الفكر العربي ... من خلال المرآة المهشمة
محمد عابد الجابري
عندما نتأمل المشهد الثقافي العربي المعاصر -الذي يرجع تشكله إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر- من خلال ما يرتسم أمامنا في "المرآة المهشمة" التي تعكسه، نجد أن ثمة عددا من المفارقات تنتظم علاقته بالفكر الأوروبي الحديث والمعاصر، يهمنا منها هنا المفارقات التالية:
- من هذه المفارقات واحدة تخص المستوى الذي نعبر عنه بـ"علاقة الفكر بالواقع". ذلك أن الفكر بصفة عامة، والفكر الأوربي الحديث والمعاصر بكيفية خاصة، هو فكر مجتمعات ذات خصائص مميزة، أهمها أنها في الجملة مجتمعات عملت الثورة الصناعية فيها على تغليب دور المدينة على الأرياف. فبدلا من الفلاحين الأقنان –أشباه العبيد- الذين يعملون في مزارع الإٌقطاعيين، ويشكلون فيها "اليد العاملة" في المجتمع ككل، قامت مكانها "الطبقة العاملة" في المدن، التي صارت تشكل "اليد العاملة" مكان "الفلاحين الأقنان"، تماما كما حل أرباب المصانع في المدن محل أرباب المزارع في الأرياف. وهذا التحول أدى إلى ظهور أفكار وتصورات وطموحات وبالتالي مطالب في المجتمع الجديد – الذي صار مجتمع مدن- لم تكن من المفكر فيه في المجتمع القديم، مجتمع الأرياف.
وموضوع المفارقة هو أن هذا التحول على مستوى الأفكار والتصورات والمطالب الذي عرفته أوروبا في القرن السابع عشر والذي اتسع وتعمق في القرنين التاليين، لم تجد طريقها إلى العالم العربي إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر، أي في وقت لم يكن فيه المجتمع العربي، سواء في هذا القطر أو ذاك، مهيأ للتجاوب معها من قاعدته، ولا قادر على إعطائها الفرصة لتنغرس في جسم المجتمع ككل. ذلك أن المجتمعات العربية لم تكن قد عرفت ذلك التحول الذي كان من وراء ظهور تلك الأفكار والتصورات والمطالب في أوربا. لم يكن المجتمع العربي قد تحول من المجتمع الإقطاعي إلى الصناعي فالرأسمالي، لا، بل لم يكن قد مر من مرحلة المجتمع الإقطاعي على النمط الأوروبي الذي كان له الدور الكبير في تذويب مجتمع القبيلة والطائفة، بل بقي المجتمع العربي محافظا على كل ما عرفه تاريخه من أطر اجتماعية، من القبيلة والطائفة، و"العامة" و"الخاصة"، إلى "النخبة العصرية" التي أفرزها الاحتكاك مع الغرب الأوربي، الاحتكاك الذي لم يكن ينفصل مضمونه العام عن التوسع الاستعماري بكل مضامينه وآفاقه.
ولا حاجة بنا هنا إلى استعراض التفاصيل، سواء منها التي عرفها المجتمع الأوربي أو التي اختص بها المجتمع العربي –ونحن نتحدث عن كل منهما هنا كـ "مفرد"- لأن ما يهمنا هنا هو عموم الظاهرة وبالتحديد طابعها الإشكالي وهو ذو بعدين:
- البعد الأول يمكن التعبير عنه بالسؤال التالي: إلى أي مدى يمكن غرس أفكار وتصورات ومطالب منقولة من مجتمعات عرفت تطورات خاصة معينة، إلى مجتمعات لم تعرف ما يوازن تلك التطورات؟ نحن هنا نتحدث على مستوى النقل فقط: كيف يمكن إفهام الراعي أو القن أو عضو القبيلة أو الطائفة أو "المَتْعَلَّمْ" في دكان "المْعَلَّمْ" أن هناك مشكلة يعاني منها هو هي أساس بؤسه، وأن هذه المشكلة تتلخص في كلمة واحدة هي "الاستغلال" (ولا نحتاج إلى إضافة : "الطبقي" أو ما في معناه)؟ هذا إذا استجاب لما نعنيه بـ"بؤسه"، إذ الغالب أنه يشعر بالسعادة التامة إذا أحس أن سيده أو مشغله، أو رئيسه على مستوى القبيلة أو الطائفة، راض عنه!
