الإسلام والبترول:
2- "الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء"
ومع ذلك فلكل مقام مقال..!
محمد عابد الجابري
العلاقة بين الإسلام والبترول علاقة متغيرة. هي من العلاقات التي تُتَبادل فيها المواقع حسب الظروف، لا بل حسب مصلحة الطرف الذي يشكل البترول عنده الحاجة الأولى إن لم نقل شرط الوجود. ولكي يقدر المرء أهمية البترول للحضارة الغربية المعاصرة يكفي أن يستعيد في ذاكرته مساء يوم انقطع فيه التيار الكهربائي عن منزله لعطب تقني استمر الليل كله. إن حياة الواحد منا، نحن الذين نعيش على هامش الحضارة الأوربية، ستضطرب اضطرابا يجعل من الحياة في تلك الليلة "جحيما لا يطاق": لا ضوء، ولا تلفزة، ولا مكيف، ولا.. ولا.. أضف إلى ذلك الخوف من اللصوص وما شاكل الخ. ومعلوم أننا ندين في وجودها الكهرباء للبترول (وما في معناه). وإذا حدث هذا النوع من الانقطاع في الكهرباء نتيجة فقدان البترول على صعيد البلد كله، على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها من الدول الغربية، فعلينا أن نتوقع جمود الطائرات والصواريخ والدبابات والمعامل والمستشفيات والمختبرات وأجهزة الكومبيوتر الخ، الخ. إنها الحضارة الغربية المعاصرة التي ستصاب بالشلل التام.
ومن المفارقات الأساسية في هذه الحضارة أن عنصر القوة فيها هو نفسه عنصر الضعف! الحضارة الغربية المعاصرة قامت على الفحم الحجري ابتداء، ثم ما لبثت أن قفزت قفزة هائلة باعتماد البترول حتى صارت مرهونة به. ويبدو أنها ستعتمده بنفس الدرجة أو بدرجة أكبر في المستقبل المنظور على الأقل، أما تعويضه بالطاقة النووية أو بالطاقة الشمسية وما أشبه فاحتمال بعيد، ويزداد بعدا خصوصا بعد حادثة تشرنوبيل.
الحضارة الغربية تتوقف على البترول. هذا ما لا جدال فيه. وإذن فالغرب يمكن أن يستعمل جميع الوسائل إذا هو شعر بأن تصدير البترول إليه سيتعرض للتوقف أو لخطر ما. وبما أن دول الخليج العربي/الفارسي، أعني العراق وإيران والسعودية ومعها الدول والإمارات الخليجية كلها، تمد الحضارة الغربية بكميات هائلة من البترول لا يمكن الاستغناء عنها، في المستقبل المنظور على الأقل، فإنها ستبقى تحت رقابة الغرب الدقيقة، وبجميع الوسائل. إن أهل الحضارة الغربية المعاصرة، سواء في القارة الأمريكية أو في أوروبا واليابان، سيعتبرون ضمان استمرار تدفق البترول إليهم أمرا حيويا وضروريا، لا بل شرطا لاستمرار وجودهم كما هو، وكما يريدونه أن يبقى!
أما أصحاب البترول من أهل الخليج بضفتيه، العربية والفارسية، فحاجتهم إلى البترول غير! هم في حاجة إلى تصديره ولكن لا من أجل الحفاظ على حضاراتهم هم، بل من أجل استيراد جوانب ومظاهر من الحضارة الغربية، لا تتوقف عليها حياة جميع السكان. ذلك أن قسما كبيرا من سكان هذه البلدان لم تدخل بعد تلك المظاهر كجزء من كيانهم المادي والنفسي، بمعنى أنهم يحيون في استقلال شبه تام عن البترول ومشتقاته وما يستخدم من أجله، أو على الأقل لا تتوقف حياتهم عليه. ومن الممكن جدا أن يتصور المرء عودة "جميع" سكان هذه المنطقة إلى حياة ما قبل البترول، بينما لا يمكن ذلك إطلاقا لسكان أوربا وأمريكا الشمالية!
