موقع النقد السينمائي
في خارطة النقد بالمغربعز العرب العلوي لمحارزي
إن الأخذ بمفهوم النقد كيفما كان نوعه ومجاله، والغوص في طبيعته وخصائصه بمعزل تام عن الحقل الثقافي العام الذي نشأ فيه، يعد مغامرة لا يمكن التكهن بنتائجها. يقول محمد نور الدين افاية في هذا الصدد : "النقد كمنظومة فكرية هوالمقياس الذي نقيس به مدى استقبال هذه الثقافة للرأي المخالف، والاعتراف بالسؤال. فالنقد لا أهمية له إذا لم يخلخل الجاهز ولم يولد ردود أفعال. لذلك فإن الحديث عن النقد السينمائي في المغرب يستلزم بالضرورة تناول كيفية استقبال الحقل الثقافي المغربي للنقد بشكل عام، ومدى تقبل البنية الفكرية للمحاكمةوالتأويل"(
1).والنقد كفعالية عقلية وكمجموعة من الآليات والأدوات المعرفية الصارمة التي تعمل على خلخلة ثقة المبدع بإبداعه، والقارئ بمتن قراءاته، لا يمكن أن يأخذ مكانته ضمن الحقل الثقافي العام بيسر وسهولة، بل سيواجه في أغلب الحالات بالرفض ومحاولات الإبعاد. ولن يستقر أمره إلا بفضل تماسك منطقه الداخلي وقوة مفاهيمه ومتانة مناهجه في دراسة الآثار الفنية وغيرها.
ولما كان المغرب يعيش "أزمة التوجه السياسي" وقلق السؤال الاجتماعي خاصة بعد الاستقلال ، لم تكن الساحة الثقافية إلا مرآة لهذه الوضعية السياسية والاجتماعية.
ولم يكن هناك بد من انخراط المثقف في السياسة الاجتماعية السائدة آنذاك حيث شاعت مفاهيم الاشتراكية والوجودية وظهر مفهوم المثقف العضوي (غرامشي) ومفهوم الالتزام. فأصبح الفكر الأيديولوجي بمعناه الواسع، هو المتحكم الرئيس في المواقف المتضاربة والطروحات المتباينة التي اكتسحت الممارسة النقدية بجميع أشكالها، الشيء الذي يشي بأن هذه الممارسة لم تكن واحدة وموحدة، بل مختلفة باختلاف الجهات الأيديولوجية والأسس النظرية التي يغترف منها هذا النقد. خاصة إذا علمنا أن "الإرادة الحزبية" التي كانت تؤطر الحركة السياسية والاجتماعية في تلك المرحلة العصيبة من التاريخ السياسي المغربي، هي نفسها، التي كانت تملي إرادتها الأيديولوجية على الثقافة المغربية، لدرجة أصبحت معها الثقافة الحزبية لا ترى ولاتتصور المثقف المغربي خارج حلبة الصراع السياسي والاجتماعي. وأصبح هذا المثقف مطالبا بتنفيذ برنامج حزبه أومذهبه.
وعلى هدي صراع الساحة السياسية، أصبح لدينا موقفان نقديان، يقول "نجيب العوفي": "إن الصراع النقدي أسفر عن وجود نقديين كان التناقض بينهما تناقضا رئيسيا :
أ. موقف السلفية النقدية: وهوموقف ثابت في الزمان، هزيل المصطلح متخلف الأدوات، يتكئ على منهج وصفي كلاسيكي بالغ الابتذال والعياء. ويدور في فلك أيديولوجيا اصلاحاوية تكرس واقع الحال وتعادي التغيير والتقدم.
ب. موقف الحداثة النقدية :وهو موقف متحول في الزمان يتحرك في اتجاه تطوير الخطاب وصقل مصطلحه وأدواته، وتطعيمه بأحدث وأنجع المناهج العلمية، ويصدر عن رؤية أيديولوجية تؤمن بالتغيير الجذري للبنيات والمفاهيم"(
2).وتجدر الإشارة إلى أن هذا الموقف الأخير،الذي يستقي مفاهيمه من الحداثة النقدية، هو الذي أطر أيضا الحديث عن السينما والنقد السينمائي، كاستراتيجية ثقافية تساير الفكر الحداثي العالمي،وتتصدى للتخلف السينمائي باعتباره جزءا لا يتجزأ من التخلف الاجتماعي والسياسي العام.
