ص1       الفهرس  61-70

 

"قارة سوداء أم شاطئ أبيض؟"[i]

 

ترجمة: الحسن الضيف

"القارة السوداء ليست سوداء، ولا هي غير قابلة للاستثمار: لم تكن مستثمرة بعد، لأنهم جعلونا نعتقد بأنها سوداء للغاية، بغية إبقائها كذلك، ولكي يجعلونا نعتقد كذلك، بأن ما يهمنا هو القارة البيضاء بمعالمها الناقصة".

            هلين سكسوس HELENE CIXOUS

في نهاية المطاف، وبعد أن اتضح لنا الأمر اليوم على أنه عبارة عن منع وحصار طويلين ضد المرأة، ألا تكون محاكمة هذه الأخيرة هي ما حاول فرويد تقنينه؟ ألم يتكلم، رغما عنه عن الرجل فقط دون المرأة؟ هذه المرأة، الوجه الآخر للرجل، هل لها علاقة بتلك التي رآها وسمعها فرويد طوال سنوات خلال ممارساته اليومية؟ وعن هذه الأخيرة هل يعرف شيئا؟

إن الشيء الذي يجعل أمر فرويد مشكوك فيه هو اليوم الذي راسل فيه ماري بونبارت Marie-Bonaparte قائلا: "السؤال الكبير الذي لم يتضح لي بعد، والذي لم أستطع الإجابة عنه رغم ثلاثين عاما من البحث في الروح الأنثوية L’âme Féminine هو: "بماذا ترغب المرأة؟".

إذن، لم يستطع فرويد، رغم ما قاله وأعاد قوله، أن يحس في أيام كبره، بتقدم اتجاه مشكل المرأة، كما أنه لم يتردد سنة 1925 من الاعتراف بذلك علنية: "نحن نعرف عن الحياة الجنسية للفتاة أقل مما نعرفه عن مثيلتها لدى الفتى(…) إن الحياة الجنسية للمرأة البالغ ما تزال قارة سوداء بالنسبة إلى السيكولوجيا la psychologie".

هاهو يصرح بهذه الكلمة المزعجة، المعروفة جيدا لدى الجميع، هذا التصريح الغارق في الذاتية، والذي أصبح مربكا = subjersif لأن تلك القارة (السوداء)، ليست سوداء بالنسبة إلى فرويد(…) سوى لأنها تخيفه كما يخيفه كل شيء يجهله. لقد رأينا بالنسبة إلى الشعراء، أنهم ينفردون بأغنى الألوان).

لنتذكر أنه كان يخاف السفر إلى الخارج (حلقة سفره الذي لم يتم إلى روما) إذن ماذا نقول عن السفر عند "الغريبة" التي تمثلها المرأة بالنسبة إلى الرجل؟

هذا اللون الأسود يحيلنا على الليل بكل استيهاماته، الأكثر أو الأقل استفزازا، بأرواحه الشريرة وكوابيسه المريبة. في الليل يمكن أن نتعرض لأي شيء: نحن مقدمون، بدون حماية، للقوى الغير المرئية، التي ندفعها عنا ببساطة خلال النهار. إن فرويد يسر هنا بخوفه الأصلي من المرأة المندس في نظريته التي تهدف، بشكل أساسي، إلى جعل هذا الخوف مهيمنا، هذا يعني أن مفاهيمه التي تخص المرأة ليست مؤسسة على وقائع نسوية، بل على مخاوف ذكورية.

