المسألة الجنسية في الأفلام المغربية

إدريس الجعيدي

علاقة الفيلم المغربي بالجنس:

أضن أن تعامل الفيلم المغربي مع المسألة الجنسية ليس بالغريب أو المنفرد. فعلى غرار السينمات الأخرى، حاولت الأفلام المغربية مقاربات الظواهر الاجتماعية من شتى الزوايا، دون إغفال العنصر الجنسي الذي أصبح يفرض نفسه أكثر مما مضى لأنه ليس بمعزل عن العناصر الأخرى المتجلية في العلاقات الإنسانية بشكل عام والارتباطات التي تطبع علاقة الرجل بالمرأة.

وقد يفسر البعض غياب هذا العنصر في السبعينيات بحكم الظروف الاجتماعية (الأكثر انفتاحا جنسيا) والانصراف إلى القضايا السياسية التي كانت تطغى على الساحة. فبعد فترة التجربة النضالية والمقاربة الذاتية للأمور، حاول المخرجون السينمائيون المغاربة الاقتراب أكثر من القضايا الاجتماعية والالتصاق بالواقع المعيش.

هناك أمران ظلا مسكوتا عنها في السينما المغربية لمدة كبيرة وهما الجنس والسياسة، لقد عانت السينما المغربية في السبعينيات من قهر الرقابة السياسية مما جعلها تغير اتجاهاتها وتتطرق إلى مواضيع قد نصنفها في خانة الأطروحة الاجتماعية خصوصا مع بداية الثمانينيات. وقد شكلت مسألة المحرمات في الفيلم المغربي أحد المواضيع المهمة انطلاقا من التعامل مع جسد المرأة في السينما المغربية، والذي ظل مغيبا لسنوات عدة في الانتاجات المغربية نظرا لضغط التقاليد من جهة، وموقف الرقابة من جهة أخرى.

كان لشريط "حب في الدار البيضاء" لعبد القادر لقطع (1991)، الدور المحرر في زعزعة بعض المفاهيم ومساءلة الارتباطات الاجتماعية من خلال العلاقات الجنسية عبر منظور جد مختلف يرجع بالأساس إلى التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي.

أسباب التعامل المحتشم لدى بعض السينمائيين:

عموما يمكن القول بأن هناك صنفان من المخرجين المغاربة من حيث تناولهم للجنس:

-الأول، قارب المسألة بشكل مباشر: عبد القادر لقطع (حب في الدار البيضاء - الباب المسدود)، مصطفى الدرقاوي (الدار البيضاء باي نايت)، محمد أبو الوقار (حادة)، فاطمة الجبلي الوزاني (في بيت أبي)، نبيل عيوش (مكتوب - لحظة الظلام)، أحمد بولان (علي، ربيعة والآخرون)، نرجس النجار (العيون الجافة) وأخيرا ليلى المراكشي (مروك).

-الثاني، تطرق إلى الموضوع بشكل محادي: مومن السميحي (قفطان الحب)، الجيلالي فرحاتي (عرائس من قصب - أطفال الشاطئ الضائعين - ضفائر)، فريدة بنليزيد (كيد النسا)، حكيم نوري (عبروا في صمت - فيها الملح…) وحسن بنجلون (شفاه الصمت).

وقد يمكن تفسير انعدام التعامل مع المسألة الجنسية بعدة أسباب نذكر منها:

- الانشغال بمواضيع ذات طابع آني مرتبط بالتحولات السياسية والاجتماعية.

- حضور رقابة صارمة في السبعينيات على الخصوص (سياسية، فكرية، مالية).

- استبطان هذه الرقابة من طرف العديد من الخرجين فاتخذت طابع الرقابة الذاتية التي ارتبطت بالتمويل الممنوح من طرف المؤسسة الوصية (المركز السينمائي المغربي) عبر صندوق الدعم خلال الثمانينيات.

- الحيز الضيق للحريات والهجمات المسترسلة التي تشنها بين الفينة والأخرى فئات شبه المثقفين وبعض الأصوليين الذين يشهرون سيف الرقابة وخنجر المقاطعة باسم الدين والأخلاق وأشياء أخرى.

