ص1       الفهرس  61-70

ماذا تبقى من الفرويدية؟

 

حميد لشهب

قد يوحي عنوان هذه الدراسة أن الحركة الفرويدية قد انتهت واندثرت إلى غير رجعة. لكن المقصود هو أن الصورة الحالية لهذه الحركة ليست لها من الصورة الكلاسيكية إلا الشيء القليل. ومرد هذا أن ما جاء به فرويد قد عرف على مر السنين إدخال تعديلات وتطويرات عليه، بل وكذلك إقصاء الكثير مما لم يكن مؤسسا على أسس متينة. هناك إذن نوع من الثورة ضد النموذج الأصلي، ولو كان فرويد على قيد الحياة، لكان قد سمى ذلك: الثورة ضد الأب، وهي ثورة طبيعية في صيرورة التطور الوجداني ليس فقط للفرد، بل وأيضا للعلم وللثقافة.

أسئلة كثيرة تطرح علينا عندما نتأمل تاريخ الفرويدية. وإذا لم يكن بإمكاننا الجواب عنها بأكملها في هذه الدراسة، لأن ذلك يتطلب مؤلفا قائما بذاته، فإننا سنطرح أهمها، ونحاول أن نجد لها إجابات من داخل تاريخ هذا الاتجاه النفسي-العلاجي. ولعل أهم هذه الأسئلة هي: أين نحن حاليا، في نهاية القرن الحالي وبداية قرن جديد، من النموذج الأصلي للفرويدية؟ وما هي التطورات أو النكسات التي عرفتها هذه المدرسة؟ وما هي الانتقادات الجوهرية الموجهة إليها، ليس فقط كممارسة عيادية يومية، بل وأيضا كنظرية؟ وما هي مجالات أنشطة الإنسان المعاصر التي نلمس فيها حاليا حضور الفرويدية؟ سوف نهتم بنقطتين أساسيتين في دراستنا هذه فقط: الانتقادات المعاصرة للفرويدية والتطورات المعاصرة لها، لأن الإلمام بكل الأسئلة التي طرحناها لا يمكن في دراسة موجزة كهذه.

أ ـ الانتقادات الجوهرية للفرويدية حاليا:

عرفت الفرويدية منذ ظهورها انتقادات حادة، وانتهت في غالب الأحيان باستقلال المختلفين، وتأسيسهم لمدارسهم الخاصة، ونخص بالذكر هنا: ألفريد أدلر، يونغ وآخرون. وبقدرما انتشر نفوذ هذه المدرسة، بقدر ما كثر نقادها. وقد نميز في الحركة النقدية اتجاه الفرويدية بين مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، ومرحلة ما بعدها. وما يميز هذا النقد في حقبتيه هو أنه أتى دائما من داخل الفرويدية نفسها، ولم يكن نقدا هداما بقدر ما كان نقدا إيجابيا ساهم في تطورها وتشعبها، والرمي بظلالها على تخصصات أخرى. وسنلخص الانتقادات الحالية في التالي:

1 ـ الكذب الفرويدي المرضي: أكد هانس إسرائيلس أنه لم يعد من الممكن طمس الحقيقة التاريخية التي مفادها أن هناك "كذب علمي" في النظرية الفرويدية: "عندما يتأمل المرء التزويرات الفرويدية عن قرب، فإنه يصادف أكذوبات لم تلاحظ إلى حد الساعة". والمثير للانتباه هو أن فرويد كان يتعمد الكذب، على الرغم من أنه كان يعرف أن ما يقوله ليس له أي أساس من الصحة. ويسوق إسرائيلس جملة من الأمثلة التي تثبت ذلك. ذلك أن فرويد مثلا، أكد بأن علاج Anna O، الوجه المريض المشهور، قد تكلل بالشفاء، والحقيقة، بحسب الملف الطبي الذي عثر عليه في مستشفى الأمراض العصبية بفيينا، هو أن الأمر انتهى بها بالإقامة في مصحة الأمراض العقلية إلى آخر حياتها. والأدهى من ذلك، هو أن Anna O، لم تكن مريضة فرويد، بل الحقيقة هو أن يوسف برويير Josef Breuer، هو الذي كان مكلفا بالسهر عليها: "سنة بعد انتهاء علاج Anna O كتب فرويد إلى خطيبته يقول بأن بروير أخبره أن حالة أنا جد سيئة، إلى درجة أنه يتمنى لها الموت لكي تتخلص من عذابها". وقد يرى المرء في هذا الحدث شيئا عاديا، لكنه في واقع الأمر كذب واضح، ذلك أن عدم النجاح في إشفاء أنا قد أكد كنجاح منقطع النظير للطريقة العلاجية الفرويدية. والسؤال الذي يطرح نفسه، أو الذي يشرح جزئيا الكذب المرضي لفرويد حسب إسرائيلس، هو: لماذا اختار فرويد Anna O بالضبط وهو يعلم حق العلم أن المرء قد يمكنه العثور على وثائقها الطبية بالمستشفى، لأنها كانت حالة ناذرة بالنسبة إلى الأطباء في ذلك الوقت؟ ولماذا تم طمر الرسالة التي تثبت تورطه في هذه الكذبة، أي الرسالة التي أرسلها لخطيبته، أكثر من نصف قرن؟

