ص1       الفهرس 91-100 

الزمان و المتاهة

التفكير في الزمن المعاصر

عبد العزيز بومسهولي 

 

-1-

إن السؤال الذي تدعونا إليه هذه المقاربة التي تضع أمامنا استشكال ميتافيزيقي عويص، هو: كيف يمكننا التفكير في الزمان انطلاقا من المتاهة؟ و بالمقابل كيف يمكننا التفكير في المتاهة انطلاقا من الزمان؟ و على أي نحو يتشكل الزمان، بمعنى هل زمان الكائن بما هو موجود يتأسس كتيه في عمق الوجود. أم أنه يتأسس كتقدم نحو غايات، أي نحو الاكتمال؟  إذا ما أخذنا بوجهة النظر الثانية ألا يعتبر هذا الاكتمال في حد ذاته لا يقودنا نحو المخرج و إنما نحو المتاهة؟                         

إن المشكلة العويصة التي تواجهنا، تضع تفكيرنا يواجه أزمة مختلفة تتعلق بوضعنا الجديد داخل عالم معولم، عالم أضحى من الهشاشة التي حد التلاشي التام للحدود و الفواصل و العوائق التي كانت إلى أمس القريب تشكل سدودا منيعة يصعب اختراقها، إنه عالم الإنهيار التام للمركز المبني للمعلوم، فقد غدا المركز مبنيا للمجهول، فلا حدود تحمي المركز عن الهامش أو المحيط، فالسرعة الهائلة التي غدت سمة العصر قلصت الهوة التي تفرضها المسافة في بعديها الزماني و المكاني إلى حد أضحت فيه العلاقات العبر-بشرية تتم بدون رقابة، كل شيء يتم إنجازه و نقله في اللحظة ذاتها في غياب تام للوصاية، إن العولمة تنجز بذلك إحدى مهامها الأكثر صعوبة و التي تتمثل في تشكيل بعد جديد للعالم، هو بعد الوجه للوجه أو المواجهة على نحو معولم ينجز انكشافا جديدا لعلاقات عبرانية، علاقات ممتدة ينهار فيها الحد و تتلاشى فيها تلك الهوة الفاصلة التي تجعل من العلاقات العبرانية أكثر صعوبة إن لم تكن مستحيلة.

إن الخاصية الراهنة للعولمة تتأسس على ذاتية تتخذ من إستراتيجية  القوة باعتبارها تجليا لمكر التقنية، وسيلة لتشكيل عالم يغدو أكثر عريا إلى حد فقدان الحميمية، أي أنها تبسط سلطتها بنزع الطابع السري عن كثير من العلاقات الغيرية و التي تدخل في نطاق ما هو خاص و ما ينبني على نوع من الكتمان الذي يبقي علاقة الذات بالآخر ضمن المجال الحميمي، مجال المرغوبية الإنسانية، و من ثم فنزوع ذاتية القوة إلى تجريد العلاقة الغيرية من طابعها السري هو طريقة ماكرة في إستجماع القوة، إنه لا يستهدف  نزع السر و إنما الإستحواد عليه، فلم يعد السر سوى ذلك الشرط الذي يجعل من التعولم ممكنا، إنه لم يعد بعد ذلك الشرط الذي يجعل علاقة الذات بالغير صميميا بقدر ما غدا رموزا تحتفظ بها الذات كإمكانية تجعل من التقنية ذلك الوسيط الحتمي للتعولم بما هو وضع جديد لوجود الإنسان، و هذا هو ما نسميه الوجود المعولم،إن إثبات الوجود لم يعد يرتكز على كوجيطو التفكير، «أنا أفكر إذا أنا موجود»، و إنما على التعولم، «فأنا أتعول إذن فإنا موجود»، إنها لحظة إخرى من تشميل الوجود، تجعل من الموجود يواجه قدرا جديدا من نوع خاص هو قدر التقنية المعولمة بما هي قوة اختزال العالم إلى أقصى درجة التناهي، و مع ذلك فهذا العالم المعولم الذي إزداد تقلصا، و الذي يمكن أن نصفه إست عاريا بأنه العالم اللامتحيز ألا يخفي في الآن ذاته تحيزا من نوع خاص هو أشبه بالتحيز داخل المتاهة، فبقدر ما يتقلص في الزمان و المكان  فبقدر ما يغدو محدودا أو عاريا، بقدر ما تتسع فجواته و تزداد هواته، و تتشابك دروبه و تتعدد ممكناته إلى حدود اللاتناهي، أليس هو في الآن ذاته هذا العالم المتناهي/ اللامتناهي؟ أليست العلاقات التي يؤسسها مع الإنسان و مع ذاته تفضي إلى بسط قبضته على الموجود، بحيث يغدو الموجود ذاته موضوعا للكلية؟

إن الوجود المشمول باكتمال كلية المعرفة، أو القصدية التي  تكتسح الوجود كتقتية هو الآن أمام و داخل المتاهة بما هي وجود بالتقنية الذي يبلغ أقصى درجاته في التعولم كنمط جديد للتيه، و كزمانية ليست خاصية للكائن الموجود في العالم، بقدر ما هي خاصية للتقنية التي حولت العالم بل صيرته نقطة محدودة باعتباره المنطلق أو المنتهى في ذات الآن، لكن هذه النقطة المحدودة ليست النهاية و لكنها و ضع جديد للتيه يلقي بالموجود داخل متاهة لا حدود لها.

 إن التقنية بذلك تنجز هدفين أولهما انفلاتها عن قبضة الإنسان  و تعذرها عن الإمساك بما هي قوة مبنية للمجهول  تتشكل كذاتية للقوة موضوعها الموجود، و تانيهما وضع الإنسان أمام قدر جديد، و في زمان أخر ليس له من سمة سوى التيه، ليس كتعبير عن قوة الذاتية بما هي اختبار لإمكانية المغامرة في المجهول، و إنما كتعبير عن ذاتية القوة بما هي ذلك القدر التقني الذي يمضي بالموجود و يمسك به داخل المتاهة التقنية.

