ص1       الفهرس  61-70

بعض مظاهر السرد

في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني

من خلال الجزء الأول

 

عبد الرحيم مودن

يستند هذا المؤلف -على غرار مؤلفات المكتبة التراثية- إلى الشعر. فهو الوقود والحجارة، اللمحـة والسـدى، المتـن والنظرية.

وإذا كان المؤلف يهدف، من بين ما يهدف إليه، إلى رصد سلم الغناء عبر سلم الشعر، أو سلم هذا الأخير عبر سلم الأول، فإن ذلك لم يمنع المؤلف من إبراز اغتناء المدونة الشعرية بفضل التجربة الغنائية لأعلام اللحن والغناء مثل "معبد" و"ابن سريج" و"إبراهيم الموصلي" وغيرهم من أساطين الغناء واللحن. ولا يقتصر جمال النص على جانبه الإبداعي [الجمالي]، كما أنه لا يستمد انتشاره من صاحبه، بل يستمد هذا أو ذاك من تعدد ألحانه. "الشعر لأبي قطيفة المعطي، والغناء لمعبد، فيه أحدهما خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها من رواية إسحاق وهو اللحن المختار، والآخر ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحاق من "رواية عمر بن بانة".

وهو -النص- يستمد هذا التمايز أيضا من تموقعه داخل مقياس نقدي محدد ارتبط بعنصر التصنيف الشائع في المكتبة النقدية العربية التراثية. إنه مقياس [الصوت] الذي يسمح للمؤلف [الناقد] بغربلة الأصوات المتعددة وصولا إلى [الأصوات المائة المختارة].

ما علاقة السرد بالغناء؟

يندر أن نجد في المؤلف [الجزء الأول] انفصاما بين السرد والغناء. وذلك من خلال المظاهر التالية التي عكست تداخل السرد بالغناء، وتداخل الغناء بالسرد:

1-معظم السرود الواردة في هذا الجزء من الكتاب، مرتبطة بأخبار المغنين والمغنيات. "حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن أباه أخبره أن الرشيد - رحمة الله عليه- أمر المغنيين..".

2-يشكل السرد، في كثير من الأحيان، بنية مركزية تسبق كل لحظة غناء من جهة، وتضيء أهم ملابسات القصيدة واللحن من جهة ثانية. وذلك بالتركيز على:

أ-إبراز الغرض الشعري: "أخبرني محمد بن خلف قال: أخبرني أبو عبد الله اليمامي، قال حدثني الأصمعي، قال: أنشدني أحسن ما قيل في رجل لوحه السفر…".

ب-استكمال ما انقطع من حديث، لسبب أو لآخر، مرتبط بالشخصية المتحدث عنها.

ج-التعريف بشخصية محورية في النص، لعبت دورا مركزيا في القصيد والغناء من جهة أو في الملابسات المختلفة المحيطة بها من جهة ثانية.

د-الحدث الغريب، أو النادرة المثيرة، أو الطرفة الممتعة، فضلا عن أخبار المغنيين والمغنيات التي تعج بالمضحك والمبكي في تجاربهم المختلفة.

خصائص البنية السردية في كتاب الأغاني:

من أهم مكونات البنية السردية في المؤلف، استنادها إلى أسلوب الخبر. ويقوم هذا الأخير على الصياغة التاريخية]من مرادفات الخبر عند العرب التاريخ[ للحدث المروي.

من أهم عناصر هذه الصياغة نذكر:

I - السند: وهو يعود، في جوهره، إلى المرجعية الدينية [الحديث النبوي الشريف]، التي تأخذ بالتسلسل الشائع وصولا إلى المصدر الثقة. "أخبرني أحمد بن جعفر جحظة، قال حدثني هارون بن الحسن بن سهيل وأبو العبيس بن حمدون وابن دقاق وهو محمد بن أحمد بن يحيى المعروف بابن دقاق بهذا الخبر، فزعم، أن الرشيد أمر هؤلاء المغنيين أن يختاروا له مائة صوت فاختاروها..".

-غير أن السند، في سياق هذا التسلسل، نوعان:

+ مبني للمعلوم: "أخبرني محمد بن خلف، قال أخبرني أبو عبد الله اليمامي، قال حدثني الأصمعي قال…".

+ مبني للمجهول: "… وقال قوم آخرون من النسابين…".

وتنويع البناء، في السندين، يهدف، من خلاله المؤلف، إلى تحقيق هدفين:

أ ـ خلق مصداقية - كما هو شائع في تقاليد الروية- للخبر المروي عن طريق السند المبني للمعلوم.

 ـ  خلق فسحة للتخيل عن طريق الخبر المروي بواسطة البناء للمجهول الذي يسمح بإمكانية [الزعم].

ب ـ والسند يتوزع بين المفرد والجمع. فالمفرد يعكس الحضور المادي و[الثقافي] للسارد. إنه سارد مشارك في إنتاج الحكاية سواء على مستوى الفعل أو على مستوى الملفوظ. "أخبرني الحسن بن علي الأدمي…".