- أما البعد الثاني فيتعلق بمشكلة الفارق الزمني: ومن أجل تقريبها إلى الأذهان بأيسر طريق أستعين بواقعة مرت أمامي، لا أقول إنها أيقظتني من غفلتي عن هذا الأمر، فقد كنت أعيه وعيا فكريا تاما منذ زمان، ولكنها جعلتني أدركها إدراكا ملموسا ... كان ابني الصغير في شجار مع أخيه الأكبر منه، لا أذكر موضوعه ولا تفاصيله، ولكنني أذكر جيدا أنني سمعت، في ختام شجارهما، ابني الصغير (حوالي أربع سنوات) يقول لأخيه (الذي يكبره بعشرة عوام): "اسمع، يوم أكبر وأصبح مثلك (مساويا لك في العمر) سأنتقم منك). وما أثار انتباهي واستغرابي هو أن الابن الصغير كان يعتقد أنه سيكبر ويزداد عمره سنوات وأنه سيلتحق بأخيه، وكأن هذا الأخير سيبقى جامدا في عمره الراهن آنذاك. وما يعني هذا المثل بالنسبة لي هنا هو أن تاريخ علاقتنا بالفكر الأوربي في العصر الحديث تحكمه هذه المفارقة: إن أية فكرة جديدة تظهر في الغرب تنتقل إلينا أو ننقلها نحن -ففضلا عن كونها لا تجد ما يحملها اجتماعيا- فإنها ما إن تبدأ أصداؤها تتردد في فكرنا وبالتالي في تصوراتنا ومطالبنا حتى تكون قد تجوزت في مسقط رأسها أو في طريقها إلى أن تصبح متجاوزة. وهذه أمثلة:
- عندما كانت أفكار عصر الأنوار تجد طريقها إلى بعض الأقطار العربية التي كانت مهيأة بصورة ما لتتردد لها فيها بعض الأصداء، وكان ذلك في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كانت تلك الأفكار –أفكار عصر الأنوار- قد فقدت "أنوارها" وأصبحت تنعت بـ "الإيديولوجية البرجوازية"، بمعنى الفكر الذي يخدم مصالح ألأغنياء، أصحاب رأس المال. وهكذا حلت محلها أفكار أخرى هي الفكر اليساري على العموم، الذي شكلت الماركسية بصورة أو أخرى عموده الفقري.
- وهكذا لم تبدأ أفكار عصر الأنوار التي تسربت، أو على الأصح كانت تُسرَّبُ، إلى المجتمع العربي تلتمس لها حيزا من الوجود على مستوى الفكر العربي، وبنسبة أقل كثيرا في على مستوى حاملها في المجتمع، حتى لحقت بها أفكار "اليسار" الماركسي في الغالب، تزاحمها وتحاربها وتتخذ منها العدو الذي يجب أن يهزم أولا قبل غيره. وهكذا أحذت الأحزاب الشيوعية في الظهور في بعض الأقطار العربية، بعضها تابع لأحزاب شيوعية في أوروبا وبعضها نابت في صفوف الأقليات العرقية لشعور هذه الأقليات بالتهميش وهضم الحقوق الخ... لكن الشيء الذي كان يجري في أوربا بعد "تحريف" لينين لجوهر الماركسية بمناداته بإمكان قيام الاشتراكية في بلد واحد، هو روسيا، دون الأخذ بعين الاعتبار تخلفها الصناعي –النسبي ولكن الواسع- عن ألمانيا التي كان ماركس وإنجلز يريان أنها المهيأة لقيادة قافلة التحول الاشتراكي نظرا لتقدمها الصناعي المتفوق، أقول إن ما كان يجري في أوربا -عندما أخذ الفكر الماركسي اللينيني يجد له حيزا ما في الفكر العربي خاصة بعد الحرب العالمية الثانية- هو قيام كثير من المفكرين الأوربيين اليساريين برفع شعار: "الماركسية في حاجة إلى ماكس جديد"! نعم كانت "المركسية في حاجة إلى ماركس جديد" في الوقت الذي كان فيه من سبقت شيوعيتُهم ماركسيتَهم، في العالم العربي، يتكلمون "ماركسية غير ماركسية" متمسكين باستالينية امبراطورية.
واليوم بعد قيام العولمة، أعني جانبها الإيديولوجي الإمبراطوري الذي يقوم على "الفوضى الخلاقة" التي تعني تكسير الأطر الاجتماعية التي تقوم على فكرة الوطن والحزب وفسح المجال لانبعاث نقيضيهما أعني القبيلة والطائفة، اليوم يسود العالم العربي، صنفان من الألقاب لما كان يدعى من قبل بـ "الإنسان العربي" : صنف يدعو نفسه بـ"الإنسان المواطن" وصنف يسمي نفسه ويسميه خصومه "الإنسان الإسلامي"!
تلك بعض الصور المتموجة المتداخلة التي تقدمها المرآة المهشمة عن مشهد الثقافة العربية في الوقت الراهن.