إن الوضع الجديد للإنسان المعولم لم يعد يتعلق بالغايات ما دامت هذه الغايات بدورها قد غدت موضوعا للتقنية، و إنما يتعلق بالمنفذ، أي بالتخلص من قبضة مكر التقنية بما هي تجل للمعرفة التي تستضمر الكائن و تمتصه في جوفها، و جوف التقنية هو بمثابة المتاهة المقتطعة من سديم الوجود اللامتناهي.

إن مكر التقنية ذو طابع مزدوج يتمثل من جهة في الإرضاء و الإشباع، ومن جهة أخرى في الإفقاد و الإتلاف، إشباع حاجيات الإنسان المادية و غيرها، بتحقيق الوفرة عبر التحكم في بنية الإملاء، و إفقاده القوة التي تجعل منه تلك العلة التأسيسية القادرة على الانفصال واستعادة الاختلاف، فإفقاد القوة يعني  وضع الإنسان ضمن عالم معولم متشابه إلى حد الالتباس، و التشابه الملتبس لا يعني إلا طريقة ماكرة في الخداع، و تلك هي خاصية الوجود داخل المتاهة، فليس الاختلاف والتباين سمة لهذا الوجود المتاهي المعولم.

ذلك أن الاختلاف هو إحدى السمات القوية التي تضع الكائن على محك الاختيار، و اختبار القدرة على تحمل المغامرة، و إنما التشابه الملتبس و تلك السمة القوية التي تفقد الإنسان القدرة على الاختيار، أي على اختبار قدرته على المغامرة، فالاختلاف يؤسس لزمن الكائن الخاص و لنمطيته الخاصة، بينما التشابه يؤسس لزمان المتاهة و ليس لزمان التيه داخل المتاهة، ذلك الذي يظل خاصية للوجود الخاص، و بذلك يغدوا التيه تحد للمتاهة و ليس استسلاما لقدر الكلية بما هي تشميل للكائن داخل نمطية تتجلى في زمننا المعاصر كتعولم أي كوحدة وجود في انكشافها كمعرفة تقنية، تستغرق الكائن الموجود الإنساني في جوفها.

-2-

انطلاقا من التأمل السابق يمكن القول إن"وحدة الوجود" تغدو التعبير الأكثر دقة عن هذا الحضور الراهن للتقنية التي تتقدم كمعرفة على نحو كلي، على النحو الذي تمتص فيه الكائن الإنساني داخل وحدتها النسقية، أي داخل متاهة الوجود التقني، ففي هذه المتاهة يختزل وجود الوجود داخل نسق وحدة تشميلية، و يتم إستدعاؤه كحضور لتقدم المعرفة التي تبسط هيمنتها. و في هذه المتاهة يتأسس نوع من المحايثة المطلقة الذي يتخلص من "عزلة الوجود" كفوضى وسديم و تشتت لامتناهي للكائنات المنعزلة، أي كمتاهة تظل بدون قرار، ليقتطع لذاته النظام، أي ليؤسس اعتزالا مضادا لعزلة الوجود، إعتزال ينبني على النظام أي على الوحدة باعتبارها خروجا و تخلصا من الفوضى السديمية للوجود ذاته فيغدو مشمولا بالتقنية انه موضوع للإخضاع، لإرجاعه لسلطة الحضور، أي للمعرفة المنظﱠمة و المنظﱢمة تلك التي تتقدم على نحو مطلق. هذه المعرفة يمكن وصفها بالمفهوم الهيجلي على أنها "معرفة مطلقة" تتجلى كاكتمال الميتافيزيقا التقنية التي تضمن وحدة الوجود، من خلال تحققها كحضور كلي للتواصل العبر-تقني، التواصل الذي لا يتم إلا عبر التقنية التي لم تعد مجرد و سيلة بقدر ما غدت الأساس الذي تتأسس عليه الوحدة، تلك التي لا تستعيد العناصر و المركبات إلا على أرضية الحضور الذي يتشابه إلا حد الإلتباس  الذي يشبه ذلك الوضوح الذي يمجد المعنى إلى حد إفقاد المعنى، فالتشابه الملتبس هو إفقاد الموجودات نوعيتها، بما تتأسس عليه كمونادات تمتلك في أساسها إختلافها الجذري الذي يجعل منها قوة ذات خصائص. إن اعتبار كل الموجودات الإنسانية على سبيل المثال تتشابه هو موقف ملتبس ينبني على مكر و خداع أي على إرادة الإخضاع. فهو نزوع مضاد للغيرية باعتبارها أساس الوجود ذاته، بل هو نزوع مضاد للزمان فليس الزمان سوى الغيرية ذاتها، فالزمان هو انبثاق الغيرية بما هو انفصال متجدد. "إن الزمان في جوهره هو ولادة جديدة"[i]


إن تفكيرنا في الزمان هو تفكير في الإنسان باعتباره "علة تأسيسية" أي بوصفه التعبير المتجدد عن الولادة بما هي انفصال و تأسيس لغيرية الموجود داخل الوجود، نمطية من التخلص من عزلة الإنوجاد، إن تجلي الإنسان كعلة لا يعني تجليه كأصل، و إنما كبدء  كزمان، كآخر يواجه العزلة كإمكانية أصلية للغيرية تجعل من الانفلات تحققا زمانيا لا يكتمل في التطابق و التماثل، و إنما في الانفصال و التعدد. و إذا ما استحضرنا التقنية باعتبارها الاكتمال الذي يتجلى في أقصى درجاته من خلال "وحدة الوجود" فإن المشكلة التي تواجهنا تتمثل في هذا النمط من الإخضاع الذي يمجد التشابه الملتبس، إنها مشكلة متعلقة بزمانية الكائن الإنساني ذاته، فهل من الممكن أن نستعيد الأطروحة التي ختمنا بها كتابنا "الأسس الفلسفية لنظرية نهاية الأخلاق" و التي يختزلها قولنا بأن «الإنسان كائن انتهى زمانه»؟[2] و هل معنى ذلك أن مفهوم الإنسان كعلة تأسيسية. غدا بدون أساس ما دام أن التقنية اليوم تغدو بدلا عن الإنسان هي العلة الأساس؟

إن المشكلة التي تواجهنا كما عبرنا في بداية هذه التأملات جد عويصة، فبقدر ما يوقعنا الاستشكال في عمق المتاهة التقنية، بقدر ما نختبر الإمكانية الميتافيزيقية للتيه للتخلص من قبضة الأسر داخل المتاهة التقنية.

