التفكير المغربي:
بين رهانات
التغيير وارتدادات الإصلاح
سعيد بوكرامي
يحتاج
الإنسان المغربي إلى طفرة إبستيمية حقيقية في اتجاه التغيير الحقيقي. لأن ما يعيشه
اليوم من تنويم مغناطيسي لا يؤدي بالضرورة إلا إلى مزيد من الاحتضار. فالتعايش
المفروض حاليا يعطل يقظته ويدفعه إلى تجميد آماله في انتظار مؤسي للمعجزة.
الآن
وهنا يعيش التفكير في المغرب حبيس منطق التوافق والتجاور والتناور والاندماج. أي
محاوله إصلاح ما لا يصلح. أفكار تتجاذب في طرح الأسئلة تلو الأسئلة، منغلقة
الأجوبة وفي نفس الحصار القديم. الذي عهدناه عند فقهاء المغرب منذ عهد إحراق الكتب
إلى عهد قطع الأرزاق.
التراجع
أو الجمود أو التصالح هي سمات التفكير في المغرب من أجل إصلاحه. ومنطق الإصلاح هو
جوهر المبادرات والمشاريع التي سعت منذ بداية القرن العشرين إلى الإصلاح وتوقفت
وإلى يومنا هذا عند حدود الترميم وجبر المكسور. لكن رغم ذلك فقد كان سعيهم كل
السعي إلى إرجاع الأمور المغربية المهمة والنافعة للمجتمع إلى سكتها المنزاحة
عنها.
مع
ذلك، فإن على التفكير المغربي أن يكون أكثر تحديدا لي صياغاته. فماذا نريد الإصلاح
أم التغيير؟ فالأسئلة رغم جدواها فهي لا تكفي لاجتراح المعجزة.
فكل
الكتب المغربية التي تصدر للمثقفين العضويين تروم إلى استنهاض الأسئلة من بباب
الجمود والتقليد، لأجل خلق دينامية فكرية: فلسفية، سوسيولوجية، سياسية اقتصادية…
بمعايير علمية وعقلانية.
وقد
نجح بعض المفكرين المغاربة في رهان تحديث التفكير المغربي. ومن بين هؤلاء: عبد
الله العروي، محمد عزيز الحبابي، محمد عابد الجابري، عبد الكريم الخطيبي، محمد
سبيلا عبد الله ساعف، المهدي المنجرة، محمد جسوس وغيرهم.
ورغم
كل هذه التحولات التحديثية للتفكير المغربي. تعد اليوم إشكالات معقدة. أهمها كيفية
خلق تواصل معرفي عضوي بالفرد المغربي القابع وراء مجاهل الأمية.
فمنذ
بداية التسعينات بدأ الحديث عن المجتمع المدني ودوره في تنمية المجتمع وتعبئته
لنفض غبار الجهل والفقر والقهر عن الفرد المغربي البسيط.
ومنذ
ذلك الوقت، والمجتمع المدني وفعالياته المتواطئة والمتمردة يوصل حملته الإصلاحية
الأكثر إعلامية منها فعلية وواقعية. بحكم تواضع الإمكانات المادية لبعض المؤسسات
التي تخطط لمشاريع توعوية وتنموية واصطدامها بتدخلات بعض السلطات التنفيذية في
مهامها المدنية. وبهذا ترتد أيادي الإصلاح إلى نحور المبادرات لتخنقها وتكبتها إلى
أجل غير مسمى.
ما
يبهجني في موضوع التفكير في المغرب، أنه خرج من مجالس الخاصة ومن كنف النخبة
العالمة المتخصصة علميا وأكاديميا، إلى مجالس المثقفين بالجمع من فنانين وشعراء
وقصاصين وصحفيين ومدرسين وغيرهم. إذ لم تعد الأطروحات عالمة أكثر من اللازم. لكن
هذا التعطش إلى فتح قنوات التفكير الديمقراطي، لا يكفي للأسف، ما دام المغرب يتخبط
في مستنقعات الأمية. إذن فنحن نحتاج إلى خطاب وسيط بحمولات عميقة ومتطورة تخرق
المحظور وتخلخل مؤسسات الكبت، بلغة في متناول أكبر قدر ممكن من المقاربة.
لهذا
ألح على أن التفكير المغربي يحتاج بالإضافة إلى إعادة صياغة أفكاره بأسئلة جديدة.
إلى استراتيجيات محكمة ترصد جميع الشرائح لخلق متلق جديد. بوعي جديد وآفاق واعدة.
هذه
الحركية في التفكير والفعل المباشر والهادف، هو ما نحتاجه اليوم لهدم مستنقعات
التخلف والجهل واليأس وتطهير المجتمع المغربي من أمراضه الخطيرة.
وفي
إطار توصيف هذه الحركية الفكرية المغربية الساعية إلى خلق متلق جديد وبلغة وسيطة
وغير معقدة، وغير … بترسانتها المصطلحية المنهكة. سنتوقف عند نخبة من المثقفين
المغاربة الذين يفكرون في المغرب بحسب تخصصهم المعرفي.
1
ـ صدمة الهزيمة:
تبتدئ
أولا بكتاب الأستاذ عثمان أشقرا وهو بعنوان: (المتن الغائب: دراسة في الفكر المغربي
الحديث)(*) ويأتي هذا الكتاب الهام بعد كتابه الأول: (في سوسيولوجيا الفكر المغربي
الحديث). وكلاهما يصبان في حركية التفكير المغربي. الذي يحاول سبر الغائب في الفكر
المغربي لفهمه وتفكيكه وخلخلته ثم لتجاوز تقليديته الرازحة فوق العقلية المغربية.
يبدأ
الكتاب بالرجوع إلى حدث هام، ومخلخل للفكر المغربي. عاش المغرب عهودا من الازدهار
الحضاري جعلته يطمئن لقوته، خاصة وأن أغنى قوة في العالم وهي الإمبراطورية
العثمانية لم تستطع اقتحامه والسيطرة عليه كما فعلت مع جارته الجزائر وفي المشرق
بالخصوص هذا الاطمئنان عزل الانكفاء وسيد المنطق المحافظ، وقد انزاح فجاءة بمجرد
انهزام الجيش المغربي في معركة (إيسلي) بوجدة. ويعتبر المؤلف أن هذه النكسة كانت
مناسبة ليقظة المخزن المغربي ومعه الشعب المغربي وفقهاؤه، للالتفات إلى ما يحدث
حولهم من تغيرات في المواقع. خاصة لدى غريمهم الأوربي الذي أخذت أطماعه تزداد حدة.
(في 14 عشت 1844، وفي مكان معروف بوادي إسلي في نواحي مدينة وجدة، انهزم جيش مغربي
قوامه "ثلاثون ألف فارس تزيد قليلا أو تنقص قليلا" (الناصري) أمام بضعة
آلاف من الجنود الفرنسيين المنظمين والمسلحين بكيفية حديثة. وبدون جدال، فقد كان
لتلك الهزيمة القاسية صداها المدوي والعميق داخل المجتمع المغربي على مختلف طبقاته
وأصعدته، بل لن نجانب الصواب إذا أكدنا أن تلك الهزيمة هي التي وضعت المغاربة –عبر
نخبتهم الحاكمة والعالمة- وجها لوجه مع واقع تأخرهم وضعفهم بمقابل تقدم وقوة
(الآخر) الأوربي "النصراني" والسؤال الذي نريد طرحه هنا هو التالي: كيف
كان الرد المغربي فكريا على واقع الهزيمة؟) ص17-18.
لكن
جميع هذه المبادرات كانت قاصرة لأن مشاريعها انصبت على ما هو عسكري وأهملت ما هو
أساسي في نهوض الأمم. ألا وهو الازدهار الاقتصادي والاجتماعي اللذان يمهدان
بدورهما إلى القوة العسكرية، ويمكن أن نمثل لها بتآليف محمد بن عبد القادر
الكردودي وعلي السملالي. مع استثناءات مستبصرة للغالي بن محمد اللجائي ومحمد دعى
ماني بن محمد الصنهاجي ومحمد بن محمد الفلاق.. بعد ذلك يقف المؤلف عند الإطار
الفكري والإيديزلزجي العام الذي صدرت عنه نصوص اليقظة وما علاقة ذلك بالمنظومة
الفكرية الإيديولوجية بالمغرب. وهكذا يحاول أن يميز بين واقعة الإصلاح ومنطق
الإصلاح ويربطها بما يلي:
ـ
محدودية انفتاح النخبة المغربية على أوربا.
ـ
خصوصية الفكر السلفي بالمغرب.
