الحساسية
السينمائية الجديدة
تجربة فوزي
بنسعيدي نموذجا
عبد المجيد
البركاوي
يكتسب الحديث عن الحساسية
السينمائية الجديدة مشروعيته انطلاقا من مبدأ التحول الذي عرفته السينما المغربية
في مطلع التسعينات من القرن الفائت. وهذا التحول مس الجوانب الكمية من خلال تراكم
الأفلام وتسارع وتيرة إنتاجها، وظهور أسماء مخرجين جدد وتعدد الملتقيات
السينمائية... كما مس كذلك الجوانب الكيفية من حيث مواضيع الأفلام ومضامينها
وطرائق اشتغالها. فالسينما المغربية كانت تواجه باستمرار أسئلة التحول والتجدد في
سيرورتها التاريخية، وتمخضت هذه المواجهة عن حساسيات وتجارب متباينة.
من هذا المنظور، فإننا مدعوون
إلى أن نتأمل مليا الحساسية الجديدة بماهي ظاهرة إبداعية تروم المغايرة والاختلاف،
وتقوم على تصور إبداعي جديد للجماليات السينمائية. كما تقتضي منا أن نعمل على
مسائلتها للوقوف على الملابسات المحيطة بتشكلاتها و مدى قيمتها المضافة في المشهد
السينمائي المغربي ؟
الحساسية السينمائية الجديدة، سياقها وسؤالها
الخاص:
لقد تبلورت الحساسية الجديدة
على يد مجموعة من المخرجين الشباب نذكر منهم على سبيل التمثيل لا الحصر: نبيل
عيوش، داوود أولاد السيد، فوزي بنسعيدي، نور الدين الخماري، نرجس النجار، حكيم
بلعباس، ليلى المراكشي... هؤلاء كونوا جيلا سينمائيا يمكن أن نطلق عليه تسمية
" الجيل الثالث"
[1] ، جيل برزت أولى ملامحه في المهرجان
الوطني الرابع للفيلم بطنجة سنة 1995، ليتكرس بوضوح أكبر في الدورة الموالية التي
أقيمت بالدار البيضاء في 1998، واستطاع عبر كتابة سينمائية مختلفة ورؤية فنية
حداثية أن يضفي حيوية جديدة على المشروع الإبداعي العام للسينما المغربية. ولا شك
أن التتويج الذي حضيت به بعض التجارب في المهرجانات الوطنية والدولية واحتضان
الأجيال السابقة لتجربة الجيل الجديد ينهض دليلا على زخم هذه التجربة ومدى أهميتها[2].
فعندما نراجع أفلام هؤلاء المخرجين، سواء الطويلة أو القصيرة، نقف على الطاقة
التخييلية الكامنة لديهم وما يتميزون به من جرأة الطرح في التقاط الموضوعات التي
تتناسب مع مشاكل واحتياجات الجيل الذي ينتمون إليه، و نقف أيضا على توظيفهم لجملة
من " الإستحداثات " على المستوى التقني / الإستيتيقي.
هكذا انفتح المتن الفيلمي الجديد
على عوالم جديدة عبر مقاربة بعض المواضيع الجادة وصياغتها سينمائيا مسكونة بهاجس
التعبير عن الإشكالات والهموم الحقيقية للإنسان المغربي من قبيل الحلم بالهجرة في("الأفق
الضائع" ليلى المراكشي) وقضايا الاغتراب والهوية ("خيط الروح" حكيم
بلعباس ـ " مولود بدون زلاجتين في القدمين " نور الدين الخماري)
وتداعيات الاعتقال السياسي ("ألف شهر" فوزي بنسعيدي) وقضايا الطفولة
المهمشة ("علي زاوا" نبيل عيوش)... و يتم الاشتغال كذلك على بعض التيمات
المعقدة في معالجتها الدرامية كتيمة" الماء" ("مقبرة الرحمات
"علي الطــــاهري ـ "خيط الشتا" فــوزي بنسعيدي )...كما مس التغيير
بعض آليات التعبير وأساليب التعبير الفني في الكتابة الإخراجية من خلال تجاوز
الشكل الكلاسيكي الجاهز واستحداث مجموعة من الوسائط التقنية ومنها:
× الاعتماد على السرد المركب الذي يقدم الحكاية بطرق سردية متعددة
بواسطة عملية التقطيع " le découpage " لتكسير خطية السرد و تفكيك بنيته.
× تحرير النص الفيلمي من
سطوة اللغة والحوار والاعتماد أكثر على ما هو بصري وإبلاء الأهمية لبلاغة الصورة
وللعناصر المكونة للتعبير الفيلمي (الإضاءة،
الموسيقى، حركة الكاميرا، الديكور...) وتوظيفها بطرق وأساليب جديدة .
