ص1                     السابق

 

12- معهود العرب ... والعلاقة بين الدين والفلسفة

 

محمد عابد الجابري

من المفاهيم العربية الإسلامية التي يعتمدها الفقهاء والمفسرون كواحد من المراجع الرئيسية التي يحددون بها مجال الدلالات في مختلف أنواع الخطاب مفهوم "المعهود". ومع أن صيغة  هذا المفهوم هي اسم مفعول من "عهد"، إلا أن تعدد معاني هذا الأصل (ع. هـ. د) تعطي لتلك الصيغة وضعا خاصا. فدلالتها لا تتحدد بجذر هذا الأصل، بل تتحدد بمجال استعمالها. قال في لسان العرب: "متـى عَهْدُكَ بفلان أَي متـى رُؤْيَتُك إِياه؟ وعَهْدُه: رؤيتُه. والعَهْدُ: الـمَنْزِلُ الذي لا يزال القوم إِذا انْتَأَوْا عنه رجعوا إِلـيه، وكذلك الـمَعْهَدُ. والـمعهودُ: الذي عُهِدَ وعُرِفَ". وواضح أن هذا المعنى الأخير يقترب بنا من معنى "المألوف"، و"المعتاد"، "والمعروف"، وما أشبه. ومع ذلك لا بد من الانتباه إلى أن مجالات استعمال لفظ "المعهود" أوسع كثيرا مما ذكر لكونه أكثر مرونة وبالتالي أقدر على استغراق مجالات لا تطالها هذه الكلمات، وهذا ما يجعل منه "مفهوما"، بالمعنى الإبيستيمولوجي للكلمة. ذلك ليس مجرد لفظ أو اصطلاح بل هو صيغة لغوية/منطقية تكثف معاني كثيرة في لفظ واحد، مما يجعل منه أداة معرفية، أي مفردة من مفردات علم أصول المعرفة (الإبيستيمولوجيا).  

والمعهود بهذا المعنى نجده بكثرة في القاموس الفقهي العربي الإسلامي. إنه أحد المراجع الرئيسية التي يعتمدها الفقيه في إصدار الأحكام، والمفسر في الشرح والتفسير والتأويل، والمحدث في التعديل والتجريح. فالمعهود الاجتماعي في زمان ومكان معينين هو الذي يفصل في مصداقية نازلة أو حكم، كما أن المعهود نفسه هو الذي يحدد مدى مصداقية رواية من الروايات، سواء كان المروي حديثا أو كان خبرا عاديا. وإذا تغير المعهود بتغير الزمان أو المكان أو كليهما تغير معه النظر، أعني الفهم والحكم. وهذا سواء كان التغير في اتجاه المستقبل أو في اتجاه الماضي. فلا يجوز الحكم مثلا على وقائع الماضي من خلال المعهود الحاضر، كما لا يجوز الحكم على ما يأتي به  المستقبل من خلال معهود الماضي. وهذا بالضبط هو معنى "التاريخية" في المجال المعرفي : التاريخية في هذا المجال تعني احترام الوضع التاريخي للمعرفة.

وكما بينا في المقال السابق فعندما يتعلق الأمر بفهم نص من النصوص فالتاريخية تعني احترام المعهود الذي يلف هذا النص. وبالنسبة للقرآن الكريم فالمرجع الأول لاكتساب فهم مطابق لآياته هو "معهود العرب" في كل شيء: معهودهم على مستوى اللغة، ومعهودهم على مستوى شؤون الحياة جملة.