ليس فرويد الوحيد الذي عبر عن آراء منقصة للنساء، تذكروا الرأي المشهور "المرأة ليست كيانا موحدا = toute"، هذه المرأة ذات البطن الممتلئة بالوعود، في حين أن الرجل ينظر إلى نفسه على أنه وحد = un إلى الأبد، بعد هذا السواد المزعج، يمر فرويد إلى البياض بطريقة عمياء، الأمر الذي حول هذا المرور إلى لغز لم يتوضح أو سر لم ينكشف. وبصدد المرأة، ألم يثر حضارة الحقبة ما قبل الهيلينية، ما بين الألفية الثالثة إلى حدود سنة 1100 قبل الميلاد؟ ألم يعد إلى الماضي متلهفا عساه يكتشف شيئا، وليته ينظر إلى التي يراها يوميا؟

عندما يتعلق الأمر بالنساء، وبواسطة الإبداع الخاص والبسيط أو بواسطة الخوف، ينتقل فرويد من السواد إلى البياض، من اللامشكل = l’informulé إلى انعدام الشكل l’informulable "إن كل ما يتصل بمجال الرباط الأول بالأم، يظهر لي صعب الإمساك به تحليليا = Anlytiquement، مبيض بسبب الأعوام، غامض، يصعب عيشه كلية مرة أخرى [أي الرباط]، كأنه خضع لكبت غير قابل على الخصوص، للترويض وبالتالي للاستخراج = Inexorable.

لكن لماذا لا يتكلم هكذا إلا حين يتعلق الأمر بالنساء؟ هل يتذكر الرجال، بشكل جيد، عضو المرأة الجنسي والأذرع التي حملتهم؟ هذا ما لا تفصح عنه العيادة النفسية.

بكل بساطة لا، إن فرويد حيت تخلى في محاضراته الجديدة، عن نفي المرأة، وبالتالي جعلها تتكيف مع الوضع، قد وجد نفسه مضطرا لإبقائها بعيدا في المستودع الأرضي = Cave (أسود) أو في المستودع الفوقي = Grenier (بياض غبار السنوات الماضية)، هناك تصبح في أفضل موقع بالنسبة إليه من وجودها وجها لوجه معه، إذ كيف يتصور أن يتواجه مع التي كان يعشقها في الزمن الأول، والتي أزاحته بعد ذلك لصالح امرأة أخرى..؟

صراع ذكوري بامتياز أرغم فرويد، طوال سنوات، على مساندة النظرية التي تعمل على التفريق باستمرار بين المرأة والرجل.

أيكون الأمر صدفة، حين تجرأ فرويد سنة 1931، في إحدى الندوات حول موضوع "الجنس الأنثوي" إذ غير موقفه من المرأة، وبدأ يطرح أسئلة جديدة، أم أن ذلك لم يقع إلا بعد موت أمه (أملي أم فرويد، عمرت طويلا، ولم تمت إلا سنة 1930، في حين كان عمره هو آنذاك أربعة وسبعين سنة، وسيموت بعد سنوات)؟.

تخلى فرويد، أخيرا عن المقاومة التي ملأت حياته، مقاومته ضد أمه وضد المرأة، وكف عن الاستناد على مبررات ضاربة في القدم، مثل وضعها الاجتماعي المزري، ودورها العائلي والأمومي، وقد توصل، أخيرا، إلى عدم استعمال عيب جنسها الأنثوي Conformation sexuelle féminine من أجل تفسير دونيتها البطريكية.

هكذا تبرز الأسئلة الحقيقية التي لم يتوصل فرويد إلى طرحها بعد، لأنه إذا ما كففنا عن النظر إلى المرأة على أنها تلك التي تبخس ما تملكه وتتشوق إلى ما يملكه الرجل، فماذا تملك في الحقيقة؟ وماذا تعيش؟

لقد توصل فرويد متأخرا إلى طرح سؤال أساسي وهو: ما الشيء الذي تعيشه البنت الصغيرة أمام أمها؟

إنه في النهاية، ينظر إلى التي يفضل تخيلها بدل النظر إليها كما هي: إنها [الفتاة] لا توحي بأية قيمة من القيم المطروحة بالنسبة إلى الولد، وبالخصوص، النظام الأوديبي Statut Oedipien الذي ترتكز عليه البنية الذكورية، ليس موجودا بالنسبة إليها. إن الملفوظ الأساسي = L’énoncé principal بعد معرفة أن "الاختيار الأول للموضوع الذي يقوم به الطفل هو اختيار يبيح كل شيء = Incestueux"، لا ينطبق على الفتاة الصغيرة التي ربتها أمها التي تملك نفس عضوها الجنسي "لدينا إحساس بأن كل ما قلناه بصدد عقدة أوديب يقتصر فقط على الطفل/الذكر، وأن لنا الحق في أن نرفض اسم عقدة "إليكتر = Electre الذي يلح على التشابه بين الجنسين".