× إضفاء اللمحة الشعرية على اللغة السينمائية من
خلال شاعرية اللقطات وجمالية الألوان وتعبيرية الإنارة لتكريس البعد الإستعاري والرمزي للخطاب الفيلمي.
ويمكن في هذا الإطار وضع تصور أولي لمسألة "الأجيال"
في السينما المغربية وفق التحقيب التالي :
+ الجيل الأول أو رواد التأسيس (حميد بناني، محمد
الركاب، نبيل لحلو...)
+ الجيل الثاني أو رواد الامتداد (عبد القادر
لقطع، حكيم النوري، جيلالي فرحاتي ...)
+ الجيل الثالث أو الجيل الجديد (نبيل عيوش، فوزي بنسعيدي، نور الدين
لخماري...)
ويبدو
أن الثقافة السينمائية التي تشبع بها الجيل الجديد بفضل تكوينه الأكاديمي وانفتاحه
عل التجارب العالمية قد لعب دورا مركزيا في عملية التحديث الفني والتوظيف الجمالي
للتقنيات السينمائية، وفي إبراز قدرات محترمة في التحكم في آليات السرد السينمائي.
بيد أن السؤال الذي لا مناص من طرحه هو: إلى أي حد يمكن الحديث عن وجود تيار
سينمائي في السينما المغربية كما هو حال بعض الاتجاهات التي ظهرت في العديد من
البلدان تحت مسميات مختلفة :( السينما الجديدة في أمريكا اللاتينية، سينما
الأندرغراوند في أمريكا الشمالية، السينما الحرة في بريطانيا، سينما الطليعة في
فرنسا...) ؟
يقول فوزي
بنسعيدي جوابا على هذا السؤال: " أعتقد أننا نعيش الآن مرحلة يمكن نعتها
بمجيء السينما المغربية. إن ما يربطنا نحن الشباب بالسينما هو أننا نعيشها كحالة
عشق.. وأننا صنعنا أفلامنا في مدة زمنية متقاربة جدا، فهل معنى ذلك أنه تربطنا
توجهات واختيارات فنية يمكنها أن تدفعنا للحديث عن موجة سينمائية أو اتجاه سينمائي
جديد داخل السينما المغربية؟ أنا لا أعتقد ذلك، وأعتقد أنه ما زال أمامنا الكثير
من الاشتغال كي نصل إلى حدود الحديث عن سينما جديدة أو موجة جديدة ".[3]
من هذا
المنظور، لا ينبغي مماثلة تجربة الجيل الجديد بإنجازات السينما الجديدة في البلدان
الأخرى، على الرغم من تأثر هذا الجيل بها، وتفاعله مع ما تحقق فيها من إبداعات،
لذا فإن المقارنة تصح، في هذه الحالة، مع الحساسيات السابقة في السينما المغربية
بغية رصد ملامح الجدة في الأفلام المندرجة في إطار الحساسية الجديدة.
إلا أن
المتأمل في هذه التجربة سوف يقف على الإشكالية / المفارقة الآتية وهي أن المظاهر
التي وسمت أفلام الحساسية الجديدة بميسم الخصوصية والتفرد هي نفسها العوامل التي
جعلت بعض هذه الأفلام تنطوي على مجموعة من المزالق وجوانب القصور، فإذا كان ثمة،
على سبيل المثال، جرأة في اقتحام المواضيع المسكوت عنها اجتماعيا وثقافيا، وتكسير لبعض
الطابوهات كالشذوذ الجنسي في فيلم "
لحظة ظلام " لنبيل عيوش، وقضية الدعارة في فيلم " العيون الجافة "
لنرجس النجار.. فإن المعالجة الدرامية لهذه المواضيع جاءت سطحية وأفقية وغير
متماسكة مما جعلها تسقط في مأزق الاجترار والتقليد والمعاني الزائفة. كما أن
الاعتماد على عنصر الإبهار البصري فحسب بدل التركيز على الدور الدلالي والأيقوني
للصورة لم يعمل على إغناء الخطاب الفيلمي الذي من المفروض أن يكون قائما على
الإيحاء والترميز، ولأن " الصورة دلالة أكثر منها اتصال " كما يرى رولان
بارت.
ملامح الحساسية الجديدة في تجربة " فوزي
بنسعيدي " :
لأجل استجلاء
الملامح العامة المعبرة عن الحساسية السينمائية الجديدة، سنحاول التوقف عند تجربة
المخرج فوزي بنسعيدي من خلال فيلمه الطويل " ألف شهر " (حاز هذا الفيلم
على جائزة الشباب بمهرجان " كان " السينمائي لسنة 2003)، بماهي تجربة
تمتاز بخصوصية رؤيتها الفكرية والجمالية وبتفرد خطابها الدرامي، ففوزي بنسعيدي من
المخرجين الذين أثروا المشهد السينمائي المغربي ـخصوصا في أفلامه القصيرةـ
بمقترحاته الفنية المخالفة لماهو سائد، وببصماته الإخراجية اللافتة.