كما أنه أكد في الكثير من منشوراته النجاح المنقطع النظير للعلاج بالكوكايين قصد التخلص من التبعية للمورفيوم، دون السقوط في التبعية للكوكايين. والحقيقة هو أن صديق وزميل فرويد الدكتور أرنست فلايشل Ernst Fleischl، الذي كان قد أصبح مدمنا على المورفيوم بعد عملية جراحية لأصبعه، والذي قدم له للتخفيف عن الآلام الحادة التي كان يشعر بها، وبعدما عوض المورفيوم بالكوكايين، أصبح مدمنا على هذا الأخير، وانتهى به الأمر إلى الهلوسات، ذلك أنه كان يعتقد أن هناك حيوانات وديدانا صغيرة تعيش تحت قشرة جلده، وكان يحك إلى أن يدمى: "كان فرويد يتمنى أن يحرر المدمنين على المورفييون بمساعدة الكوكايين، وقد جرب ذلك، لكن دون نجاح؛ وعلى الرغم من ذلك، فإنه أكد في مؤلفاته على أن ذلك كان نجاحا باهرا".

3 ـ وأخيرا هناك كذبة "تحليل شخص ما-Aliquis-Analyse": يحكي فرويد في كتابه: "Psychopathologie" قصة شاب إيطالي التقى به في القطار، وحصل له نسيان مقطع من بيت شعري لاتيني يتضمن كلمة "Aliquis = شخص ما"، وبعد تحليله لمصدر هذا النسيان تبين له أن لذلك علاقة مع فكرة أخرى كانت تشغله، تتمثل في امرأة ما تعطلت عندها الدورة الشهرية. وحتى وإن كان هذا التحليل غير مقبول منطقيا، لأنه لو كان هذا الشاب قد نسي مثلا كلمة "بيتزا" أو "تورين"، فإنه سيصل بالضرورة إلى المرأة المعنية بالأمر، لأن هذا الأمر هو الذي كان يشغل فكره. وقد نبه المختص الأمريكي في "تحليل شخص ما" الفرويدية بيتر سلافاس Peter Swales إلى سلسلة كبيرة من الهفوات التي سقط فيها فرويد فيما يتعلق بتحليله. ذلك أن التشابه كبير بين ذاك الشاب الإيطالي وفرويد نفسه، ومن هنا فإنه من المشروع التساؤل ما إذا كان فرويد قد تحدث عن نفسه، ناسبا ذلك إلى الإيطالي. بل إن هناك أدلة كافية على أن تلك المرأة التي كانت لها تلك المشاكل مع الدورية الشهرية، هي صهرة فرويد، التي كانت تعيش معه وعائلته، والتي رافقته وابنته في سفرة ما إلى إيطاليا.

وقد نبه الخبير الفرويدي الهولندي كارل فان هيت ريف Karl van het Reve إلى أن المرء عندما يشبه مؤلفات فرويد ومؤلفات ماركس فيما يتعلق بمصادر عملهما، فإنه يتضح على أن ماركس كان حريصا على عدم استحضار البراهين التي كانت لا تطابق نظريته في كتاب "الرأسمال"، في الوقت الذي كان فيه فرويد يقدم، دون أن يلاحظ ذلك، الكثير من البراهين التي كانت تتناقض ونظريته. والاستنتاج الذي يخلص له van het Reve يتمثل في كون فرويد، إما أنه لم يكن يلاحظ هذه التناقضات، أو أنه كان يقابل هذه الأخيرة باللامبالاة. ويمكن للمرء أن يتحدث عن لا مبالاة عامة عند فرويد، ليس فقط فيما يتعلق بالحقيقة، لكن وأيضا فيما يتعلق بخطر طمس أو قلب هذه الأخيرة.