يقول البيان العام للجامعة الوطنية للأندية السينمائية : "إيمانا بأن حقل الممارسة السينمائية لا يقل أهمية وتأثيرا عن حقول الممارسات الثقافية الأخرى التي تشكل الحياة اليومية للكيان الوطني، فإن التخلف السينمائي الذي نعيشه هونتيجة للتصورات المغلوطة التي سادت ولازالت تسود في حقل السينما ببلادنا"(
3).هكذا، يتضح مما سبق، أن النقد السينمائي انخرط في صفوف "الثقافة الديمقراطية الوطنية" التي يمكن اعتبارها بشكل من الأشكال، واجهة للتصدي للإمبريالية والهيمنة بجميع أشكالها عالمية كانت أو محلية. وبهذا يكون النادي السينمائي باعتباره أهم تجارب العمل الجمعوي لهذا الاتجاه الحداثي في الساحة الوطنية، المؤهل الوحيد لتأطير الفعل السينمائي، وإخراجه من مرحلة الوجود بالقوة إلى مرحلة الوجود بالفعل، خاصة بعد فشل الجهة الوصية(المركز السينمائي المغربي) في الحفاظ على تكتل الأندية السينمائية في الستينيات (*) كما نستشف ذلك من وثيقة المعمورة حيث تقول :"ظهرت الجامعة كاستجابة لظرف تاريخي معين من أجل سد الفراغ الثقافي الذي يميز المجال السينمائي ببلادنا. وقد عملت منذ تأسيسها على نشر ثقافة سينمائية وطنية هادفة، كما عملت على ظهور وعي سينمائي من خلال منظور تقدمي للثقافة الوطنية"(
4).في هذا الإطار، ومن هذه المؤسسة الشعبية(ج وا س م )، نشأ الرعيل الأول من النقاد وبعض المخرجين السينمائيين (**). غير أن طبيعة النقد السينمائي المؤطر في هذه المؤسسة، لم يخرج عن نقد "مسيس" يبحث داخل المتن الفيلمي عن طيمات هامشية كانت أو أساسية لينطلق بها نحوتحليلاته السياسية ويمطرها بوابل من الإسقاطات(***)يقول بشير قمري في هذا الصدد: "إن المغرب ومنذ السبعينات، أي منذ تأسيس حركة النوادي السينمائية الوطنية عرف نوعا من الكتاب يسقطون مفاهيم ماركسية كالصراع الطبقي والبنية التحتية ... الخ في تحليلاتهم لكل الأفلام حتى القديم منها (أفلام شابلن مثلا)" (
5). والمعروف أن النقد بأشكاله الأدبية والفنية كان في مرحلة السبعينيات، ذا توجه أيديولوجي تقوم خطاباته على مفاهيم ماركسية، وفي اعتقادي أن اللجوء إلى النقد الأيديولوجي السياسي لم يكن توجها عربيا أو مغربيا، ذلك أن تاريخ النقد السينمائي في أوروبا يؤكد لنا على أن النقاد كانوا حريصين على التعامل مع المنهج الماركسي، إلى أن ظهرت علوم مثل اللسانيات والسيميولوجيا، حيث أصبح الباحث في الميدان البصري وخصوصا في مجال السينما ،لا يمكنه أن يشرع في الحديث عن النقد السينمائي دون الحديث عن الوظائف التي يمكن لهذا الأخير أن يقوم بها ، خاصة إذا علمنا أن ميلاد النقد السينمائي لم يتم إلا بفعل الجدل الذي دار في مطلع هذا القرن حول وظائف السينما من جهة وحول استقلاليتها عن باقي الفنون من جهة أخرى، إلى جانب البحث عن خصائصها الفنية والجمالية الكفيلة بإثبات هذه الاستقلالية. ومع تطور الحقل السينمائي وتعدد مذاهبه، إضافة إلى قدرته على جلب واستقطاب أنظار العالم ودخوله تاريخ الفنون من بابه الواسع كفن قائم بذاته، تعددت وظائف السينما كما اختلفت وظائف النقد السينمائي وتعددت. وقد تمكنت الناقدة الفرنسية لويزيت فارينوlouisette fareiniaux من اختزال وظائف النقد السينمائي في أدوار ثلاثة رئيسية هي:أ. تقديم الأخبار والمعلومات للجمهور حول الظروف التي يتم فيها إنجاز الفيلم، وهي نقطة تسعى الناقدة من خلالها إلى إثارة انتباه النقاد وكذا ضرورة الانتباه لظروف إنجاز الفيلم. لأن من "الظلم النقدي" دراسة كل الأفلام بأدوات معرفية موحدة، وتقييمها على أساس مستوى إنتاجي موحد، وفي ذلك تقول: "فمن غير اللائق أن نتحدث عن فيلم أمريكي بالطريقة التي نتحدث بها عن فيلم إفريقي؛ لاختلاف ظروف الإخراج والإنتاج والتوزيع بينهما"(
6).ب. تحريك وتشغيل ذهن المتفرج، ليعلمه كيف يتعامل مع هذه الصور وحللها... ويقدم له كافة المعلومات التي تعمق رؤيته للفيلم. ومن خلال هذا الطرح الثاني -وكما يبدو- فإن الناقد، باعتباره مالكا لملكة النقد، فعليه أن يقوم بدور الوسيط بين المبدع (المخرج) والمتلقي (المتفرج) لرفع اللبس عن الإرسالية الموجهة لهذا الأخير عبر الفيلم أولا ولتمكينه من الأدوات القادرة على حمايته من الاستيلاب ثانيا.