ويتساءل القارئ : وما علاقة هذه البديهيات بموضوعنا: "الإسلام والبترول"؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال دعوني أحكي هذه الطرفة، فهي تنقلنا من جفاف البديهيات إلى مرح النكتة! في زيارة لي للمملكة العربية السعودية قبل عقد من السنين جرى حديث ودي مفتوح –دردشة- بيني وبين صديق من أهل البلد. قلت له في سياق لا أتذكره: ... وأنتم تصدرون البترول! تبسم ابتساما قريبا من الضحك قائلا: "نحن مهمتنا التصدير! قديما جاءنا الإسلام فصدرناه، واليوم عندنا بترول فنحن نصدره"!
ومع أن هذه الطرفة هي من تلك الطرف الكثيرة التي يكتفي منها الناس عادة بما تشيعه من جو "النكتة"، فقد يكتشف فيها هاوي "البحث فيما وراء السطور" معنى جديدا يلتقطه بتوظيف ما ذكرناه أعلاه مما وصفناه بالبديهيات.
والواقع أن ما عبر عنه صاحبي بـ "تصدير الإسلام" له اسم آخر عند المؤرخين والمحللين الذي ينظرون إلى الإسلام لا كـ "مادة تصدر" بل كـ "دعوة تنشر"، كـ "تعبئة"، كـ فتوحات" الخ. ومن هذه الزاوية يجب أن ننظر إلى العلاقة بين الإسلام والبترول، وهي علاقة توظيف: توظيف الإسلام من أجل البترول أو ضده، وتوظيف البترول من أجل الإسلام أو ضده. والقائمون بهذا النوع من التوظيف أو ذاك أطراف ثلاثة: الغرب الذي هو في حاجة إلى البترول، وأصحاب البترول الذين هم في حاجة إلى الإسلام. والطرف ثالث محتمل جدا ولكنه ما زال في حالة كمون. إنه "الإسلام" الذي يعتبره المحللون الاستراتيجيون في الولايات المتحدة "عدو الغد"! لكونه "سيوقف ضخ البترول" إلى الغرب بوسيلة من الوسائل!
لنقل كلمة عن هذه الأطراف الثلاثة:
1- يمكن إرجاع تاريخ العلاقة بين البترول والإسلام إلى أوائل الخمسينات من القرن الماضي حينما عمد الدكتور مصدق رئيس الحكومة الإيرانية الوطني إلى تأميم البترول. ولما لم يستطع الشاه إيقاف هذا الاتجاه الوطني الذي كان يجد التأييد من الشعب الإيراني وقواه الحية، والذي امتدت أصداءه، بل مفعوله، إلى مناطق أخرى من العالم الرازح يومذاك تحت الاستعمار، لجأ الغرب ومعه الشاه إلى اتهام مصدق والاتجاه الوطني كله بـ "الشيوعية"، وبالتالي إلى تجنيد الهياكل الإسلامية في إيران، التي كان على رأسها يومذاك آية الله القاشاني، من أجل الإطاحة بمصدق وحكومته ومحاربة التيار الوطني. وقد نجح الغرب في ذلك. وهكذا وظف الغرب وعملاؤه الإسلام من أجل الحفاظ على بترول إيران ...