والسؤال المطروح هو: كيف يمكن للمرء شرح هذا السلوك الفرويدي المرضي وتأسيس نظريته على الكذب؟ ولعل إسرائيلس هانس هو الذي قدم أنجع جواب عن هذا السؤال حين قارن كذب فرويد بالأركولوجي المشهور هاينريك شليمان Heinrich Schlimann، مع فرق وحيد هو أن هذا الأخير أحدث بالفعل منعطفا
 
هاما في تاريخ الأركولوجيا باكتشافه لمدينة إغريقية قديمة:
Troja، بينما اقتصرت الفرويدية على دخولها تاريخ العلوم الإنسانية من بابه الخلفي.

2 ـ نقد الحركة النسوية لنظرية الجنس عند فرويد: "ثلاثة دراسات حول نظرية الجنس" أهم تأملاته فيما يتعلق بهذه النظرية. ذلك أن الجنس في نظره هو واقعة سوسيولوجية وليس واقعة بيولوجية، هو سلسلة كبيرة ومعقدة من السلوكات، محكومة بما هو مباح وما هو محرم مجتمعيا. والمجتمع هو الذي يبيح أو يحرم، ويرجع تلك الإباحة أو ذلك التحريم إلى الفوارق الجنسية البيولوجية. بعبارة أدق، فإن الجنس محكوم بالوسط الاجتماعي الذي يوجد فيه، ولهذا السبب بالضبط هناك اختلافات واضحة على مستوى الأنا الجمعي فيما يتعلق بهذا الأمر من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى. كما أنه يؤكد بأن الاستعداد البيولوجي للمرأة إنجاب أطفال، لا يعني أن المرأة ستكون أوتوماتيكيا زوجة أو أما، كما أن امتلاك الرجل للقضيب لا يعني بالضرورة أنه سيصبح زوجا أو أبا.

وحتى وإن كانت الحركة النسوية قد وجدت في الفرويدية الكثير من المصابيح التي ساعدتها، فإنها لم تطبق النظر عن الإشكالية الأساسية التي تجعل من التحليل النفسي مدرسة رجولية في السيكولوجية، بحيث إن فرويد اعترف بالأهمية الكبيرة والرئيسية للأب في الأسرة، بينما اكتشفت الحركة النسوية أن تطور الحياة المعاصرة بعد الحرب الكونية الثانية قد أدخلت تغييرات كبيرة في الوسط الأسري، وبالتالي فقد أصبحت السلطة الأبوية في الأسرة موضع نقاش، بل وأصبح من الضروري اقتسامها، لأن مفهوم الأسرة نفسه قد أصبح جديدا، أو قد دخلت عليه تعديلات واضحة.

3 ـ نقد الفرويدية كطريقة للعلاج: طور فرويد التحليل النفسي كطريقة علاجية ما بين 1900 و1920، بهدف إثارة المريض إلى مناطق الظل في حياته غير الواعية، حتى يتسنى له وعي مشاكله وعقده، ليتسنى له تجاوزها. وتتلخص هذه الطريقة في حصص سريرية، يستلقي فيها المريض على سرير ويجلس المعالج وراء رأسه، لكي لا يقابله وجها لوجه. تتاح الفرصة للمستلقي التعبير عن خوالجه وترك العنان للاوعيه للتعبير عن نفسه، وحكي "كل" شيء، بما في ذلك الأشياء التي لا يحكيها عادة لأسباب لا يعرفها إلا هو، أو من المفترض أن يعرفها.

يكون دور المعالج إذن هو الاستماع لكي يجد الخيوط الدقيقة التي تعتبر المشكل الذي أتى من أجله المريض. وتكون هذه الخيوط متجذرة أساسا في لا شعور المستلقي، وعلى المعالج تجميعها وتلخيصها لكي يقدمها بطريقته للمريض. ويكون تفسير المعالج ناجحا عندما يعي المريض مشكلته. وعندما يصل إلى هذا المستوى من العلاج، يرافقه المعالج من جديد في رحلة نفسية أعمق للوصول إلى الأسباب النيرلوجية neurologiques العميقة التي تسبب هذا السلوك أو ذاك.

والنقد الأساسي الموجه لهذه الطريقة العلاجية هو أنها طويلة جدا، قد تنتهي فقط بموت المريض، علاوة على أن حظوظ النجاح لا تكون مضمونة المائة في المائة، لأن ميكانيزمات الدفاع اللاشعوري، لا تسمح في كل الحالات بالوصول إلى المبتغى. إضافة إلى أنها جد مكلفة ماديا، وهذا ما يجعلها طريقة علاج نخبوية.