ج. الرفع من قيمة الإبداع السينمائي، ويميزه الناقد" آندري بازان "andre.bazin بامتيازات متعددة يمكن إجمالها في قولته التالية: "ما يجب تأكيده أن السينما فن له إمكانيات ليست بالضرورة متوفرة في باقي الفنون الأخرى... هي تواصل وجداني بقدر ما هي لقاء فكري وتفاعل جمالي مع الصورة... وهذا هوما على الناقد السينمائي بلورته وشحذه في ذهن المتفرج للانتباه إليه وتعاطيه"().
هكذا يتضح من خلال هذه الأدوار، أن الأمر عبارة عن دعوة للاستفادة من خصوصيات الحقل السينمائي والاستفادة كذلك من جميع إمكانياته لبناء نقد سينمائي قادر على مد جسر التواصل بين السينما والجمهور.
وهكدا سنعيد طرح هده الخلاصة على شكل سؤال يأخذ بالمعطيات المحلية للواقع المغربي ودلك على الشكل التالي:
تماشيا مع هذه الوظائف التي من المفترض أن يلعبها النقد السينمائي في الساحة الثقافية والاجتماعية المغربية وأمام تطور الممارسة النقدية لحقلي الأدب والفلسفة ، ما هوالموقع الذي قد يحتله النقد السينمائي ؟
في خضم الإنجازات الهامة التي حققها الحقل النقدي الأدبي والفلسفي، لم نتمكن من موضعة النقد السينمائي، في مكان ثابت. هذا الاستنتاج ينطبق كذلك على جميع "النقود" التي تهتم بالحقل البصري سواء كان فنا تشكيليا ، أو فنا فتوغرافيا أو فرجة بصرية سينمائية. حتى "النقد المسرحي" لم يتمكن هو الآخر رغم قدم وجوده وأصالته النسبية من موضعة جهوده ضمن ما حققه النقد الأدبي والنقد الفلسفي. مع بعض الاستثناءات القليلة التي تعتبر بمثابة القطر الذي يسبق الغيث، مثل الأبحاث المسرحية الجادة والجيدة للدكتور محمد الكغاط ويونس لوليدي وعبد الكريم رشيد وعبد المجيد فنيش...
وتجب الإشارة إلى أن النقد السينمائي، مقارنة بإرثه النظري العالمي ومقارنة كذلك بتاريخ بداية أول عرض سينمائي بالمغرب، يعتبر حديث النشأة عالميا، وتأخر تطوره في إطار الحقل الثقافي المغربي، هوتأخرله أسبابه المنطقية وله أيضا حيثياته التي تلعب فيها علاقة الصورة كتجسيد وتجسيم للإنسان والأشياء بالفكر العربي الإسلامي، كما له علاقته أيضا بالخلفية الثقافية التراثية التي تحيط نفسها بسياسة حمائية ضد ما هوخارجي وغريب. وهوما جعل النقد السينمائي،كنظيرته السينما، لا يلاقي اهتماما ضمن سلسلة النقود المتداولة في المغرب. وذلك نظرا للتقطع الذي عرفته بعض المحاولات الجادة، والتي لم تتمكن من الإعلان عن نفسها كتجارب متكاملة مثل تجربة" نور الدين الصايل"،وكذا التوقف المفاجئ لمجموعة من النقاد السينمائيين (** ) كما سنوضح فيما سيأتـي.
ـــــــــــ
هوامش
1- محمد نور الدين افاية : مجلة "دراسات سينمائية" ع 6/أبريل/1987/ص 92 - نجيب العوفي : "درجة الوعي الكتابة" دار النشر المغربية ط1 - ص 17.
[3] - البيان العام : النشرة الداخلية للجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب عدد 1/1982.
* تحت اسم "الاتحاد المغربي للنوادي السينمائية للشباب" وبإشراف فرنسيين وفرنكفونيين مغاربة، ليتمكن التيار الديمقراطي الوطني في البلاد من خلق " الجامعة الوطنية للأندية السينمائية" سنة 1973، كإطار قوي متماسك وبأطروحة نقدية "مؤد لجة"
[4] - التقرير النهائي للأيام الدراسية التحضيرية للجمع العام للجامعة الوطنية لنوادي السينما بالمغرب (المركز الوطني).
[5] - بشير قمري : حقل توقيع كتاب " موقع الأدب المغربي من السينما المغربية" نشاط مواز للمهرجان الدولي الثالث للفيلم بالرباط
[6 لوزيت فارينو: من كتاب "لغة الصورة" لروي ادمز -الهيئة العامة للكتاب -ط 1 - 1992ت :سعيد عبد المحسن ص8
[7] - لوزيت فارينو: (ن م س) ص 7
** - تجربة نور الدين الصايل التي بدأت معالمها سنة 1962 بجريدة "صوت الطالب" ولم تتمكن إلى حدود سنة 1996 من الإعلان عن مدرسة متكاملة الأركان رغم قوتها وتراكماتها.