هاهو فرويد يعترف، في غروب حياته، بأنه لم يثر سوى جانبا واحدا، جانبا واحدا فقط، من ستار المأساة الأوديبية: جوكاست = Jocaste وبناتها بقين في الظل، بعيدا عن الأضواء، لكن فرويد لا يملك الوقت ولا حتى الشجاعة لإنارة تلك الأضواء، ولم يبق له غير إعادة قراءة سوفكل = Sophcole الذي أثار، هو كذلك، نظام البنات الجنسي المختلف عن نظام البنين.

وهكذا أصبحت مصيبة البنات/الأشياء هي استحالة "زواجهن" بسبب جريمة أبيهن: "اتجاه أبنائي Créon لا تحمل هما، إنهم رجال.. لكن اتجاه البنات المسكينات، اتجاه هؤلاء، أتوسل إليك، حافظ عليهن".

إذا كان سوفكل قد لاحظ فرقا بين الجنسين، فإن فرويد لم يستطع أن يفسر هذا الفرق بشكل جيد، وقد خلص في النهاية إلى القول: "على العموم، يجب أن نعترف بأن ذكاءنا في تفسير ميكانيزمات التطور عند الفتاة غير مقنع، مليء بالفراغات والظلال".

إن دهشتنا كبيرة، هل هو الرجل نفسه الذي يتحدث، الرجل الذي طالما رغب في تكريس تماثل الانطلاقة Symétrie de départ بين البنت والولد؟ يعترف إذن من جانب، بأن لا وجود للتماثل من جنس لآخر، ومن جانب آخر، أنه لا يعرف عن تطور الفتاة شيئا. وانطلاقا من هاتين الملاحظتين سيطرح على نفسه أسئلة:

"لدينا سؤالا آخر: بما تطالب البنت الصغيرة أمها؟ وما هي طبيعة الأهداف الجنسية في مرحلة الرباط الحميمي = Lien Exclusif مع الأم؟".

"إن مرحلة الرباط الحميمي مع الأم، والتي يمكن أن نسميها القبل- أوديبية = Pré-Oedipienne، تستدعي أهمية قصوى لدى المرأة أكثر مما هي الحال عند الرجل".

إن عقدة أوديب الفتاة الصغيرة تطرح مشكلا إضافيا بالمقارنة مع عقدة أوديب الولد. في البداية، تكون الأم بالنسبة إلى كليهما هي الموضوع الأول، ولا نستغرب إذا قام الولد باحتكار هذا الموضوع لصالح عقدته، لكن ما الذي يجعل الفتاة الصغيرة تتخلى عن موضوعها الأول، لتتخذ بعد ذلك الأب موضوعا؟".

"بالنسبة إلى الفتاة الصغيرة، الأمور تجري بشكل مختلف. إنها تتخذ الأم موضوعا أولا، لكن كيف تعرفت على الطريق التي تؤدي إلى الأب؟ كيف ومتى، ولماذا افترقت عن أمها؟".

فجأة، هاهي الأسئلة، هاهي الطرق المفتوحة أمام أتباعك الذين سيأتون! "في النهاية، لم أعد وحدي، فيلق متحمس من المتعاونين، مستعد لاستثمار ما لم يتم إنجازه بعد وما هو غير مؤكد".