وللوقوف
عند إشكالية انغلاق المغرب على نفسه، يرد ذلك إلى نتيجة حتمية لسياسة السلطان
سليمان الذي اعتنق الأفكار الوهابية وأغلق المغرب وقطع معاملته مع أوربا. وأعتقد
أن فكرة انغلاق المغرب كانت قديمة، فحتى في عهود السلاطين الذين تعاقبوا على حكم
المغرب كان انفتاحهم إما عسكريا (الجانب الأمني كهاجس قديم لدى السلاطين أو من أجل
التوسع كما في عهد المرابطين أو الموحدين) وإما اقتصاديا من أجل التبادل التجاري
(للموقع المميز الذي يحتله المغرب جغرافيا). أما الانفتاح الفكري والثقافي فكان
بصيصا ولم يرق إلى درجة تغيير الذهنيات.
يعتمد
المؤلف على النصوص الخمسة لتأكيد محدودية الانفتاح المغربي. وهي رحلات قام بها بعض
المغاربة من النخبة العالمة إلى أوربا وهي على التوالي:
ـ
رحلة محمد بن عبد الله الصفار إلى باريس سنة 1846
ـ
رحلة السفير ابن ادريس العمراني سنة 1860 وعنونها بتحفة الملك العزيز بمملكة
باريز.
ـ
رحلة محمد الطاهر الفاسي سنة 1860 تحت عنوان: (الرحلة الإبريزية إلى الديار
الإنكليزية).
ـ
رحلة أحمد بن محمد الكردودي بعنوان (التحفة السنية للحضرة الشريفة الحسنية في
المملكة الإسبانيولية) سنة 1884.
ـ
رحلة الحسن بن محمد الغسال إلى إنكلترا في سنة 1902. وقد انحصرت كلها ما بين إحساس
بالانبهاء الحضاري وإحساس بالردع الأخلاقي والديني الذي يبطل ويجب ما سبقه من
تنوير حضاري. فكيرا ما كانوا يصفون المظاهر الأوروبية بسلاسة وعذوبة إلى أن يصلوا
إلى تفوقهم التكنولوجي فيصرخون بصوت واحد: "دمرهم الله".
يقول
المؤلف حول هذا التناقض الذي عاشه الرحالة المغاربة: (لم يختر الكتاب/الفقهاء
أصحاب هذه النصوص السفارية أي موقف واحد موحد (وهل كان في مقدورهم أن يفعلوا ذلك؟)
بل الظاهر، وحسب ما يكشف عنه منطق قراءتنا لنصوصهم السفارية أنهم، عموما، مكثوا
محبوسين ومتأرجحين داخل بنية فكرية ونفسية لن نتردد في نعتها ببنية: القبول/الرفض
والانغلاق/الانفتاح.. وهذه، في تقديرنا كانت البنية العامة المهيمنة على مجمل
الفكر المغربي الحديث في النصف الثاني من القرن 19 ومطلع القرن 20) ص32.
وعندما
ينتقل إلى الحديث عن خصوصية الفكر السلفي المغربي يطرح السؤال الإشكالية الذي يؤرق
الفكر المغربي منذ عقود وإلى يومنا هذا. هل الفكر السلفي المغربي امتداد للفكر
السلفي المشرقي (وقس على ذلك في مجالات أخرى: الأدب، النحو، الفقه..) أم أن
خصوصيته الخاصة.
فرغم
التأكيدات والأدلة الفكرية: العلاقة الوثيقة بين مصر والمغرب على مستويات عديدة
منذ عهد السلطان سليمان: التمثيل القنصلي القوي، إرسال بعثات طلابية للدراسة،
التأثير الفكري الواضح لشخصيتين سلفيتين سافرنا وتأثرتا بالدعوة الإصلاحية السلفية
وعادتا للدعوة والإصلاح وهما: عبد الله السنوسي وأبو شعيب الدكالي.
وجواب
المؤلف على غير العادة يعلن عدم الاتباع والتأثر بالمشرق وهو بذلك يخرق التأكيدات
المعلن عنها سلفا ليعلن أن السلفية المغربي لم تكن سلفية بالمعنى المتعارف عليه في
المشرق مع (الأفغاني أو محمد عبده) بل هي مجرد اجتهاد سلطاني مخزني فقهي تفرضه
النوازل: (وقد استمر هذا التفكير الإصلاحي) سائدا حتى يومنا هذا. فما يقوم أو قام
به المخزن أو الحكومات المتعاقبة أو حتى النخبة العالمة من إصلاحات منذ بداية
القرن 20 إلى اليوم تفرضه نوازل داخلية أو خارجية) وليس مبادرات تغييرية مبنية عن
استراتيجيات النهوض من السبات والفساد). التعليق هنا من صوغنا والحق يقال فلولا
هزيمة إسلي التي سببت رجة عظيمة للمجتمع المغربي لما عرف هذه اليقظة الفكرية
الغضة.
لقد
كان المغرب بموقعه الجغرافي بلدا يفتح شهية المد الإمبريالي الطامع في الاستحواذ
على خيراته الاستراتيجية والطبيعية.
وبمجرد
وعي المغاربة بما يحيطهم من أخبار ااستعمار –وخاصة أن جارتهم الجزائر ترفل منذ
عقود في أغلال الاستعمار الفرنسي المتأهب بعد انتصار معركة إسلي إلى اجتياح
الأراضي المغربي برا وبحرا- بادرت الأنتلجنسيا المغربية إلى إصدار مشاريع لإصلاح
المجتمع لمغربي وتجنيبه الهوة المظلمة القادمة والتي تسمى حماية أو استعمار.
لهذا
وجدنا بعض النصوص الإصلاحية تسعى إلى معارضة الفكر التقليدي المخزني وأهمها: دستور
جماعة "لسان المغرب" 1908. ويعتبرها المؤلف مجرد بوارق ليبرالية تسعى
إلى الإصلاح وهي فكرة مأخوذة عن المفكر المغربي محمد عابد الجابري. ولعل أبرز وأهم
المعطيات التاريخية والثقافية المتعلقة بهذه المسألة هي إنشاء (مجلس الأعيان)
وبروز الصحافة الوطنية وتأسيس جمعيات سرية وطنية.
يقول
المؤلف عنها: (الواقع أن هذه كلها معطيات ما تزال في حاجة إلى المزيد من البحث
والتنقيب التاريخيين، وبالخصوص توفير الوثائق والنصوص المرويات الشفوية. ثم هناك
مسألة التأثير الحقيقي الذي كان لهذه الجمعيات داخل بنيات الواقع بدون تصميم ولا
حماس زائد. وهو السؤال نفسه الذي ينبغي أن يطرح بصدد المشاريع الإصلاحية
والدستورية ذاتها: فصداها داخل النخبة المغربي نفسها بقي محدودا جدا) ص51.
ويدلنا
المؤلف على التيارات الثلاث التي تراوح الفكر الإصلاحي بينها وبقي مكانه في
المنزلة بين المنزلتين:
ـ
تيار عام عقائدي ذو منحى سلفي مثله الشيخ أبو شعيب الدكالي.
ـ
تيار صوفي طرقي تمثله الطريقة الكتانية عرف نفوذا مهما تحت رئاسة محمد بن عبد
الكبير الكتاني، الذي سيموت من جراء التعذيب على يد السلطان عبد الحفيظ.
ـ
تيار التحديث وله تأثير محدود لسريته، والمتأرجح بين المنظومة الفكرية
الإيديولوجية القديمة/الجديدة.
في
1912 دخل المغرب مرحلة جديدة وهي إعلان الفرنسيين فرض الحماية على المغرب، بعد
حوادث دامية، في مختلف المدن المغربية، وقد أشاع هذا القمع الفرنسي شعورا بالعجز
والإحباط بين صفوف النخبة العالمة. يقول عنها المؤلف: (لكن انعدام أية بؤرة أو
قيادة من شأنها توحيد المقاومة جعل هذه المقاومة تبدو أقرب إلى البطولات اليائسة
منها إلى مقاومة وطنية منظمة واعدة) ص54.
وأمام
هذا الوضع الميئس، ظهرت بعض الأصوات من النخبة العالمة، شككت في جدوى المقاومة
المسلحة لأن ميزان القوى غير متوازن، فبدأت تدعو إلى نشر الحد الأدنى من قيم
العقلنة والاقتصاد التدبيري و"النظام" داخل المجتمع عامة وفئة التجاور
وأرباب المال خاصة. ويعتبرها المؤلف دعوات محصورة بين طموحات نخبوية بين التقدم
والسيطرة الرأسمالية الاستعمارية وأيضا بين قوة التقليد والتخلف الداخليين
المهيمنين.
