ص1

التقليد والتجديد في الفن والثقافة

(وجهة نظر فلسفية)

 

الزواوي بغوره

الفن اشتقاقا ودلالة يتصل بالتقنية والصناعة، وهو  جزء من العلوم الصناعية مقارنة بالعلوم النظرية والعملية، بحسب تصنيف مشهور لأرسطو، وبذلك يعتبر جزءا أساسيا من الثقافة، سواء فهمنا من الثقافة جانبها المادي الذي يحيل إلى الزراعة والحرث، أو جانبها الفكري الذي اتصفت به منذ عصر النهضة من قبل النزعة الإنسانية، ثم أخذت دلالتها في القرن الثامن عشر أو عصر التنوير عندما أصبحت تضم العلوم والمعارف والفنون، ليتوسع ميدانها مع ظهور العلوم الإنسانية المختلفة، بحيث أصبحت تعبر عن التجربة الإنسانية في تنوعها وغناها.

ورغم الاختلاف القائم في تحديد مضمونها، إلا أنها تعني عملية انتزاع يجريها الإنسان على الطبيعة، ليحقق انتقالا من عالم الطبيعة بضروراته المختلفة إلى عالم الثقافة بإمكانياته المتعددة، من هنا تتداخل الثقافة مع مفهوم آخر شديد التعقيد إلا وهو  مفهوم الحضارة، مع وجود فارق أساسي بينهما وهو أن الحضارة تتحد بكل ما يتجاوز ثقافة معينة وخاصة، ليرتبط وينتقل إلى ثقافات أخرى.

ومما لا شك فيه إن أساس كل ثقافة يظهر في لغتها، وفي أشكالها التعبيرية المختلفة من فنون وعلوم وأديان. وفي هذا السياق، عرفت الفلسفة المعاصرة إحدى المحاولات الجادة لتأصيل فلسفة للثقافة، من خلال إقامة منطق للثقافة، أو بشكل دقيق (نحو لغوي) للأشكال الثقافة الأساسية، وخاصة اللغة والدين والأسطورة والفن والمعرفة العلمية.

ويعتبر الفيلسوف الألماني (ارنست كاسيرر 1874-1945) رائدا في هذا المجال الفلسفي والثقافي معا، بدا حياته الفلسفية شارحا لفلسفة (كانط 1724-1804)، وخاصة نظريته المعرفية على ضوء المنجزات العلمية الحديثة ومنها على وجه التحديد النظرية النسبية لـ(اينشتين)، التي خصها بدراسة مستقلة، وتوصل إلى أن النموذج الإرشادي العلمي"Paradigme"، لا يكفي للتعبير عن كل متغيرات الواقع، وخاصة ما تعلق بالأشكال الرمزية التي تكشف عنها الثقافة من خلال أشكالها المختلفة من لغة ودين وأسطورة وفن، لان هذه الأشكال تمثل فهما مختلفا ومغايرا للواقع، وهو ما بينه بتفصيل في كتابه الأساسي "فلسفة الإشكال الرمزية" 1923.

أو لا . في مفهو م الرمز والعلامة:

يمكن النظر إلى الرمز من جهتين، جهة الاشتقاق وجهة الدلالة، فمن حيث الاشتقاق، فان الكلمة اليونانية "symbolon" "مشتقة من الفعل "symballein" الذي يعني "وصل، جمع، قرن" ذلك أن الإنسان اليوناني إذ ما ابتعد وسافر وهاجر، يقوم بقطع سهم أو شيء ما إلى جزأين،  يحتفظ بجزء ويعطي الجزء الثاني لصديقه أو احد أفراد عائلته، وعند العودة واللقاء يتم جمع أطراف ذلك الشيء كعلامة للقاء. وبهذا المعنى يفيد الرمز الربط والوحدة. على أن هذه الفكرة، لا تخص اليونان وحدهم، وإنما تظهر في مختلف الثقافات، ذلك أن دور الرمز، مهما اختلفت معانيه، فانه يؤدي دور الربط.

ومن حيث الدلالة، فان الرمز اغتنى عبر التاريخ بمعاني عديدة، منها المعنى التماثلي، فالميزان، على سبيل المثال، الذي يزين قصر العدالة عبارة عن رمز للعدالة، وهنالك المعنى السيميائي الذي يظهر في استعمالنا للرمز في مجال المنطق والرياضيات، كما أن هنالك مستوى آخر للرمز هو المستوى البلاغي والمجازي يستدعي أو يؤدي إلى التأويل.

 ومهما اختلفت معاني الرمز، فانه يسمح بتجسيد أو تجريد وقائع، فالميزان، تجسيد لفكرة العدالة، والرمز الرياضي أو المنطقي، تجريد لواقعة معينة. لكن الخلاف بين المجازي والرياضي، يكمن في أن الأو ل يقوم بمماثلة بين واقعة وصورة، في حين أن الثاني مجرد علامة اصطلاحية. فكيف واجه كاسيرر تعدد معاني الرمز؟ وكيف حدد الرمز باعتباره مقاربة فلسفية ثقافية؟

 يعد الرمز"Symbole"، بمثابة الطاقة الفكرية التي بواسطتها يصبح مضمون معين من الدلالات الفكرية، مرتبطا بعلامات حسية وواقعية متطابقة. ولقد اقترح كاسيرر دراسة الرموز دراسة تكوينية لمختلف الأشكال الرمزية، أو دراسة اللغة والفن الأسطورة والعلم بحسب تطورها التاريخي. وفي تقديره فان الرموز مرت بثلاث مراحل أساسية، مرحلة المحاكاة البسيطة "Mimétique" وهي مجرد إعادة إنتاج شيء من الأشياء، ومرحلة المماثلة" Analogique"، وهي تصور شيء من الأشياء من خلال خواصه، والمرحلة الثالثة وهي المرحلة الرمزية " Symbolique" الخالصة. وتتماثل هذه المراحل مع الوظائف اللغوية، فوظيفة التعبير تتوافق مع مرحلة المحاكاة وإدراك الأشياء، ووظيفة التصور مع العلاقة بين الأشياء وهي مرحلة المماثلة، والوظيفة الدلالية مع مرحلة الرمز – العلامة،  وهنا يظهر الخط الذاهب من الحس إلى النظر ومن التجسيد نحو التجريد.

