لا إكراه في الدين ...
محمد عابد الجابري
ذكر البابا في خطابه أن حوار الإمبراطور البيزنطي مع العالم
الفارسي (المقال السابق) تناول "صورة الله" و"صورة الإنسان" في كل من الإنجيل
والقرآن، وأنه تعرض لما سماه "نواميس الحياة" الثلاثة (=الشرائع)، اليهودية
والإنجيلية والقرآنية، كما أشار إلى أن الإمبراطور البيزنطي كان يعرف حكم القرآن في
معاملة أهل الكتاب (ومن دون شك فالبابا يعرف ذلك أيضا)، ولكن البابا أقصى جميع هذه
المسائل من حقل تفكيره، ليقتصر كما قال على مسألة واحدة قال عنها إنها أهم بالنسبة
لموضوعه وأنه سيتخذ منها نقطة انطلاق لتحليلاته.
هذه المسألة هي ادعاء الإمبراطور، وبالتالي البابا، أن رسول
الإسلام : "أمر باستعمال السيف لنشر العقيدة التي جاء بها". وفي هذه المسألة بالذات
عمد البابا –وليس الإمبراطور هذه المرة- إلى استبعاد قوله تعالى: "لا إكراه في
الدين" (البقرة 256)، بدعوى أن "ذوي الاختصاص" قالوا إنها نزلت في وقت لم يكن رسول
الإسلام قد تحول إلى صاحب سلطة (رئيس جماعة أو دولة) وإنما كان يعيش تحت تهديد قومه
قريش. استبعد البابا آية "لا إكراه في الدين" ليبقي على ادعاء الإمبراطور البيزنطي
أن رسول الإسلام : "أمر باستعمال السيف لنشر العقيدة التي جاء بها"، حتى يجعل من
هذا الإدعاء منبرا يقدم منه الدروس للمسلمين مركزا على عبارة الإمبراطور التي قال
فيها: "العنف يتنافى مع طبيعة الله ومع طبيعة الروح ... وأن عدم اعتماد الإنسان على
العقل في أفعاله شيء يتنافى مع طبيعة الله"، وهي العبارة التي قال عنها البابا إنها
القول الفصل في موضوع استعمال العنف في نشر الدعوة الدينية.
يمكن تلخيص ما تقدم في نقطتين:
- الأولى هي أن آية "لا إكراه في الدين" نزلت قبل أن يملك
الرسول وسائل القوة التي تمكنه من حمل الناس على الإسلام بالإكراه. وأنه لما
امتلكها أمر بالجهاد، وهو حسب فهم البابا قرين استعمال السيف في نشر الدعوة.
- أما النقطة الثانية فهي أن البابا ينصح المسلمين بأن يتخلوا
عن العنف وهو عنده قرين الجهاد، وأن يحتكموا إلى العقل، لأن "العنف مخالف لطبيعة
الله" كما قال. سنرجئ الكلام في هذه المسألة إلى المقال القادم، لنركز هنا على آية
"لا إكراه في الدين".
الآية كما هو معلوم من سورة البقرة (رقمها 256). وحسب جميع
المفسرين فإن سورة البقرة نزلت بالمدينة والرسول على رأس الدولة التي أسسها هناك
بعد هجرته إليها، فالآية مدنية وليست مكية كما يفهم من كلام من سماهم البابا بـ"ذوي
الاختصاص". وإذا كان ليس من السهل تعيين تاريخ نزولها بالضبط -فسورة البقرة نزلت
بالمدينة في مدد مختلفة على مدى نحو ست سنوات- فإنه يستفاد من بعض الروايات التي
تحدثت عن أسباب نزول هذه الآية أن لها علاقة بجلاء بني النضير الذي حدث في السنة
الرابعة للهجرة والرسول يومئذ على رأس دولة تزداد قوة واتساعا. ومن المفسرين من
يقول إن هذه الآية نزلت بعد فتح مكة.
أما مناسبة نزول هذه الآية فقد وردت فيها روايات متعددة تدور
كلها حول محور واحد وهو أن شخصا (رجل وقيل امرأة) أراد أن يجبر أولاده على الإسلام
فاستشار الرسول عليه السلام فنزلت الآية وهي تمنع استعمال العنف لإجبارهم على
الإسلام (انظر عددا من الروايات في تفسير الطبري).