ويقدم
المؤلف ثلاث نصوص فكرية إصلاحية لها دلالة كبيرة إبان صدورها وهي على التوالي:
ـ
اللسان المعرب عن تهافت الأجنبي حول المغرب لأبي عبد الله الأعرج السليماني 1814
وهو كتاب إصلاحي يعتمد النموذج الأوربي الذي استفاد من العلوم العربية ووظفها
لتقدمه. والشيء نفسه ينبغي القيام به لكي يتقدم العرب عليهم أن ينهلوا من علوم
الغرب ما يكفي لتطورهم. كما يدعو إلى التمدن، ومحاربة الفساد والجهل. لكن رسالته
هذه كانت بمثابة صيحة في واد، فيعتبر المؤلف أن رسالته اصطدمت بواقع اقتصادي
وسياسي ينبذ هذه الطوباوية ويكسر كل محالات الإصلاح.
ـ
أصول أسباب الرقي الحقيقي لأحمد بن محمد الصبيحي 1917. وصاغه بأسلوب غريب فقد جعله
حلما عاشه المؤلف في نومه. ويقترح الصبيعي أسباب الرقي إلى ست مبادرات هي أقسام
الكتاب: (التشبت بالدين الإسلامي القويم –التعاطي للعلم والاهتمام به- تشجيع
الفلاحة –تطوير التجارة- الالتفات إلى الصناعة الوطنية وتنميتها –التحلي بفضائل
الاقتصاد: حسن التدبير والتوفير).
ويعتبرها
المؤلف "شعارات" عامة توجد عند جميع الإصلاحيين المغاربة، فهو لم يضف
شيئا جديدا وإن كان منطقها الضمني لمحتواها متقدما ومتنورا.
ـ
مستقبل التجارة بالمغرب لمحمد بن الحسن الحجوي 1921. وهو دعوة إلى التجار للاهتمام
بالتعليم التجاري وتنظيم التجارة ومجاراة التاجر الأوربي الناجح في هذا المجال.
يقول
المؤلف عن هذه النصوص البورجوازية الإصلاحية: (هذه نصوص ثلاثة، تقدم مجتمعة ما
يمكن اعتباره تصورا للتقدم "البورجوازي" بالمغرب المستعمر، وهو تصور مهم
في أكثر من جانب، لكن موضوعيا، هل كان من الممكن أن يتحول ذلك التصور إلى ممارسة
في الواقع؟ واقع البورجوازية المغربية ماضيا وإبان الفترة الاستعمارية وفي
الحاضر؟) ص64.
يعتبر
محمد بن المؤقت المراكشي أحد المفكرين المغاربة الذين لم يرد لهم الاعتبار لا في
حياتهم ولا بعد مماتهم (1894-1949). ربما لهذا أفرد له المؤلف فصلا خاصا به ويرد
هذا الاهتمام إلى الدواعي التالية: له ما يفوق العشرين مؤلفا، بعضها مطبوع بفاس
والبعض الآخر مطبوع بالقاهرة، وله كتابة متميزة وتجديدية خاصة طريقة سرده في
رحلاته الثلاث. ولأنه فقيه عالم مثقف و"مصلح" سلفي متشدد. أضف إلى ذلك
أنه شخصية معقدة وملتبسة وغامضة حد الإثارة.
عاش
ابن المؤقت في مراكش ولم يغادرها قط. حياة تزهد وانعزال. تأثر في كتاباته بالكتاب
المشارقة خاصة منهم المويلحي والمازني في كل من (حديث عيسى بن هشام) و(ليالي
سطيح).
كما
كانت له عين نافذة إلى مشاكل المجتمع المغربي ولسان ناقد ناقم على ذوي السلطان من
حكام وقضاة الذين غرقوا في الملذات ورعيتهم في الفساد والمحرمات والفقر. وقد جلبت
له كتبه الكثير من العداوة. من هذا الكلام أن ابن المؤقت العالم الفقيه كان يحلم
بمجتمع طاهر عادل، يعود فيه الإنسان المغربي إلى دينه وسنن نبيه ليظفر بطمأنينة
النفس على يومه وغده.
هذه
الطوباوية الإصلاحية، لم تأخذ بعين الاعتبار العدو الأهم وهو الاستعمار الذي يوظف
السلطة الصورية المغربية لفرض نفوذه واكتساح منافع البلاد وتجويع وتفسيد العباد.
فكثير
من الفقهاء المغاربة سلكوا مسلك التقية في دعواتهم الإصلاحية وهذا ما سد أفق
مشروعاتهم الإصلاحية.
يناقش
المؤلف في الفصل الموالي كتابا مهما لمحمد بن الحسن الحجوي وهو بعنوان: (الفكر
السامي في تاريخ الفقه الإسلامي) 1918.
وهو
كتاب حول كيفية نشوء الفقه الإسلامي والوضعية التي هو عليها اليوم (1918). مبينا
أصول المذاهب الأربعة ثم تراجم المجتهدين. وهو بالجملة فلسفة تاريخية أصولية للفقه
وتاريخ لأشهر مشاهير فقهاء الإسلام. ولهذا العالم المولود سنة 1847 حوالي تسعا
وتسعين كتابا. وقد تميز فكره الإصلاحي بأنه ذوا منحى بورجوازي كنوع من الفكر
الليبرالي الأولي الحر والمتنور.
بعده
ينتقل إلى مؤلف آخر لصاحبه عبد الرحمن بن زيدان (1878-1946) تحت عنوان: (إتحاف
إعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس) 1926م. لكنه بدون أهمية.
يخصص
المؤلف فصله الأخير، لأحد أهم إصدار إعلامي عرفه المغرب فترة الاستعمار، وهو مجلة
(السلام) الصادرة عام 1933 وقد ولدت في مرحلة حاسمة من تاريخ المغرب الحديث. تقع
بين 8 يونيو 1931، تاريخ تقديم وثيقة "مطالب الأمة المغربية" إلى
المستعمر الإسباني. وتاريخ تقديم دفتر مطالب الشعب المغربي 1934 في المنطقة
السلطانية. وقد جاءت هذه المجلة بدم جديد إلى الحركة الوطنية. ووعي متنور يسعى إلى
حل شامل وجذري لآفة الاستعمار وكذا تفعيل المؤسسات المغربية تحت رعاية النخبة
العالمة.
ويقدم
المؤلف في عجالة جوهر هذه التجربة الوطنية. فهي تبئر أهدافها في ثلاث مفاهيم:
النهضة، الإصلاح، السلام. ولا يفوت المؤلف التأكيد على أن أعدادها العشرة تصب في
هذا الاتجاه وتدافع عنه أمام خيارات أخرى ثورية تطالب بالكفاح المسلح. ويعرض
المؤلف تلخيصا جوهريا لهذه الدعوات البورجوازية التي طفحت في الشمال وفي المنطقة
السلطانية. فحقيقة الحركة الوطنية لدى جماعة السلام تتلخص في دراسة لمحمد بن الحسن
الوزاني نشرت على امتداد ثلاثة أعداد في مجلة (السلام). يقول فيها: "فما هي
هذه الحقيقة؟ إنها –أولا- الوطنية المنفتحة على الإنسانية؛ أي وطنية غير منغلقة
ولا متعصبة. وهي –ثانيا- وطنية إصلاحية ترمي إلى إصلاح شؤون الأمة المغربية إصلاحا
يفي بحاجاتها، ويخطو بها خطوات سريعة في نهج التطور والتقدم) ص94.
ونظرا
لتحلق مجموعة من الأسماء البارزة حول هذه المجلة وغيرها وكمجلة (مغرب) وجريدة (عمل
الشعب). فوجدنا مقالات لكل من عبد الله كنون وعبد الخالق الطريس وغيرهم.
يمكن
اعتبار دراسة الأستاذ عثمان أشقرا حول الفكر المغربي الحديث، الجانب الإصلاحي منه
على الأخص. قراءة ذكية للمتن الغائب تؤكد أهمية الدراسات الحفرية في التراث
المغربي التي تمكننا من فهم تاريخ الأفكار الإصلاحية الذي يسود الذهنية المغربية
الحديثة حتى يومنا هذا. ففهم الماضي يسمح لنا بغربلته لتجاوز العثرات وتفعيل
الطروحات العقلانية.
