ص1       الفهرس  71-80

بطل الفصيح على طبل الصفيح،

قراءة في رواية الطبل الصفيحي

 

تأليف: غونتر غراس

إسماعيل العثماني

 

منحت الأكاديمية السويدية عام 1999 نوبيل الآداب للسنة الثالثة على التوالي لأدب الإنسان وليس لإنسان الأدب. الإيطالي جاريو فو (1997) والبرتغالي صاراماغو (1998) والألماني غراس (1999) يختلفون عن أدونيس وفارغاس يوصا ودي ليلو وغيرهم من المرشحين المرموقين لنيل هذا الامتياز بكونهم يوظفون الأدب لخدمة الإنسان، معتبرين الإبداع والكتابة بوجه عام وسيلة من الوسائل التي يمكن أن تفضح وتستنكر في عالم تكسوه الفضائح والمناكر في حق الإنسان المسلوب والمغلوب، وليس طريقة للانطواء وتأليه الذات لجلب العابدين. فأدونيس أديب بذاته ولذاته، وفارغاس يوصا أديب يرسم مشاريعه في الكتابة وفي ذهنه إحراز هذا الاستحقاق أو ذاك الحجم من البروز، فيما يعتبر دي ليلو أحد أقطاب الإبداع ضد الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية باعتبار أنه يأزم الأزمات التي تنزل على الإنسان ويستغل همومه في سبيل تمارينه الما بعد حداثية في الكتابة. أما غونتر غراس، الذي يهمنا في هذا المقال، فهو مبدع مقتدر ونبيل لا يتاجر بأعماله أو بأفكاره، ويستمد موضوعاته الإبداعية من الواقع ويعالجها على ضوئه حتى لا يصاب الضمير بالعمى أو تصاب الذاكرة بداء النسيان.

"Die Blechtrommel" أو الطبل الصفيحي (1959) هي الرواية الأولى ضمن ثلاثية دانتزغ لغونتر غراس. الروايتان الأخريان هما "القط والفأر" (1961) و"سنوات البؤس" (1963). لقد خلفت رواية "الطبل الصفيحي" أثرا كبيرا في الساحة الأدبية والفكرية الألمانية والأوروبية لما تميزت به من جرأة وعمق وغبداع. وبعد أن نال غراس جائزة نوبيل للآداب سنة 1999 فكر الناشر العربي في عرض الطبل الصفيحي على القارئ العربي فكانت هذه الترجمة التي أنجزها حسين الموزاني وصدرت عن منشورات دار الجميل بألمانيا سنة 2000. وإذ نسجل بأن هذه الترجمة قد نقلت باقتدار مضامين هذه الرواية المركبة، لا بد أن نضيف بأنها تحتاج إلى مراجعة ولو لتصحيح الأخطاء المطبعية واللغوية الكثيرة. كما إننا نقترح انطلاقا من العنوان الأصلي بالألمانية الطبل الصفيحي بديلا عن الطبل الصفيح الذي وضعه حسين الموزاني للترجمة العربية التي بين أيدينا. أما الترجمة العربية الأخرى لنفس الرواية والتي أنجزها الدكتور علي عبد الأمير وصدرت فيها يبدو أخيرا عن وزارة الشؤون الثقافية ببغداد فإننا لا نتوفر على نسخة منها حتى نقول رأينا بشأنها. نعرف فقط أن الترجمة البغدادية تحمل عنوان طبل من صفيح.

تجري أحداث هذه الرواية قبيل وخلال الحكم النازي في ولاية دانتزغ المستقلة آنذاك على الحدود الألمانية البولونية. غير أن هذه الرواية لا يمكن اعتبارها تاريخية بالمعنى المعتاد؛ كما لا يمكن اعتبارها رواية شطارية بالمعنى المعهود بدعوى أن بطل الرواية يلجأ إلى أسلوب الشطارة، أو رواية تعليمية اعتبارا للرسالة الأخلاقية والجمالية التي تحملها الرواية إلى القارئ. وتروي هذه الرواية بضمير الأنا (مع استثناءات عابرة يعوض فيها ضمير الغائب ضمير المتكلم) قصة طفل يدعى أوسكار ماتسرات ولد لأم كاشوبية (من غجر بولونيا) وأب ألماني أو بولوني (لأن أوسكار يظن أن عاشق أمه البولوني يان برونسكي هو أبوه البيولوجي بدلا عن أبيه الرسمي ألفريد ماتسرات). يحكي لنا أوسكار قصة حياته مع عائلته البروسية وهو مقيم في مصحة للأمراض العقلية تحت رعاية الدكتور هولاتس والممرضة إنغا، حيث يستعيد "بفرح غامر ذلك الزمن المبكر المنسي الذي عاشه صوته" الذي لم يعد "قادرا على مس حتى قدح المضمضة الزجاجي الصغير في مصحة الأمراض العقلي" (ص89-90).