فهل معنى "أن الإنسان كائن انتهى زمانه" هو كون الزمان الإنساني غدا ماضيا داخلا في التجربة الإنسانية باعتبارها تراثا مادام مكر التقنية يمثل اكتمال اللحظة التي تجعل من التقنية "ذاتية قوة" تستهدف بالأساس قوة الذاتية، الخاص لتفسح المجال لزمان التقنية و للخاصية التقنية بما هي نفي خالص و جدري لكينونة الإنسان، لصالح كينونة افتراضية تقدمها التقنية على أنها الأصل؟

إن انتهاء الزمان رياضيا، يعني إقترابه من الصفر أي تحقق السرعة المطلقة- سرعة الضوء، و تفكك فكرةالمابعد و الماقبل لتتأسس اللحظة، باعتبارها الراهن الفوري المحدد لكل حدث، لا تفيد النهاية هنا على حد تعبير "بنعبد العالي" بلوغ تلك النقطة التي عنها تتوقف كل حركة، و إنما بالظبط جعل الحركة خاصية كل نقطة. ممايشي بالدخول في حالة من التسريع و الإسراع و هو ما نحن إليه اليوم مع حدث " الإنفجار الإتصالي" بعد، الذي بات يغدي العالم السبرنيطيقي  (عالم التحكم و الضبط) بالصور و الرسائل و الأرقام و غيرهما من المنتوجات الإلكترونية التي تبث و تنقل من مكان إلى آخر،و من نقطة إلى أخرى بسرعة خاطفة على طول و امتداد الكوكب اللانهائي، و بقدر ما أضحى الإنسان، أمام هذا البث الفوري، لا يبالي بشأن التاريخ و الزمان من حوله، كما كان من ذي قبل بقدر ما صار مأخوذا في عالم من الصور المرئية التي غدت تخلق له مشهدا واقعيا يستغني فيه تماما عن كل ما تحمله له ذاكرته الخبيثة من مرجعيات و أساطير، أمام زمان الرقم و السرعة إذ تتشظى كل الصيغ و الأشكال، كما تتحول و تتبخر كل المرجعيات و الأنساق، كما أن لعبة الخروج التي ينبئنا بها "دولوز" قد غدت تتحقق مع ثورة الاتصالات و الإعلاميات. حيث ثكاترت المداخل بنفس القدر الذي تكاثرت فيه المخارج»[3]    

إنه الوجود بالمتاهة الذي يتقدم على نحو "وحدة وجود تقنية" ففي الوجود بالمتاهة يغدو العقل التقني بمثابة تلك العلة الإكراهية التي تشمل الكل بخاصيتها التقنية، و هذا التشميل بات يشكل نوعا من الإيمان بإله تقني كلي القوة يبسط الحضور الذي يستعيد الزمان كقوة فورية لتسريع التقنية، فيما ينبئ بنهاية زمان الإنسان. و معنى هذا أن كل ظاهر قد غدا تقنيا، أما الزمان فلم يصر سوى بعد تقني يعني أنه لم يعد قط خاصية للإنسان، و إنما خاصية للوجود التقني، فالمجرى التقني استغرق كل كائن في جوفه و أخضعه إلى لعبة التوليد، بمعنى أن الكائن قد غذ منتوجا للتقنية، فلعبة التوليد التي تتخذ من التسريع أداة لاختراق الوجود و اكتساحه على نحو كلي تتوخى تقننة الكائن أي تسريع وثيرة تعدده على نحو إستنساخي، على نحو يغدو فيه الكائن متكثرا، أي وفرة مستنسخة تزيد من احتلال الأرض، إلى الحد الذي تغدو هذه الوفرة المتكثرة للمنتوج التقني تشكل تهديدا خطيرا لسكينة الأرض.

إن التقنية إذن هي الحضور على نحو كلي، حضور الإمتلاء الذي يطارد الفراغ الكوني و يتعقبه إلى حد التعديم، إنها المطاردة التي تدحض الطبيعة و الإنسان على حد سواء.

إن التقنية كتقننة لوجود العالم، الطبيعة و الإنسان، لا كمجرد وسيلة، أي باعتبارها تيولوجيا تعلي من التقنية كقوة جبارة، و كحضور كلي ينتشر على نحو يبدو من خلاله هذا الحضور بمثابة تجلي الزمان المطلق ممثلا في زمان التقنية، إنه الزمان الذي يبلغ الدروة/الحد ليعيد تشكيل الوجود داخل جوف التقنية، أي من خلال و حدة وجود تقنية، تغدو بمثابة نهاية للزمان أي للوجود الإنساني، فالاله التقني غذا محايثا لهذا الوجود، و هذه المحايثة شكل من أشكال بسط السلطة الكليانية التي تفرع كل موجود من خاصيته و تفصله عن الروح بما هي الدينامية المؤسسة للزمان بما هو انفصام متجدد، لا يتحقق إلا عبر الإلتحام بالحدث. إن خضوع الكائن الإنساني لهذه المحايثة هو وقوع في الأسر داخل متاهة وحدة الوجود التقنية بما هي نهاية الزمان.

إن الأمر لا يتعلق بإثبات واقع، بقدر ما يتعلق بوضع جديد، باستشكال عويص يفرض تفكيرا مغايرا؛ ميتافزيقا مضادة تكثرت باستعادة ما هو جوهري، تستعيد تأسيس الأساس الذي يجعل الإنفلات عن الأسر ممكنا، عن قبضة هيمنة ميتافزيقا تقننة الوجود كتعبير عن نزعة عدمية تتجلي كنفي جدري للروح أي للزمان.

أن المغامرة الإنسانية بوصفها مشروعا استباقيا داخل الوجود، تظل تلك النواة/البؤرة التي تجعل من المجهول قيمة مضافة أي سرا مخبوءا في جوف المستقبل الفجائي. و ليس هذا السر سوى مصادفة ذلك الآخر بإطلاق ففي الإلتقاء بالغير مطلقا هو انبثاق للزمان، نوع من التخلص من متاهة الوحدة، إجتياز للأسر و التقاء بالسر.