ذلك لأنه لما كان القرآن قد جاء "بلسان عربي مبين" فإن قصده الأول هو أن يفهمه العرب في إطار معهودهم في كل شيء. ولذلك استعمل المثل والمجاز والصور والمتخيلات كلها بالشكل الذي يقرب الحقائق إلى أفهامهم، بما في ذلك حقائق الدار الآخرة. وهكذا أخبرهم القرآن –كما يقول الشاطبي- "عن نعيم الجنة وأصنافه بما هو معهود في تنعماتهم في الدنيا، لكن مبرأ من الغوائل والآفات التي تلازم التنعيم الدنيوي... وبيّن من مأكولات الجنة ومشروباتها ما هو معلوم عندهم، كالماء، واللبن، والخمر، والعسل، والنخيل، والأعناب، وسائر ما هو عندهم مألوف، دون الجوز، واللوز، والتفاح، والكمثرى، وغير ذلك من فواكه الأرياف وبلاد العجم، بل أجمل ذلك في لفظ الفاكهة". هذا من جهة، ومن جهة أخرى يضيف الشاطبي: "و قال تعالى ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ" (النحل 125): فالقرآن كله حكمة، وقد كانوا عارفين بالحكمة، وكان فيهم حكماء، فأتاهم من الحكمة بما عجزوا عن مثله. وكان فيهم أهل وعظ وتذكير؛ كقسّ بن ساعدة وغيره. ولم يجادلهم إلا على طريقة ما يعرفون من الجدل".  ومن هنا كان النص القرآني يحمل في طياته "تاريخية" حياة العرب، سكان الجزيرة العربية، زمن نزوله.

وبما أن هذه الجزيرة لم تكن معزولة عن العالم، بل كانت متجاورة ومتفاعلة مع قلب الدنيا وأطرافه في ذلك الزمن، مع الحضارات البابلية والمصرية الفارسية واليمنية والرومانية اليونانية والحبشية الخ، فإن معهود العرب يومذاك لا بد أن تداخله عناصر من هذه الحضارات. يتجلى هذا بصورة خاصة في لغتهم التي تسربت إليها كلمات كثيرة من أصل "أعجمي"، كما يتجلى في تصوراتهم الفكرية "العالمة" التي تتجاوز بكثير ما تمدهم به "علومهم" التقليدية التي اشتهروا بها كالعرافة والقيافة والأنواء وما أشبه. وقد صارت هذه الكلمات والتصورات جزءا من معهودهم فكان لا بد من استعمالها في سياقاتها المعهودة ليكون الفهم والإفهام أكمل. وإذا أضفنا إلى هذا ما أخبر به القرآن نفسه في غير ما آية من أنه جاء "مصدقا لما بين يديه" من التوراة والإنجيل، سهل علينا أن نفهم كيف سارع المسلمون –والمهتمون بالتفسير والقصص القرآني- إلى طلب ما عند علماء اليهود والنصارى وأصحاب علوم الأوائل من المعارف. لقد فتح القرآن للعرب أبوابا للدعوة وللفتح، فكان لا بد أن ينفتحوا على ما عند الآخرين، فالفتح والانفتاح متلازمان.

ومن هنا ذلك التفسير "العالم" الذي يتجاوز "علوم العرب" التقليدية المذكورة، والذي فسر به ابن عباس –كما رأينا في المقال السابق-  آيات من النوع "المتشابه"، التي تحتمل أكثر من معنى، إذ تتحدث عن القرآن بوصفه الكتاب المكنون في "اللوح المحفوظ" وفي "أم الكتاب" وهما من مجال المطلق، وعن القرآن المنجم المفرق الذي نزل بلسان عربي مبين على مدى ثلاث وعشرين سنة بارتباط مع حوادث زمانية مكانية هي المعروفة بأسباب النزول. إن التفسير الذي قدمه ابن عباس لهذا الاشتباه لم يكن يقع خارج "معهود العرب" ككل بل كان يقع فقط خارج ما ندعوه هنا بـ "المعهود العامي". أما معهودهم "العالم" والذي كان جزءا من موروثهم الثقافي فقد يقبله. ومن هنا يمكن القول إن مسألة المحكم والمتشابه في القرآن الكريم تؤول في نهاية الأمر إلى الاختلاف القائم بين المعهود "العامي"  لعرب الجزيرة العربية وبين المعهود "العالم" الذي كان يشكل جزءا من موروثهم الثقافي العام الذي كان يضم ليس فقط أخبارهم وأشعارهم بل أيضا ما انتقل إليهم من معارف وتصورات من محيطهم الحضاري العام.

وهكذا فكما أن علاقات قريش التجارية قبل الإسلام مع البلدان المجاورة، والتي كانت تتجدد وتتسع من خلال "رحلة الشتاء والصيف"، قد أكسبتها معرفة بمعهود تلك البلدان، العسكري منه والجغرافي والاجتماعي الاقتصادي، مما سهل على المسلمين، على عهد الخلفاء الراشدين، عمليات الفتح، فإن معهدوهم الثقافي "العالم"، من النوع الذي رأيناه عند ابن عباس، قد سهل على رجال العلم فيهم، عملية الانفتاح الواسع والعميق على المعهود العلمي والفلسفي والديني الذي كان يشكل الموروث الثقافي للبلاد المفتوحة، وفي مقدمتها فارس والشام ومصر.