4 ـ الفرويدية والعزلة العلمية: نشر فرويد سنة 1925 مقالة تحت عنوان: "مقاومة التحليل النفسي". وملخص هذا الدفاع عن التخصص هو أن المجتمع العلمي: أطباء ومعالجين، يقاوم التحليل النفسي تماما كما يقاوم العصابي Neurotiker وعيه في الحصة السريرية. والسؤال الذي يطرحه فرويد في هذا الإطار هو:"ما إذا كانت شخصيته كيهودي، وهو الذي لم ينكر أبدا يهوديته، السبب في عدم قبول التحليل النفسي.. لم يكن صدفويا أن يكون أول ممثل للتحليل النفسي يهوديا. ولكي يعترف المرء بأنه فرويديا لا بد عليه أن يتطوع بقدر جد كبير ليقبل قدره كوحيد في المعارضة، وهو قدر يمكن لليهودي تحمله أكثر من أي إنسان آخر". ويلاحظ المتخصص السويسري في الفرويدية بيتر شنايدر، بأن فرويد كتب هذه المقالة في وقت كان فيه التحليل النفسي قد شق طريقه، واعترف به على مستوى لم يسبق له نظير في تاريخ التحليل النفسي: "إن المتأمل اليقظ يلاحظ أن "الاكتشاف" الفرويدي في هذا الوقت كان قد أصبح منتوج تصدير فييني جد ناجح". ويستحضر شنايدر الأنواع الثلاثة للوحدانية، التي أشار إليها ريشارد سينيت Richard Sennett وميشال فوكو Michel Foucault: الوحدانية الناتجة عن السلطة، وهي وحدانية Isolation وAnomie. ووحدانية الإنسان الثوري. وأخيرا هناك الوحدانية الناتجة عن التفريق بين أن يكون المرء وحيدا Einsam sein وأن يكون لوحده Allein sein. وهذا النوع هو الشعور بكون الإنسان واحد ein بين أناس كثيرين، وهذا الإحساس بامتلاك حياة داخلية، تكون أكثر من عكس حياة الآخرين. إنها إذن وحدانية الاختلاف Die Differenz. ويمثل التحليل النفسي حاليا، كما يؤكد على ذلك شنايدر، النظرية الراديكالية للاختلاف. وإذا تأملنا ذلك إبستمولوجيا، فإننا نلاحظ بأن سبب ذلك راجع إلى نوع من المركزية Exzentrität، وإلى نوع من تصعيد وضع التحليل النفسي في الحقل العلمي.

لكن ماذا تعني وحدانية الاختلاف في التحليل النفسي؟ ألا يعني ذلك كذلك اكتشاف الاختلاف ليس بالمقارنة مع الآخرين فقط، بل وأيضا اختلاف في الموضوع ذاته، الذي يصبح غربيا عن نفسه؟ فقد جدد فرويد نظريته على الدوام، وكان هو كموضوع كل مرة غريبا. وكما عبر عن ذلك شنايدر: فإن "لمعرفته أساس في اللامعرفي، وهي بهذا تقدم نقصا صارخا".

في سنة 1919 نشر كارل أبرهام Karl Abraham الذي كان مستقرا آنذاك في برلين، والذي يعد حسب فرويد من الذين ساهموا في تغيير التحليل النفسي، بحثا يوضح فيه أننا نجد عند المريض نوعا من الميل إلى تقمص شخصية المعالج، ويتضح ذلك في الاهتمام بالتحليل النفسي عندهم، عوض ميكانيزم التصعيد. بعبارة أخرى أن الدراسة تؤكد بأن هذا الأخير يعوض بالتقمص في غالب الأحيان. بمعنى أن كارف أبرهام يدافع عن فكرة كون نرجسية Narzissmus المريض هي المسؤولة عن هذا التقمص، وليس لا وعيه، عن طريق ميكانيزم التصعيد. فكما قدم لنا فرويد نزعة الموت بطريقة مبسطة غير دقيقة، فإنه يقدم مفهوم المقاومة كذلك مبسط، على الرغم من أن هذا المفهوم يؤثر من داخل النفس الإنسانية، ويعمل عن طريق نفس الاختلاف: "إن التحليل النفسي يهزم عن طريق نجاحه "الثقافي"، لأنه أصبح أكثر فأكثر هو "نفسه ثقافة"، تقدم نفسها للشرح" كما قال بلوم Bloom.