معنى ذلك أن الزمان لا يتحدد  إنطلاقا من الوحدة، من الحدود التي تفرضها البنية الهيمنية للوحدة أي لنسقها التشميلي، و لكنه يتحدد انطلاقا من تلك الفجوة التي تخترق الحد، و تنفتح على السر حيث يغدو الإلتقاء بالغير ممكنا.

إن الإلتقاء بالسر هو عودة إلى نقطة البدء، حيث الزمان يغدو ماثلا كانفلات، كطي للحضور المطابق، كبرانية، تتشكل كحدثية خارج زمان الوحدة، أي كتحلل تام عن نسق التأميم بما هو نسق للوصاية يحتكر الزمان، و يصير الكائن ميديويا يكاد يكون خاضعا بشكل كلي لسلطة الميديا.

إن الميديوية هي نمط احتواء الكائن، و تعقب آثاره، فهي نمطية عولمية لقولبة العلاقات، البيذاتية، و من تم تغدو الميديوية دوغما العالم الجديد، العالم المنمط الذي يولد الزمان بما هو فعالية للتقنية، و ليس بما هو فعالية للإنسان أي بما هو عمل الرغبة، و معنى ذلك فإن الميديوية هي أساس تشكيل الأحداث و التحولات على نحو متسارع تحولات تمس البنية الجوهرية للكون، كما تمس عمل الرغبة بما هي التحام بالحاضر و استدعاء للمستقبل، فالرغبة غدت تتشكل مديويا، إنها تقبل مفصول عن الإرادة أي عن الرغبة في الإحداث، أضحت تعبر عن أسلوب في الخضوع للإحداثيات التقنية عبر الإستسلام للميديوية، و الإنخراط في استهلاك المعرفة الجاهزة، أي الإرتكاز اللامشروط إلى قواعد الإيمان التقني، و هو ما يشكل النزعة التيو-تقنية الجديدة بما هي نزعة توحيدية تكتسح الذات الإنسانية، و تجبرها على التسليم بقوة التقنية التي يتعذر قهرها، و بقيمها التشميلية التي تؤسس للعلاقات التنميطية داخل نسق وحدة وجود المتاهة.

إن تفكيرنا في المستقبل يفرض علينا التفكير في أساس وحدة الوجود التي هي تعبير عن الحضور المطلق التقني، كما يفرض علينا التفكير في الأوهام التي يخلقها هذا الإنتشار الميديوي على نحو معولم، و بالتالي التفكير في إمكانية انبثاق المستقبل كانفصال عن زمن المتاهة؟

فهل "الوجود في المتاهة" هو نهاية الإنسان و الزمان و التاريخ؟

بمعنى هل تحقق الحضور التقني على نحو تشميلي هو اللحظة الأخيرة منكشفة كأبدية يغدو فيها العقل التقني هو الزمان ذاته، قوة مطلقة غير قابلة للتجاوز؟ و إذا افترضنا أن المستقبل بوصفه قوة المجهول الفجائية يخبئ في جوفه السر الذي يعلو بشكل مفاجئ، فهل هذه الفجائية التي تظهر على نحو اللاطمأنينة، بمثابة ايذان بانفصال مغاير، بإحداثيات جذرية، قد توقع خلخلة داخل الوجود المتناغم للتقنية المطابقة لذاتها؟ و إذا كان ذلك ممكنا فهل يعد هذا الإحداث طريقة جديدة للانفلات عن الوجود في المتاهة؟ و هل يمكن في ظل هذا الإنفلات أن يستعيد الكائن الإنساني و جوده على نحو العلة التأسيسية؟ أم أنه سيغدو مفعولا لمكر قوة ما بعد تقنية؟

إن الإنفلات بما هو فك للارتباط بالوحدة أي التخلص من وضعية الرهن التي جعلت التواجد في متاهة التقنية تيها مشروطا، تيها خاضعا لشروط يحددها الوجود التقني للموجود الذي غدا وضعه الإنساني خاضعا لقاعدة التنميط-يعد امكانية جوهرية للوجود الإنساني للتحلل عن المشروطية، أي أنها امكانية للتيه على نحو لا مشروط، في التيه اللامشروط هناك شيء من المغامرة التي تقود إلى المجهول، إلى الإلتقاء بالسر أي الالتحام بالزمن الخاص الذي يغدو أساس المسؤولية التي تجابه المصير كنوع من التراجيدية الإبداعية، إنها تراجيديا لأجل استعادة الوجود الحي، هي شكل من قلب للحضور الذي يتجلى كطمأنينية للعجز، كما هو حال الطمأنينية التي يؤسسها الوجود التقني للإنسان الذي غدا مستكينا مطمئنا على حاضره، و بالتالي غدا عاجزا عن أي مغامرة تقوده نحو المجهول، و معنى ذلك فإن الوجود التقني لا يخلق الطمأنينية و إنما يخلق وهما بالطمأنينية، و هما يجعل النفسية الإنسانية تطمئن إلى وضعها المشروط بالتقنية، أي التقبل الطوعي لوضعية الرهينة، و الخضوع لهذه القوة التي يتحدد على أساسها المصير الإنساني.

إن الإنفلات لا يعني إنكارا للتقنية ذاتها، و لكنه إنكار للتيولوجيا التتقنية، نوع من التحرر من الطوق التقني الذي يطابق بين العجز و الطمأنينية، أي وضعية الرهن المشروطة، إنه لا يبشر بالعودة إلى مرحلة ما قبل التقنية، بقدر ما يعني استعادة التحكم في التقنية ذاتها، أي استعادة القدرة على تدبير الوجود و الإنفتاح على المستقبل، أي تأسيس وضع جديد للإنسان؟، بما هو انكشاف لما بعد التقنية، إن ما بعد التقنية لا يعني زوالها، بقدر ما يعني نهايتها أي نهاية نزعتها المهيمنة، أنها ستغدو مجرد وسيلة و ليست عقلا ماكرا يحتوي الوجود بداخله. إن ما بعد التقنية كاحتمال هو السمة الأكثر تعبيرا عن نهاية مكر التقنية، أفول الإله.التقني و انسحابه.