عند بلوغ السنة الثالثة من عمره، قرر أوسكار أن يجمد نموه الجسدي ويبدأ مشواره في الحياة على شكل قزم. وحتى يكون لتوقفه عن النمو تعليل ظاهر أسقط أوسكار نفسه من سلم القبو فوقع على رأسه ليظن الأهل والأقارب بأن الوقوع على الرأس هو السبب وراء توقف نمو أوسكار. ويتحدث هذا الأخير عن ظروف القرار الذي اتخذه قائلا: "بقيت ذلك القزم ذا الأعوام الثلاثة والطفل الصغير غير القابل للمد أو الإضافة، بغية التحرر من أساليب التفريق التي تقوم بها التعاليم المسيحية كبيرها وصغيرها، حتى لا أكون رجال بالغا يبلغ طوله مترا وواحدا وسبعين سنتمترا، خاضعا لنفوذ رجل آخر يطلق على نفسه لقب أبي […] وكنت في أعوامي الثلاثة متفوقا بالذكاء مرات عديدة على أولئك البالغين الذين لا يجوز أن أقيس ظلي بظلهم […] بينما كان على الآخرين أن يصلوا إلى مرحلة الهذيان بفعل التطور حين يبلغون سن الشيخوخة"(ص66) قرار أوسكار هو كما نلاحظ قرار عميق ذو أبعاد دينية وفلسفية أو وجودية.

أوسكار شخصية وحيدة ولكنها أيضا عاقلة، وبذلك تنفرد بتعاملها الفريد مع محيطها البعيد، في ظنها، عن العقلانية. وتعتبر هذه الإعاقة المستديمة (أي القزمية) التي اختارها أوسكار لنفسه عن رغبة هذا الأخير في مقاومة كل ما ومن هو خارجي باعتبار أن البالغين الذين لا يعانون ظاهريا من إعاقة النمو هم المعاقون الحقيقيون؛ لذا وجب العناد إزاءهم ومقاومتهم، حتى ولو كان الثمن هو المزيد من العزلة والصعوبات. وما قد يبدو مأساة شخصية يعتبره أوسكار الوسيلة الأنجع لتأكيد الذات ودفاعا شرعيا عنها في وجه الأخطار التي يسببها الكبار وعقليتهم المدمرة. ولحماية نفسه من الكبار سنا وجسما، يستعمل أوسكار آليتين غريبتين هما طبل من صفيح والحنجرة.

أوسكار إذن طفل عصفت به خيبة الأمل من عقلية الكبار فانطلق نحو تخليقهم، إن صح التعبير، مسلحا بطبل صفيحي وحنجرته التي تصدر أصواتا هدامة. الطبل له وقع سحري على سامعيه والحنجرة لها القدرة على تكسير الزجاج. وكلاهما سلاح يستعمله أوسكار تارة للتمرد على وضع قائم وتارة للانتقام ممن يراه مستبدا بأمر وتارة أخرى ليختبر سلوك الناس وردود فعلهم. التطبيل وتكسير الزجاج بالصراخ علاقتان مميزتان لشخصية أوسكار قلما تخلو منهما صفحة من صفحات الرواية. ويفسر أوسكار تطبيله وصراخه بكلام فيه حجاج ومقارنة قائلا: "فليس هناك من يقوم بأعمال التخريب إلا من كان يعبث، لكنني لم أكن عابثا، بل كنت أشتغل على الطبل. أما فيما يتعلق بصوتي، فإنه لا يستجيب إلا لنزعة الدفاع الذاتي المحض. كان الخوف والقلق هما اللذان دفعاني إلى استخدام أوتار حنجرتي استخداما هادفا" (ص81). أما من زاوية التحليل النقدي، فيمكننا اعتبار طبل أوسكار وصته بمثابة رمزين للحقيقة والواقع، واعتبار صداهما رمزا للصدى الناتج عن التاريخ كما وجب أن يكون وللسخط على التاريخ الذي كان فعلا. ولا يستعصي على القارئ أن يرى حرص الكاتب على أن لا يترك التاريخ مبنيا للمجهول، ينكتب بدون فاعل، وإصراره على مساءلة الأحداث واستحضار ذهنية الفاعلين وتكذيب التاريخ الرسمي عند الضرورة.