قد يكون هذا الشعور بالوحدانية وبالغربة والعزلة، وهذا الإحساس بالاضطهاد وبكراهية الآخرين جزء من لا شعور فرويد نفسه، اتجاه المجتمع العلمي لزمانه، وانفصال الكثير من أتباعه وتلامذته وأصدقائه عنه. وما لمسه شنايدر مثلا في التعريف الذي يعطيه فرويد للاشعور هو كونه لم يحدده بما فيه الكفاية. ذلك أن هذا الأخير ليس، من وجهة نظر شنايدر، خزانا للسلوكات المعوجة التي على المرء تقويمها أو إضاءتها. فلا يمكن -حتى في الحالات المثالية- المرور باللاشعور إلى مرحلة الشعور، حتى وإن كان من الممكن مثلا شرح هذا اللاشعور بمساعدة أدوات شعورية كالأحلام مثلا. فتفسير اللاشعور هو، من وجهة نظر الكثير من الباحثين المعاصرين، لعب لا نهائي، لأن اللاشعور يلعب دورا مهما في كل تفسير شعوري.

ب ـ التطورات المعاصرة للفرويدية:

إذا كانت الانتقادات السالفة الذكر هي جزء من الانتقادات الكثيرة في وقتنا الراهن للتحليل النفسي، فإن فرويد كان على وعي أن اكتشافه للاشعور لم يكن ليمر بهذه السهولة، وقد توقع له نفس المشاكل والانتقادات التي عرفتها نظريات علمية أخرى كالكبرنيكية والداروينية، لأن مثل هذه الأعمال العلمية قد انتشلت الإنسان من تصوره عن نفسه كفريد في الطبيعة وواجهته بتحد كامن في إعادة النظر في معتقده هذا. وقد أكد فرويد نفسه في هذا الإطار: "على أن الأنا لا يمكنه أن يكون سيدا في المنزل الذي يمتلكه" والمهم، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، هو أن الانتقادات كانت تأتي دائما من رحم التحليل النفسي ذاته، وهذا ما يشرح كذلك أن التطورات التي عرفها في تاريخه هي تطورات مرحلية، ولا نعرف لحد الآن ما إذا كان التحليل النفسي قد اكتمل، أم أنه وجد منعطفا، أو منعطفات، قد تقود الباحثين فيه إلى اكتشافات جديدة. ويمكن حصر التطورات التي عرفها التحليل النفسي في الوقت المعاصر في الميادين التالية:

1 ـ تطور التحليل النفسي كطريقة علاجية: إذا كان الانتقاد الجوهري، كما رأينا للفرويدية كطريقة علاجية قد انكب على طوله الزمني وتكلفته المادية الباهضة، فإننا نلاحظ حاليا، وخاصة في العالم الجرماني، أن هناك تطورات ملموسة يمكن حصرها في التالي:

أ ـ تطور التحليل النفسي من سيكولوجية شخصانية إلى تحليل علائقي Beziehungsanalyse: ومفاد هذا التطور هو قبل كل شيء العلاقة التي تجمع المعالج والمريض. فلم يعد الغياب الشبه التام للمعالج معمولا به، واكتفائه بدور المستمع والمحلل من بعد، بل إن الأهمية الكبيرة تعطى أساسا إلى الحوار والتبادل الذي يجب أن يحصل بين المعالج ومريضه. إضافة إلى هذا فإن الحصص السريرية قد عوضت بحصص التقابل، بمعنى أن المعالج يجلس وجها لوجه أمام مريضه، ليستمع له بنشاط ويحاوره ويقاطعه ويدلي له برأيه: "إن المحلل لم يعد فقط ملاحظا أو مرآة عاكسة، بل إنه يقدم نفسه كشخص مسؤوليته الأساسية هي المشاركة في أخذ القرار فيما يتعلق بالتصعيد".

وما تطور حاليا كذلك هو فهم مصطلح التصعيد المعاكس Gegenübertragung، الذي يعد اليوم ليس فقط كسلوك لا يمكن تفاديه من طرف المعالج، بل وأساسا كأداة لكي يفهم المحلل تصعيد المريض اتجاهه.

كما أننا نلاحظ بأن ما يهم المعالج التحليل النفسي ليس هو صبر أغوار ماضي المريض لإيجاد أسباب هذا السلوك اللاشعوري أو ذاك، بل الاهتمام بالهنا والآن Hier und Jetzt في العلاقة بمريضه. ولا يخلو كل هذا من الاعتماد على ميادين علمية أخرى كالدراسات المختصة في الرضع وتطورات السيكولوجية التكوينية والبحث في الأحلام.