إذن كيف يغدو انسحاب الإله التقني ممكنا؟

إن انسحاب الإله التقني، و ليس لتقنية، مشروط باستعادة نوع من "اللاوتوقية" التي يكون عملها موجها ضد تيولوجيا التقنية، أي ضد هذه النزعة التي تقدس التقنية إلى حد اعتبارها علة كل وجود مما شكل نوعا من الإيمان الدغمائي شبيه بذلك الإيمان التيولوجي بإله خفي متصف بكمال الإرادة و القوة.

لكن لايتعلق الأمر هنا بإيمان ظاهر له قواعده المؤسسة، كما لا يتعلق الأمر بإيمان مبشر بالما وراء/ العالم الأخروي، و إنما يتعلق الأمر من جهة أولى باحتواء الوعي الإنساني داخل التقنية و امتصاص الذات الإنسانية على نحو غدت فيه التقنية تلك الذاتية التي تمثل سلطة المعرفة، إنها ذاتية القوة القادرة على التشميل و الإحتواء، و خلق العجز و الشعور لدى الكائن بانعدام القدرة على الإنفصال، و من جهة أخرى بامتلاك التقنية للحضور، أي احتواء الزمان ذاته، فالزمان الواقعي هو الزمان التقني، إنه زمان يتجلى كأبدية تتحقق في الحضور المهيمن للتقنية و تجليه المطلق في كل أنحاء الوجود المشمول بالتقنية.

إن اللاوتوقية لن تكون نزعة إنكارية كما هو شأن النزعات الالحادية الدوغمائية التقليدية، بقدر ما ستكون نزعة انفصالية و اثباتية في ذات الآن نزعة موجهة ضد التوحيد و التشميل التقني بما هو استراتيجية لاختزال الموجود، و تكريس لنمطية التواجد داخل تلك الوحدة التي تكون مرتبطة بعلية تلك القوة، التي غدت هي الذاتية التشميلية التي تستهدف تقننة تواجدنا داخل الكون.

إن اللاوتوقية كنزعة إنسية جديدة هي شكل من التفكير يتخذ من استراتيجية الإنفلات و سيلة جديدة للإنفصال عن لحظة الحضور التشميلي، أي الإنعتاق و التحرر من نمطية التواجد داخل المتاهة، إنها تفكير يستعيد الحق في الزمان كإمكانية قصوى للعلة التأسيسية، لا يتعلق الأمر بهروب عن القدر التقني بما هو واقعة وجودية، و إنما يتعلق بمواجهة هذا القدر ذاته باعتباره ليس نهاية الوجود، أي مواجهة هذا الإختزال القصدي الذي يؤسس لحضور اختزالي للذات و الآخر داخل ذاتية القوة، إن الأمر لا يتعلق فقط بنقد القصدية على نحو ما ذهب إليه ذهب إليه لفناس، حيث يعني الحضور إرجاع الآخر للذات بما هو عمل الأناوية بوصفها احتواء من خلال الرؤية و المعرفة لذات الآخر الذي يغدو موضوعا للأخذ[4]، بل إن الأمر يتعلق بما يتجاوز الذات و الآخر معا و يحتويها داخل جوفه. أي يتعلق بذاتية القوة التي تؤسس للحضور بما هو واقعة تقنية، أي بما هو مفعولية لمكر التقنية، إنه يتعلق إذن بهذا الإنكشاف الذي أضمر "العلة التأسيسية" و احتواها في جوفه .

إن العلة التأسيسية تفرض كائنا يؤسس انفصاله علة وجوده على نحو الغيرية بما هي انقطاع عن التشميل، أي انقطاعا عن العلية ذاتها، من صيرورة الإخضاع المتصور كضرورة في العلة و المعلول، كاحتواء يجعل من المعلوم مجرد امتداد للعلة، أي الإنفصال هو بنية العلة التأسيسية بما هي انفلات عن الكلية. إنه ليس نفيا لوجود العلة، و لكنها ذلك الإقتضاء الضروري الذي تسمح به الفجوة، الهوة التي تجعل الإنفصال بين الكائن و الإمتداد ممكنا، حيث يتولد الزمان كحدث تأسيسي ينبني داخل التيه لكنه قابل في ذات الآن بالإنفلات عن تضليل المتاهة.

يشكل زمان الإنفلات عن المتاهة تلك اللحظة الحاسمة التي يغدو فيها الكائن تحررا يتأسس على نحو علة تأسيسية أي ذلك الآخر الذي اقتطع زمانه الخاص من سديم تيه المتاهة.    

-5-

إن التيه L’errance هو الذي يجعل الانفصال ممكنا، فأن تتيه معناه أن تنفصل عن زمان المتاهة، فزمان التيه ليس هو زمان المتاهة، إنه استعادة للزمان الخاص وانقطاع عن زمان المتاهة الذي يستغرق كل وجود ويبقيه غفلا.

إن الوجود الغفل ليس وجودا بعد مادام وجودا مستضمرا داخل الامتداد الكلي، ومادام مجرد محمول، صفة للوجود المتاهي لا يكشف عما هو خاص بقدر ما يكشف عن تحقق الكلية أو التشميل الذي لا يظهر سوى ذاته كأبدية أو كزمان كلي.

إن زمان التيه يتجلى كرفض لهذه الكلية، فالتيه ليس تخلصا من المتاهة ولكنه انفلات عن زمان المتاهة، يغدو التيه إذن هو تلك القدرة على تحديد المنطلق داخل المتاهة، على نحو يغدو فيه الوجود المتاهي موضع اختراق، إنه الدخول مع القدر في لعبة يغدو من خلالها  الكائن المنفصل قدرة على اختبار الممكنات بوصفه أفق تأسيس المعنى.

إن المعنى هو نتيجة هذا الشرط الذي يوقظ الكائن فيجعله متباعدا عن تشميلية القدر - الوجود في وبالمتاهة - بوصفها المعنى المطلق الذي يستغرق بداخله كل وجود، ففي تطابق الوجود مع ذاته كهوية مطلقة انتفاء للموجود، فالموجودية لن تغدو ممكنة إلا من خلال يقظة الموجود بوصفه كائنا منفصلا يؤسس حقيقته التي تقطع مع أي تشميل يبقيه غفلا بدون أفق، أي بدون المعنى والزمان.