وقد ذكر القرطبي في تفسيره رواية تفيد أن عمر بن الخطاب قال
لعجوز نصرانية: "أسلمِي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمداً بالحق. قالت: أنا
عجوز كبيرة والموت إليّ قريب، فقال عمر: اللهم ٱشهد، وتلا «لاَ إكْرَاهَ في
الدِّينِ. وذكر الزمخشري في تفسير هذه الآية، وهو من المعتزلة المعروفين باعتماد
العقل، أن معنى قوله تعالى "لا إكراه في الدين" : أي لم يُجر الله أمرَ الإيمان على
الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار، واستشهد بقوله تعالى في آية أخرى:
"وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ من في ٱلاْرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنتَ
تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ"، أي لو شاء لقسرهم على الإيمان
ولكنه لم يفعل، وبنى الأمر على الاختيار.
وأوضح من ذلك ما ذكره الرازي فيلسوف الأشاعرة في تفسيره الكبير
نقلا عن "أبي مسلم والقفال، وهو أليق بأصول المعتزلة –كما قال- أن معنى الآية: "أنه
تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكن والاختيار، ثم
احتج القفال على أن هذا هو المراد بأنه تعالى لما بيّن دلائل التوحيد بياناً شافياً
قاطعاً للعذر، قال بعد ذلك: إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في
الإقامة على الكفر إلا أن يُقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك مما لا يجوز في دار
الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء
والامتحان". وأضاف: ونظير هذا قوله تعالى: "فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء
فَلْيَكْفُرْ (الكهف: 29) وقال في سورة أخرى "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى
ٱلاْرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ
مُؤْمِنِينَ " (الشعراء: 3، 4) وقال في سورة الشعراء "لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ
(معذبها) أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ، إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ
ٱلسَّمَاء ءايَةً (دلالة معجزة) فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا، خَـٰضِعِينَ". ثم
أضاف: "ومما يؤكد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية (يعنى لا إكراه في الدين)
"قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ": يعني ظهرت الدلائل، ووضحت البينات، ولم
يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف"
(باعتبار أن تكليف الله الناس بالعبادات مثلا يقتضي حرية المكلف).
هذا باختصار رأي المفسرين في قوله تعالى: "لا إكراه في الدين". وهناك من قال إنها
آية نسخت بآية السيف. ومسألة الناسخ والمنسوخ من المسائل المختلف فيه، وقد خلط معظم
القائلين بالنسخ بين معنى النسخ وما هو من قبيل الخصوص والعموم والمطلق والمقيد
والمجمل والمبين والمحكم والمتشابه الخ، فإذا استعملنا هذه المفاهيم المنطقية ضاق
مجال النسخ إلى الصفر أو ما يقرب منه. وهذا موضوع سنتناوله بتفصيل في مكان آخر.
هذا باختصار عن قوله تعالى : "لا إكراه في الدين".
ومما تقدم يتبين أن دعوى "ذوي الاختصاص" الذين استند البابا
عليهم في القول بأن هذه الآية نزلت في وقت كان النبي محمد عليه السلام في وضعية
الضعيف المهدد، دعوى باطلة. إن ذوي الاختصاص في الإسلام يرَوْن أن القرآن يشرح بعضه
بعضا، ما نزل منه في مكة وما نزل بالمدينة، وأن المبادئ العامة تعطيها الآيات
المحكمات وهي التي لا تناقض فيها ولا لبس. أما المتشابهات فهي تتباين ألفاظها أو
أحكامها حسب الظروف. والتمييز بين المحكم والمتشابه متروك للعقل. قال تعالى: "هُوَ
الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ
تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ
إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ" (آل عمران7). ومن يدري فقد يكون "ذوو الاختصاص"،
الذين اعتمد البابا على فهمهم، من "الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ". أما آية
"ٍلَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" فهي في نظر المسلمين آية محكمة لا اشتباه فيها ولا
التباس، ولا تحتمل تأويلا آخر. دليل ذلك قوله تعالى بعدها مباشرة: "قَدْ تَبَيَّنَ
الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"، بمعنى أن الأمر واضح لا أثر للبس فيه.
يبق بعد ذلك معنى الجهاد وآيات القتال.