وقد أدى تطور علاج التحليل النفسي إلى تطورات في العلاج النفسي عامة، سواء فيما يتعلق بالعلاج الإنساني أو بتقويم وتهذيب السلوك. ونلاحظ حاليا أن الطريق العلاجية الشكلانية behavioristische Verhaltenstherapie تستفيد كثيرا من تطور طريقة العلاج التحليل نفسية المعتمدة.

كما أن مدة العلاج في التحليل النفسي قد تطورت من علاج لا نهائي إلى علاج يحدد بدقة هدفا معينا مع المريض، ويمكن الوصول إلى الهدف في جلسات معدودة، عوض جلسات جد طويلة. هناك إذن نوع من ضبط التحليل لروح العصر، عصر السرعة وربح الوقت. ومعنى هذا أن هناك أشكال مختلفة، وميادين مختلفة ومشاكل مختلفة لا بد للمحلل النفسي أن يحدد مع المريض قبل بداية العلاج ما هو جد مهم بالنسبة إلى المعالج لكي يبدأ مسار علاجه. وهذا ليس اختزالا كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، بل تركيز على المشكل الأساسي، أو من المفترض أن يكون كذلك، من طرف المعالج.

ب ـ جعل التحليل النفسي في متناول الجميع: في منتصف شهر أكتوبر من سنة 1999 فتح أول مستوصف تحليل نفسي أبوابه في العاصمة النمساوية فيينا، بطاقم من 20 معالج تحت رئاسة المحللة النفسية بتينا رايتر Bettina Reiter . وقد كان هذا الحدث جوابا مباشرا عن الانتقاد القائل بأن التحليل النفسي هو علاج نخبوي. ونظرة مستعجلة إلى الوراء يمكنها أن تذكرنا أن مثل هذا المستوصف قد وجد بفيينا، وكانت النازية هي السبب في إغلاقه سنة 1939. وقد فكر فرويد عندما كان مقيما بفيينا في الذين لا يمكنهم تأدية فواتير الجلسات السريرية. وكان أول نداء له في هذا الاتجاه سنة 1918 بمناسبة انعقاد الكونكرس العالمي الخامس للتحليل النفسي ببودابيست. وأمل فرويد في ذلك الوقت كان هو أن يفهم المجتمع أن الذي لا يمتلك أي شيء له نفس الحقوق في تلقي علاج نفسي يمكنه من تأدية مهامه كعضو صالح في المجتمع. وكان أول مستوصف تحليل نفسي قد أقيم ببرلين بمبادرة من الخواص.

ج ـ تطورات التحليل النفسي في الحياة الاجتماعية:

هناك سؤالين مهمين يتبادران إلى الذهن عندما يتأمل المرء الظاهرة الاجتماعية من وجهة نظر تحليل نفسية: هل هناك مشروعية في نقل الصور المرضية الفردية -التي تعتبر في واقع الأمر من ميدان التحليل النفسي- إلى الميدان الاجتماعي؟ وإذا كان الجواب إيجابيا فهل هناك حاجة إلى التحليل النفسي في وقتنا الحاضر؟ قد يمكننا، كما يؤكد على ذلك سلافوي تيتاك Slavoj Zizek، تطور التحليل النفسي من إيجاد جواب عن السؤالين معا بطرح سؤال جوهري آخر: ما الذي يجب اعتباره مرضيا وماالذي يمكن اعتباره غير مرضي في عصرنا الحاضر؟

لقد كان المحللون النفسيون الأمريكيون، وخاصة البروتستان منهم، يرون في سلوك الاختلاط Promiskuität تركيزا على صورة الأم. وفي الوقت نفسه كان المهتمون بالتحليل النفسي في الجنوب الأمريكي يرون في الذي لا يزاول هذا النشاط كعصابي من الضروري توجيهه إلى التحليل النفسي قصد العلاج. لا يجب أن يخدعنا هذا المثال البسيط، ونرى كما يرى معظم السوسيولوجيين، أن الأمر يتعلق بالقيم الأخلاقية والاجتماعية لثقافتين مختلفتين، ذلك أن ما هو محرم هنا مباح هنالك، والعكس صحيح؛ بل أن الأمر يتعلق بإشكالية أساسية جد مهمة: ماالذي يمكن اعتباره مرضيا في مجتمع ما؟ إذا سألنا التحليل الفرويدي، فإن الجواب سيكون: كل شيء! ذلك أن الفهم الفرويدي للثقافة يتمثل في كونه يرى هذه الأخيرة في حد ذاتها موضوعا مرضيا. ذلك أن المرضي ليس هو فقط كل ما هو خارج عن المعايير الاجتماعية، لكنه في نفس الوقت ذاك الذي يرشدنا إلى ما هو عادي وما هو مسموح به في المجتمع.