إن يقظة الكائن هي أساس الموجودية بوصفها مغايرة الوجود، أي بوصفها الانفصال المؤسس للحقيقة "قبدون انفصال لن تكون هناك حقيقة ولن يكون سوى وجود" (5).

إن اليقظة هي التي تجعل من التأسيس ممكنا، والتأسيس يتأول كوجه للعلة بوصفها توليدا للزمان. والزمان يتأول كبعد لحدوث الانفصال، فما لا ينفصل لا زمان له. فالمتصل لا يلتصق سوى بزمان الكلية، إنه مشمول بالوجود الكلي، فانعدام حدوثه يبقيه غفلا متخارجا عن الموجودية بما هي وجود منفصل متميز عن الوجود. إن الأشكال هنا ليس متعلقا بنسيان الوجود كما هو الحال لدى هيدغر، ولكنه بالأحرى غياب الموجود.

إن استعادة الموجود يجب أن ينظر لها هنا كتخلص من الوجود، إنها برانية الذاتية، هوية تتشكل كغيرية، كتمايز تأسيسي، طريقة في الاختلاف الجذري تتجلى كإقلاب للتنميط كوجه للالتصاق بالوجود الكلي؛ فمن خلال التنميط تتقدم العلية كتلازم واتصال، إنها الضرورة التي تجبر المعلول على الخضوع للسالف والمتقدم. وما يتقدم ليس سوى الوجود ذاته مكتسحا كل ما يوجد بداخله. ومن ثم فالتنميط هو إجبار لا على التيه، وإنما على نمطية التواجد في المتاهة حيث الوجود يتيه بالموجود فهذا الأخير يستغرقه تيه المتاهة لكنه ليس بعد قادرا على التيه.

إن التيه هو ذلك النسيان الضروري لإتلاف العلية، اختيار لإمكانية التخلص
من الضرورة، ومن ثم فهو بدء يؤسس لغيرية الموجود، بدء يتجلى كأول غير، كعلة غير معللة، أي علة تأصيلية وليست تعليلية، ما دام أن القطيعة هي ما يؤسس طبيعتها التأسيسية التي تقود نحو الخروج عن وجودية الوجود أي الطبيعة التشميلية، كإخضاع للكلية، ومع ذلك فهذه العلة ليست علة ذاتها
Causa sui، أي ما تشكل ماهيته وجوده، فهذه مشمولة بالكلية، أي تلك الضرورة التي هي الوجود المطلق المطابق للزمان المطلق؛ أبدية تستغرق كل موجود بداخلها، بمعنى أن الوجود يستغرق العلة ذاتها، أو أن الوجود و العلة هما نفس الشيء. إن الوجود والعلة/الأصل، لا ينفك أحدهما عن الآخر: يكتسب الأصل ما هيته/تجوهره من خلال اتحاده بالوجود بوصفه وجودا. والعكس صحيح، أي أن الوجود يحكم ويسلط سلطانه بوصفه وجودا من خلال ماهية الأصل. العلة والوجود هما الشيء نفسه، غير أن الواحد منهما لا يستبدل بالآخر وهو ما يبرر التباين بين الكلمتين. الوجود في جوهره هو أصل /قاعدة. لذلك لا يمكن أبدا أن يكون لأصل الوجود أصل أو علة تؤهله. وهكذا يبقى بين الأصل والوجود مسافة، والوجود الذي يبتعد عنه الأصل / القاعدة، الوجود المفتقد إلى أصل هو الهاوية؛ وليس الوجود كوجود هو بذاته علة تؤصل، فإنه يبقى دون أصل / قاعدة.

وهكذا لا يقع الوجود تحت سطوة مبدأ العلة الذي لا يخضع له إلا الموجود (6). ومعنى ذلك حسب ما ذهب إليه "هيدغر" فإن "مبدأ العلة الذي يوضح ما يطال ما هو موجود ويقول لنا: إن شيئا مثل العلة متضمن بموجودية الموجود. ومن هنا يظهر أن مبدأ العلة ليس مجرد خطاب حول ما هو موجود، بل إننا نلحظ انه يحكي، على العكس من ذلك عن موجودية ما هو موجود. ماذا يقول المبدأ؟

إن الموجود يتضمن شيئا مثل العلة. الموجود هو من طبيعة العلة، إنه أصل العلة. إن المبدأ "الموجود أصل العلة" يتكلم لغة مغايرة، أي أن الوجود أصل العلة لا يعني أبدا "أن للوجود علة، بل إن الموجود هو بذاته علة تؤصل وتؤسس" (7).

إن نقطة الارتكاز التي نتفق من خلالها مع "هيدغر" هي كون الموجود بذاته علة مؤسسة، فالموجود كما نقترح هو العلة التأسيسية مع مراعاة أن هذا المفهوم ينآى عن التصور الهيدغري كما سيتضح لاحقا، فهو لا يحمل على تفكر الوجود (تذكر الوجود)، كما أنه ليس محمولا إلى معرفة تمثل الحقيقة التي تستند على الاكتفاء الجوهري للذات بذاتها والتي تتقدم كقوة اكتساح الوجود التي بلغت ذروتها مع التقنية، أي كنسيان للوجود. فكلا الحملين لا يحيلان إلى العلة التأسيسية بقدر ما يحيلان إلى "ذاتية القوة" وهو المفهوم الذي أوضحناه في بحث سابق (8).إن التطابق بين العلة والقوة هو أساس تشكيل الذاتية، وهو ما يعني أن الحضور والانكشاف إذا كان محمولا على الوجود أي على أولوية الوجود على الموجود، فإنه يؤسس لأنطولوجيا تلح على تحييد الموجود من أجل فهمه أو امتلاكه، فهذه الأنطولوجيا كما يلاحظ "ليفناس" تخضع كل علاقات الموجود الذي يقصي كل علاقة إيطيقية، إنه إخضاع للعدالة ذاتها لفعالية الوجود. فالاستحواذ بهذا المعنى يؤكد الغير لكن داخل إنكار تام لاستقلاليته، إنه تملك يتقدم كذاتية مهيمنة. فحتى انكشاف الحرية رهين بخضوع الإنسان للوجود، فليس الإنسان هو من يمتلك حريته، ولكن الحرية هي التي تتملكه. إن أنطولوجيا "هيدغر" كفلسفة أولى هي فلسفة القوة / الاقتدار، ومن ثم فالحقيقة التي تستحضر الأشخاص توجد على نحو مبني للمجهول؛ فالكونية تعرض ذاتها بدون ملامح شخصية Impersonnelle، وهنا تكمن لا إنسية مغايرة (9).

