شذرات:
المعرفة و الإبداع والتجارة بالثقافة
مؤمن
السميحيتداعيات
من تداعيات المهرجان المتوسطي للافلام القصيرة الرابع بطنجة في شتمبر 2006 (الذى شاهدنا خلاله افلاما تعطى حقهما للبحث العلمي والتجديد الجمالي فى آن)، هذه المقاربات العابرة التي ستخرق موضوع الفيلم القصير ثم علاقته بالطويل متطرقة إلى اشكالية الإبداع في السينما المغربية وفى السينما عامة.
القصير
تاريخيا الفيلم القصيرهو فيلم مكتمل بحد ذاته. الاشرطة الاولى فى تاريخ السينما اشرطة قصيرة. افلا م الاخوان لومييرلم تتعدى ابدا الدقيقة الواحدة وافلا م جورج ملييس بضعة دقائق. ولمدة طويلة لم تكن الافلا م الدرامية او الكوميدية الاولى تتعدي العلبة الواحدة التى تتراوح مدة عرضها ما بين ال10 و ال20 دقيقة. حتى اصبح الفيلم القصيرالتكملة المعروفة للبرامج التجارية بدور السينما. فيلمي لويس بونويل القصيرين " العصر الذهبي" و " الكلب الاند لسي " يعدان من مؤسسى الفن السينمائي . الفيلم القصيرهو الذى فتح الطريق لتورة السينما الجديدة على آليات نمطية هوليوود اذ ان روسيلليني في ايطاليا و جودار في فرنسا و حركة الاندرجراوند فى امريكا و مدرسة السينما الحرة فى لندن كلهم اخرجوا افلام قصيرة عديدة لها شهرتها .
اليوم يتربع الفيلم القصير على عرش التيلفزيون عن طريق المسلسل والوثائقى و الاشهار.
فن الشذرات
بهذا يمكن نعت و تحديد كتابة القصير.
للادب قصيره وهي الاقصوصة. موباسان أمس واليوم، يوسف ادريس ورا يمون كارفر يبرهنون على استقلالية وقوة ولذة هذا النوع الأدبى المتميزالذى برع فيه كذلك القصاصون الكبار، ستاندال وفلوبير وطه حسين ووليام ستايرن...
فلن نستغرب اذا ان نرى افلاما قصيرة رائعة و ممتعة على أيدي المخرجين الكبار، انطونيوني وكوروساوا وبازولينى وجون فورد... إنه فن المنمنمات النفيس والسوناتا الساحرة. وبعبارة بارتية سنقول إن قصير التعبيريؤسس لكتابة الشذرات. الكفاية فى التعبير بايجازعلى أسس المعرفة والإبداع.
المعرفة و الإبداع
كانا من الازل هاجس المفكرين لمدى ارتباطهما العضوى بالمغامرة الانسانية اي بمغامرة التقافات و الحضارات.
عند نيتشه مثلا المعرفة هي مملكة العقل و الإبداع ميدان الغرائز و الحدس السلطان. فى تحليله لفن الماسـاة ( الشعر الثمتيلي كما يقول طه حسين) عند القدماء يقول انه عندما يلتقيا عنصرا ابولون و هو اله الانسجام والحكمة و ديونيزوس و هو اله السكرو اللذة اذاك يتحقق العمل الفني الجيد الهادف.
هذا التواصل حصل فى السينما قى القرن العشرين كما حصل ان رآه نيتشه يتحقق في قرنه فى فن الاوبرا. و يتعدى الامر حدود الدراما ليشمل و يكتسح كل الفنون ليصبح ملخصا لاشكالية الإبداع . بعباراتنا اليوم سنقول انه يتحدد فى الافادة و التاثير. ازدواجية العلم و العاطفة.
السينما حققت هذا التداخل لعنصري المعرفة والإبداع فى نجاحاتها المشهودة. نحن احسسنا فى سينما المؤلفين الامريكيـين و فى السينما الجديدة الاوروبية و فى مدارس جمالية امثال اليابانية او الفيلم الوثائقى العلمى، كم نحن خاضعون لسيطرة حب التطلع و معرفة حداثتنا وكذلك نحن خاضعون للرغبة فى الاحساس بالجمال الفني المؤثر.
ُبطْـلـطْش
و مع ذلك...
كان نيتشه يعتقد ان الفلسفة الحقة وُجدت زمان الفلاسفة ما قبل سقراط و ان سقراط و ماجاء بعده يعدون انحطاطا بالمقارنة مع ذلك العصرالذهبي الغارب الذى نشات فيه فكرة المـاسات و المسرح و الثمـاتل.
ها نحن نتسائل ان لم يكن مصير السينما مقارب لهذا الوضع. قدماؤنا المذكورون فى امريكا و اوروبا و اسيا كانت لهم غزارة و جودة فى هذه الغزارة نادرا جدا ما نعترعليها عند المحدثــين (باستثناء وودى آلان و كــين لووش).
مثل الانتاج الحالى كمثـل عملية التبذير كما وصفها الانتروبولوجيون فى مجتمع الهنود الحمر البدائي، عبادات تبذيرية هكذا ربما يمكن ترجمة مفهوم البُطْلطْش. عند نهاية الحصد والصيد تجتمع مختلف القبائل لتعرض بعضها على البعض ثرواتها فتشرع كل منها فى تبذيرها أمام أعين الآخر. يحرقون ويهشمون ويهدمون افتخارا وتحديا و"غرامتا" وفديتا و"عارا" كما يقول المغاربة فى تقاليدهم الاضحائية.