بالرغم من مظهره الجسدي، يملك أوسكار، إضافة إلى عقل بالغ وبلوغ جنسي، وعيا أخلاقيا شديدا وعميقا وإحساسا ثاقبا بما يجري حوله وبصيرة متميزة بعالم الكبار سنا وبحيواتهم. وهذا البلوغ عند الطفل أوسكار هو الذي جعله يعتبر الآخرين خصوما بالقوة، فيما يعتبر نفسه النبيل وسط الخبثاء، لدرجة يبدو معها قريبا إلى الفيلسوف أو المجادل الذي يحتاج دائما إلى خصم يناظره أو يعانده. ودونما أن ندعي بلغة سارتر بأن الأدب مرآة المجتمع، نلاحظ أن المحطات الرئيسية في الرواية هي محطات مختارة من تاريخ ألمانيا الحديثة على أصعدة عديدة لعل أبرزها الإيديولوجيات الضيقة والخطاب الديني أو المقدس تعميما. كما يحتل الفن والسياسة والتعليم والمدرسة من حيث هي فضاء مسؤول عن صقل المواهب وتوجيه المواطنين ونحت مفهوم "المواطنة" حيزا كبيرا من انشغالات الرواية، التي تسخر من توجهات مدرسة الفن من أجل الفن وعشاق الجماليات التجريدية عند بعض المبدعين.

ويتم التوقف عند المحطات المذكورة عبر تداعيات أوسكار وممارساته في إطار تاريخي وساخر حيث تصدر من وراء القناع السوريالي الأوسكاري أحكام قيمة فصيحة رغم صخب التطبيل والصراخ ودخول السارد المستديم في الدقائق والتفاصيل إلى حد الإطناب. من هذا المنظور، يجسد أوسكار العين الناقدة والمحللة الساخرة لمجريات الأمور في الواقع الذي خطا بخطوات شبه سريعة نحو الحرب العالمية الثانية بسبب الهذيان الإيديولوجي عند الكبار في السن عامة وفي السياسة تحديدا. وهذا التشكيك والتفكيك المتواصل لأسلوب الكبار في التفكير والإجراء يكسب سلوك أوسكار أبعادا سياسية تنتقد إيديولوجيا التبعية العمياء والتقديس اللامعقول؛ أبعادا ليست في الواقع بعيدة عن صاحب الرواية وإيديولوجيته في الحياة.

فمن المعروف عن غونتر غراس أنه، على غرار صاراماغو، لا يكف عن الاحتجاج الصارخ والفصيح على خرافة "كان يا ما كان" ويستنكر مع الإصرار والتكرار مواقف الإنسانية في بعض المحطات التاريخية خلال القرن العشرين ويلوم العقليات الهمجية والتمييز العرقي على ما لم يكن من سلم وتعايش بين الأفراد والشعوب، ويحذر مما قد يكون من شؤم وبؤس إذا لم يقرأ الماضي بما يتطلبه من موضوعية. الطبل الصفيحي منبر للمغلوب يسمح له رؤية التاريخ من تحت لجلب الانتباه إلى تلك الأحداث والشؤون الصغيرة والتافهة في ظاهرها التي تكون في الغالب مسؤولية عن تقلبات وتحولات جذرية وعميقة في مسار الإنسان. التأريخ سرد بارد من فوق أو من بعيد؛ أما الأدب الذي يخوض فيه غراس، فإنه يطرح مقاربة باختينية-وجودية للتاريخ تسند فيها مهمة التأريخ إلى جهة غير رسمية وغير آبهة بنتائج مسرودها طالما كان ذلك في إطار الموضوعية والتأمل القويم. ولعل هذه الرواية شاهد تأكيدي على أن الأدب يزدهر مع الأزمات على اختلافها حيث يقوم بفضح الأكاذيب والحقائق الباطلة. ولكن الوصف والتسجيل لا يجعلان من المسرود هاهنا وثيقة، مثلما لا يجعل التركيز على سلوك وأخلاق الأفراد والجماعات من المسرود نصا وعظيا توجيهيا لأن غراس جعل التوثيق والتوجيه يتحركان حسب تخطيط روائي يستلهم الخيال والإبداع ويوفر التشويق والإمتاع في بعدهما الفني الكامل.