إن الذاتية التي تعرض على نحو الاستحواذ ليست سوى "ذاتية القوة" بما هي اكتساح تشميلي مبني للمجهول، لا يتصور على أساسها الإنسان إلاعلى نحو إمبريالي وطغياني، إنه النفي الجذري لكينونة ما هو إنساني في العلاقة الغيرية. وليست النقد الجدري الذي وجهته أنطولوجيا "هيدغر" للتقنيات باعتبارها لحظة اكتمال الميتافزيقا إلا طريقة لاستعادة الوجود على نحو مبني للمجهول، فالتقنية كحضور ليست تهديدا لما ينكشف كعلاقة عبر إنسانية إلا بقدر ما هي نسيان للوجود المختفي وراء الموجود. إنها تكريس لنسيان اختلاف الوجود الذي يتعذر تفكره، "إننا لم نفكر بعد" تلك هي الصيغة الهيدغرية التي تحيل إلى امتناع التفكير عن الإنسان الذي لا يفكر إلا انطلاقا مما هو موجود، وليس انطلاقا من الوجود الذي يظل اختلافه محجوبا.

إن استعادة التفكير من وجهة نظر "هيدغر" لن يكون إلا بالعودة لسؤال الوجود، أي بتجاوز الميتافزيقا التقليدية وتأسيس ميتافزيقا الوجود بما هي إمكانية أصيلة للتخلص من النزعة التقنية، وهذه الإمكانية ليست ممكنة إلا بالنسبة لشعب أوربا والشعب الألماني بالخصوص، فهو الشعب الميتافزيقي الأصيل الذي سيكون وحده هو القادر على أن يصنع مصيرا إن استطاع أن يخلق في ذاته استجابة أو إمكانية الاستجابة لنداء الوجود. (10)

إن اقتران الهوية الجمعية (الشعب) بالعلة الأصل الوجود، هو تأسيس للذاتية المهتمة بالمصير على أساس القوة والاقتدار، وليس على أساس الغيرية، بما هي إمكانية الانفلات دوما عن أي تمركز، ومن ثمة فليست هذه الإمكانية سوى استجابة لذاتية القوة التي لها من اليقين ما يكفي لممارسة الوصاية على الأرض أي القدرة على صنع المصير.

إن فلسفة "هيدغر" لا تفكر في الكائن على نحو الغير، بقدر ما تفكر فيه على نحو التملك. إن أصالة الإنسان تتجلى بقدر خضوعه لتملك الوجود، نسيان الغيرية، لكن نسيان الغيرية على هذا النحو يتجلى من خلال من سيعرض ذاته مرة أخرى كراع للوجود، وكقادر على اتخاذ القرار الذي يجب أن تخضع له كل الشعوب باعتباره القرار المنقذ والذي يعد وحده مستجيبا لنداء الوجود.

إن التهديد لا يأتي من الغيرية المخالفة للوجود، ولكن يأتي من ذلك الاقتراب
من الأصل الذي يستجيب لنداء الوجود باعتباره قدرة على الاختيار والتملك، فالانفتاح
على الوجود كحيازة على القدرة على صنع المصير، هو ذاته الانغلاق على الغيرية
اللا متأصلة / المنفصلة عن الوجود التي قد تصل إلى الرغبة في إقصاء الآخر، من خلال الاعلاء من إرادة التفوق والاستعلاء، وذلك هو المأزق الأساسي لفلسفة "هيدغر" التي تعرض نفسها أحيانا، رغم إنجازاتها الهامة في سياق الفكر الغربي، كفلسفة للتملك، ربما تعد أخطر من النزعة التقنية ذاتها، إنها تأسيس لميتافزيقا القوة، ذاتية احتياز القوة بما هي المنقد من نسيان الوجود.

-6-

إن العلة التأسيسية كما نتصورها هنا هي إمكانية لتجاوز ذاتية القوة، وباعتبارها علة، فهي قوة، لكنها ليست قوة تتمثل كإرادة للتملك، بقدر ما هي قوة لتجاوز التملك، أي الانفصال عن الوجود، وبما هي كذلك فهي الغيرية التي تستجيب لنداء الآخر. الآخر الذي لا يبالي بالوجود بقدر ما يبالي بالكيفية التي يشترك فيها مع الغير في تأسيس إيطيقا جسدية، يغدو من خلالها الجسد كغير منفصل، ذلك الأساس الذي تتأسس عليه العلاقة العبر-إنسانية؛ حيث الانفتاح لا يتأسس على الانفتاح على الوجود الذي يتوارى في انكشاف الموجود، ولكنه يتأسس على اللا تملك؛ ترك الجسد يوجد على نحو الغيرية، أي على قدرته على انفصاله عن الوجود وعن الطبيعة، وعن ذاته أيضا. فالانفصال عن الذات هو امتناع كيفي عن الأناوية، أي الذاتية المتمركزة حول ذاتها والتي تنحو باتجاه امتلاك الغير وإخضاعه للذات.

إن العلة التأسيسية لا تصير قوة الذاتية إلا إذا كانت غيرية، بمعنى أن تصير ذلك الانفصال الذي يؤكد الجسد كغير منفصل على أرضية التشارك، أي الانفتاح على الآخر كاقتراب وليس كتملك، بوصفه العلة الأساس التي تنفصل عن أي أصل، أي عن الكلية التي تعرض كتمثيل يقيم داخل الوحدة. ولدى  "ليفناس" تفسير  لما يمكن أن يسند تأويلنا للعلة التأسيسية:

إن الكائن - من خلال الزمان - هو ما ليس بعد، وهذا لا يجعله ممتزجا بالعدم، ولكنه يبقيه متباعدا عن ذاته. إنه لا يوجد مرة واحدة، حتى علته الأكثر تقدما منه، ما تزال منذورة للمستقبل. إن علة الكائن ثم التفكير فيها والتعرف إليها من خلال نتيجتها، كما لو أنها متأخرة عن معلولها.

