ص1       السابق

 

1- لمن سيسلم الأمريكان السلطة غدا؟

 

محمد عابد الجابري

كان من المفروض أن انتقل في هذا المقال إلى القسم الثاني من سلسلة المقالات التي خصصتها لموضوع "تجديد التفكير في مشروع متجدد"، بعد أن انتهينا من مناقشة مسألة التجديد من الداخل للمرجعية التراثية. كان المفروض إذن أن يكون مقال هذا الأسبوع تدشينا للقول في المرجعية النهضوية/الحداثية. لكن ما يجري في العراق منعني من مواصلة التفكير في أي موضوع غير موضوع العراق، ولذلك قررت تخصيص هذا المقال والذي يليه لتجديد التفكير في ما يمكن أن نطلق عليه "المسألة العراقية".

وهنا لا بد من التذكير بالمقالات الأربع عشرة التي كنت نشتها في هذا المكان قبل الحرب التدميرية التي شنتها الولايات المتحدة على القطر الشقيق، وأخص بالذكر منها المقالة الرابعة التي نشرت بتاريخ 04-03-2004، أي قبل الحرب ببضعة أسابيع فقط، وكانت بعنوان "فيتنام أخرى على الطريقة العربية الإسلامية"، استعرضت فيها "الممكنات الذهنية" أو "السيناريوهات" التي يمكن أن يكون عليها الوضع في القطر الشقيق بعد الحرب. ولا حاجة هنا إلى إعادة ذكر الممكنات التي لم تتحقق، فالمهم الآن هي تلك التي تحققت، والتي ختمت بها المقال، وقد ورد فيها بالحرف ما يلي: "إنه من الصعب جدا -حتى على مستوى الممكنات الذهنية فقط- تصور حدوث الاحتلال الأميركي واستمراره من دون ردود فعل. إن الأقرب إلى الواقع هو أن يتصور المرء قيام مقاومة عراقية على صورة جماعات مسلحة بعضها من الجيش وبعضها من مليشيات حزب البعث. ولا يستبعد أن يتطور الأمر بسرعة فتقوم تنظيمات للمقاومة المسلحة في صفوف الشعب العراقي كله: بعضها من التيارات الوطنية العلمانية، وبعضها من الشيعة العراقية الوطنية، وبعضها من الشيعة الموالية لإيران، وبعضها من السنة، وبعضها من أكراد العراق ... والقائمة طويلة. إن ما هو موجود الآن في فلسطين من تنظيمات للمقاومة متعددة متنوعة، بما في ذلك المقاومة الاستشهادية وصواريخها، مجرد صورة مصغرة لما يمكن أن يحدث في العراق. بل يجب أن نضيف إمكانية حضور، من نوع ما، لتنظيم القاعدة، سواء داخل العراق أو في الدول المجاورة، دون أن نستبعد أن تتعرض المصالح الأميركية للتخريب بما في ذلك بترول العراق إلخ، كما لا يستبعد أن يعاني حكام بعض الأقطار العربية من مشكلات مماثلة في عقر دارهم. دع عنك إمكانية تقدم آلاف العرب للتطوع للقتال إلى جانب المقاومة العراقية، فنسمع مستقبلا عن : العراقيين العرب... على غـــرار الأفغان العرب! ومن الممكنات الذهنية، التي يحلم بها كثيرون، أن يشهد التاريخ العربي المعاصر: فيتنام أخرى على الطريقة العربية الإسلامية! وحينئذ سيغدو العراق قطرا نموذجيا ذا قوة جذب هائلة، ولكن ليس إلى ديمقراطية الاحتلال، بل إلى تحرير الوطن العربي من الاحتلال".