لهذا
فقراءة المؤلف لم تكن تتطلع إلى تشريح الفكر الإصلاحي المغربي الحديث فقط بل كانت
تسعى إلى طرح المعيقات التي تخبطت فيها الحركة الفكرية الوطنية. فهي تعاملت مع
الواقع المغربي بحذر، فتنظيراتها ومشروعاتها أعدت في منأى عن المطالب الحقيقية
للشعب المغربي. إذ أنها لم تنزل من أبراجها لتنصت إلى صراخ الملايين. بل قعدت تعد
مطالبها برعاية المخزن وتدعيم منه، يراعي بدوره سلطات الاستعمار. وكان أجدر
بالمؤلف أن يقف عند هذه الأمور التي ستنطق أمورا أخرى مسكوت عنها وسكتنا نحن أيضا
عنها.
لقد
تميز الخطاب الفقهي المغربي بالتقنية أحيانا وبالنفعية الانتهازية أحيانا أخرى.
وربما الذي يعود إلى التاريخ المغربي سيعثر دون عناء على أمثلة مخزية.
رغم
ذلك فالخطاب الفكري الإصلاحي الحديث مهد الطريق لذهنية جديدة أكثر عقلانية في
مشروعاتها التحديثية.
2
ـ الأسئلة المحرجة:
يقول
الدكتور حسن حنفي: "قد يكون أحد عثراتنا الأخيرة أننا حاولنا الإجابة دون أن نضع
السؤال، فجاءت إجاباتنا تعبيرا عن مواقف فكرية مسبقة دون تحليل للواقع المعيوش.
إجابات جاهزة تعبر عن إيمان مسبق. دون رؤية لمشاكل العصر، ولعل هذا ما تجاوزه
المفكرون المغاربة الذين أصبحوا في السنوات الأخيرة أكثر تساؤلا من ذي قبل. وربما
لن أخطئ إذا قلت أن التفكير المغربي ملازم للتساؤل منذ بداية التأسيس وإلى يومنا
هذا.
وفعلا
هذا ما حدث للمفكر المغربي محمد وقيدي في كتابه الأخير: (أبعاد المغرب وآفاقه)(*)
إذ وجد نفسه أمان سؤال/إشكالية مفاده: ما معنى أن يفكر متفلسف في المغرب؟ وما
الفائدة من أن يجعل المغرب موضوع تفكير. إذا كانت نقطة الانطلاق في التحليل ثقافة
فلسفية؟ قد تكون هذه الأسئلة من الموانع التي تدفع المفكرين الفلاسفة إلى الابتعاد
عن الخوض في القضايا المرتبطة بآفاق المغرب السياسية على الأخص ومعيوشه اليومي على
الأعم. فأصبح بذلك السؤال عائقا إبستمولوجيا للتحليل والمناقشة والاستنتاج مع أن
التفكير الفلسفي نزل منذ عقود من مقعده الرخامي إبان تلاحقه بالعلوم الإنسانية
الأخرى. خاصة لدى المدرسة الفرنسية: فوكو، دولوز، غتاري دوبري وغيرهم.
إذا
كان انزياح المؤلف نحو التفكير القطري أو المحلي يعيب الفيلسوف الذي ينبغي أن يفكر
في العالم (الفلسفة العربية/الغربية برمتها عامة). فالحق يقال فالجرأة في خوض غمار
التفكير القطري ليس تقليدا فلسفيا عربيا بل دخيل من المباحث الغربية:
(السوسيولوجية، السياسية، الاقتصادية، الإثنولوجية، الأنتربولوجية) ويعترف المؤلف
منذ البداية أن خوضه هذه المغامرة قد سبب له الإرباك والبلبلة ففي صفحة واحدة
يستعمل: (كان لدي حذر… كان هذا الحذر… الاتجاه المعاكس للحذر..ص8). وهذا يدل على
تردد المؤلف في مواجهة أسئلته باستراتيجية فكرية تتجاوز الخواطر الذاتية.
وعندما
يتأكد من أن مشروعه لا مناص منه يقول: (أمران يسير في طريقهما هذا الكتاب محاولة
تقريب المغرب كموضوع من التفكير. ولكن أيضا محاولة الاستناد إلى الثقافة الفلسفية
من أجل ممارسة هذا التفكير، والكتاب بذلك تلميح إلى أسئلة ضرورية وليس تأكيدا
لوجهة نظر تامة. إنه اقتراح لطريقة في التفكير ص11).
في
زمن من التكثلات الاقتصادية، أصبح التفكير في وحدة المغرب العربي أمرا مؤرقا لكل
مفكر مغربي، يرجو التقدم لبلده. فهناك خصوصيات موحدة بين الساكنة المغاربية
(جغرافيا وديمغرافيا). لكن هناك أيضا عوائق تمنع هذه الوحدة وتعرقل تحققها, يرى
المؤلف أن هذه العوائق هي طريقة التفكير في الوحدة: (فغالبا ما يفكر في الوحدة
انطلاقا من العوامل والشروط التي يفترض أنها تساعد على قيامها. وكثيرا ما تكون
العودة إلى التاريخ منطلقة الوحدة كبداهة تاريخية، أي كما لو كانت هذه الوحدة هي
ما يفرضه التاريخ. وكما لو كان الدليل التاريخي وحده كافيا لإثبات ضرورتها. وهذا التحليل
ذاته هو الذي يتبع حين التفكير في وحدة أشمل. هي الوحدة العربية ص12-13). وهي
زاوية تفكير مختلفة عما عهدناه في مقاربات لمشروع الوحدة المغاربية أو العربية
التي تنظر إلى ما هو مشترك ومؤهل وموحد لهذه الوحدة كأساس لمشروع الوحدة.
ويقترح
محمد وقيدي أسئلة هامة حول فكرة وحدة المغرب العربي: (ضمن المنظور الذي نقترح
الانطلاق منه نتساءل: هل نحن أمام وحدة لا نجد فرقا بين وعينا بها وشعورنا
بضرورتها وبين تحققها في واقعنا السياسي والمجتمعي؟ هل نحن أمام وحدة تعتبر
استمرارا لماض في هذه التجربة لم يكن له انقطاع سوى في الفترة الاستعمارية بحيث
أنه يمكن استئنافه بعد انحسارها؟ ص13-14).
كل
هذه الأسئلة تقود إلى البحث في عوائق الوحدة وذلك بالرجوع إلى التاريخ الذي يستند
إليه الباحثون في أصول الوحدة التاريخية الجغرافية والبشرية. ليبين أن هناك تطورات
مشتركة لم توصل إلا إلى الانفصال. فالمؤلف يشكك في ملامح الوحدة. مستغلا ما كتبه
عبد الله العروي حول تاريخ المغرب من انعدام الدقة في مصطلح Maghreb فهل المقصود به شمال إفريقيا، غرب شمال إفريقيا، أرض البربر،
المغرب العربي. أضف إلى ذلك فلكل قطر من أقطار المغرب العربي خاصياته السياسية،
العرقية والإيديولوجية.
وقد
تبلور الوعي بالوحدة، كإرهاصات أولى وبدائية، لم تكن في السابق، أي قبل هذا الحدث،
واردة. فمع انعقاد مؤتمر القاهرة 15 و22 فبراير 1947. وحدت الأحزاب التحررية
المغاربية خطة عملها. وجاء بعده مؤتمر طنجة ليعزز هذا الشعور الوحدوي بين الأحزاب
الوطنية الثلاثة لبلدان المغرب العربي. 1958 ويستنتج المؤلف من هذه الصيرورة
الوحدوية أن بروز فكرة المغرب العربي والوعي السياسي المصاحب لها ارتبط بشكل حتمي
بالحركات التحررية ضد الاستعمار الأجنبي (الفرنسي) وضد المحاولات الهادفة إلى المس
بالهوية الإسلامية العربية (فرنسة الجزائر، الظهير البربري…).
إذن
ففكرة الوحدة المغاربية لم تكن حاضرة من قبل بل كرسها الإحساس العام يفقدان الهوية
أمام خطط استعمارية تسعة إلى فرنسة شمال إفريقيا لكي تكون جزءا من الهوية الفرنسية
المبنية أساسا على الإدماج والتوسع.
وفي
فترة الستينات أخذت فكرة توسيع المغرب العربي ليشمل موريتانيا وليبيا. لكن هذا
المشروع حمل في تصوره ما سيمنعه من التحقق. فكل الذين طالبوا بالوحدة وفي مقدمتهم!
