرت الفلسفة وتعليمها بدون شك، لكن –وبالخصوص- ولدت ديمقراطيات جديدة في
إفريقيا، آسيا، في أوروبا ما بعد الشيوعية، في أمريكا اللاتينية المتخلصة من
الديكتاريات العسكرية، وأيضا في بعض البلدان العربية، وأخيرا لقد تغيرت اليونسكو
أيضا طيلة نصف القرن هذا إذا عرفت، خاصة، توسها جديرا بالاعتبار في عدد من الدول
الأعضاء وفي حقل أنشطتها، فبعد اجتيازها لأزمات، عرفت كيف تنظم إعادة تجديدها
وتستعد مبادئها المؤسسة.
يمكن
لبعض الأرقام أن تسمح بالوعي بالاختلاف بين التحقيق الذي أجري سنة 1951 وذاك الذي
يجري اليوم، فالأول لم يهتم في نهاية المطاف إلا تسع دول، أما المعطيات المجمعة من
طرف برنامج "الفلسفة والديمقراطية في العالم" فهي تصدر عن 66 دولة حيث
تم تجميع وفرز الأجوبة المتعددة في بعض الشهور فقط. وبغض النظر عن الوجه الكمي غير
المسبوق في هذا المجال، فقد وصل هذا التحقيق إلى أربع إثباتات حيث يلخص بشكل جد
مفيد التحليلات الأولى.
يؤلف
تقرير "روجي-بول دروا" أيضا سلسلة مهمة من المقترحات الملموسة المتعلقة،
على سبيل المثال، ببيداغوجيا متعددة تجمع بين الكتاب، التعليم عن بعد،
السمعي-البصري، والإعلاميات. هذا الجانب الملموس أساسي، وبالفعل، فتغيرات الواقع،
حتى ولو كانت ضئيلة، التي يمكن أن يؤدي إليها عمل من هذا النوع هي في نظري
انتصارات كبرى للعقل على البيروقراطية الكونية. كثير من الاجتماعات والندوات
وجلسات الدراسة والخبرات لا تفتح على أي اقتراح عملي! العمل الوحيد الذي ينبئ جيدا
بتحقيقها أن تصبح هذه الاقتراحات هنا عديدة ومفصلة.
ما
هي بالضبط الروابط بين الفلسفة والديمقراطية؟ يبدو لي من الضروري الإشارة بسرعة
إلى نقطة أساسية في انتظار تطورات وخلاصات هذا الكتاب.
إننا
نعتبر أن التعليم الفلسفي ينتظم ويتوسع في نفس الوقت مع الديمقراطية،
فالديكتاتوريات والكليانيات تمنعه وتحرفه عن مسعاه للحرية. لقد كان "إعلان
باريس من أجل الفلسفة" الذي تبناه المشاركون في الأيام الدولية لدراسة
"الفلسفة والديمقراطية في العالم" المنظمة من قبل اليونسكو أيام 15 و16
فبراير 1995، على صواب عندما أشار إلى أن "التربية الفلسفية -بتكوينها لعقول
حرة ومفكرة- قادر على مقاومة مختلف أشكال الدعاية والتعصب والتهميش واللاتسامح،
تساهم في السلام وتهيئ كل واحد لتحمل مسؤولياته أمام النص المهم الذي يستحق أن
يتسع انتشاره، أيضا، والحق إلى أن "تطور التفكير الفلسفي، في التعليم وفي
الحياة الثقافية، يساهم بصورة مهمة في تكوين مواطنين يمارسون قدراتهم في الحكم
كعنصر أساسي في كل ديمقراطية".
استقلال
الفلسفة:
أتمنى
أن أستبعد إمكانية للغموض إذ سنكون على خطأ إذا جعلنا من الفلسفة والديمقراطية
متساويين بشكل كلي، سنجانب الصواب إذا اعتقدنا أن الفلسفة هي بالضرورة، وبالطبيعة،
في صف الديمقراطية. سنكون واهمين إذا تمنينا تطوير التعليم الفلسفي بالاعتقاد أنه
يجب أن يؤدي بصورة آلية وأداتية إلى انتشار القيم الديمقراطية. إذا وجدت بالفعل
قرابة جوهرية بين حرية الفكر والكلام في الفلسفة من جهة، والمساواة والتعددية
المميزتين بالضرورة ديمقراطية.
يقدم
التاريخ أمثلة عديدة عن روابط ضيقة بين التفكير الفلسفي والفعل الديمقراطي، مثل:
أثينا القرن الخامس قبل الميلاد، فرنسا القرن 18، أوروبا الغربية في 1848، أوروبا
الشرقية منذ 1989. غير أن فلاسفة كبارا، عبر كل التاريخ الطويل، لم يكونوا
–سياسيا- ممن نسميهم ديمقراطيين، هل سنستبعد أفلاطون، نيتشه أو هايدغر من دراسات
الفلسفة؟ سيكون ذلك عبثا، علينا أن نخلص إلى استقلالية الفلسفة. من حيث هي مدرسة
للحرية لن تكون (الفلسفة) مرغمة على دعم أي نظام سياسي ولا أي إيديولوجيا، إنها لن
تتوقف على إخضاع كل شيء للفحص النقدي بما في ذلك وجودها ومناهجها.
إن
العنصر الذي يقرب أكثر، بلا شك، بين الفلسفة والديمقراطية هو التالي: نفس القدرة
على نقد الذات. تضع الفلسفة نفسها باستمرار محط اتهام، إنها تراهن على خصوبة الشك،
وهذا ليس حال العقائد. أما الديمقراطية، فإنها تتساءل حول ذاتها، إنها لا تتردد في
الإشارة إلى مكامن ضعفها الخاصة، وهذا ليس حال الديكتاتوريات والكليانيات. لا
يوجد، إذن، الرابط بين الفلسفة والديمقراطية على السطح وفي لعبة الآراء وتعدد
الأحاديث الشاذة، إنه يكمن في كونهما تشجعان النقد في إطار احترام كرامة الغير،
إنهما تدفعان كل واحد إلى ممارسة قدرته على الحكم، أن يختار بنفسه أفضل نمط
للتنظيم السياسي والاجتماعي، أن يجد قيمه الخاصة، وباختصار أن يصير ما هو عليه،
كائن حر. في وسط المخاطر ليس لنا من أمل آخر.
(*) Roger-Pol Droit, Philosophie et Démocratie dans le
monde (une enquête de l’Unesco), Editions Unesco, 1995