إذا كان هناك أمر غير مؤكد أصلا لدى فرويد، فهو ذلك التطور من البنت إلى المرأة، وإذا كان هناك أيضا أمر قد عاد إليه فرويد أكثر من مرة، من أجل تصحيح آرائه، فهو الجنس الأنثوي La sexualité féminine، لكن الاعتقاد بأن تابعيه سيستثمرون ما لم يتم إنجازه بعد، وأنهم سيمنحون المرأة، على الخصوص، وضعا جنسيا أكثر عدلا، هو محض أسطورة في مجتمع تغلب عليه سلطة الرجل. وهكذا تكون الاستمرارية أكثر بؤسا من البداية. إن الأمور، بدل أن يعاد التفكير فيها من جانب الفتاة، قد نظر إليها وهي مترسخة، والرغبة في العضو الجنسي الذكوري = Pénisnied (Envie de pénis) قد شقت طريقها إلى درجة أن المرأة قزمت إلى هذه الرغبة الجامحة: "إن جوهر الحالمة = Réveuse هو الصغير الآخر، بمعنى الأخ الصغير، وجوهر هذا الأخير هو القضيب = Phallus"..

"إن المرأة تصير أما لتحقيق هذه الرغبة في العضو الجنسي الذكوري، ورغبة الأم هي أن تبقى أما.. كل المكونات = Substituts الأخرى للمرأة تبدو شاحبة أمام معادلة العضو الجنسي الذكوري/الطفل".

هكذا إذن، مرة أخرى، نحن أمام المعادلة التي لا جديد فيها، ما دام فرويد قد طرحها: العضو الجنسي الذكوري = الطفل Enfant = Pénis، الشيء الذي يناسب أكثر هؤلاء الأسياد، حتى ولو أن هؤلاء السيدات يستخفن بذلك منذ مدة.

إنهم يواصلون طريق رغبتهم المستقيم: يجب علينا أن نكون مرتبطات بالأمومة، ومقصيات، رسميا، من كل مجال: كالثقافة أو التسامي = Sublimation. وهنا لن يتوقف الرجل عن الكلام ولن يدخر تعابيره. لكن اقرأوا: "إن سؤال المعنى ودلالة الحياة، هو سؤال ذكوري، والمرأة لم تعتد على مثل هذا السؤال". "إن سبب انعدام المرأة، الذي أقصته طبيعة الأشياء، التي هي طبيعة المفردات.. هو بكل بساطة كونهن لا يعرفن ما يقلن، وهذا هو أصل الاختلاف بينهن وبيني" "المرأة تمثل الخصي المعمم = Castration généralisé الذي يتلقاه الكائن الحي من الفعل، وبما أن المرأة ينقصها العضو الجنسي الذكوري = pénis، فإنها تمثل الاستلاب المطلق للكلام".

يمكن أن نقرأ أيضا، إذا لم يكن فعل القراءة هو أيضا محرم علينا كإمكانية للتسامي Sublimation "إذا كانت النساء يعرفن شيئا، فهل للتحليل النفسي ما يفعله بما يمكن أن يعرفنه؟".

إن الغيرة على الأمومة قد أزاحت الرجل/المحلل النفسي عن الصواب، وقد أعمته مسألة "الرغبة في العضو الجنسي الأنثوي = L’Uterusneid وحولته أصم أمام كل منطق، لكن من بين تابعي فرويد هناك أيضا نساء، وقد استشارهن. ألم يكتب إلى ماري بونبارت = Marie Bonanparte: "بماذا ترغب المرأة؟"، وقد تكلم عن العلاقة الأم/الفتاة، المكررة في التحول [التحول من البنت إلى الأم ] = Transfert حين قال: "في الحقيقة يتضح أن النساء المحللات النفسانيات مثل جان لامبي Jeanne Lampi، وكروث وهلين دوتش = Croot et Hélène Deutch قد استطعن فهم هذه الحالة من الأشياء بشكل جيد وواضح".