فما هي علاقة الرمز بالعلامة؟ إن العودة إلى كتاب فلسفة الأشكال الرمزية يبين أن كاسيرر يميز بين الرمز والعلامة في بعض النصوص، ويجعل من الرمز مرادفا للعلامة في نصوص أخرى ويدمجهما في نصوص ثالثة. فمثلا يفرق كاسيرر بين نوعين من العلامات، على طريقة (هوسرل) فهنالك علامات تشير وعلامات تدل، هذه الأخيرة سماها بـ"العلامات الرمزية الحقيقية"، أما الرمز فلا يقسمه إلى أنواع، وإنما له معنيين الأول وهو عملية فكرية، والثانية نتاج الفكر المثبت في علامة، لذا من الضروري التمييز بين (الرمزـ العملية) وبين (الرمزـ المنتوج). وبذلك يكون المعنى الثاني قريب من العلامة، أما المعنى الأول فيختلف عنها.

ولان العلامة، تغطي ظواهر ووقائع عديدة، ثقافية واجتماعية وحيوانية وصناعية، فان كاسيرر يميز بين نوعين من العلامات، علامات بوصفها إشارة"  Indication"وعلامات دالة" Signes signifiants"  تمثل، في نظره، العلامات الرمزية الحقيقية[1].

استعمل كاسيرر هذه التفرقة على مستوى الفهم والمعرفة، وذلك عندما قابل بين الفهم الحيواني الذي يتحدد بالعلامات فقط، والتواصل الإنساني الذي يستعمل العلامات الرمزية، فالنحلة، على سبيل المثال، تتواصل مع غيرها من النحل بواسطة رقصات معينة، لكن هذه اللغة الإشارية تختلف كلية عن لغة الإنسان، لان لغة الحيوان ذات طابع مادي حركي، في حين أن العلامة اللغوية الإنسانية ليس لها دائما طابعا ماديا، لان الإنسان يستطيع تسمية الأشياء في غيابها. كما تتميز اللغة الإنسانية بانقطاعها وانفصالها عن الأشياء، في حين أن لغة وعلامات الحيوان هي دائما جزء من الشيء. وبالتالي فان الحيوان يتواصل بواسطة علامات بمثابة إشارات أو مؤشرات، والإنسان يتواصل بواسطة علامات بوصفها رموزا، وغني عن البيان انه يستطيع أن يتواصل بالعلامات بوصفها مؤشرا. ان العلامة ـ الإشارة تبقى متصلة ومرتبطة بعالم الأشياء، أما العلامة ـ الدالة فإنها تتصل بالأشياء اتصالا اصطلاحيا، وبالتالي فان الرمز عنده هو العلامة الدالة، وهو تحديد قريب من استعمال الفيلسوف الأمريكي "شارل سندرس بيرس" مؤسس علم العلامة.

كما استعمل كاسيرر الرمز بمعنيين، ايجابي وسلبي، الرمز بوصفه منتوجا والرمز بوصفه عملية، فالرمز ـ المنتوج، مجرد اثر فيزيائي يبعث نحو فكرة معينة أو نحو موضوع معين، وتكون وظيفته الإنابة أو الإحالة "Substitution "عن الأشياء، أما الرمزـ العملية، فهو إعطاء شكل للتعبير بواسطة الفكر، وهو ما يسمى بعملية الترميز " Symbolisation"، والوظيفة الأساسية للرمزـ العملية هو البناء، بناء المعطيات الحسية. والرمز–المنتوج والرمز– العملية، في ترابط وتكامل، ذلك لأنه في الرمز المنتوج نرى كيف أن الفكر يبني وينظم العالم الذي يدركه. ولذلك فان دراسة الرموز – المنتوجات، لا تكون لذاتها، وإنما هي وسائل ووسائط وأدوات.

ورغم تمييزه بين العلامة والرمز، إلا أننا نجده يستعمل الرمز بمعنى مرادف للعلامة، ذلك إن تاريخ الكلمتين كما تؤكد المعاجم كانت مترادفة إلى غاية 1880. وكاسيرر عندما تحدث عن النشاط الثقافي للإنسان، كان يتحدث عليه من خلال لجوء الإنسان إلى العلامات والرموز، بوصفها وسائل لتثبيت وتصوير الإدراكات[2]. إلا أننا نجده يستعمل كذلك (واو العطف) في حديثه عن العلامة والرمز مما يفيد وجود فرق بينهما.

لذا لا يمكن القول أن العلامة والرمز مرادفان إلا بمعنى محدد للعلامة، إلا وهو العلامة الدلالية. وإذن فان العلامة والرمز مرادفان جزئيا وليس كليا. وعمليا، فإذا كانت العلامة والرمز ينتميان إلى دائرة واحدة، فانه لا يمكن اختزال الواحد في الآخر، لان العلامة غالبا ما تكون حسية في حين أن الرمز فكري ومثالي، إلا أن العلاقة قائمة، لذا وجب استبعاد الطرح الميتافيزيقي، الذي يجعل من هذين المستويين، مستويات منفصلة، كما أن العلامة هي تثبيت لمضمون فكري في حين أن الرمز إعطاء شكل لمواد حسية، على أن الفرق يظهر أكثر في دورهما في الدلالة وتكوين المعنى. إن العلامة تدل، ولكن الرمز عملية إبداعية لتلك الدلالة والمعنى، وأن العلامة هي التي تجعل تلك العملية قابلة للتبليغ. أما مسالة المعنى فهي واحدة، أي أن للرمز طابع حركي وعملي،  ان الرمز نشاط وإبداع وأن العلامة تثبيت وتبليغ وحامل[3].