علال الفاسي لم يقدم مشروعهم كبديل للوحدة العربية بل كمكمل لها. لكن النزاعات
الظرفية بين الدول المغاربية وحتى العربية، جعلت الوحدة طفلا موؤودا إلى يومنا
هذا. ويرى المؤلف أن مشروع الوحدة بهذه الكيفية يحمل عوائقه في طريقة التصور
ودعائم المشروع الوحدوي فالعائق ليس في إيجاد مؤسسات ومشاريع بل العائق الأساسي في
الوحدة هي الخلافات والذهنيات الحاكمة للمغرب العربي. ويقدم المؤلف نموذجا ناجحا
لمشروع الوحدة وهي وحدة أوربا تحت قاعدة السوق الأوربية المشتركة. يقول المؤلف:
(إن التجربة الأوربية في الوحدة تبرز لنا أن التفكير في العوائق أمر ضروري لتحويل
آليات سيرورة المجتمع في بلدان المغرب العربي نحو التكامل. ولقد تعودنا بفعل
الرغبة الصادقة أو الظاهرة، أن نفكر في الوحدة انطلاقا من العوامل المشتركة التي
تشكلت في التاريخ. وعند الاقتصار على التفكير تبعا لهذه الطريقة فحسب يختفي عنا ما
يعوق هذه الوحدة، غير أن اختفاءه عن تحليلنا لا يعني إقصاء ديناميته الواقعية في
سيرورتها، ص27).
ويبحث
المؤلف انطلاقا من تصوراته الخاصة للوحدة، والتي يفترض حدوثها، فالتفكير السائد في
الوحدة لا يفكر فيها إلا من خلال الخصائص الموحدة لهذا فهو لا يتجاوز ما يعوقها.
ويقترح المؤلف تحليل عوائق فكرة المغرب العربي.
ـ
العائق الأول يظهر على مستوى التصور الذي يربط أصحابها مشروع الوحدة بالروابط
التاريخية ويعتبره المؤلف نقص في الوعي التاريخي، لكن رغم ذلك فلا بد من دراسة
التاريخ المغاربي بيقظة لبناء الحاضر والمستقبل. لاستثمار الذاكرة التاريخية
والتضامن العصبي واللحمة القبلية في مجال التكامل الوحدوي, ويطرح المؤلف سؤالا
مهما وهو: (لماذا سار التاريخ المعاصر لبلدان المغرب العربي في اتجاه التدرج نحو
إضعاف فكرة الوحدة بدلا من السير في طريق تدعيمها وتعميقها؟ ص33).
مما
لا شك فيه فإن هذا التعثر نتيجة عادية للتفكير الوحدوي للحركات التحررية
المغاربية. فقد حصرت وحدتها في مواجهة الاستعمار ولم تعمق تصوراتها نحو أفق أبعد
وأوسع.
ـ
العائق الثاني: يكمن في أن هذه التصورات لم تتجاوز القاعدة التاريخية المرتكزة
عليها كأساس للوحدة إلى تصورات مستقبلية. (إن بناء وحدة المغرب العربي، إذا ما نظر
إليها من منظور المستقبل يصبح ضرورة تستجيب لتلاؤمنا مع واقع العالم في نهاية القرن
الحالي، كما يستجيب لمواجهة الصراعات المعقدة التي يطرحها تسارع دول العالم بأكمله
نحو احتلال في حسبانه بالدرجة الأولى بناء تكامله المستقبلي بعيدا عن الانعزالية
والقضايا والمشاكل النرجسية. فمصالح الشعوب المغاربية أهم من حسابات وحساسيات
ذهنية لمجموعة محدودة من الكوادر العسكرية والتقنوقراطيين ورؤوس الأموال. فالآفاق
مفتوحة، وإرادة الشعوب لا مفر منها، والمرتكزات الاقتصادية لا ترحم من مر أصغر
منها. لهذا يجب الانتباه إلى ما قاله الدكتور المهدي المنجرة. الباحث المستقبلي
والذي اعتمده المؤلف محمد وقيدي كمصدر أساسي في بحثه عن العوائق. يرى المنجرة أن
المغرب العربي لن يعرف الاستقرار إلا حوالي 2090 إذ سيبلغ عدد سكانه قرابة 200
مليون نسمة. لأنه لا يمكن لأي مجموعة تبلغ من السكان أقل من 100 أو 150 مليون نسمة
أن تعيش في بداية القرن الحادي والعشرين. لهذا (فإن فكرة المغرب العربي القائمة
على إهمال كلي أو نسبي لعوائق تحققها. ستظل فكرة تعايش عوائقها بدل أن تتجاوزها.
وستسلب هذه الفكرة جوهرها، وتبتعد عن ذاتها بقدر ما تتعاظم عوائقها بفعل إهمال
تحليلها ص42).
يفكر
محمد وقيدي أنه حان الوقت للتفكير في الوحدة المغاربية بعقلانية بعيدا عن تصورات
ناقصة أو عاطفية. أي البحث في الشروط الموضوعية لبناء فكرة الوحدة كبرنامج عمل
فعلي لإنجاز طموحات لازالت تراوح مكانها ما انفكت تحلل وتحلل تناقش وتناقش دون
نتيجة معقولة وملموسة. وهو نفسه مأزق الوحدة العربية التي لازالت حبرا على ورق في
الدراسات والبحوث والمواثيق والمعاهدات مجرد فكرة تستنهضها نازلة أو عاطفة. يقول
المؤلف: (إن فشل الخطاب الذي اتخذ من الوحدة موضوعا له يأتي من طوباويته ومن عدم
تعامله إيجابيا مع الشروط الموضوعية لما يفكر فيه ص51). ولكي تنجح التجربة
الوحدوية لا بد من التفكير بحزم في دراسة الشروط الموضوعية المعيقة، أي الاستفادة
من الأخطاء السابقة وكل ما لا يسير في اتجاه اللاتكامل لتخنق منه أرضية للتكامل
الذي يخدم الصالح العام. إذن فكل الدراسات التي اختارت الوحدة المغاربية أفقا
لتفكيرها لازمت هذه الطروحات ولم تتجاوزها إلى جعل المغرب العربي أفقا للتفكير
يتجه نحو المستقبل بعيدا عن الإيديولوجيات المحنطة لكل تحولات سياسية واقتصادية
ومالية ومجتمعية وثقافية تنصهر كلها في وحدة مغاربية شاملة.
وفي
الطريق إلى تأسيس هذه النوعية من التفكير العقلاني يقترح المؤلف إنشاء "مركز
للدراسات حول المغرب العربي". يقول بالمهام التالية: مساعدة الباحثين بالمادة
التوثيقية الإعلامية ثم تحفيز وتوجيه البحوث والدراسات ثم الإشراف على دراسات ذات
طابع استراتيجي.
وذلك
لفسح المجال لفكرة المغرب العربي لأن تتحول من مجال للتفكير إلى حقيقة لا رجعة
فيها نحو التكامل والاندماج والتطور.
في
هذا الفصل يقف محمد وقيدي عند التحليل الاستراتيجي لمشكلات (بلدنا) ويقصد المغرب.
ويصرح أن هناك مشاكل عديدة تمس جوانب مختلفة من سيرورة الحياة المجتعية للمغرب
الحديث. ويوردها تباعا: علاقة الدولة بالمجتمع والسياسة العامة للدولة اتجاه محطيه
الجيوسياسي، الأوضاع المالية والاقتصادية التي لا تدعو اليوم إلى الاطمئنان
والسلوك والسياسة، مشكل البطالة، مشكل التعليم والتكوين، ومشكل إدماج التطور
العلمي والتقني، مشكل نظام الإدارة وفعاليته، مشكل إدماج كل الطاقات في سيرورة
البلاد. ويقترح طريقة لحلها أن لا تنحصر في اقتراحات فردية بل أن تضبط بطيفية
جماعية وبتحليل استراتيجي يفكك المشاكل ويردها إلى مسبباتها ثم طرح حلول لها
تتماشى مع قدرات المغرب الآنية والآتية. والمؤلف بدوره لا يقترح حلولا بل يقترح
منهجا شموليا يسهب في مناقشته. يقول: (التحليل الاستراتيجي أخيرا هو وسيلتنا
المنهجية الأكثر فعالية لفهم مشكلاتنا الحالية كما هي في حقيقتها، أي مترابطة
ومتبادلة التأثير، متشابكة العوامل، متداخلة من حيث واقعها وتطورها، وهو كذلك
وسيلتنا العملية الأكثر فعالية لتوجيه نمو مجتمعنا تبعا لتصور شامل تنتظم ضمنه
السياسات المتقاطعة لتدبير شؤون المجتمع، ص81).