وما هو حاسم في التحليل النفسي هو هذا النوع من الدياليكتيك المكهرب بين النظرية والتطبيق. وكما قال فرويد نفسه، فإن "التحليل النفسي هو مهنة مستحيلة"، لأنه لن يكون عمليا إلا عندما تسقط كل شروط إقامته. وتطبيق التحليل النفسي في السوسيولوجيا لا يعتبر بأي حال من الأحوال نشاط ثانوي، لا بالنسبة إلى السوسيولوجي ولا بالنسبة إلى التحليل النفسي، لأن التحليل النفسي السوسيولوجي هو تخصص قائم بذاته، على اعتبار أن الفرويدية لا تهتم بالفرد المعزول، بل بالفرد السوسيو-ثقافي كموضوع لها. وإذا استثنى التحليل النفسي الظواهر السوسيولوجية من اهتماماته، فإنه لن يعدو أن يكون إلا "مركز إصلاح النفس Repartur-Service für die Seele"، كما قال سلافوي.

وإذا أردنا أن نعرف ماذا ضاع من التحليل النفسي أو ماذا ربح في وقتنا الحاضر، فإننا نسوق ما قاله المفكر الصربي Aleksandar Tijanic ألكساندار تييانيتش فيما يتعلق بعلاقة رئيسهم ميلوسوفيتش Milosevic بأفراد الشعب الصربي: "على العموم يصلح ميلوسوفيتش للصرب. فمنذ أن أصبح رئيسا أصبح الصربيون كسالى. ليس هناك أحد يعمل شيئا. وقد نشطت في عهده السوق السوداء. ويمكن للمرء أن يظهر على شاشة التلفزة الوطنية لكي يعير شخصيات عالمية مهمة كبلير أو كلينتون.. وباستثناء هذا فإن ميلوسوفيتش قد أعطانا حق حل كل مشاكلنا بالسلاح..". نلاحظ هنا، في مثال الصرب الحالي، أن قيم الشيوعية قد انقلبت، وأن قيم الرأسمالية تحارب، وينشر المرء الاعتقاد بأنها قيم خاطئة، وغير صالحة. ونجد هذه الظاهرة الاجتماعية السياسية في كل حركة وطنية أو قومية، وخاصة المتعصبة منها، لأن قيم المجتمعات الغربية الحالية، وعلى الرغم من ليبراليتها هي قيم مليئة بالمحرمات وبالحواجز سواء على الصعيد الثقافي أو الجنسي أو غيرهما. هناك تقنين للكثير من السلوكات وكبت للكثير من النزوات. في حين أن قيم النظام الإثني للبارحة يقدم الكثير من المتنفسات، ويحس فيه المرء بالكثير من الحرية.

وقد انتبهت مدرسة فراكنفورت في أواخر الثلاثينيات إلى هذه الخاصية لليبيدية للطوطاليريزموس، ولطريقة قلبه للحقائق لكي يقضي على نمط المجتمع المتعدد، لأن التعدد يقتضي بالضرورة سن القوانين، والاتفاق على حد أدنى من المبادئ، لكي يتسنى لأقليات مختلفة العيش في سلم وتسامح في مجال جغرافي واحد. وإذا لم ننتبه الآن إلى آثار التحرير الخاطئ الذي يدعو إليه الطوطاليريسموس الجديد، فإننا سنكون قد أهملنا أخطر قوة ليبيدية هدامة، ليس فقط للآخر بل وللذات أيضا.