ما هو حال هؤلاء النساء المحللات الآن، وما هو الموقف الذي اتخذناه اتجاه المقول = le dire الذكوري؟ في أحسن الأحوال، فقد سايرن أفكار الرجل، وتظاهرن بالاعتقاد في هذا العضو الجنسي الذكوري المخصي = Tranqué، في هذه "الرغبة في العضو الجنسي الذكوري"، لقد قمن بتقليد ما ينتظره الرجل منهن، فهناك هلين دوتش Hélène Deutch كي تقول بأن "الاستسلام هو أنثوي بامتياز"، كما أن هناك ماري بونبارت، التي انكبت على هذا العضو الصغير الأكثر عرضية، الذي هو البضر = Clitoris والذي يجب على المرأة أن لا تهتم به، رغم الصعوبات التي يمكن أن يثيرها عدم الاهتمام هذا. أما جان لامبي = Jeanne Lampi فهي تكتب: "الحب الأنثوي سلبي"، وريت ماك برانويك Puth mach Brunwick التي واصلت، وبشكل متأخر، فكرة فرويد: "الفتاة الصغيرة في بداية حياتها الجنسية ولد صغير في جميع نواياها وأهدافها".

لماذا كل هؤلاء النساء المحللات، وأخريات تابعات فرويد، تركن إذن، الخطأ يستديم بخصوص الجنس الأنثوي، في حين أن فرويد قد عول عليهم لوضع ركائز نظرية جديدة تعيد الاعتبار للمرأة بشكل جيد؟ إننا نتأسف حقا، لكن يمكن أن نقول بأنه يصعب جدا أن تكون واحدة منا ابنة أب متقلب كما كانه فرويد مع النساء.

ولأن كل ذلك جاء متأخرا، بعد التصريحات الملزمة، والتوضيحات الأكثر إثارة، فإن النساء، حتى المحللات النفسانيات، بحكم انغماسهن في الاندهاش وقساوة مثل هذا القدر، بقين صامتات. هل يمكن أن نطلب لأحد، قطعنا رأسه للتو، أن يتلفظ مرة أخرى باسمه؟ هذا ما يطلبه فرويد تقريبا من معاصراته. ورغم أن فرويد أراد أن يعيد للطائر حريته في نهاية حياته، وهذا بديهي، فإن المدافعين عن المرأة = les féministes أخذوا عليه كونه قطع في السابق، وبشكل دقيق، كل ما سيجعل الطائر يطير من جديد، ولاكان = Lacan، ألا يبحث عن سرقة الكلام منا، حين قال بأننا لا نعرف ما نريده؟

إن المحللين النفاسانيين الرجال لا يعتبرون أبدا، حدث أخذ الكلمة، والتي يلمحون بأنها في ملكيتهم، سرقة في حين أنهم يتكلمون فعليا نيابة عنا، ويسرقون في الوقت نفسه الذي يسرقون فيه كلامنا، جنسيتنا التي يعتقلونها داخل إطار استيهاماتهم leurs fantasmes الرجولية.

وإذا كان فرويد قد اكتشف الفخ الذي وضعه بنفسه من قبل، فإن هذا لم يمنع الظاهرة من الاستمرار على وثيرة انطلاقها، ذلك أنه بعد اختفاء فرويد، لم نأخذ منه مرة أخرى سوى ما حاول طويلا توضيحه وما اعترف به دون أي أساس.

إن التحليل النفسي لم يكف عن الحديث وعن الكتابة بضمير المذكر، بلغة تبتعد، أكثر فأكثر من مبدعها. وبما أنه يعتقد [أي التحليل النفسي ] بأن موضوعه أكثر انفجارا، فمصلحته في إخفائه   [الموضوع ] وراء حواجز لغة غير مفهومة يصعب تجاوزها.