من هنا نفهم اتساع أفق علماء الإسلام، علماء الدين منهم والفلاسفة، ودخولهم في حوار متواصل مع الثقافات الأخرى في الوقت الذي حرصوا فيه على تقديم الإسلام لغير المسلمين بوصفه الدين الذي لا يتعارض فيه النقل مع العقل، ولا يتناقض ما يقرره من عقائد، كوحي منزل على "النبي الأمي"، وما تقرره الفلسفة من نظريات تستند على البرهنة العقلية.

ذلك ما أكد عليه الكندي، أول فيلسوف في الإسلام، عندما أبرز التوافق بين الفلسفة والدين باعتبار أن الفلسفة إنما تسعى إلى "علم الأشياء بحقائقها"، ومن هذا العلم: "علمُ الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة وجملة علم كل نافع والسبيل إليه، والبعد عن كل ضار والاحتراس منه". ثم يضيف: "واقتناء هذه جميعـا هو الذي أتت به الرسل الصادقة عن الله جل شأنه. فإن الرسل الصادقة صلوات الله عليها إنما أتت بالإقرار بربوبية الله وحده، وبلزوم الفضائل المرتضاة عنده، وترك الرذائل المضادة للفضائل في ذاتها و(ترك) إيثارها". ويضيف: "فواجب إذن التمسك بهذه القُنْيَة النفيسة (=الفلسفة) عند ذوي الحق، وأن نسعى في طلبها بغاية جهدنا".

ويأتي الفارابي ليشرح كيف يتم هذا التوافق بين الحقائق التي تقول بها الفلسفة والحقائق التي يقررها الدين: هو يرى أن الفلسفة، أو الحكمة، هي علم "الأسباب البعيدة التي بها وجود سائر الموجودات كلها، بما في ذلك الأسباب القريبة للأشياء ذوات الأسباب والتي وإن كانت كثيرة فإنها ترتقي على ترتيب إلى موجود واحد هو السبب في وجود تلك الأشياء البعيدة وما دونها من الأشياء القريبة، وإن ذلك الواحد هو الأول بالحقيقة" (الله). هو أول لأنه السبب الأول لسائر الموجودات. وهو عقل لأنه بسيط خال من جميع أنحاء النقص ولا يحتاج إلى مادة أو شيء آخر [1]. أما كيفية وجود الموجودات عنه فذلك ما يتم –حسب الفارابي- بواسطة الفيض. وهكذا، فبما أن الأول عقل فهو يعقل ذاته، ومن عقله لذاته يفيض عنه عقل واحد بسيط مثله. وهذا العقل الفائض الأول يعقل ذاته كما يعقل مبدأه، فيفيض عقل ثان هو مدبر الفلك المحيط، ثم يتسلسل الفيض هكذا عبر "السموات السبع" (أو المنظومة الشمسية): في كل سماء عقل يدبرها، لينتهي الفيض إلى العقل العاشر مدبر ما تحت فلك القمر أو "السماء الدنيا"، ويسمى أيضا "العقل الفعال"، و"واهب الصور" إذ عنه تصدر صور الأشياء التي في الأرض، والتي تتكون موادها من التئام أجزاء من المادة الأولى (الهباء الكوني) بواسطة حركة الفلك. فعندما يتكون جسم ما على هذا النحو يفيض عليه "واهب الصور" الصورة التي تناسبه. فجسم الجنين في رحم المرأة مثلا يُِفيض عليه العقلُ الفعال (صورة) النفسَ البشرية عندما يصبح ذلك الجسم مستعدا لتقبل النفس، وهكذا يتكون الكائن البشري، ومثل ذلك الكائنات الأخرى([2]).

***

ليست فكرة الفيض من مبتكرات الفارابي بل هي عنصر أساسي في الأفلاطونية المحدثة التي انتشرت في القرن الثالث الميلادي بين فلاسفة الإسكندرية وشمال سورية، وذلك في إطار التوفيق بين الفلسفة اليونانية والدين المسيحي، وقد فعل الشيء نفسه كل من الفارابي وابن سينا والمتصوفة المتفلسفة إذ وظفوها في التوفيق بين الدين والفلسفة، في الإسلام.