ولقد عاد كاسيرر في كتابه "حول الإنسان"، إلى هذا الموضوع بنوع من التفرقة مدركا اللبس الذي تركته "فلسفة الأشكال الرمزية". من هنا عمل على التمييز والتخصيص، مؤكدا على أن الرمز كلي وحركي في حين ان العلامة مخصوصة وثابتة، متخذا من اللغة مثالا . فللعلامة طابع مادي وثابت، في حين أن الرمز له طابع روحي وحركي، وله ثلاثة وظائف هي: الوظيفة التعبيرية والتصويرية أو التمثيلية والدلالية[4].

انتقد "بول ريكور" في كتابه " في التأويل" مفهوم الرمز عند كسير، حيث اعترض على ما اعتبره الاستعمال الواسع للرمز. مبينا أن مفهوم الوظيفة الرمزية، مفهوم واسع جدا، بما أنها تتناسب ومفهوم التوسط الذي بواسطته يقوم الفكر بعملية بناء مدركاته وخطاباته، [5].    

 وإجمالا فان مفهوم الرمز يحتل مكانة أساسية في تحليل الثقافة، لأنه يتميز بجملة من المميزات أهمها:

أ . الشكل الرمزي هو الذي ينتج الواقع وليس انعكاسا له. أي أن الأشكال الرمزية تتميز بطابعها التكويني وليس بطابعها التكراري، إنها تؤكد على أن الإنسان يملك طاقة رمزية، وتعبر عن نشاط إنساني أصيل، وليست انعكاسا أو مرآة للواقع.

ب . لا نستطيع فهم الممارسات المختلفة للإنسان في أي ثقافة معينة، من دون دور التوسط الذي تقوم به الأشكال الرمزية، إنها بمثابة الأدوات التي بها يعرف الإنسان العالم، فالرموز وسائل أساسية في المعرفة، من دنها تستحيل عملية المعرفة.

ج . تكون الأشكال الرمزية مجموع الثقافة بوصفها مؤسسة إنسانية خاصة، وهذه الأشكال هي اللغة والدين والأسطورة والفن والمعرفة العلمية، إنها بمثابة عناصر لنسق الثقافة، مما يفيد وجود علاقات وروابط فيما بينها، وبالتالي فان الثقافة هي جملة الأشكال الرمزية التي يبدعها الإنسان في تاريخه.

ثانيا. من منطق للثقافة إلى نحو للثقافة:

قدم الفيلسوف كاسيرر، نظرية في الثقافة أو فلسفة للثقافة جديدة، لا تقوم على منطق محض أو خالص، لأنها بذلك ستنفي كل طابع خاص للثقافة، وإنما عمل على تأسيس ما سماه  بـ (نحو Grammaire) للثقافة. فماذا يعني تأسيس ثقافة على نحوها؟ لا تخضع الثقافة إلى منطق كلي وشامل مثل العلوم الدقيقة والرياضية، وإنما تخضع إلى بنية رمزية، ومهمة أي فلسفة في الثقافة أو نظرية في الثقافة، هو أن تكشف عن البنيات الأساسية للأشكال الرمزية في ثقافة معينة، وذلك بان تحلل لغتها ودينها وأساطيرها وفنها ومعرفتها العلمية، وبهذا الطرح، يكون ارنست كاسيرر هو أو ل البنيويين في تاريخ الفكر المعاصر، لأنه سبق أعلام البنيوية في ما ذهبوا إليه من تحليل للغة وفقا للنموذج الألسني، كما درجت على ذلك كتب تاريخ الفكر والتيارات الفلسفية.

إن الأشكال الرمزية هي طرق متعددة، تؤدي إلى مركز معين، يكون على فلسفة الثقافة وظيفة الكشف عليها، لان من مهام فلسفة الثقافة، الافتراض إن عالم الثقافة ليس مجرد وقائع معزولة، وإنما هو نسق منظم. وان تلك الوقائع الثقافية تظهر في الأشكال الرمزية، وان هذه الأشكال تملك وحدتها الداخلية.

ولا تتميز فلسفة الثقافة هذه، بطابعها الوجودي أو الانطولوجي أو الميتافيزيقي، وإنما تتميز بطابعها الوظيفي والنقدي، لماذا؟ لأنها لا تهدف إلى إيجاد الوحدة الجوهرية للإنسان، فالإنسان في فلسفة الأشكال الرمزية ليس جوهرا خالصا، وإنما هو وحدة تعرف من خلال وظائفها الرمزية المعبر عنها في الأشكال الثقافة. وتظهر هذه الوظيفة في تعدد وتنوع الأشكال الرمزية التي يبدعها الإنسان.