هل تعرفون بأن أحد هؤلاء المحللين قال: "المرأة لا توجد" وقد أحب أن يكتب المرأة، لا لشيء إلا رغبة في تشطيب أداة التعريف، التي تجعلنا ننتمي إلى جنسنا الأنثوي، مبررا ذلك بأن هذا الجنس ليس له الحق في الكلام؟

عزيزي سينغموند فرويد:

أكتب إليك لأقول لك بأن أغلب تابعيك، ومنذ رحيلك، قد أهملوا اقتراحاتك الأخيرة ولم يأخذوا بها. وأن تصوراتك القصوى قد أعيد تأهيلها في المستودع الفوقي = Grenier للتحليل النفسي، الذي أتواجد فيه اليوم، جالسة أمام وثائقك التي تحاصرني من كل جانب. أعيد، في هذه اللحظات، قراءة مناظرتك القصوى حول الجنس الأنثوي = La sexualité féminine المؤرخة سنة 1931، واستمتع بجدة أسئلتك مقرنة مع اجترارات التحليل النفسي المقيتة، التي اعتدنا عليها، لاحظت أنك قد زرعت في طريقنا هذا الحصى الأبيض الذي كان بإمكانه أن يعيدنا إلى منزل الأب، بدل تركنا يلتهمنا الرجل الغول = L’homme-Ogre الذي لم يظن خيرا بوجوب الأخذ بعين الاعتبار، إنذارك الأخير، وفضل أن يستعمل لصالحه الجزء الأول من بحثك الموسوم بدونيتنا الجنسية المفترضة.

وهذا الرجل حين يغضب، ألا يتكلم دوما عن إرسالنا "عند أمنا" وليس "عند أبينا"، ذلك أننا لم نعش قط مع الأب، رغم أنه يعيش في نفس البيت الذي نعيش فيه، وتبقى الأم هي دائما إقامتنا الأولى.

أليس هذا ما شرحته لنا كمكون لشخصيتنا العميقة والمزعجة، ربما، للذي سيرتبط بنا مستقبلا: "على الزوج أن يرث من العلاقة مع الأب، لكنه في الواقع يرث من العلاقة مع الأم".

هذه الإقامة الأولى قد أعطيتها اسما: الما قبل أوديب = Le pré-oedipe، لكن هذا لم يعمل سوى على اتهامنا، بصرامة أكبر، من لدن تابعيك، بسبب عدم انتمائنا للبيت الأوديبي الذكوري، كما سبب في إبعادنا عن أشياء كثيرة. هل يمكن أن نتخيل أنك ستسعمل، لو كنت حيا اليوم، كل طاقتك للحفاظ على ما قبل أوديبنا، أكثر مما يفعلون [الأتباع ] لاتهامنا بأننا لا نملك الأدويب؟

إنك، ربما، تجهل أنه في هذه اللحظة بدأت تتوضح لدى النساء فكرة أن الرجل مسكون بقضية "الرغبة في العضو الجنسي الأنثوي = Uterusnied"، وأن ذلك هو أصل غيرته وحربه الضروس ضد العضو الجنسي الأنثوي، وحملته من أجل الطفل. يجب القول بأنه قد أعيد النظر في "الرغبة في العضو الجنسي الذكوري" انطلاقا من كون المرأة في عصرنا هذا ترفض الطفل، وتفضل أن تشتغل بأنشطة أخرى، لكن هذه الأنشطة، ألا يمكن أن تكون هي أيضا تعبيرا عن هذه الرغبة؟

هاهنا تبرز كومة من الأسئلة الجديدة، وكل ما يمكن قوله هو أن رفض الإنجاب قد انطلق، وبدأ "عدم الارتياح داخل الحضارة"، يأخذ مكانه إلى جانب مسألة الموقع الذي يجب أن يكون للطفل، الشيء الذي لا يمكنه أن يمر دون أن يزعج حكوماتنا".