أما
الفصل الأخير، فيخصصه المؤلف لسؤال كبير ومشروع وهو: المغرب إلى أين؟ وهو يتجه به
المستقبل لأن طبيعة السؤال تفرض ذلك، وهو بذلك يكمل الفصل السابق الذي تحدثنا عنه
قبل لحظات. فالمشكل الأساسي في عدم تقدم المغرب وتنفذيه لمشروعاته وتحقيق طموحاته،
يعود بالأساس إلى التسيير الإداري.
يقول
المؤلف: (فنحن إذا نظرنا إلى الإدارة المغربية، نجد أنه قد تراكم فيها منذ بداية
الاستقلال إلى الآن، عدد كبير من الموظفين لكن دون نظرة شمولية واضحة لما ينبغي أن
ينجزه هؤلاء الموظفون ص84) وهي بذلك تصاب العجز الإداري، فليست هناك إنتاجية بل
تصبح عائقا أمام تطور المجتمع. كما أن التقدم العلمي والتكنولوجي لا يخرج من إطار
الكليات، فهناك أطر تكون أطرا وهكذا دواليك دون إنتاجية تذكر ودون تطوير للبحوث
العلمية وإخراجها من حيز المكتوب إلى أحياز التطبيق. وهذا يقتضي إنشاء بنيات
اقتصادية تتبنى هذه الأطروحات وتخرجها إلى الوجود عوض أن تسعى جادة إلى الاستفادة
من الأطر الصغيرة والتقنيين والعمال بكيفية نفعية واستنزافية. وبطرق ملتوية
وملتبسة ولا اجتماعية. هنا يطرح مشكل آخر أشد خطورة وهو عزوف الطلبة عن التحصيل
العلمي الجامعي واكتفاؤهم بمطالب المصانع والشركات التي تشغل العمال والتقنيين
الصغار بأجور زهيدة وشروط لا إنسانية ولا قانونية، فإلى أين يسير المغرب؟
3
ـ تأجيل الانهيار:
إن
لكتاب محمد الساسي أهمية خاصة، لأن فترة صدوره تتوافق مع الآونة الأكثر تحولا في
المغرب الحديث، مع صعود الكثلة الديمقراطية إلى كراسي الوزارات، ونزول الكثلة
الليبرالية الأكثر براغماتية وانتهازية في تاريخ المغرب إلى كراسي الشركات
والجرائد الملونة.
لكن
ما يميز أكثر كتاب تفاصيل سياسية(*) نظرته الشمولية إلى جذور وحاضر الفعل السياسي
التقدمي بالمغرب والضائقة التي يعيشها أمام العوائق الكثيرة التي خلفتها الصيرورة
الوطنية اليسارية.
يقول
المؤلف عن كتابه، (إن النصوص التي يحتويها هذا الكتاب هي عبارة عن أوراق من ملف
القضية الديمقراطية ببلادنا، كتبت في التسعينات، وترمي إلى تعيين "الخلل
السياسي" في المغرب ودور النخبة المعارضة المتأرجح ما بين تبني استراتيجية
للإصلاح واضحة المعالم ومنسجمة العمارة والبنيات، وإنتاج خطاب مضطرب يعلن من حيث
المبدأ انتماءه إلى اختيار الإصلاح، ولكنه يقبل بقواعد اللعب الأكثر تعارضا مع هذا
الإصلاح، ص9). وهذه قراءة جريئة للمشهد السياسي المغربي بتنوعه وتشعبه وغموضه.
أحيانا بمعرضة شديدة. وأحيانا أخرى بمواربة صريحة وعين واحدة.
فبعد
الاستقلال واجهت القوى التقدمية إقصاء وعنفا من طرف الذهنية الحاكمة وصلت إلى
النفي والتصفية والاعتقال. هذه الذهنية تعاقبت على الحكم وبالتالي على المشاريع
الدستورية والاجتماعية والاقتصادية. لكنها لم تفرز سوى مغرب المشاكل المتعاقبة
والمترسبة. (عن طريقة الحكم المعتمدة حتى الآن قد أفضت إلى أزمة واضحة للعيان، فهي
لم تستطع أن تفي بما وعدت به، وسمحت بسيادة اللامسؤولية، فتدهورت الأوضاع
الاقتصادية والاجتماعية، وعم الفساد مختلف مرافق الدولة، وكان لذلك تبعات دولية،
كل ذلك فرض على النظام الاعتراف بضرورة المراجعة، ص10).
لكن
كيف تعاملت أحزاب المعارضة مع هذا الوضع المتدهور؟
الجواب،
أنها وقفت له بالمرصاد، لكنها تخلت عن الحل الجذري، إلى حلول انتقالية لعبت فيها
العلاقات الشخصية دورا هاما وذلك بتجديد التعاقد وإعلان السلم الاجتماعي.
وبوصول
المعارضة إلى تشكيل الحكومة تكون بذلك قد رافقت ضمنيا عما بالدستور من ثغرات وما
يسود الممارسة الدستورية ن خروقات وما يعم الإدارة من فساد وإفساد. فلعبة شد الحبل
تمارس اليوم بكيفية مدروسة عبر بروفات وتسربات مقولات الديمقراطية، دولة الحق
والقانون، حقوق الإنسان، التشغيل حق دستوري لكل مواطن وغيرها من الأفكار التي
يتصادم تحققها بين مشاريع إصلاحية لحكومة المعارضة واستراتيجية الأمن والحذر لسلطة
الداخلية.
لهذا،
ربما، يسمي محمد الساسي، الخطوة التي أقدمت عليها المعارضة بتشكيلها لحكومة
التناوب: بـ"المغامرة". فقياداتها رافقت على أمر تنكره عليها قواعدها.
وهذا هو جوهر المأزق السياسي الذي تعيشه قيادة الكثلة الديمقراطية أو بالأحرى
أحزاب حكومة التناوب. ولن تتوقف صيرورة هذا المأزق عند هذا (الحاضر) بل ستمتد
نتائجها نحو المستقبل فالتاريخ علمنا أنه حاكم ويحكم. يقول المؤلف: (إن مفارقات
الخطاب تبعث اليوم تخوفا مشروعا على مصير التوجه الديمقراطي الحداثي، ومصير
الظاهرة الحزبية، ومصير المشروع اليساري. ولقد عشنا، غداة طرح قضية التناوب
مباشرة، إحدى لحظات الخطاب الحزبي في المغرب الأشد خضوعا للمفارقات، فانبثقت
مفاهيم جديدة لا علاقة لها بأصل الاختيار الديمقراطي، وثم تجاهل (أسئلة التداول)
الحقيقية ص16-17). والدعوة رأسا إلى إصلاح حقيقي لإنقاذ القضية الديمقراطية كضرورة
لمعالجة جميع المشاكل المترتبة عن سياسات إجهاضية للمشاريع الإصلاحية الجذرية
والتي تطمح لها الإرادة الشعبية.
يتناول
محمد الساسي في فصله الثاني جانب أزمة التحديث المؤسسي. يقول عنها: (إن الحديث عن
المؤسسات هو حديث عن بنيات وأشكال وقواعد، أي أننا عندما نتحدث عن مؤسسة ما، فإننا
نلامس من خلالها بعدين اثنين: بعد تنظيمي بنيوي، وبعد معنوي أو نفساني، ص19)
ويقترح المؤلف تحديث المجتمع السياسي، وبالتالي تحديث المؤسسات التي ترعى التسيير
والتغيير وتسهر على تطبيع العلاقات الشاذة ما بين الحاكم والمحكوم.
فبعد
الاستقلال، أخذ المغرب بعد مؤسساته وفق تصورات أملاها المستعمر بحكم نموذجيته
الراسخة في الأذهان، فهو مثال للقوة الغالبة القامعة.
وتحديث
المؤسسات كانت له اعتبارات عدة تجد صداها في المشروعية الكونية لهذه المؤسسات
والتعاقدات الخائبة للحركة الوطنية مع الدولة على إرساء المؤسسات التشريعية
والتسييرية للخروج من عهود الارتجال والتقليد والانفتاح الاقتصادي لتكسير التبعية
الشاملة للإدارة الفرنسية.