 كما أن هذه الفلسفة النقدية للأشكال الثقافية، لا تحدد الإنسان بوصفه كائنا عاقلا أو كائنا اجتماعيا، ولكنه بوصفه كائنا رمزيا، أي قادرا على إبداع أشكال رمزية، والمسوغ  في ذلك، هو ان الجانب الاجتماعي للإنسان يتقاطع فيه مع بعض الحيوانات، فالإنسان لا يعي ذاته الا في إطار جماعة معينة، إلا انه يتميز عنه في كونه يشارك بفعالية في تحديد أشكال الحياة الاجتماعية، وله القدرة على تحويلها وتغييرها ونقدها، كما ان الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياته من دون أن يعبر عنها، وان أشكال التعبير المختلفة التي ابتدعها الإنسان، مع الوقت والزمن والتاريخ،  أصبحت تشكل عالما ثانيا أو وجودا ثانيا مقارنة بالعالم الطبيعي.

إن الإنسان لا يعيش في علاقة مباشرة مع الواقع، لان الواقع المادي يتراجع كلما تقدم النشاط الرمزي للإنسان، كما لا يستطيع الإنسان أن يعرف نفسه من دون الوسائط الرمزية، انه محاط دائما ومن جميع الجهات بأشكال رمزية أما لغوية أو دينية أو فنية أو علمية.

 من هنا لا يمكن في نظر كاسيرر تحديد الإنسان بوظيفته الاجتماعية أو العاقلة، وإنما بوظيفته الرمزية، أي قدرته على استعمال وابتداع الرموز. وتعرف ثقافتنا المعاصرة، بل عالمنا المعاصر، تحولا كبيرا في استعمال الرموز، استعمال شمل أدق تفاصيل حياتنا اليومية والفكرية والروحية، فنحن لا نكاد نستغني عن رموزنا في تعيين هويتنا وفئة دمنا ورقم حسابنا البنكي وعنوان بيتنا. لقد أصبح الإنسان ذاته، مجموعة من الرموز التي تحدد هو يته.

رابعا. الفن بوصفه رمزا ثقافيا :

إن الفن والجمال جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان وخبرته وتجربته. انه يتجلى دائما بحيث يصعب تجاهله. وهو يشكل احد الإشكال الأساسية لفلسفة الأشكال الرمزية عند كاسيرر، درسه من منظور تاريخي ورمزي، فمن الناحية التاريخية فان الفن قد شكل في تاريخ الفكر الفلسفي واحدا من المفارقات الكبرى. فلقد سعت فلسفة الجمال قبل كانط أن تعيد الجمال وان تحيل خبرتنا الجمالية إلى شيء غريب عنها، هو الطبيعة وذلك ما دافعت عنه لفترة تاريخية طويلة نظرية المحاكاة، ويعود الفضل إلى كانط الذي برهن في كتابه "نقد ملكة الحكم" عن استقلالية الفن.

ولقد عرف الفن صراعا حادا بين تيارين، شبيه بذلك الصراع الذي عرفته فلسفة اللغة، وهو صراع حاول أن يرد الفن إلى معطى موضوعي أو ذاتي بشكل حاد. وسواء تعلق الأمر باللغة أو الفن، فان أطروحة المحاكاة حاضرة وحددت وظيفتهما. ومن المعروف أن أرسطو، كان يرى في المحاكاة فعلا طبيعيا في الإنسان ويظهر منذ الطفولة، بل جعل من المحاكاة صفة تميز الإنسان عن الحيوان، لان المحاكاة والوسائل المستعملة تمكن الإنسان من التعلم والتكيف. والمحاكاة مصدر متعة كما تبين ذلك الأشكال الفنية. مفضلا وفقا لنهجه الفلسفي المتعة النظرية عن غيرها من المتع الأخرى.

لم تعد المحاكاة انعكاسا آليا للواقع، بل أصبحت مع الوقت محاكاة للطبيعة الخالصة أو الكاملة أو الجميلة، فلم يعد الفن ينتج الطبيعة بشكل أعمى ولكن ينتج الطبيعة الجميلة هذا ما نقراه في فن القرن السابع عشر وهو ما ذهب إليه (باتو Batteaux) وأصبح موضوع الطبيعة الجميلة موضوع نقاش وجدل، وطرحت حوله مسالة معرفية هامة ألا وهي: كيف يمكن تصوير الجميل من دون تجاوز لقواعد الحقيقة والواقع؟ ومن هذا السؤال المعرفي والجمالي، ظهرت نظرية تقول إن الفن عموما والشعر خصوصا ما هما إلا أكذوبة جميلة، مستحبة ولطيفة.

إن نظرية المحاكاة، وفقا لتحليلات كاسيرر، قد قاومت كل نقد حتى القرن الثامن عشر، وتحديدا حتى مجيء (جان جاك روسو) الذي احدث تحولا في نظرية الفن، لأنه رفض كلية النظرية الكلاسيكية في الفن، وبين أن الفن ليس إعادة إنتاج أو وصف، وإنما هو نوع من فيضان وسيل من المشاعر والعواطف. وتعد (هو ليس الجديدة) بمثابة بداية انقلاب في الفن شمل لاحقا أعمال (هردر) و(غوته). وهو ما أدى إلى ظهور مقولة الفن الانطباعي  (L’art de caractère) التي حلت محل نظرية  المحلاة.

 على أن هذه المقولة، مقولة الفن الانطباعي يجب تحديدها بشكل دقيق، وإلا تحولت إلى مجرد قلب من محاكاة خارجية للطبيعة إلى محاكاة للنفس والعواطف والمشاعر، بمعنى قلب الموضوع إلى الذات، ذلك أن الدارس لـ(غوته)، كما يلاحظ ذلك كاسيرر، يرى انه لم يختزل الفن والشعر في المعطى الذاتي أو التعبيري فقط، وإنما اهتم كذلك بالمعطى الموضوعي والطبيعي وبالتالي فان الفن عنده تعبيري وفي الوقت نفسه تكويني. وهذا الجانب التكويني يتشكل في محيط وبيئة معينة. ذلك لان الاحتكام إلى العاطفة وحدها يصبح أمرا عاطفيا وليس فنيا.