يحكي
الفيلم قصة ( أمينة ) التي أعتقل زوجها ( عبد الكريم ) بسبب نضاله السياسي مما
اضطرها رفقة ابنها ( المهدي ) إلى اللجوء إلى بيت والد زوجها ( باأحمد ) المقاوم
السابق المقيم في إحدى قرى جبال الأطلس. وهذا الوضع الطارئ فرض على ( أمينة ) وعلى الجد كذلك أن يعملا كل ما في
وسعهما كي لا يحس الطفل بالتغيير في نمط حياته من بسبب غياب الأب.
وعن هذه
الحكاية المركزية تفرعت حكايات أخرى لتكون في الأخير " بانوراما "
الحياة الاجتماعية والسياسية لمغرب
الثمانينات والمطبوعة بالصراع والتوتر والمعاناة من جراء الوضع الاقتصادي المزري.
فمن حكاية الطفل مع الكرسي الذي تحول إلى عنصر فاعل ومؤثر في الشخصيات والأحداث،
إلى حكاية ابنة القايد ( مليكة ) المراهقة المتمردة التي لقيت حتفها في حادثة سير
عقابا على إفطارها في رمضان كما كان يعتقد سكان القرية، وحكاية ( الحسين ) الجندي
المتقاعد الذي قدمه الفيلم في صورة سيزيفية انتهت به إلى الجنون وبعد ذلك الانتحار
في بحيرة السد المجاور للقرية...
إن هذه الحكايات
على الرغم من تعددها، فهي تنتظم كلها وتتداخل في إطار الحكاية الرئيسية، وقد ساهمت
في بناء متخيل الفيلم ونسج خيوطه الدرامية، وأفصحت عن أهم المرجعيات والخلفيات
التي تؤطر الخطاب الفيلمي عند فوزي بنسعيدي كالمرجعية السياسية من خلال تناول تيمة
الاعتقال السياسي وتعسفات رجال السلطة، والمرجعية الدينية وتتجلى في استحضار بعض
طقوس العبادة في شهر رمضان وما يرتبط بهذا الشهر من حمولة دينية وروحية، والمرجعية
التربوية عبر تسليط الضوء على أساليب التنشئة الاجتماعية للطفل في البادية
المغربية.
ولعـل ما
يوحد بين هذه المرجعيات هو تناول مسألة السلطة باعتبارها " علاقــات القوة
الملازمة للمجـــال الذي تمــارس فيه "[4]
(4) بتعبير Michel Foucault
، فكل شخصية من شخصيات الفيلم حاولت أن تمارس سلطتها الخاصة وأن تعطي لنفسها الحق في
تقرير مصير الأفراد الذين تطالهم سلطتها: " القايد " يمارس سلطته على
سكان القرية، المعلم يمارس سلطته على التلاميذ وآبائهم، عامل البث يمارس سلطته على
رواد المقهى... إنها ممارسات سلطوية ترجع بالأساس إلى قهر السلطة السياسية واضطهادها
والذي تتماهى معه بعض الفئات الاجتماعية
لتعيد إنتاجه بالصورة نفسها وأحيانا بشكل أكثر عنفا. ويبقى التساؤل المطروح بصدد
ما تقدم هو: أين تكمن الحساسية الجديدة في " ألف شهر " هل في مادته
الحكائية أم في بنائه السردي أم هما معا ؟
يمكن القول
بهذا الخصوص أن فوزي بنسعيدي حاول في هذا العمل الإبداعي أن يحقق المعادلة
السينمائية الصعبة وهي : التعبير عن المضامين الذاتية والاجتماعية، وفي الآن نفسه
البحث عن الأسلوب السينمائي الملائم لهذه المضامين. إنه، بعبارة أخرى، يطمح إلى أن
يجعل من الوظيفة الفكرية والوظيفة الجمالية للسينما وجهين لعملة واحدة.
وتأسيسا
على هذا التصور، يقترح فوزي بنسعيدي رؤية ذاتية لواقع المجتمع المغربي خلال فترة
من فترات تاريخه عبر استحضار معطيات من الذاكرة الفردية والجماعية بطريقة أشبه
بكتابة سيرة ذاتية[5]، كما أنه يميل إلى سبر
أغوار الشخصيات ودراسة انفعالاتها و ارتياد لاوعيها و تجسيد تمزقها النفسي الداخلي
( نحيل هنا على شخصية الأم التي عانت صراعات نفسية لأجل الحفاظ على التوازن النفسي
للأسرة الذي خلخله غياب الزوج/ الأب)، وإلى تأثيث الفيلم بمجموعة من الأيقونات
الدالة والتي يمكن تأويلها تبعا لسياقها الدرامي: الكرسي ـ الماء ـ النار ـ
الموت...