وهكذا فـ "العقل الأول" الفائض عن الأول (الله) يقابل اللوح المحفوظ في النظام الديني، وهو "أم الكتاب" أي علم الله السابق. والعقول الأخرى المدبرة للسماوات هي "الملائكة"، أما العقل العاشر، "الفعال"، فيقابل في النظام الديني السماء الدنيا، وهو كما قلنا مستودع الصور للكائنات الأرضية، فهو واهبها حسب مقتضيات الأحوال لكل متكون، وهو أيضا مستودع الحقائق الجزئية، وبإمكان النفس البشرية الاتصال به والتشوف إلى الحقيقة الكلية، إلى ملكوت الله.

وهذا الاتصال بالعقل الفعال، الذي منزلته منزلة جبريل في النظام الديني، يمكن أن يتم في نظر الفارابي بإحدى طريقين: الأول طريق الفيلسوف، طريق المعرفة البرهانية التي ترتقي بالإنسان من الموجودات إلى أسبابها، فترتسم في نفسه حقائق الأشياء فيعقلها وتصير معقولات له. والطريق الثاني طريق الوحي والنبوة. والنبي في نظر الفارابي إنسان أوتي مخيلة فائقة يتمكن بها من تخيل الأشياء بحقائقها فترتسم في نفسه "خيالاتها ومثالاتها وأمور تحاكيها. ويكون ذلك بما تقرره كل ملة من الأمور التي تناسب الجمهور من اتباعها"، أي بما يناسب معهودهم.

وهكذا، فالفلسفة لا تتناقض مع الدين، وإنما تفسره عقليا. قد تكون الفلسفة تابعة لملة معينة سبقتها في الظهور، وقد يكون العكس، وفي هذه الحالة قد يحدث أن لا يعرف أهل ملة ما أن ملتهم "تابعة لفلسفة، ولا أن فيها مثالات لأمور نظرية صحت في الفلسفة ببراهين يقينية"، لم تذكر في تلك الملة. وهذا يجعل أهل تلك الملة يظنون أن ما في ملتهم من مثالات ومجازات وأمثال هي نفسها حقائق وأنها هي العلم اليقيني نفسه. "فإذا نقلت إليهم بعد ذلك الفلسفة التي هذه الملة تابعة لها في الجودة لم يُؤمَن أن تُضادَّ تلك الملةُ الفلسفةَ ويعاندها أهلُها ويطَّرحونها. ويعاند أهل الفلسفة تلك الملة ما لم يعلموا أن تلك الملة مثالات لما في الفلسفة، ومتى علموا أنها مثالات لما فيها لم يعاندوها هم. ولكن أهل الملة يعاندون أهل تلك الفلسفة، ولا تكون للفلسفة ولا لأهلها رئاسة على تلك الملة ولا على أهلها، بل تكون مطّرحة وأهلُها مطّرحين. ولا يلحق الملةَ كثيرُ نصرة من الفلسفة، ولا يؤمن من أن تلحق الفلسفةَ وأهلَها مضرةٌ عظيمة من تلك الملة وأهلها. فلذلك ربما اضطر أهل الفلسفة عند ذلك إلى معاندة أهل الملة طلبا لسلامة أهل الفلسفة، ويتحرون أن لا يعاندوا الملة نفسها، بل إنما يعاندونهم في ظنهم أن الملة مضادة للفلسفة، ويجتهدون في أن يزيلوا عنهم هذا الظن بأن يلتمسوا تفهيمهم أن التي في ملتهم هي مثالاتٌ"([3])..

 

هوامش

1- الفارابي: السياسة المدنية ص 52-54. أيضا: كتاب الملة.

2- الفارابي : آراء أهل المدينة الفاضلة ص 38 المطبعة الكاثوليكية بيروت 1959 وكذلك الفصل الأول من كتابه "السياسة المدنية" انظر أيضا عرضنا لمنظومة الفارابي الفلسفية في كتابنا نحن والتراث.

3- لفارابي : كتاب الحروف. تحقيق محسن مهدي دار المشرق بيروت 1970. ص 155