ومن جهة أخرى فان الفن يعتبر شكلا من إشكال الرموز، فهو ليس إعادة إنتاج للوقائع المعطاة، انه ليس محاكاة ولكنه اكتشاف للواقع. على ان ما يكتشفه الفنان ليس هو ما يكتشفه العالم. لان الفن لا يبين لنا طبيعة وأسباب الوقائع، وإنما يقدم لنا حدسا بالإشكال، وبالتالي فانه لا يحاكي وقائع سابقة. انه اكتشاف وإبداع حقيقي.

ورغم اختلافهما إلا أنهما يترابطان، ذلك أن التفسير المفاهيمي للعلم لا يمنع التأويل الحدسي للفن، فلكل واحد منهما آفاقه الخاصة، وزاوية نظره، وقدرته على الكشف عن عمق التجربة الإنسانية، وان الحياة الإنسانية لتتطلب منا أن ننظر إلى العالم بعينين، وان الطبيعة الإنسانية ذاتها، لها هذه الخاصية المتمثلة في عدم التوقف والتحديد والحد والاكتفاء بمقاربة واحدة للواقع، وإنما تتميز بقدرتها على اختيار وجهات نظر والانتقال من خاصية وميزة إلى خاصية وميزة أخرى.

 يتميز الفنان بإبداعه، للأشكال الطبيعية، مثله مثل العالم الذي يكتشف قوانين  الظواهر الطبيعية. وبهذا المعنى يجب أن نفهم مقولة (ليوناردوفانسي) القائلة ان الفنان والرسام من كبار أساتذة المرئي. ذلك أن معرفة الإشكال ليس معطى غريزي أو طبيعي، فنحن نرى شتى الأشياء من دون أن نقدر على اكتشاف أشكالها حتى يأتي الفنان ويبرزها ويعبر عنها. إن الشكل ليس موضوع الفن فقط ولكنه موضوع العلم كذلك، من هنا وجب التساؤل عن ما يميزهما؟ أن الأشكال التي يصفها العلم، هي إشكال خالصة تتميز ببساطة ملفتة. مثل قانون نيوتن حول الجاذبية الذي يشرح ويفسر بنية الكون المادي. لكن ما أن نقترب من الإشكال الفنية حتى يصبح هذا المطمح في البساطة والدقة مجرد مطمح وهمي. لأن الأشكال في الفن لها ملامح متعددة ومتغيرة وكل محاولة لفهمها وتفسيرها، تستدعي وتتطلب تأويلات مختلفة.

ذلك انه أمام موضوع فني معين، يمكن لمجموعة من الفنانين إن يصفوه بإشكال مختلفة. وهذا عكس ما يحدث في العلم، ذلك أن الخبرة الجمالية تتميز بالغنى والتعقد ومخالفة للخبرة العلمية. من هنا فان احد الخصائص الأساسية للفن هو أن يظهر ويبرز ويوحي بالملامح والمميزات اللامتناهية للأشياء.

ولقد بين الفنان (لودفيج ريكتر) على سبيل المثال، في مذكراته انه عندما كان شابا هو وثلاثة من أصدقائه اتفقوا على رسم منظر واحد. وإنهم اتفقوا كذلك على الالتزام الصارم برسم ذلك المنظر وان لا يبتعدوا عن الطبيعة، لقد أرادوا إعادة تصوير ما يشاهدونه، قدر الإمكان، لكن النتيجة كانت أربع لوحات فنية مختلفة، من هنا خلص الراوي إلى انه ليس هنالك من رؤية موضوعية وان الشكل واللون يفهمان بحسب مزاج وطباع الأفراد. وبذلك تصدق مقولة (إميل زولا) القائلة إن الفن هو ( زاوية من الطبيعة ينظر إليها بمزاج).

تظهر كل تجربة فنية في شكل معين، من هنا أهمية الإشكال الفنية في كل ثقافة، فالرسم يبين شكل الأشياء مرئيا، والفن الدرامي يعكس الإشكال العميقة لحياتنا النفسية أو الباطنية، وأن إعطاء شكل لعاطفة من عواطفنا أو شعور من مشاعرنا، هو تحويلها إلى حالة حرة ونشطة، وفي الأثر الفني للفنان، فان قوة العاطفة ذاتها تتحول إلى قوة تشكيلية[6].

يرتبط كل عمل فني، بقارئ ومشاهد ومستمع أو مستقبل بالتعبير اللغوي، ولا يفترض الفنان أبدا متلقيا سلبيا، بل يتوقع دائما متلقيا ايجابيا، يجري عملية تفكيك وتحليل للعمل الفني، من هنا فان فهم العمل الفني يقتضي تحليله وإعادة تركيبه من جديد، وذلك ما يقوم به عموما النقد الفني، أي عملية تفكيك للعملية الإبداعية التي أو جدته.

وفي تقدير كاسيرر فان الجميل ليس محايثا ولا مباشرا للشيء، وان ما ذهب إليه "هيوم" بان (الجميل ليس صفة ملازمة للأشياء ذاتها، وانه لا يوجد إلا في فكر الذي يتأمله). هو قول صحيح رغم لبسه وغموضه[7]. ذلك أننا لا نستطيع تحديد الجميل بالانطباع فقط، كما تذهب إلى ذلك نظرية المعرفة عند هيوم. علينا أن نحدده بنشاط الفكر، انه عملية إدراك. وهذه العملية ليست ذاتية محضة وإنما هي عملية ضرورية لإدراك الواقع الموضوعي. إن نظرة الفنان ليست نظرة سلبية تلتقط ما هو قائم في الواقع، إنها نظرة ايجابية بنائية.