ذلك بالحرف ما نشرته في هذا المكان قبل الحرب ببضعة أسابيع (يمكن الاطلاع على المقالة بكاملها في موقعنا على الانترنيت- ركن نصوص). سيقول بعض الناس إنها نبوءة تحققت! وأنا لا أدعي النبوة، فعصر النبوة بالنسبة لي على الأقل قد انتهى. وقد يكون من هؤلاء الذي يرون في هذا السيناريو الذي رسمت لما حدث قبل أن يحدث مجرد صدفة، ولهم الحق في ذلك، فالصدفة (أو على الأصح "المصادفة") لها دور كبير فيما يحدث، ليس فالعالم الإنساني الاجتماعي الاقتصادي الفكري وحسب، بل أيضا في العالم الطبيعي. وهذا ما يعرفه جيدا علماء الطبيعة، أو الفيزيائيون؛ ولهم في ذلك نظريات ... ومع ذلك فتحقق فرضية ما "عن طريق المصادفة" لا يتم اعتباطا فليس كل فرضية مؤهلة لجني ثمار المصادفة، وإلا كان نظام العالم عبثا. الفرضية لا تتحقق بالمصادفة إلا إذا كانت تعبر عن الواقع ولم يتدخل عنصر جديد يجعل الرياح تجري بما لا تشتهي السفن. التحليل الملموس للواقع الملموس، الطبيعي منه والإنساني، هو وحده القادر على إنتاج فرضيات أو سيناريوهات قابلة للتحقق، أما "الواقع" الذي تصنعه الذات التي تتبنى مذهب "أنا وحدي في العالم" solipsisme عن وعي ومعرفة أو عن غيرهما، فإنها وإن ملأت الدنيا ضجيجا بالدعوة إلى "الاعتراف بالآخر" فهي في الحقيقة لا تعترف إلا بنفسها. ولذاك فهي ترفض مسبقا أية فرضية لا ترى فيها ما يكفي من التوافق والتناغم بين "الأنا والآخر" في ذاتها الوحيدة ومذهبها الواحدي. بعبارة أخرى "المصادفة" التي تتحقق معها فرضية ما هي نقطة التقاء عدة سلاسل من الأسباب. فإذا حصل هذا الالتقاء ولم تنحرف إحدى السلاسل عن نقطة الالتقاء تحققت الفرضية، ذلك هو معنى الحتمية في فلسفة العلوم الحديثة (يمكن مراجعة هذه النقطة في كتابنا "مدخل إلى فلسفة العلوم. الجزء الثاني).

أقول هذا لأن بعض الزملاء قالوا إن سيناريو" "فيتنام أخرى على الطريقة العربية" الإسلامية" الذي رسمته لتطورات الأحداث الممكنة، إنه مجرد أضغاث أحلام وأنه يعبر عن "حنين" لزمان مضى. سمعت هذا الكلام من بعض الأصدقاء الذين أنا متأِكد من صدق نواياهم، أما أولئك الذي ينتقدون ما أكتب من غير أن أكون متأكدا من صدق نواياهم فقد دأبت على نسيان ما يقولون لأنه لا يهمني وإنما يهم "ما في صدورهم"!

ولا بد من القول إن التذكير بما كتبت من قبل عن الوضع الذي كان ممكنا في العراق قبل أن يتحقق –وقد تحقق- له صلة بما سأكتب الآن، ليس عن الوضع في العراق وحده، بل عن حقيقة الصراع الذي يجري في العراق ومن أجل العراق، وبالتالي في العالم العربي والإسلامي ومن أجله.

السؤال المطروح الآن على صعيد الممكنات الذهنية بخصوص مستقبل العراق والعالم العربي والإسلامي- وحبذا لو رجعنا إلى اصطلاح" العالم الثالث" فهو أكثر تعبيرا في هذا السياق- أقول السؤال المطروح اليوم هو: "ما هو أقرب الممكنات الذهنية" التي يمكن أن يحدث عندها تلاقي سلاسل الأسباب فتحدث المصادفة التي بها تتحقق؟