في تفسير هذه الحملات:

لقد جاءت هذه الحملات إما من طرف أشخاص معينين مندفعين بشكل عصبي وأعمى، منتقدين اعتمادا على بعض الأسس الأخلاقية البدائية والتحليلات الابتدائية أو من طرف تنظيمات لا حول ولا قوة لها في فهم خصوصية التعبير السينمائي وارتباطه بالتغيرات السوسيو اجتماعية... من هنا نطرح السؤال التالي: هل عكس التعامل مع الجنس سينمائيا ما يعيشه المجتمع؟

إن الفيلم لا يهدف بالأساس إلى عكس الواقع أو معالجة المشاكل الاجتماعية وطرح البدائل والحلول، بقدر ما هو مطالب بطرح القضايا والوضعيات المختلفة لارتباطها المعقد بمجالات أخرى يلتقي فيها الاجتماعي بالسياسي والاقتصادي والثقافي. فالهدف إذن هو إثارة الأسئلة والتساؤلات واستفهام المشاهد للدفع به إلى التعامل مع المعطيات المركبة بشكل ذكي، والتفكير والمشاركة الفاعلة وتحديد موقفه إزاء وضعيات خاصة معروضة أمامه للبث فيها لأن الهاجس الحاضر والمغيب فكريا، له ارتباط وثيق وتدخلات مباشرة مع المكونات الأساسية للمجتمع المغربي المحكم أصلا بالطابع السلطوي على عدة مستويات، وله علاقة بالموروث الثقافي العربي الإسلامي وكذا التداخل السوسيو ثقافي من خلال التدفق الحضاري للمجتمعات المحيطة التي تساهم في تخلخل مفاهيم الإنسان المغربي.

فيبقى دور الفيلم بالأساس تحسيسيا، بعيدا عن ثقافة الوعض والإرشاد. فهو منتوج لا ينبغي الإجابة عن الأسئلة المتدفقة بقدر ما يحاول طرحها من عدة زوايا، خصوصا عبر التصورات المتعددة لأصحابها، والتي تذهب في بعض الأحيان إلى حد الاستفزاز وقد تختلف هذه التصورات باختلاف موقف منتجي الخطابات السينمائية المتأثرة بثقافتهم واهتماماتهم انطلاقا من موقعهم الاجتماعي.

إقحام الجنس في الأفلام:

يعتبر الجنس أحد مقومات الحياة، بل إنه الغريزة الأساسية، غريزة البقاء والحفاظ على النوع (البشري). فالجنس كما يقول عبد القادر لقطع «تجربة تبنى مستقبل الشخص… والعلاقات الجنسية تبقى من الأمور المسكوت عنها… وأنا كمخرج سينمائي يشدني هذا المسكوت عنه… وأرفض بالمقابل هذه الرقابة التي تمارسها التلفزة عن بعض الأفلام حيث سياسة قص المشاهد. القبلة والتعرية أمور مطروحة في محيطنا الاجتماعي وأنا أحاول محاورة هذه التصرفات والعقليات المتزمتة التي تتعامل معها» (الصباح، 28-10-1995).

هناك مخرجون يدخلون الجنس في سياق الدراما طالما يتطلب العمل الفني ذلك، ولكن في حدود. فتوظيف العري في الشريط المغربي موجود ولكن يتوارى خلف استعمال غير وظيفي بالمفهوم الإبداعي، وهذا الأمر يخلق نوعا من الالتباس. فبعيدا عن استعراض العري في شكله الفني يلجأ بعض سينمائيينا إلى عرض بعض النماذج المبتذلة لاستقطاب العديد من المشاهدين المتلصصين (Voyeuristes). إن الغرض ليس هو رؤية أجساد عارية بل الهدف هو طرح العلاقة الشائكة التي تجمع العين المشاهدة المغربية بالجسد العاري المغربي. فالعري محلي يرتبط بالعقيدة واللاشعور الجماعي. وما يطبع مسار الإنتاجات السينمائية المغربية هي أنها وليدة الصراع بين الاقتصادي والأخلاقي بحيث أصبحت بعض الإنتاجات الأخيرة تصب في الاتجاه التسويقي المحض، وذلك باستغلال الجسد النسائي من خلال الأسلوب الاستعراضي محاولة تقليد بعض النماذج الغربية التي تستأثر باهتمام المتفرج المغربي. ويمكن تفسير ذلك في أن هذا التعامل الجديد يقترن بهامش من الحرية في معالجة قضية المرأة مقارنة مع السنوات الماضية. ويرجع ذلك للتطور الذي عرفه المغرب من خلال الانفتاح على الانتاجات الدولية المعروضة في القاعات أو عبر القنوات التلفزية. فالصور الجريئة (عري جزئي)، الحضور للجسد (ذكر وأنثى)، التقبيل أو ممارسة الجنس المفترض حدوثه بحسب ما توحي به اللقطة...) تندرج في سيرورة الحكي الدرامي وقبول كل هذه الأشياء من لدن المتفرج المغربي تدل على الإقبال الجماهيري ضمن العروض التجارية لـ «الدار البيضاء باي نايت». ولعل أحسن دليل على ذلك هو الإقبال الجماهيري لشريط "مروك" الذي تصدر القائمة الأولى للأفلام التي تتبعها خلال سنة 2006 ما يزيد عن 127.000 متفرج، ناهيك عن النجاح الذي لقيه عبر إقبال المستهلكين للأقراص المدمجة المقرصنة والتي راجت عبر التراب المغربي.