من هنا فان الآراء تختلف حول طبيعة الجميل، فهنالك من يرى أن الموهبة الكبرى للفنان هو انتزاع الجميل من الطبيعة، وهنالك نظريات تتجه عكس هذا الطرح لترى إن الفن لا يتصل إطلاقا بالطبيعة وإنما بروح الفنان، وان جمال الطبيعة، مجرد مجاز لا غير، هذا ما نقراه عند فيلسوف الجمال الايطالي "كوتشه"، فالطبيعة تظهر معوجة ومشوهة عندما نقارنها بالعمل الفني، فلا وجود في تقديره للنهر الجميل والشجرة الجميلة.

ومن الممكن أن نتجاوز في نظر كاسيرر، تعارض هاتين النظريتين وذلك بانجاز فصل بين ما هو جميل عضويا وما هو جميل فنيا، فهنالك جماليات طبيعية من دون مميزات فنية معينة، فجمال المنظر الطبيعي ليس هو ذلك الجمال الذي نستشعره في لوحات الانطباعيين، وان المشاهد يعي وعيا كاملا ويتحسس تحسسا كاملا، الفرق بين الجمال الطبيعي والجمال فني. وإننا عند الانتقال من الطبيعي إلى الفني فإننا في الواقع ننتقل من عالم الأشياء الحية إلى عالم (الإشكال الحية). وعندئذ لا يرتبط المشاهد بالحياة المباشرة، وبالوقائع المباشرة للأشياء، ولكنه يرتبط بالانسجام وتناسق الإشكال والألوان وتوازن الضوء والظلمة. وعليه فان التجربة الجمالية تقتضي الدخول في المنحى الديناميكي والحركي للإشكال.

ومهما اختلفت المدارس الفنية، فإنها لا تستطيع أن تنكر أو أن تقول بان الفن يشكل (عالما خطابيا مستقلا)[8]. فحتى غلاة المحاكاة لا يمكنهم القول بذلك، لأنهم لا يمكنهم أن ينكروا دور الخيال. إلا أن الأمر الأشد خلافا يبدأ عند الشروع في تقييم دور الخيال، هنا تتعدد الآراء والمدارس، ويطرح السؤال: كيف يمكن تقييم سلطة الخيال؟ ان المدارس الكلاسيكية لا تشجع الخيال الحر، رغم تقديرها لموهبة الخيال، ولكن في الوقت ذاته ترى ضرورة تقييدها ببعض القيود. فخيال الشاعر على سبيل المثال يجب ان يتقيد بالعقل وبالقواعد الفنية. وعلى عكس هذه النظرة الكلاسيكية قامت النظرية الرومانسية التي أعطت للخيال مضمونا مغايرا. وأعلت من العجيب والغريب وقللت من شان المتشابه كموضوع للأدب.

ولقد حاول "فيكو" بنا منطق للخيال، من خلال عالم الأسطورة، وذلك عندما تحدث عن ثلاث حقب هي: حقبة الآلهة، وحقبة الأبطال وحقبة الإنسان، وفي نظره فان أصل العمل الشعري ينبع من الحقبتين الأولى والثانية، أما المرحلة الأخيرة فلا يمكن لها أن تبدأ من دون تفكير مجرد ولغة عقلية، وبالتالي لقد مرت البشرية في تقديره بمرحلة اللغة الرمزية مجسدة في الأسطورة والشعر، وأن الأمم الأولى لا تفكر إلا عن طريق الصور الشعرية وليس بمفاهيم مجردة، وتعبر عن نفسها من خلال الحكايات والأساطير، ولقد كانت تلك الأمم مشدودة إلى التجسيد والتشخيص، ولم تكن قادرة على التأمل النظري.

إن هذا التصنيف لا يخلو من خيال جامح، وهو خيال مصاحب للإنسان في كل حقبة ومرحلة، وان الخيال والنشاط الخيالي ليظهر دائما بأشكال جديدة وبقوة جديدة. وبوصفه ملكة معرفية، فانه لا يمكن أن يظهر إلا في شكل من الأشكال. على انه لا يمكن ان نفصل بين شكل العمل ومضمونه. وإن الأشكال ليست فقط وسائل وتقنيات لإعادة إنتاج فكرة من الأفكار وإنما هي جزء أساسي من الإبداع الفني[9].

       إن الذين يرفضون قدرة وقوة الخيال الفني، سواء باسم المحاكاة أو باسم الواقعية، ينكرون في الواقع الطابع الرمزي للفن. إن الفن رمزي، مهما أدى ذلك إلى لبس وغموض الموقف الميتافيزيقي للرومانسية، وعملا على الخروج من هذا المفهوم الملتبس للرمز كما صاغته الرمزية، يرى كاسيرر انه يجب الإقرار بالطابع المحايث لرمزية الفن وليس بطابعه المتعالي.

فإذا كان الفن حسب شلينغ هو (التعبير النهائي عن اللانهائي) وإذا كان الفن عند هيغل هو (التعبير عن المطلق)، فان ما يجب البحث عنه في الفن ليس اللامتناهي ولا المطلق وإنما (العناصر البنيوية الأساسية لخبرتنا الحسية ذاتها، في الخطوط، في الرسم، في الإشكال المعمارية والموسيقية، إن هذه العناصر تتمتع بحضور دائم، إنها مرئية وملموسة)[10].