هذا هو، تقريبا، ما يمكن لامرأة أن تكتبه اليوم إلى السيد فرويد، هذه المرأة التي لم تستسلم، منذ مدة طويلة، للحقد الأنثوي اتجاه فرويد، لأن تابعيه يستحقون اللوم أكثر منه، فلقد خانوه، رجالا ونساء، حينما عادوا إلى الحديث وبحماس، عن البكارة المجنسة L’hymne sexiste للعضو الجنسي الذكوري الأكثر صغرا، وللدونية النسوية. ما تزال "الرغبة في العضو الجنسي الذكوري"، هذا الموضوع المثير، هي اللعبة المشهورة داخل الأوساط التحليلية، والتي خلالها يستمتع الرجال بقوة أكثر من النساء، اللائي يتظاهرن بالضحك ولا يستطعن غير مسايرتهم مخافة العزلة إذا ما لم ينصعن لقاعدة اللعبة (هذه القاعدة ليست قاعدتهم).

لكنه يتضح منذ مدة أن المازوشية = Masochisme  لم تعد كما كانت لدى النساء، وأنهن يطالبن بألعاب أخرى مستندة إلى قواعد أخرى، لا تأخذ، بالضرورة، العضو الجنسي للذكر محورا لها.

بعد كل ذلك، ألم يكن فرويد هو الذي اكتشف القواعد المتضمنة لحشد من الألعاب التي نمارسها حد الآن بكل براءة؟ ألم تكن لعبة الخذروف = La bobine أشهر لعبة (الطفل يرمز لغياب أمه بشيء يرميه بعيدا لاستعادته فيما بعد)، متبوعة بلعبة "فلتة لسان" = Lapsus (الفن يخدعنا حين يجعلنا نقول ما نعتقده في الحقيقة، وهو قول غير مناسب)، دون التحدث عن لعبة الأحلام (الليل مليء بالأوكار، بالمخادعات، بالتعويضات، بالأموات الذين يسيئون معاملتنا جيدا)؟

هل بإمكاننا أن نجد في الكتابات الأخيرة لفرويد، القواعد التي تنظم اللعب = (jeu)، (أنا) (je) المرأة، بعد إعادة قراءتها بشكل جيد؟

ألا توجد في كتاب "الحياة الجنسية = la vie sexuelle إشارة إلى لعبة الفتاة/الأم: لعبة التورية = cache-cache الما قبل المرحلة الأوديبية الأنثوية؟ في أية اتجاهات، وبأية قواعد، تخرج الفتاة الصغيرة من الملجأ الأمومي؟ إلى ماذا تتطلع داخل هذا الملجأ؟ بعد ذلك هل ستعيد الدخول إلى مجال حلبة الصيد المحروسة = Chasse-gardée للأوديب الذكوري؟ هل ستمارسه مع أبيها؟ مع أخيها؟ أم مع صديقها؟ وما هي عواقب هذه الإقامة الطويلة داخل هذا الملجأ "المظلم"، "مظلم" كما فرويد أم "أبيض".

مجموعة كبيرة من الأسئلة تطرح علينا نحن معشر المحللات النفسانيات، وبعد ملاحظة النقص في التماثل بين الجنسين، هل يمكن، فعلا، إدراج المرأة في الأوديب المخصص للرجل؟

إن الموضوع الملح بالنسبة إلى الفتاة الصغيرة هو: الأب، هذا الغائب بالنسبة إليها، كيف يترسخ الليبيدو الأنثوي في بداية الأمر؟ وإذا لم يجد سندا ممكنا في الواقع المعيش، فهل سيجد تساميه = Sa sublimation (انحراف الليبيدو اتجاه مواضيع أخرى)، نفسه نشيطا activée؟

أخيرا، وبفضل المحللات النفسانيات لعصرنا هذا، فإن الملف المحجور في المستودع الفوقي = Grenier، قد أعيد فتحه، وفي هذا الصدد، كتبت جانيت شاسكيت سمكغيل = Jeanine Chasseuet Smigrel: "إن تحنيط شخص ما لا يساوي بتاتا الحافظ عليه حيا، والطريقة الوحيدة التي بواسطتها يمكن إعادة فرويد حيا بيننا، هي تطوير اكتشافه، ومناقشة عناصر الصدفة فيه، ثم تعميق نقاطه بواسطة الطريقة نفسها التي أورثنا إياها.