2- بعد ذلك مباشرة بدأت تظهر على الساحة العربية، بعد الثورة المصرية، شعارات من نوع : "بترول العرب للعرب". كان هذا الشعار يعني ما كانت تعنيه محاولة الدكتور مصدق تأميم البترول في إيران. "بترول العرب للعرب" معناه وضع حد لاحتكار الشركات الأجنبية التي تهيمن عليه وتستغله. و"بترول العرب" المقصود في ذلك الشعار هو ذلك المستخرج من أراضي المملكة العربية السعودية والذي تتحكم فيه الشركات الغربية، والأمريكية خاصة. أما غيره فلم يكن له وزن بعد. ومع أنه كان من الممكن لهذا الشعار أن يعمر وقتا أطول في العربية السعودية لكون توظيف الإسلام ضده لم يكن بمثل السهولة التي كان عليها الأمر في إيران، إذ سيكتسي هذا التوظيف في السعودية مظهرا آخر قوامه توظيف مذهب الدولة الديني ضد الدولة نفسها (الدين والدولة في إيران كانا منفصلين بينما كانا متصلين في السعودية)، أقول : مع أنه كان من الممكن أن يجد شعار "بترول العرب للعرب" آذانا صاغية تفهم منه "بترول السعوديين للسعوديين" بالدرجة الأولى، فإن المزايدات على صعيد الشعارات، بين بعض التيارات القومية في الشام خاصة، قد أدخلت تعديلا جوهريا على ذلك الشعار الوطني القومي فجعلته كما يلي: "بترول العرب لكل العرب".
كان من الطبيعي أن يقلب هذا الشعار الأخير الوضع رأسا على عقب. لقد فهم منه أصحاب الشأن في السعودية أن الهدف لم يعد استعادة عرب السعودية حقهم في امتلاك بترولهم من الشركات الأجنبية، وإنما الهدف هو إشراك جميع العرب (بقيادة الاتجاه القومي) في ذلك البترول. ولما كان هذا الاتجاه القومي حامل هذا الشعار علمانيا ويساريا ومادا يده بصورة أو أخرى نحو الاتحاد السوفيتي، من جهة، ولما كانت السعودية، بالعكس من ذلك، محافظة و"حافظة" أو مسئولة على الحفاظ على الأماكن الإسلامية المقدسة، فقد كان من الطبيعي أن تبرز عنصر الإسلام في هويتها وتتمسك به وحده إلى الدرجة التي أصبح معها العرب الذين هم فعلا من أصل عربي أقل حماسا للعروبة وأكثر ارتباطا بالإسلام بوصفه الدين الذي "يجُبُّ ما قبله: كان العرب عربا، ولكن لما ظهر الإسلام أصبحوا مسلمين، لا غير –ربما!
ولا حاجة إلى تفصيل القول في موضوع العلاقة بين الإسلام والبترول في هذه الحالة. لنقتصر على إبراز المعطيات التالية: إن "الدعوة الإسلامية" ستحمي البترول من "الدعوة القومية". وسيقوم البترول بدوره بخدمة "الدعوة الإسلامية"، ليس في السعودية وحسب بل في العالم الإسلامي كله. وسيتحالف البترول والإسلام معا ضد الشيوعية وضد القومية الحاملة للواء الاشتراكية. ووفاقا مع مبدأ "عدو عدوي صديقي" سيقوم تحالف تلقائي أو مخطط له –لا فرق- بين الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة عدو الشيوعية بالأصالة، وبين كل من هو خصم للشيوعية والقومية "الاشتراكية" باسم الإسلام، لا فرق في ذلك بين الدول والحركات السياسية، حتى ولو كانت هذه الحركات غير منضوية تحت لواء هذه الدول. وغني عن البيان القول إن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة هو، في هذه الحالة، "صديق" –و"صديق جدا"- للإسلام وأهله.
3- غير أن صداقة المصلحة لا تدوم، فهي تزول بزوال المصلحة. إن الصداقة الناتجة عن عداوة "الصديق" للعدو تتبخر عندما لا يبقى لهذه العداوة معنى. ذلك هو التحول الأساسي الذي طرأ على علاقة الإسلام بالبترول بعد انهيار الشيوعية. كان الإسلام ضروريا للبترول يوم كانت الشيوعية تهدد البترول سواء على مستوى البلد المستخرج منه بقلب الأوضاع فيه، أو على مستوى العلاقات الدولية في ظل الحرب الباردة. أما وقد أصبحت الشيوعية في خبر كان وخلا العالم كله لأمريكا فما الحاجة إلى "الإسلام" الذي أقام أهله الدليل مرتين على أنهم لا يترددون في توظيف البترول لصالحهم؟،مرة في السعودية زمن المرحوم الملك فيصل ومرة في إيران التي لم تتردد الثورة الإسلامية فيها في الهتاف ضد أمريكا بوصفها "الشيطان الأكبر"!