وبهذا المعنى يفهم قول "غوته" بان الفن لا يهدف إلى إظهار العمق الميتافيزيقي للأشياء، وإنما يعمل على مستوى سطح ظواهر الأشياء، وهو ما دافع عنه "نيتشه" وبين قيمته "فوكو". إلا أن هذا السطح لا نستطيع التعرف عليه، قبل ان يكتشفه الفنان ويصوغه في شكل من الإشكال، وهذا الاكتشاف لا يتوقف عند مجال مخصوص، مثلما ان اللغة لا تتوقف عند التعبير عن مجال معين، فكما ان اللغة  تعبر عن جميع الأشياء، كذلك الفن فانه يشمل مجمل التجربة أو الخبرة الإنسانية، وبذلك فانه يحتل المكانة الرئيسية في الثقافة بعد اللغة. يقول كاسيرر (لا شيء في العالم الفيزيائي أو الأخلاقي، ولا شيء طبيعي ولا فعل إنساني ، مستبعد من المجال الفني سواء بالطبيعة أو الجوهر، ولا شيء يستطيع مقاومة الفن وعملية تشكيله وإبداعه، ينطبق هذا الأمر على الفن كما ينطبق على العلم)[11].

ثالثا .  بين التقليد والتجديد:

 إن للأشكال الرمزية التي ابتدعها الإنسان، ومنها الفن، الذي يحتل المكانة الرئيسية في الثقافة، مميزات عديدة ومختلفة، إلا أن ما يميزها على وجه التحديد والتخصيص، تلك العلاقة الشائكة بين الثبات والتغير، بين المحافظة والتحرر، بين التقدم والتراجع، بين الاستقرار والتحول، بين التقليد والتجديد، ذلك ان جميع الإشكال الرمزية في أي ثقافة كانت، تخضع لهذه الحركة ولهذه العملية المعقدة، وكل ثقافة أيا كانت، تخضع لحركتين مختلفتين في الاتجاه، حركة نحو التشبث بالأشكال القائمة والجاهزة، وحركة تتجه نحو القطع والانفصال والتحول عن تلك الأشكال الثابتة، وبالتالي تنشا حركة التجديد والتغيير والإبداع.

والإنسان بوصفه كائنا رمزيا، موزع ومقسم وممزق في بعض الحالات القصوى بين هاتين الحركتين، بين الحركة الذاهبة نحو المحافظة على الأشكال القديمة والتقليدية، وبين الحركة الباحثة على الأشكال الجديدة، فهنالك صراع دائم بين التقليد والتجديد، بين الاختلاف والتكرار، وبين التراث والحداثة، صراع  مستتر تارة وظاهر تارة أخرى، هادئ في بعض الأحيان وعاصف في أحيان أخرى.

وعلى سبيل المثال، إن للأسطورة والدين طابعهما المحافظ، وهو طابع  بين وظاهر، إنهما يميلان إلى الاستقرار والمحافظة، بحيث يبدو تاريخهما وكأنه تاريخ ثابت لا يعرف التغير، ويبدوان للوهلة الأولى أنهما من الأشكال الرمزية الثقافية الأكثر محافظة في الحياة الإنسانية، إننا نحافظ على الممارسات والمبادئ والرموز الأولية ذاتها.

 وتعد الأسطورة بشكل خاص، وطبقا لمبدئها واصلها مثالا للفكر التقليدي، فالأسطورة لا تستطيع عمليا أن تفسر الأشكال الجديدة للحياة الإنسانية، ولكن رغم ذلك فان تاريخ الأسطورة وكذلك تاريخ الفكر الديني يبينان بجلاء، وجود وقيام تلك  الحركتين المضادتين، وهكذا  تظهر نوعا من الديناميكية الجديدة كما يقول كاسيرر، في الأسطورة والدين، ديناميكية تفتح الآفاق نحو حياة أخلاقية ودينية جديدة، هذا ما تبينه حركات الإصلاح والفرق المختلفة في تاريخ الأديان، وعمليات التأويل المختلفة التي تخضع لها الأساطير، وبالتالي تتقدم القوى الفردية أو الذاتية على القوى المحافظة والتقليدية.

 وكذلك الحال في اللغة، التي تحتل مكانة متميزة ضمن الأشكال الأساسية للفلسفة الرمزية، وذلك بسبب كونها نشاط رمزي يعبر عن بقية الأشكال الرمزية المختلفة للثقافة، إنها الوسيلة المثلى الحاملة للمعنى والدلالة. إن هذه اللغة تخضع دائما لصراع قوى التقليد والتجديد، وتمثل في جميع الثقافات، من دون استثناء، قوة محافظة في الثقافة الإنسانية، لان من دون طابعها المحافظ هذه، فإنها لا تستطيع أن تؤدي وظيفتها التواصلية، لان التواصل يقتضي ويفترض وجود قواعد صارمة وثابتة وقادرة على مقاومة تيار الزمن ومتغيرات التاريخ، ومع ذلك، فان التغيرات الصوتية والتركيبية والدلالية يمكن ملاحظتها في أي لغة سواء كانت متقدمة أو متأخرة، متحضرة أو بدائية، وان هذه التغيرات ليست أبدا تغيرات عرضية، لأنها من الشروط الأساسية لتطور اللغة، ويكمن احد الأسباب الأساسية في هذا التغير اللغوي، في أن اللغة لكي تعيش وتحيى وتبقى، يجب ان تنقل من جيل إلى جيل، ولكن هذه النقلة لا تتم بشكل آلي أو ميكانيكي أو من خلال التكرار فقط، فعملية اكتساب اللغة تقتضي دائما جهدا ونشاطا من قبل الطفل، وهو ما بينته مختلف الدراسات اللغوية حول تعلم الطفل، وبالتالي فان اللغة مهما كان مستواها المحافظ أو التقليدي، فإنها تخضع لسنن التطور التي لا تتحدد بالمعطى اللغوي وحده، وإنما بمجمل الأشكال الرمزية الأخرى.