والجدير بالذكر على سبيل المقارنة أن التعامل الأدبي مع تاريخ ألمانيا وانعكاساته الذي نجده في أعمال غونتر غراس نجده كذلك في أعمال كاتب ألماني مرموق آخر، هو هاينرش بل الذي حاز نوبيل الآداب عام 1972 وكان من أصدقاء غراس القريبين. ففي "بيت بلا راع" (1954) مثلا، تصور أحداث الرواية بأسلوب بارد ولا يقل قساوة عن أسلوب الطبل الصفيحي جو الانحلال الخلقي والملل والضعف والتشاؤم والبطالة والكساد والتصنع أو الفراغ الثقافي في ألمانيا عقب الحرب الكونية الثانية. هكذا نلاحظ بأن غراس يطرح مأساة الإنسان (الألماني) قبيل وخلال وقوعها، فيما يتطرق بل للأنقاض وانتكاس الأوضاع في أعقاب المأساة وما تخلفه من أعراض نفسية ومادية وبيئية وفكرية. وضمن هذا الإطار التاريخي المشترك يتقاسم بل وغراس الاهتمام بالعالم القروي وبالطبيعة وقضايا المرأة والعلاقات داخل الأسرة وبين أفراد المجتمع وما إلى ذلك من أمور ذات بعد مجتمعي وثقل إيديولوجي.

يدعو أسلوب السرد السيرذاتي قارئ الطبل الصفيحي إلى التفكير في أن ما يتخيله من مستويات دلالية مختلفة، أحدها أليغوري، والثاني أسطوري، والثالث رمزي، وما إلى ذلك تسير كلها نحو التعبير عن الحقيقة كما يراها أوسكار. أما أوسكار فإنه يؤدي دور من يحسب الحياة خطيئة كبرى أو أم الخطايا بالتعبير المسيحي، فأتت قصة حياته بمثابة محاولة ذات طبيعة شعرية وروائية للتطهر من تلك الخطيئة. وعلى غرار غيرها من كتابات غونتر غراس الإبداعية (الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية) تعرض رواية الطبل الصفيحي نفسها في شكل حوض سردي عميق وواسع يدعو المستحم فيه إلى التأمل المستمر والاستفهام حول الماضي والحاضر وإعادة النظر في الثوابت السياسية والدينية والاجتماعية. ودعما لهذه الدعوة، يلجأ غراس كثيرا إلى التكرار سواء على مستوى الكلمات أو على مستوى الأحداث، حيث قد يعاد توظيف الحدث الواحد في سياقات مختلفة. علاوة على ذلك، أسند إلى الرؤية والجوانب الحسية تعميما دور هام في عملية السرد، التي تتم في الغالب بلغة صادمة تعكس محتوى الرواية المذهل. وبناء على كل ما سبق، نخلص إلى القول بأن الطبل الصفيحي رواية لها وزن أخلاقي يتلقاه القارئ التلقائي بتأثر تلقائي. كما إن لها جانب ممتع وفكاهي يجعل عدد الصفحات الهائل خفيف الوزن بالنسبة للقارئ. فكثيرة هي المشاهد السوريالية والعبثية والغرائبية التي تتخلل الرواية ويجد فيها القارئ الإحماض الضروري في أعقاب مواقف حادة أو مشاهد قاسية.

الطبل الصفيحي رواية شاسعة الأطراف موضوعا وتوجها ولغة، مما يستحيل معه تقديم عرض محيط بالرواية على هذه الأصعدة جميعها. الموسوعية والسلاسة والجمالية الإنسانية الخلاقة وغيرها صفات تتميز بها هذه الرواية التي تجمع بين الشعري الرفيع والسردي الحاد على منصة (مسرحية؟) بمستشفى المجانين وتستضيف القارئ العاقل لتأمل هذيان الطفل أوسكار بخصوص هذيان الكبار. مهما يكن من أمر، سوف لن يفوتنا في ختام هذا العرض القصير أن نذكر بأن كلمة "Blech" في العنوان بالألمانية لا تعني "صفيح" أو "صفيحي" فحسب، بل تعني أيضا "هذيان".