إن الذي لا يكتسحه الحقد والخوف من ميت، ليس مجبرا على تضييع وقته في تشييد قبر له، من أجل تهدئة أرواحه = Se Manes [أرواح فرويد](…)".

إن هذا التحليل يشي بالمشكل الحقيقي لتابعي فرويد: إن قتل الأب، ومن باب الصدفة، كان مشكل فرويد نفسه، وهو مشكل كل ذكر يقف وجها لوجه مع نده الأوديبي (ولمزيد من الفهم راجع كتاب فرنسوا غوستون = (François-Roustong)، القيم في هذا الإطار، إنه يتحدث فيه عن "الفوضى المتوحشة" = "Horde Sauvage" التي عاشها محللي معيش فرويد = Le vivant de freud.

إن المحللين النفسانيين لا يتخلصون من قانون الأوديب، رغم كل ما يعرفونه عن هذا القانون، لكن ما الذي يبقي النساء في منطقة الصمت؟ ما هي المخاوف التي تمنعهن من الذهاب بعيدا؟ إذا لم يكن ذلك الخوف الذي عمر طويلا، الخوف من أن لا يعجبن الرجل؟

إذا كان العلم التحليلي = La science analytique لم يتقدم بما فيه الكفاية، يعيد نفسه باجترار، فذلك لأنه داخل حقل التحليل النفسي، تعيش بنية أوديبية من النوع البطريكي (الأبوي)، التي تجعل الرجل يقول: "لن أقتل أبي"، والمرأة تقول: "سأبقى إلى الأبد موضوع إعجاب بالنسبة إلى الرجل".

الرجل يخاف كل شيء من أمثاله، والمرأة تخاف كل شيء من الرجل، هنا يكمن الاختلاف، حيث يندرج صمت الاتباع المزدوج مقارنة مع فرويد.

إن التحليل النفسي، ومنذ سبعين سنة، قد تطور على هذا الشكل: كيف يمكن الكلام دون تجاوز الأب؟ هذا الشكل الذي نجده في الحقل اللاكاني، والذي أصاب أتباع ما سنه فرويد، هذا القسيس الجديد، على شكل ديانة في عهده، بعقم قاس.

يجب الاعتقاد بأن أسطورة الأب، مصدر القانون، تعيش الآن حياة صعبة. لكن ربما يوجد خارج كل ذلك، كلاما جديدا (ما قبل الأوديبي)، محفوظ في مكان ما بعد أن تم إنقاذه من الغرق الأوديبي، من رجاء الرجل في الموت، لا تكون له حسابات شخصية مع الأب، إذن مع الموت، بل يطالب بالحياة.

ربما يكون المقصود هو نفسه الكلام الذي بدأ ينمو في أوساط النساء؟ لأنه إذا لم يكن لدينا الشيء الكثير الذي نقوله في هذا الجانب عن الأب الأسطوري، فإن أمامنا كل شيء لاكتشافه من جانب الأم الواقعية.

ماذا نفعل في هذه "القارة السوداء" التي أجبرونا منذ أمد طويل، على الإقامة داخلها؟ وذكرياتنا هل هي أكثر بياضا مما قالوه لنا؟ نحن مازلن قانعات، نستمر في كوننا نساء بدون ذاكرة نساء ترعرعن داخل قارة يستحيل وصفها. بين الأبيض الملائكي وأسود المشعوذة، ألا يمكن أن نجد مكانا لألوان أخرى أكثر نسوية؟ أحمر الدماء والولادة، والرغبة والحب؟

 



[i] - الفصل الثالث من كتاب: أطفال جوكاست = Les enfants de Jocaste، بصمة الأم = Empreinte de la mère لـكريستيان أوليفيي Cristiane Olivier.