في اعتقادي وتصوري، وهذا هاجس استبد بي منذ شهور هو أن مصلحة الولايات المتحدة تقتضي الآن تسليم السلطة بشكل أو آخر –وأقصد سلطة الحكم- لتيار ما يطلق عليه "الإسلام السياسي" ليس في العراق وحسب، بل في العالم العربي والإسلامي كله. وهي لن تختار الفصائل التي توصف بالاعتدال دون التي تنعت بالتطرف، فالمهم لديها في هذا المجال هو الطرف الذي ترى فيه الآن العنصر الذي، بدون التعامل معه، لم يعد من الممكن أن يتحقق الأمان والأمان لمصالحها في المنطقة. وستجد في هذا العنصر –كما هو الآن- ما به تبرر أنه يمثل أكثرية الشعب، في انتخابات "حرة نزيهة"، وبالتالي ما يسمح لها بالقول إنها "حققت الديمقراطية في "الشرق الأوسط".

أما أصدقاء أمريكا "الحضاريين" –الذين سبق أن أطلق عليهم الدكتور أنو عبد الملك في الستينات "العملاء الحضاريين" للغرب، مثل كثير من أعضاء ما كان يسمى بـ "المعارضة العراقية" المقيمة في أمريكا وأوربا، التي نذكر جميعا أن فصائل منها كانت تمول وتوجه في السر والعلن من الإدارة الإمريكية، لتنقل أعضاء منها إلى العراق حين "حان القوت" ولتجعل منهم أعضاء في "مجلس الحكم" (بدون حكم)، ولتدشن بهم، بالتالي، عهد "تحرير العراق وإقامة الديمقراطية" فيه كي يصبح "مركز جذب نحو الديمقراطية" للأقطار العربية الأخرى، أقول أما أصدقاء أمريكا "الحضاريين" من هذا الصنف أو من غيره فلن تعود لأمريكا بهم حاجة، ومن المرجح، إن لم يكن من المؤكد، أنها ستتنكر لهم كما تنكرت لابن لادن. وبما أنه من غير المحتمل تماما أن يخرج من بينهم "زعيم" على شاكلة بن لادن، يرفع السلاح في وجه أمريكا التي تنكرت له ولأشياعه الذي عملوا معه لصالحها في أفغانستان لإخراج الروس من هناك، فإن مصير هؤلاء "العملاء الحضاريين" الجدد سيكون مصيرهم هو "الموت" الذي اسمه "السكوت والإهمال".

وأما أولئك الذين سيقبلون من التيار الإسلامي، المعتدل أو المتطرف، التعامل مع أمريكا لإنقاذها من المستنقع الذي وضعت فيه نفسها، فنحن نذكرهم بتلك الحكمة البالغة التي نطق بها حديث نبوي مشهور : "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين".

وفي هذا الصدد نحب أن نشير إلى خطأ وقعت فيه كثير من الحركات الدينية/الثورية، وهو سلوكها سلوكا انتهازيا عندما تجد نفسها عاجزة عن الانتقال من "مكة" إلى "المدينة"، أعني من التعبئة الدينية الثورية إلى الحل السياسي، من منطق الثورة إلى منطق الدولة. لقد حدث مرارا وتكرارا أن لجأت بعض الجماعات الإسلامية إلى "التصالح" مع الحكم القائم وفي نيتها الاستفراد به، ناسية أنه، أعني الحكم، يقصد الشيء نفسه: التصالح مع المعارضة من أجل احتوائها وزع الشقاق في صفوفها الشيء الذي يحقق له الاستفراد بالأمر.

ويتساءل القارئ وما الحل إذن؟

وأجيب: لم نصل بعد إلى المرحلة التي يليق بنا طرح هذا السؤال. إن ما ذكرناه لحد الآن هو مجرد فتراض لم نذكر بعد ما يدعمه ويجعل منه إحدى الممكنات الذهنية التي يمكن أن تتحقق. لقد أشرنا قبل إلى أن المصادفة التي تتحقق عندها الفرضيات هي تلك التي يصنعها التقاء عدة سلاسل من الأسباب، ونحن لم نحدد بعد هذه السلاسل.