إن إصرار
المخرج على المغايرة جعله يقدم على مجموعة من " المصادرات " الفنية
خارقا بذلك بعض قواعد اللغة السينمائية الكلاسيكية، ولعل هذا الوعي الجديد لمفهوم
الإبداع السينمائي يتجلى في:
× تجنب بعض التقنيات ذات الإيحاءات المحددة كتقنية
اللقطة المكبرة Gros Plan
وعدم توظيف المؤثرات الموسيقية...
×
المراهنة على عملية التركيب وبلاغة
المونتاج لخلخلة التواصل السردي وتكثيف القدرة الإيحائية للفيلم.
× منح حركة الكاميرا وعيا جماليا خاصا في اختيار
زوايا التصوير وبناء معمارية المشاهد واللقطات وتكوين الصورة السينمائية..
× تأثيث الفيلم بمحكيات صغرى لأجل التقاط أدق
التفاصيل وأكثرها دلالة، وتجنب السقوط في فخ العلامات الجاهزة.
× تكثيف الزمن الفيلمي عن طريق الاعتماد على
الإيقاع البطيء الذي يضبط العلاقة بين التصاعد الدرامي للحدث وبين الشخصيات.
هكذا استطاع فوزي بنسعيدي، بفضل هذه الخصائص
الجمالية والموضوعية، التوفيق بين المحتويات الدلالية وطرق تشكيلها فنيا والتعبير عن
الملامح الكبرى للحساسية السينمائية الجديدة الطامحة إلى خلق رؤيتها الخاصة في
تناول قضايا حساسة في المجتمع المغربي. و يندرج فيلم " ألف شهر " ضمن
الأعمال الدرامية التي تحاول أن تمسك باللحظة التاريخية لتنتج أسئلة جديدة تخص
الواقع السياسي والاجتماعي الراهن، وتعمل على تجاوز الإبداع النمطي السائد وبالتالي
تحقيق انعطافة جمالية متميزة في مسار السينما المغربية.
[1] - نستعمل هنا مقولة " الجيل " في بعدها
الإجرائي فحسب وذلك للتمييز، من الوجهة الجمالية، بين الحساسيات السينمائية
المختلفة. وللوقوف على الطابع الإشكالي لهذه
المقولة، أنظر محمد كلاوي ـ أي جيل، لأية
سينما ؟ ـ مجلة " سينما" ـ باريس ـ ع 7 ـ ديسمبر 2001 ـ ص 52.
[2] - أنظر وجهة نظر كل من المخرج جيلالي فرحاتي في (
عبد الكريم واكريم ـ أسئلة الإخراج السينمائي في المغرب ـ منشورات سيليكي إخوان ـ
ط1 ـ 2003ـ ص 14) والمخرج عبد القادر لقطع في ( الإتحاد الأسبوعي ـ ع 63 ـ يونيو
2003 ـ ص 15) من تجارب الجيل الجديد.
[3] - فوزي بنسعيدي
و" ألف شهر " ( ندوة ) ـ مجلة
" سينما" ـ طنجة ـ ع 1 ـ صيف 2004 ـ ص 27. والشيء نفسه ينطبق أيضا على
النشاط المسرحي، يقول ( عبد الواحد عوزري ) في هذا الصدد: " لا أعتقد أنه
يوجد تيار فني حقيقي{ في المسرح المغربي }، وإنما بالأحرى مجموعة ميول وأهواء
وأساليب خاصة بالأفراد الذين يسيرون الفرق، يمكننا أن نستخرج ضمنها، بالضرورة،
مراحل وتوجهات ولحظات قوة. " حسن يوسفي ـ التحولات في المسرح المغربي ـ العلم
الثقافي ـ س 13 ـ 14 أكتوبر 2000 ـ ص 6.
[4] - Michel Foucault – Histoire de la sexualité – Ed Gallimard
– Paris – 1974 – P 123
والسلطة هنا
بمفهومها الرمزي كما حدده " بيير بورديو" في : الرمز والسلطة ـ ترجمة
عبد السلام بنعبد العالي ـ دار توبقال للنشرـ الدار البيضاء ـ ط 1 ـ 1986 ـ ص 51 .
وأنظر كذلك الحوار الذي أجراه معه ( هاشم صالح ) في " الفكر العربي المعاصر
" ع 37 ـ يناير 1986.
[5] - لاحظ محمد الكغاط أن معظم السينمائيين المغاربة
ينطلقون في أعمالهم الأولى من سيرهم الذاتية. أنظر: فاطمة شبشوب ـ صورة المرأة في
السينما المغربية ـ مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ فاس ـ ع 11 ـ 1990 ـ ص
251.