هل سنعتبر الانتاج العالمي اليوم من هذه الزاوية؟ كل هذه الافلام، مئات وآلاف الأفلام، ومعظمها سخافات وتكاليفها باهضة بارقام خيالية؟ هل هو تبخترالبلاد الثرية حتى فى فنونها؟
التجارة التفافية
أكد جاك لكان تهربه من التجارة بالفكر فى تنظيره لعلم النفس بحتا عن تدعيم الإصغاء. واستمر على هذا النهج رغم اتهامه بالغموض. اللهم الغموض الهيراكليتي ولا الشعودة.
مفهوم الإبداع تغير مع نشأة العلوم الانسانية والاجتماعية وبعد الاكتشافات الفرودية.
رغم تسلط وهيمنة الفيلم السوقي ردءاة وتجارة حسب المقولات المعروفة عن رغبة الجمهور المزعومة، فإن الإبداع اليوم لا مناص له من رفض التجارة بالفكرو التمسك بوجوب مزج البحث العلمي والشوق. الصورة بلاغة جديدة والكتابة بالصور والأصوات تفرض المعرفة موازاة مع بلاغة العاطفة. نيتشه انتقد بشدة وسخرية نظرية الكاثرسيس لآرسطو، عملية الانفعال تلك التى تتعارض مع مبادئ المأساة اليونانية القديمة وهي مزج الحكمة والعقل والتامل بانفجارات العاطفة والسكر والنشوة، وهذا ليس الانفعال.
البلاغة عكس السفاهة حسب التصنيف الجاحظي، وهى التقنين التعبيري، غرضها التحرر من النمطية والمسلمات (عي الكلام) وما يعنى هذا التحرر من الجهد والعناء ولكنه المؤدى فى آخر المطاف إلى عذوبة اللذة الفنية الرفيعة الدافعة إلى الآمال الكبرى والمولدة لحب الحياة.
لا مفر فى الحداثة من خطاب نيتشه وطه حسين. فالأول بإلغاءه للفلسفة وبنقده للدين وبحثّه على حب الحياة الدنيا وتمجيده للإبداع، أخرج لحداثتنا زاردسترا، ذلكم الشاعر الأبدي المطلق. والثاني فى إلحاحه على الالتزام بمبادئ الذوق والبساطة والدقة والتمكن في الادب والفنون أيقض ثقافتنا العربية من سباتها العميق قرونا فقرونا.
سينما الكاتب
هذه حقائق عامة و لكنها صلبة يستحيل على السينما العربية فى المغرب (كما نقول الادب العربى فى المغرب) اي على السينما العربية كافة ان تتجاهلها.
السينما العربية فى المغرب مرتبطة بتاريخ التمثــل فى بلادنا. كتبنا القديمة فى نسخها المخطوطة، و الاندلسى منها تحديدا، تبرهن على ان علاقتنا بالصورة، التجريدية منها اوالواقعية، كانت علاقة جميلة و وطيدة لا تعرف الكبت.
الا ان فى فترة الاستعمارو عند مقاومته ثـقافيا كان الرجل هو الذى يؤدى دوردسدمونة و مسرحية شكسبيرتفهم على خطئ، فعطيل ليس هو ذلك البطل المناهض لمدينة الدوج الاستبدادية و انما هو مجنون شديد الغيرة على زوجته، وقاتلها خنقا و بحجابها.
بعد الاستعمار تلخص مسرحنا فى اقتباسات معضمها فلكلورية لموليير، و هذه العقلية تهيمن على انتاجنا السمعي البصري كافة الى يومنا هذا. و قد تـتخد شكل ما ينعت ب"الفيلم التيلفزيوني"، و هو ليس سينما فى شيء.
أما صورنا السينمائية الاولى فكانت صور الاستعمار عنا. و هنا يجب التصريح من جديد ان هذه الصور هى صورنا، والمرء لا يمكنه ان يرفض واقع الصورة، فانت تظهر لى صورة لشخصى و انا لا يمكنني ان انكرها مدعيا ان المصور مستعمر.
هذه المقدمات تفسر و تؤصل مواصفات عطاءاتنا السينمائية. نحن فى حاجة الى التفكير باستمرار فى ان تورة الموجة الجديدة الفرنسية كانت ضض السينما الاستهلاكية التى كانت تنعتها ب "سينما الاب"، اشارة الى الاباء و الاجداد المحافظين والبرجوازيين ، كما ان الواقعية الجديدة الايطالية كانت تورة ضض السينما الفاشية و كانت تنعت ب " سينما التليفون الابيض" لكثرة ما كانت تصور بالمنازل و بالديكورات الثرية البرجوازية ورمزها بذخ التليفون الابيض الخاص بذلك الفترة.
و كلا هتين المدرستين، الفرنسية و الايطالية، نشئتا و ترعرعتا بعد الحرب العالمية الثانية فى حضن مجتمعات خصائصها التنمية والحريات و التنظيم السياسي الديمقراطي.
ان هيمنة السينما السفيهة اليوم توجب علينا انتاج الفيلم البليغ بالمعنى الجاحظي فى السينما العربية و فى السينما العربية بالمغرب تحديدا." سينما المؤلف" كان تعبيرا يخص المخرجين الغربيين الذين كانوا يتحايلون على دكتاتورية السوق ليطبعوا افلامهم ببصمات تقافية، و نحن اليوم نحلم بسينما جديدة و هي سينما المخرج الكاتب الذي يتوق الى اضافة الابعاد الادبية والمعرفية والفنية الرفيعة الى التقنيات السينمائية.
باريس- خريف 2006