إن الأنا الأعلى أو الضمير الجمعي لا يختزل في مجتمع ما أو في أقلية ما، بل إن وسائل الإعلام الحديثة والتطور التكنولوجي الباهر الذي حدث في وسائل الاتصال حاليا، ودون الحديث عن هذا النوع من عولمة الأنا الأعلى، قد أدت إلى تراكم العديد من القيم العالمية، التي أصبحت مقبولة مبدئيا من طرف الجميع: حقوق الإنسان، حقوق الطفل، حقوق المرأة، حقوق الأقليات إلى غير ذلك. لكن ألا يخبأ هذا الأنا الأعلى العالمي ذاك النوع من القهر تحت معطف التسامح والحرية وما إلى ذلك من قيم؟ فإذا كنا قد مررنا من الواجب الأخلاقي الكانطي غير المشروط: "يمكنك، فإنه يجب عليك إذن"، فإن النازية مثلا كانت قد قلبت هذه الأطروحة الأخلاقية لتصبح: "يجب عليك، فإنه يمكنك إذن"، ونعيش الآن واجبا أخلاقيا جديدا: "يجب أن تقوم بواجبك، وأن تقوم به بحرية بنفسك، لأنك قادر على ذلك"، على اعتبار أنك إنسان حر ومسؤول. لكن ألا يعد هذا هو السبب المباشر في هذا الإحساس بالضغط من كل جانب في تأدية واجباتنا في المجتمع الصناعي الحديث؟

هناك إذن هوة كبيرة بين حب ما يعمله المرء، وخاصة في المجتمعات التكنولوجية، وبين الواجب الذي يختبئ في هذا العمل. وهناك شرحين رئيسيين لهذه الهوة: من جهة، نلاحظ أن تكتيك ترك الحرية للاختيار الفردي في تأدية واجب ما هو أخطر قهر مفروض على إنسان القرن العشرين، لأنه يذهب إلى أكثر من القهر التقليدي، حيث يقول ضمنيا: "لا يجب عليك احترام قوانيني والقيام بواجبك فقط، بل يجب عليك أن تحب تأدية واجبك وأن تؤديه عن طواعية وبسرور". ومن جهة أخرى فإن السرور لم يعد قيمة في ذاته، وشعور مستقل، بل أصبح مرتبطا ارتباطا عضويا بالعمل. يجب إذن على المرء أن يكون مسرورا وأن يروح على نفسه كجزء مهم من عمله وواجبه. بعبارة أخرى إن الأنا الأعلى المعاصر في المجتمعات المتقدمة قد تركز على العمل كقيمة، ويكفي التنبيه إلى أن البطالة قد أصبحت ظاهرة اجتماعية مرضية، وأن الذي يجد نفسه عاطلا يحس إما برفض المجتمع له، أو بوخز الضمير، لأنه لا يؤدي أي واجب في هذا المجتمع.

على العموم فإن التحليل النفسي قد عرف تطورات لا حصر لها سوسيولوجيا، وما زالت الحاجة ماسة إليه حاليا، لأن التناقضات الجوهرية التي تواجهنا بها الحياة العصرية، واختلاف القيم تفرض على السوسيولوجيا الرجوع الدائم للتحليل النفسي لتفسير ظواهر.

خاتمة: لا يمكننا في دراسة قصيرة كهذه التطرق إلى كل الانتقادات وكل التطورات التي عرفها التحليل النفسي، بل اقتصرنا على أهمها. فلم نذكر مثلا كل مااستفاده عالم التواصل الإنساني من هذه المدرسة، سواء في ميدان الإشهار التجاري، أو في عالم الدعاية السياسية والإيديولوجية. ذلك أن وسائل الاتصال الحديثة، المكتوبة منها والمسموعة والمشاهدة، تعتمد أساسا على نتائج التحليل النفسي في إنتاجاتها. لكن الميدان الذي بقي فيه حضور التحليل النفسي خجولا هو ميدان التعليم والبيداغوجية المدرسية، إلى حد إمكانية الادعاء أن التحليل النفسي لم يجد له مكانا في عالم البيداغوجيا، لأن هذا الأخير مبني أساسا على نقائض ركائز المدرسة الفرويدية، التي كانت تصبو، من بين ما كانت تصبو إليه، إلى خلق عالم نفسي متوازن مثالي، خال من كل ضغط. ومن المعلوم أن عالم البيداغوجيا هو عالم تحكمه قيم مضبوطة وأخلاقيات مدروسة وأهداف واضحة. يعج بالإكراهات النفسية والبدنية ليكون الإنسان الاجتماعي الصالح، الذي يحاول التحليل النفسي، ليس إدماجه بل تحريره.

وعلى الرغم من كل ما سبق ذكره، فإن التحليل النفسي يبقى تخصصا جد مهم، والأهم فيه هو أنه تخصص يتطور من الداخل على مر السنوات والعقود، ولعل ما وصلنا إليه في هذا الميدان لا يعدو أن يكون إلا بداية لما سنكتشفه في العقود القادمة.