وقد
كانت لمطالبة الشعب المغربي عبر نخبته العالمة بتحديث المؤسسات المغربية المخزنية،
مشروعيتها، نظرا للتحولات العالمية الآخذة في التطور السريع، خاصة بعد انقسام
القوة إلى معسكرين. لكن هذه المشاريع لم تكن وليدة لحظة الاستقلال بل كانت لها
جذور تاريخية بدأت خاصة مع تقديم دستور لسان المغرب سنة 1908. وغيرها من المطالب
والمشاريع المقترحة على آليات التسيير والحكم في المغرب. أضف إلى ذلك الأثر الفعال
للتجربة الريفية (مقاومة عبد الكريم الخطابي) في ما يتعلق بإدارة السلطة المدنية،
وخطاب كثلة العمل الوطني سنة 1934 وتكوين الحزب الوطني سنة 1937 وتقديم وثيقة
الاستقلال سنة 1944. وصولا إلى المسعى التحديثي التصادمي في صفوف الحركة الوطنية
سنة 1959.
لكن
رغم كل هذه الجهود فقد ضلت المؤسسة تقليدية بكل المعايير. بل حتى بعد الاستقلال
فقد تغيرت القشور وبقي الجوهر على حاله. فأسبقية هيكلة المؤسسات السياسية، وأسبقية
الديمقراطية المحلية، لم يؤخذ بعين الاعتبار وأجل بشكل عمدي لصالح مآرب أخرى أمنية
بالدرجة الأولى، وبذلك إلى تكريس سلطة الفصل 19 التي توافقت عليها جميع المؤسسات،
وبالتالي عجزت المؤسسات الحديثة عن لعب أدوار طلائعية، ويشير المؤلف إلى أن (ديناميكية
تهجين المؤسسات ليست تمرة تطور عفوي. إنها خطة ممنهجة تقصد إلى تقوية روابط تبعية
هذه المؤسسات ص30). وأمام هذا التعطيل القصدي لمنافذ التغيير الحقيقي للمؤسسات،
والذي أشاع في صفوف المجتمع المغربي إحساسا ضروريا بالتغيير. وجاء إضراب 14 دجنبر
1990. ليعلن طموح الشعب في التغيير الحقيقي. (إلا أن هذه الانتعاشة كادت تتطور إلى
انتكاسة في الحس الديمقراطي بعد أن ظهر نوع من الاستعداد الأكيد للتعامل مع قضية
التناوب بمنطق بعيد عن منطلقات ومستلزمات التحديث السياسي، في مجالات سياسية حيوية
لم يمنع جزءا كبيرا من النخبة السياسية من قبول الارتداد إلى الوراء. واعتبار أن
شعاراتها الحداثية لا تلزمها برفض مشروع تناوب يضعه قرار رسمي ولا تحسم فيه صناديق
الاقتراع، ص31).
وفي
إطار هذا التناوب المزعوم، دخلت مرة أخرى المعارضة كنف عشوائية الاختيارات التي لم
تعتمد صوت قواعدها ولا توسيع نشاطها الديمقراطي ولا تطوير مطالبها الدستورية بل
استمعت إلى صوت لهاتها المتسارع نحو التناوب والسلطة.
وهي
بذلك تنسف التحديث المؤسساتي الحقيقي، وتكرس المنطق التقليدي الذي اعتاده المشهد
السياسي المغربي.
أما
الفصل الثالث فيعنونه المؤلف بعنوان موحي وموفق وهو (المجاز الدستوري). ويخصصه
للحديث عن الحكم الديمقراطي المفترض الذي يضمن بدوره تسييرا دستوريا صحيحا. لأنه
يخرق آليات الحكم الديمقراطي سرا وعلانية فأدنى الشروط لا تتوفر، ويقدم المؤلف هذه
الآليات في أن (يكون الحكم ديمقراطيا إذا انبنى على أساس الميكانيزمات التالية:
أولا: سيادة الأمة. ثانيا: حماية الحريات تشريعا وعملا. ثالثا: فصل اسلطات.
ورابعا: التمثيل النيابي الدوري ص34). ويحاول المؤلف الوقوف على تطور المؤسسات
الدستورية منذ 1908 إلى يومنا هذا، وانحصارها في تركيز قطبية السلطة وخلق الفجوة
بين السدة والقاعدة الشعبية. فالشعب لا خيار له أمام قرارات فوقية، والمؤسسات تنفذ
بدورها القرارات وتكرس خط الدولة ولا حق لها في تغييره. يقول المؤلف: (إننا نعيش
مجازا دستوريا، لأن النص المكتوب عندنا لا ينقلنا إلى مرحلة "تقييد"
السلطة، ولا يكفل العمل بمبدأ تجزئة السلطة والمحاسبة على ممارسة السلطة، إذ النص
المكتوب، حتى وإن سمي دستوريا، فهو لا يؤسس الحكم على المشروعية الوضعية. وعندما
نتجاوز المشروعية الوضعية، تحت أي اعتبار من الاعتبارات، فإننا نفسح المجال
لنتجاهل الدستور ولإهماله، مهما تضمن من إيجابيات في شقه "العصري". فلا
معنى لوجود دستور إذا كان لا يقنن مبدأ أن السلطة تمارس باسم الشعب وأنها انعكاس
لإرادته، ص48-49).
هذا
المجاز الدستوري الذي يسود مغرب اليوم يكرس بوضوح ثقافة الداخلية التي تمرر خطابها
الديمقراطي (حسب تأويلها المصلحي لمفهوم الديمقراطية) في جملة من الحمولات
الإعلامية التي تدجن المؤسسات نحو التوافق على دستور لا يتعارض مع القرارات
المركزية.
وفي
هذا الإطار يأتي تزوير الانتخابات التي تزيف الإرادة الشعبية وتمسخها بالمال
الحرام أو بتدخل السلطة المعنية مباشرة. ويعتبر المؤلف في فصله الرابع أن
(الإيديولوجية السائدة تمارس التزوير لأنها مجبرة عليه، إذ هي في الأصل لا تقبل
الانتخابات، ولا تستسيغها كمؤسسة في العمق، وهذا هو جوهري المشكل، ص53). وإذا كانت
الانتخابات تشكل منازعة وإزعاجا لإيديولوجية ترفض عقليتها فكرة سيادة إرادة الشعب.
فإن مشاركة أحزاب المعارضة في هذا المسلسل التآمري يفقدها مصداقيتها. وبذلك فكل ما
بني على باطل فهو باطل. وبهذا المعنى فكل الانتخابات التي عرفها المغرب (النموذج
لدول العالم الثالث). كانت من تدبير الدولة ولصالح مآربها الاستراتيجية. ولهذا
نجدها عند كل مرحلة انتخابات تغير من خططها في اتجاهات معينة تخدم مصالحها بالدرجة
الأولى. فأين هي الديمقراطية إذن؟ فإن لم تكن شعارات فهي نظارات واقية من كسوف شمس
المغرب.
ومما
سبق يتبدى لنا الوزن الهائل الذي تشغله الداخلية في حكم البلاد والعباد. ونظرا
لهذه الأهمية يفرد المؤلف فصله الخامس لسلطة الداخلية التي تتنافى ومنطق
الديمقراطية ولولا الهاجس الأمني المتضخم للدولة لما أصبحت وزارة الداخلية سيدة
الوزارات. ولما أصبح الشارع المغربي لا يعرف من أسماء الوزراء سوى وزير الداخلية.
ويحاول المؤلف أن يحلل سر تضخم سلطة الداخلية بهذا الشكل.
تستمد
الداخلية هيمنتها من رجل يدعى وزير الداخلية الذي سهر مدة عشرين عاما على مأسسة
الوزارة ومد نفوذها إلى جميع القطاعات الحيوية للحفاظ على النظام السائد ويعطيه
المؤلف لقبا يليق بأخطبوطية هذه الوزارة: (إن السيد إدريس البصري هو "حكومة
قائمة بذاتها" ص69). وهي تسمية خطيرة بحجم خطورة ما يقوم به وزير الداخلية من
وظائف دقيقة ومبتكرة. لهذا أصبحت مؤسسة وزارة الداخلية كيانا (مؤسساتي كاسح،
هيمني، فعال، يريد أن يبهر العقول والنفوس، ويعمل على الظهور بمظهر القادر على كل
شيء، ويؤسس تدخله اليومي في مختلف تفاصيل حياتنا، ص70).
وقد
مدت سلطتها إلى وزارات أخرى وجمعيات جهوية، فسطت على مكاسب ديمقراطية، حصلت عليها
الفعاليات الديمقراطية بالنضال المتواصل. لكي تحسب لصالحها ويقال أن الديمقراطية
سياسة الدولة وليس من إملاء استراتيجية نضال ديمقراطي دفعت مقابله الكثير من
الفعاليات عرقها ودمها.
كل
هذه المعيقات، أجهضت انتفاضة 20 غشت 1955.