كما يعبر الفن بشكل جلي على نزعة المحافظة والتجديد، ولكنه يتخذ صورة مختلفة أو معكوسة مقارنة باللغة والدين، ذلك أننا لا نقبل في الفن بعملية التكرار واسترجاع الأشكال الفنية القديمة، وإنما نستشعر غالبا الرغبة في التجديد والتغيير، ولكن رغم ذلك فان التقليد  يلعب دورا أساسيا في الفن، يتماثل في هذا المنحى مع اللغة وبقية الأشكال الرمزية، لان الفن لكي يميز ثقافة معينة، يجب كذلك أن ينقل من جيل إلى جيل، رغم ان كل فنان أصيل لا بد وان يطبع عصره بطابعه الخاص، ومع ذلك فليس هنالك من شاعر على سبيل المثال، يبدع لغته بشكل كلي، انه يعتمد دائما على الكلمات اللغوية القائمة في اللغة التي يعبر بها، ويحترم قواعدها الصرفية والنحوية، ولكن بهذه اللغة يقدم صورا جديدا بل وأكثر من هذا حياة فنية جديدة، من هنا يصعب بل يستحيل إعادة إنتاج كبار الفنانين أو تكرارهم أو تقليدهم، لأنهم يتفردون. فلكل شاعر لغته الخاصة، ولكن من السهل التعرف عليها ضمن اللغة العامة. فالشاعر الكبير هو الذي يطبع دائما تاريخ لغته بطابعه الخاص، ويحدث فيها نوعا من القطيعة الأسلوبية،  هذا ما فعله على سبيل المثال شكسبير ودانتي وغوته في الأدب الغربي، أو امرئ القيس والبحتري والجاحظ والمتنبي، في الأدب العربي.

ومما لا شك فيه أن لهذه المقاربة للفن بوصفه شكلا من الإشكال الثقافية، كان لها مستقبلها المعرفي الذي أكدته حركة الشكلانيين الروس والنزعة البنيوية، عندما بينتا أن للشكل والبنية دورهما المحدد في العملية المعرفية والجمالية على السواء، على انه اذا كانت الشكلانية والبنيوية قد ضحت بالمضمون من اجل الشكل والبنية، فان فلسفة الأشكال الرمزية قد حافظت على العلاقة بين الشكل والمضمون، وكان لمفهوم الرمز، كما بينا بعض جوانبه الدلالية، الدور الرئيسي في هذه العملية، لان كل رمز يحيل إلى دلالة تتطلب تأويلا.

وفلسفة الإشكال الرمزية، بتركيزها على الوظيفة التي تؤديها الأشكال،  بما فيها الأشكال الفنية، تكون قد أسهمت في عملية أدراك مضامين الأعمال الفنية، وباعتمادها على المعطى التكويني والتاريخي، تكون قد تجاوزت تلك الثنائية الحادة والتقابلية الصورية التي وقعت فيها البنيوية عندما أعطت الأولية للتزامن على التعاقب والدال على المدلول والشكل على المضمون، وفي تحليلها للتكوين والعملية والاستمرارية والتغير والتقليد والتجديد، تكون قد اختلفت كلية عن الطرح البنيوي القائل بالقطيعة والانفصال.

 ولقد أدركت (ما بعد البنيوية) أو (البنيوية الجديدة)، قيمة مساهمة ارنست كسير، فبينت أهميتها وحدودها، ذلك ما نلمسه على سبيل المثال عند "جان بياجي" و"لوسيان غولدمان" و"بيير بورديو" الذي وظف مفاهيم الأشكال الرمزية على مستوى علم الاجتماع، واستحدث  مصطلحات جديدة كالرأسمال الرمزي والسلطة الرمزية والرمزية، وهي مصطلحات ذات طبيعة كانطية ومستوحاة من تحليلات كاسيرر على وجه التحديد، بعد أن أجرى عليها سلسلة من التعديلات والتغييرات، ومنها أن المنظومات الرمزية باعتبارها أدوات للمعرفة والتواصل، لا يمكن لها أن تمارس سلطة وتفرض البنيات لكونها بنيات فقط، بل لان لها علاقة بالمجتمع ولان لها دور اجتماعي، من هنا قوله أن للرمز(وظيفة سياسية لا تقتصر على وظيفة التواصل التي يتحدث عنها البنيويون، فالرموز هي أدوات "التضامن الاجتماعي" بلا منازع: ومن حيث هي أدوات معرفة وتواصل، فهي تخول الإجماع بصدد معنى العالم الاجتماعي، ذلك الإجماع الذي يساهم أساسا في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي)[12]. وتعتبر تحليلاته للرموز الثقافية والفنية والتربوية رائدة في هذا المجال.



الهوامش

 

[1] . Ernst Cassirer, La philosophie des formes symboliques 3. La phénoménologie de la connaissance, Ed, Minuit, 1972, p.357.

[2] . Ernst Cassirer, La philosophie des formes symboliques 1. Le langage, Ed, Minuit, 1972, p.27.

[3] . Ernst Cassirer, Essai sur l’homme, Ed, Minuit, 1975, p.112.

[4] . Ibid., p. 171.

[5] . Paul Ricœur, De l’interprétation, Essai sur Freud, Ed, Seuil, Paris, 1965,  p.19.

[6]  . Ernst Cassirer, Essai sur l’homme, p.212.

[7]  . Ibid. p.214.

[8] . Ibid. p.216.

[9] . Ibid. p.221.

[10]  . Ibid. p.222.

[11] . Ibid. p.224.

[12]  . Pierre Bourdieu, Langage et pouvoir symbolique, Ed, Seuil, Paris, 2001, p.204.