إننا نتحدث عن "كما لو" التي تحيل إلى وهم، والحال أن هذا الوهم ليس مجانيا، ولكنه يؤسس لحدث إيجابي. إن بعدية السالف (تأخر المتقدم) - وهو قلب مجال منطقيا - لا ينتج إلا بواسطة الذاكرة أو بواسطة الفكر، لكن اللا محتمل (المحال) الظاهر للذاكرة أو الفكر يجب تأويله بدقة كما لو كان ثورة داخل الكائن.... إن الما بعد أو المعلول هو الذي يشترط الما قبل أو العلة، فالما قبل الذي ظهر، هو ما تم استقباله فقط...". (11)

إن الانفصال عن العلية - كترابط منطقي بين العلة والمعلول والتي يعبر عنها بواسطة مبدأ العلة: لا شيء بدون علة، أي أن لكل موجود علة بالضرورة هي مقدرة سلفا - هو الشرط  الذي يجعل من الممكن حدوث قلب افتراضي يجعل المعلول المنفصل عن علته في مجرى التجاوز، إنه المجرى الذي يحدث انزياحا عن الأصل /  العلة ليغدو هو ذاته العلة، في هذا المجرى يتأسس التأسيس الذي يحقق وثبة الكائن المنفصل عن تشميل الوجود، أو الإخضاع الضروري للعلية.

يطرح الكائن ذاته في خضم هذه القفزة مغايرته التي تسمح بانبثاق زمانيتة الأخرى كتحرر من أبدية العلية، كنوع من الفقدان الذي لا يعني السقوط في العدم، ولكنه فقدان الوجود كأصل يمتص في جوفه كل موجود ويبقيه غفلا، أي الانفصال عن حالة العدمية، حيث الكائن ليس من نوع الموجود المنفصل، بقدر ما هو ما لا يستطيع أن يوجد  بعد، إنه داخل المتاهة دون أن يدري أنه في المتاهة ، أي دون أن يتيه كقدرة منفصلة ، تعرض كتخارج ما يفتأ ينفلت مقاوما أي تشميل يمارسه الوجود او الموجود ذاته المتمركز حول ذاته والمتخفي داخل تلك الهوية الثقافية التي تمجد الأصل وتسعى لاكتساح الغير، وإتلاف الاختلاف.

إن العلة التأسيسية ليست من قبيل العلة الفاعلة المتصورة في المنطق الصوري، ولكنها من نسيج الغيرية، وبذلك فهي لا تكون كذلك إلا إذا عرضت كقلب لأي تطابق يمكن أن يتأسس في مجرى التاريخ كهوية متماهية بذاتها، أي كوحدة وجود وكبناء لمتاهات داخل المتاهة الكليانية. إن العلة لتأسيسية هي أساس الزمان، فالزمان ينشأ كرغبة وليس كبنية مقدرة، فزمامنية الكائن الإنساني مشروطة بتلك الرغبة التي تجعل من التخلص من أسر الوجود مشروعها الأساسي. إن الزمانية هي الطريقة النوعية لمقاومة التشميل سواء ذلك الذي يكون مبعثه الوجود، أو كان مبعثه المعرفة التي يؤسسها الموجود ذاته، تلك التي تغدو في لحظة اكتمالها شكلا من أشكال الميتافزيقا المهيمنة ونوعا من الاغتراب الذي يحجب الغيرية بوصفها الولادة المجددة للزمان. إن العلة التأسيسية هي صيغة الخروج التي لا تطابق الوجود ولا المعرفة كاكتمال، وإنما تطابق الزمان بما هو حمل لجسد الموجود على الانفصال. فالجسد لا يتحقق على نحو التشميل بقدر ما يتحقق على نحو الإفلات، بما هو تجاوز للمتافزيقا الأنطولوجية التي ما تفتأ تمارس احتواء الجسد وإرجاعه إلى حالة الخضوع للوجود أو لتلك المعرفة التي تبخس الجسد وتفرض عليه نوعا من الطاعة الإجبارية التي تجد مسوغاتها في قواعد الأخلاق

إن الجسد لا يتحقق إلا في التخلص من الاحتواء التشميلي، فانبثاقه  كبرانية يتأسس على الاطيقا، فن ابتكار الغيرية كموجودية تستدعي زمانيتها الخاصة في أفق العلاقة مع الغير، ولن تغدو الزمانية الخاصة تملكا ولا احتيازا وإنما اقترابا. إن الاقتراب هو الطريقة التي تجعل من الجسد منفتحا للتجربة الإنسانية، أي طريقة ابتكارية للخروج نحو الآخر، فحيثما يوجد آخر فهناك إمكانية قصوى للتخلص من تشميل المتاهة.

 



[i] Levenas : le temps et l’autre, Quadrige-puf-8eme edition 2001 p :72

 2 ع بومسهولي: الأسس الفلسفية لنظرية نهاية الأخلاق- أبحاث فلسفية مراكش 2001 ص 86.                                                                                                  

-3 حسن أوزال نهاية الأخلاق أم حلول المبدأ الإيتيقي، حول كتاب الأسس الفلسفية لنظرية نهاية الأخلاق ل ع بومسهولي مجلة فكر و نقد ع 56 فبراير 2004  ص 137                                       

[4] Levinas :entre nous, essais sur le penser de l’autre edition grasset et fasquelle 1991 p.165.

(5)  Emmanuel LEVINAS : Totalité et infini, Essai sur l’extériorité. Edition : Martinus Nijhoff 1971. p : 54.

(6)    مارتن هيدغر: مبدأ العلة، ترجمة نظير جاهل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت الطبعة الثانية 1996، ص: 58.

(7)   نفسه ص: 56.

(8)   عزيز بومسهولي: قوة الذاتية ومسارات ذاتية القوة أو الغيرية كأساس لحوار الحضارات، مجلة فكر ونقد. ع85 يناير 2007، ص: 5.

(9)   E. LEVINAS : Totalité et infinie, P : 37.

(10)    Jean Pierre Faye : La raison narrative.collection metapora balland 1990 p 217

(11)   E. LEVINAS, Totalité et infini, P : 47.