ويأتي يوم 11 سبتمبر 2001 ليقيم الدليل على أن "الجهاد الإسلامي" المتحالف مع أمريكا في أفغانستان ضد الشيوعية يمكن أن ينقلب إلى "جهاد إسلامي" ضد أمريكا نفسها. إن معادلة "عدو عدوي صديقي"، الثلاثية الأطراف، تتحول بالضرورة إلى معادلة ثنائية الأطراف بانسحاب الطرف الثالث. تتحول من : أ+ب= ج، إلى أ+ب = 0(صفر)! الشيء الذي يعني أن : أ=-ب، أو ب=-أ! أي : عدوي= عدوي.
لقد كان يمكن أن تتحول الصداقة التي تقوم على الاشتراك في العدو إلى صداقة تقوم على الاشتراك في المصالح لو أن الولايات المتحدة أشركت "الجهاد الإسلامي" في "غنائم الفتح"، فزودت أفغانستان بما هي في حاجة إليه من وسائل النمو والتقدم، أو أنها تعاملت مع ابن لادن كحليف يستحق ما يرى نفسه مستحقا له من سلطة ونفوذ الخ. غير أن ما وقع بعد هزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان هو نفس ما حصل بعد هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.
الاستعمار هو الاستعمار، والغرب لم يتحرر بعد من النزعة الاستعمارية!
كان الجنود المغاربيون (الذين جندتهم فرنسا من الجزائر والمغرب وتونس) هم الذي أخرجوا النازية من فرنسا المحتلة. ولما تحررت هذه الأخيرة كان الجزاء الذي خصت به الجزائر هو المجزرة التي قتل فيها الجنود الفرنسيون خمسة وأربعين ألف مدني جزائي بمدينة صطيف سنة 1945، تلا ذلك مجازر مشابهة في الدار البيضاء وغيرها من المدن المغربية سنة 1947، لتمتد المجازر إلى تونس حيث تم اغتيال الشهيد النقابي فرحات حشاد من طرف الغلاة الفرنسيين سنة 1952. وانطلاقا من هذه المجازر، وكرد فعل ضدها وضد السياسة الفرنسية، شرع الجزائريون والتونسيون والمغاربة في تنظيم جيوش للتحرير لإخراج فرنسا من أوطانهم. وكان من جملة العناصر التي تولت هذه المهمة جنود وضباط كانوا مجندين في الجيش الفرنسي ليخرجوا النازية الألمانية من فرنسا، فتحولوا إلى جنود وضباط وطنيين تعبئوا لطرد الاستعمار الفرنسي من أوطانهم.
التاريخ لا يعيد نفسه، نعم! غير أن الحاضر يشهد في كل وقت بأن "الماضي أشبه بالآتي، من الماء بالماء"، كما يقول ابن خلدون. فعلا الماضي أشبه بالمستقبل، والمستقبل أشبه بالماضي. ومع ذلك فلا يجوز تحميل علاقة المشابهة ما لا تحتمل، خصوصا عندما تكون المشابهة مشابهة في العلاقة وليس في المضمون. وهكذا فلا يجوز القول إن هزيمة الاستكبار الأمريكي أمام "الإسلام الجهادي" الذي حرر أفغانستان من عدو أمريكا، ستكون كهزيمة الاستعمار الفرنسي أمام المجاهدين المغاربيين الذين حرروا فرنسا من الاحتلال النازي.
كلا. فالوضع مختلف. وإذن فكل مقام مقال.