ويبقى
الآن أن نجد الطريقة المثلى لاستنهاض الوعي وتفعيل التأطير والمسؤولية. في السياق
نفسه، يقول المؤلف (كم يكون مفيدا لنا أن يستحضر هذا التاريخ المعمد بالدم، لنتعلم
من إخفاقاته ونجاحاته، نتعلم منه كيف نصل من جديد خيوط الدم المشترك والخبز
والمشترك، ص95).
وبعد،
فإن دروس الماضي وعتراته تعد مقياسا لوعي الشعوب ونضجها في حالة الاستفادة الكاملة
منها أما إذا بقي الحال على ما هو عليه فإنها تعيش في نقطة الصفر بدون حاضر
ومستقبل.
أما
الفصل الثامن، فيتوقف فيه المؤلف عند النخبة التقدمية ومفارقات خطابها" (إن
منتصف الثمانينات قد مثل بالنسبة للحركة التقدمية عموما ظرف تراجع بين. تجسد في
عدم التعامل مع اللحظة السياسية الملائمة بمنطق الاقتناص، وضعف مبادراتها، وبداية
ظهور نوع من علاقات الجفاء مع الشارع اعتماد خطابات سياسية تتوجه إلى الدولة في
شكل نصائح وملفات وتحليلات أكثر مما تتوجه إلى المجتمع بشعارات وتعبئة وبرامج
نضالية، ص98). ويقصد المؤلف ما ظهر من منطق التوافق في الخطاب السياسي للمعارضة.
فالانفتاح الذي طرأ في مضمونه جعلته يقدم تنازلات لكي تتعامل السلطة بدورها
بإيجابية مع المقترحات والمشاريع. وتحقق بذلك ما كان ينقص السلطة من دعم إيديولوجي
يمكنها من نشر رموز خطابها الجديد بطريقة يصعب معها التمييز بين الحقيقي والمغلوط.
ولأن وزارة الداخلية أخطبوطية الآليات فهي تتلون بلون الأرضية التي تخترقها.
وحجمها التأثيري لن يزداد إلا امتدادا وتوسعا على حساب تقليص الدور الحقيقي للقوى
الديمقراطية المكبلة بالصالح العام والمقدس والتعاقد الاجتماعي والمصادقة على دولة
الحق والقانون.
وفي
هذا المناخ الهيمني، تصبح الحقوق المشروعة للمواطن المغربي وضمنها الحق في الإضراب
العام، مجرد حبر على أوراق دستور خارج عن إطاره الدستوري. وليصبح هذا الحق مؤشرا
عن عصيان عام يبيح للتوجس الأمني أن يتضخم إلى محاصرة للقوى الديمقراطية لتضغط
بدورها على النقابات الداعية للإضراب العام التي تعتذر في نهاية المطاف عن التنفيذ
وهذا يضمن لها عن جدارة تشردم صفوف الشغيلة واندحار التكثل النضالي العضوي. وتضيع
بالتالي فر زحمة التواطؤ آمال وأحلام الشعب المغربي.
وللقياس
وأخذ العبرة من الماضي النضالي يعود المؤلف إلى انتفاضة 20 غشت 1955، ليتحدث عن
الآمال المجهضة في ثورة حقيقية رغم المؤشرات الوحدوية التي كانت تبشر بانتفاضة
عارمة لن تتوقف إلا بالتغيير الشامل. لكنها انحصرت لعوائق عدة أهمها: تنبه
الاستعمار إلى جوهرية وعمق ما تعرفه الحركة التحررية من تحولات تضعها على سكة
جديدة وأيضا غرق حكام شعوبنا في حسابات جرت على منطقتنا الكثير من الويلات، وعدم
نجاح الحركات الوطنية في الحفاظ على قوة الدفع النضالي.
ويتساءل
المؤلف لماذا هذه القوى لا تنفتح أيضا على قوى يسارية أخرى، عوض الانفتاح المطلق
على هيئات غير مستقلة: (إننا نعيش في المغرب مفارقة في الخطاب السياسي لم نشهد لها
مثيلا في السابق. فباسم الحداثة يطالب البعض بالاستسلام للتقليد. فها هو منطق
المحافظة، أخيرا، قد وجد من يبحث له عن أسس تسويغ مستمدة من شعارات الحداثة
المفترى عليها، ص103-104).
وهنا
المؤلف يضع التفكير السياسي المغربي بين مفترق الطرق. ففعلا يسود نمطان من التفكير
السياسي. نمط يقول بضرورة محاربة كل أشكال التقليد وإبطال الاستبداد المؤسس على
الخصوصية المغربية، ونمط آخر يدعو إلى المحافظة على الخصوصية المغربية وتجميع كل الإصلاحات
حول خاتم سليمان في انتظار المعجزة التي لن تأبى أبدا.
وكنتيجة
منطقية للنمط الثاني المؤمن بالتوافق. عرض على الكتلة الديمقراطية مشروع التناوب
كمرحلة انتقالية.
وكان
قبول الكتلة للتناوب الحكومي صدى طيبا لدى الرأي العام. لكن لدى الفصائل
الديمقراطية الأخرى صدى مقلقا ومربكا أحيانا ورافضا أحيانا أخرى. بمعنى أنها ترى
أن ما قبلته المعارضة (الحكومة الحالية) محفوف بالمخاطر. لأن لعبة التناوب كما
يصرح المؤلف تفرض وصول كتلة أخرى في وقت من الأوقات إلى السلطة. وربما ما أصلحته
أو كادت تصلحه الحكومة الحالية ستأتي حكومة أخرى تنسفه. وباسم العقد الاجتماعي
والحقد الإيديولوجي (العادي في الصراعات السياسية) والمآرب الانتهازية.
وقد
تعزز هذا الطموح الديمقراطي التواق إلى الإصلاح بعودة بعض رموز النضال المغربي
وعلى رأسهم المناضل الوطني محمد الفقيه البصري. كمؤشر مؤازر للخط النضالي لعبد
الرحمن اليوسفي. ويربط المؤلف هذا الحضور الاعتباري بما سيسفر عنه من تلاقح وتفعيل
للحركية السياسية لحزب الاتحاد الاشتراكي والأحزاب الديمقراطية الأخرى. ويرى
المؤلف أن الفقيه البصري بإمكانه أن يقوم بدور تاريخي ووطني. ذلك لأنه رجل حوار
وله علاقة طيبة بأوساط عريضة داخل المغرب وفي الوطن العربي لأنه لا إشعاعا عربيا
ومغاربيا وحضورا قوميا قويا. ولأنه أيضا يملك لغة الحزم بعيدا عن التملك والرياء،
كما أنه رجل ملتزم بالأخلاق النضالية. وهذا كله من أجل الإصلاح السياسي، الذي أصبح
يفرض نفسه على المغرب. فالزعامة والوضع التاريخي والاعتباري للمؤسسات الديمقراطية
يجب أن تستغل حضورها الإصلاحي بخلق استراتيجية جديدة وفعالة" (تقتضي استنبات
القيم الديمقراطية في تربة المجتمع. وخلق أكثر ما يمكن من نقاط الفعل الديمقراطي
ومجابهة العوامل المناهضة للديمقراطية ومحاصرتها، وعزلها تدريجيا وتحصين الصف
الديمقراطي، وتحويل المعركة الديمقراطية إلى معركة الجماهير المعبأة بوعي عال
والمقتنعة بجدوى الحل الديمقراطي وضرورته، ص128). بطبيعة الحال ما يقول المؤلف في
باب الإصلاحي السياسي. هو بعيد عن واقع الحال، ويعبر عن طموحات المثقفين المغاربة
العضويين. في مد الجسور ما بين التنظيرات الديمقراطية وحاجات الجماهير الفعلية،
هذه الجماهير التي بإمكانها دفع السفينة الديمقراطية نحو المستقبل إذا وعت وأحست
بالثقة والأمان والاستقرار أو أن تغرق هذه السفينة وتنسفها إذا دامت أميتها وزاد
فقرها وأفقدت الكنف الآمن.
وما
دامت الكتلة الديمقراطية المشاركة في الحكومة تنهج خطابا إصلاحيا لا يراعي حتى
الطروحات الإصلاحية التي طالما طالب بها ودونها في أدبياته فهو لا يتبنى
استراتيجية التغيير. وهو بذلك يفقد مصداقيته. فخطابه يتضمن ترسانة من المصطلحات
الوصيفة لفعل أصلح وصلح.
وقد
أثبتت التجارب أن المنطق الإصلاحي هو منطق ترميمي ومحافظ وما يفعله في أحسن احالات
أنه يراكم الشروخ ويؤجل الانهيار.