"أخبرني الحرمي…"

"أخبرني محمد بن خلف، قال أخبرني…"

أما على مستوى الجمع، فإن السارد، يبحث عن تدعيم لهذا السند لخلق شهود على الرواية المسموعة التي تجمع بين حضور الراوي [السارد] وحضور المسرود لهم ["نا" الدالة على الجماعة] الذين عجزوا عن تحولهم إلى ساردين بحكم استئثار السارد المركزي [المؤلف] بالرواية.

"أخبرنا أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم…".

"أخبرني الحسن بن علي الأدمي. قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه. قال حدثنا عبد الله أبي سعد الرواق…".

ج ـ ويظل السند، في مؤلف الأغاني، مخلصا لصيغة المفرد من جهة، ولضمير المتكلم من جهة ثانية. ذلك أن تسلسل السند، في هذا القياس، يعلي من شأن السارد المتميز بـ:

+ المعرفة الواسعة لأخبار العرب وأشعارهم وأغانيهم، فهو سارد "عليم بكل شيء". وهو القناة التي تبدأ به العملية السردية، وتنتهي بها، "أخبرني الحسين بن علي الأدمي… قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد الرواق، قال حدثني (…) قال حدثني (…) قال حدثني إبراهيم بن المهدي".

+ سيادة ضمير المتكلم المفرد، دون إلغاء التسلسل الإسنادي الشائع، يخلق دلالة الإيهام، لدى المرسل والمتلقي معا، بحضور الحدث المروي.

+ ويحرص السارد، في مواقف محدودة من المؤلف، على فسح المجال لرواة آخرين بأسمائهم أحيانا، ومؤلفاتهم أحيانا أخرى.

II - الخبر: لا ينفصل الخبر عن السند، بل إن طبيعة هذا الأخير تفرض تحقيق الخبر وتنويعه، فضلا عن استقصاء مصادره.

والخبر، في المؤلف، لا يقف عند الجانب العلمي، المشار إليه أعلاه، بل يصبح الخبر ممتلكا لخصائص سردية، وذلك من خلال المؤشرات التالية:

+ الخبر يرادف في كثير من الأحيان، الحكاية. ذلك أن أخبار "ابن سريج" [ص، 248] أو "نصيب" [ص، 324] أو "ابن محرز" [ص، 378]، أخبار هؤلاء ترادف الدلالة الحكائية، مما يؤدي إلى، عن طريق المؤلف، خلق صياغة سردية تستفيد من العنصر الأتوبيوغرافي [الذاتي] من جهة، والعنصر "البيوغرافي" [الغيري] عن طريق ما روي عنه، من جهة ثانية.

لا يقتصر الخبر على المعنى الحكائي العام، بل يرادف، أيضا، النادرة والطرفة، أو ما يتعلق بـ"الاستثنائي" من الشخصية، وإلا أصبح الخبر لا معنى له، أو لا ضرورة لسرده.

فالأخبار العادية لا تخلق الأسلوب السردي الملائم، خاصة إذا كان المروي عنه لم تدخل أشعاره ميدان الغناء. فأخبار "ابن محرز" لا تخلو من أهمية، غير أن الذي يهم المؤلف، هو إخراج الصياغة السردية من صلب الصياغة الموسيقية إذا صح التعبير. وتصبح هذه الأخيرة حكاية "للمعني" قبل أن تكون حكاية العلم تاريخيا.

+ الخبر في الكتاب وسيلة لتشخيص الحدث، وإبراز مستوياته المتعددة سواء من حيث الحوار وانعكاساته على إيقاع النص، "ذكر ابن الكلبي أن عمر بن أبي ربيعة كان يساير عروة بن الزبير ويحادثه، فقال: وأين زين المواكب، يعني ابنه محمد بن عروة، وكان يسمى بذلك لجماله، فقال له عروة: هو أمامك. فركض يطلبه، فقال عروة… يا أبا الخطاب، أو لسنا أكفاء كرام لمحادثتك ومسايرتك؟ فقال: بلى بأمي أنت وأبي، ولكن مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان، ثم التفت إليه وقال:

إني امرؤ مولع بالحسن أتبعه       لاحظ لي فيه إلا لذة النظر

ثم مضى حتى لحقه فسار معه، وجعل عروة يضحك من كلامه تعجبا منه.

خلاصات:

+ حقق كتاب الأغاني، سرديا، نوعا من التحويل للبنية الحديثية -الحديث النبوي الشريف- في سياق البنية الإخبارية. وأقصد بالتحويل الاستفادة من تعاقب الإسناد - كما هو وارد في الحديث- في تنويع مصادر السرد، وتعدد روايته، مع الإخلاص الدائم للرواي الأول، أي المؤلف.

+ لا يمكن متابعة تشكل الأصوات الغنائية، إلا من خلال الأصوات السردية.

+ وعلى هذا الأساس، قدم كتاب الأغاني سرادا [ساردين] عبر سلم ترتيبي يتوزع بين سارد من الدرجة الأولى  وهو القريب من المحكي قولا وعملا- وبين سارد متأخر الرتبة بحكم ابتعاده عن هذا المحكي قولا وعملا.