ص1       السابق

 

لا بديل للحرب الأهلية غير الكتلة التاريخية

 

محمد عابد الجابري

الشرق الأوسط موضوع للصراع الدولي، وليس طرفا فيه؟ هذا ما قررناه في مقال سابق، وعلينا الآن أن نتبين الأمر من داخل الشرق الأوسط نفسه...

لنبدأ بالتذكير بالمعطيات التالية:

عندما كان "مركز العالم" هو دمشق ثم بغداد، في العصرين الأموي والعباسي من تاريخ الإسلام، كان اصطلاح "مشرق" ينسحب على المنطقة الممتدة من فارس إلى الصين، بينما كان اصطلاح "مغرب" يشير إلى ما وراء مصر غربا. وبينما كان "المشرق" واحدا على صعيد الاصطلاح كان ثمة تمييز في "المغرب" بين مغرب أدنى (تونس) ومغرب أوسط (الجزائر)، ومغرب أقصى، (المغرب حاليا).

وعندما انتقل مركز العالم إلى أوروبا تغير الوضع تماما، وذلك منذ انطلاق حركات "الاستكشافات الجغرافية" التي كانت تمهيدا للتوسع الاستعماري. فـ "الشرق" Orient كان يعني في القرنين السادس عشر والسابع عشر ليس فقط جهة شروق الشمس، بل أيضا "بلاد العجائب"، بلاد الكنوز والتوابل وكل ما هو عجيب غريب. .. ولذيذ. وكان المشار إليه هنا خاصة هو الهند وما وراءها. هذا بالنسبة للمركز الأوروبي منطلقا من بريطانيا. أما الفرنسيون، فإضافة إلى اشتراكهم في هذا المنظور، فقد كان لديهم منظورهم الخاص يتجلى في الكلمة التي أطلقوها على "الشرق" في أول الأمر وهي كلمة Levant وتعني "مطلع" (=جهة مطلع الشمس) وكان يقصد بها عندهم البلدان التي توجد شرقا بالنسبة لفرنسا، وخاصة منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط (لبنان). والكلمة التي كانت توضع كمقابل لهذا "المطلع" هي "أوروبا" فكان التقابل كما يلي: أوربا/لوفان Europe/Levant وذلك قبل أن تترسم كلمة Orient (شرق) بصفة نهاية عندما أصبح يشار بها إلى آسيا ودول البحر الأبيض المتوسط. ومن ثمة ترسم التقابل شرق/غرب Orient/ Occident.

هذا التغير على مستوى الاصطلاح في اللغات الأوربية، خاصة منها الفرنسية والإنجليزية، يعكس حالة خاصة من الوعي بالهوية. فالوعي بالهوية، في "الغرب"، صار منذ ابتداء حركات التوسع الاستعماري يتنوع بتنوع الأطراف التي يتخذها مقابلا له وموضوعا. والشيء الذي يجب أن ننتبه إليه هو أن "الغرب" غير موحد. ذلك أنه يتنوع ليس فقط بالأطراف التي تقع خارجه (خارج الغرب) بل يتنوع أيضا وبالدرجة الأولى بتنوع المراكز داخله. فـ "الغرب" على عهد الإمبراطورية الفرنسية (نابليون) ليس هو الغرب على عهد الإمبراطورية البريطانية، ليس هو نفسه اليوم على عهد الاتحاد الأوروبي والإمبراطورية العولمية الأمريكية التي وسعت من مفهوم الغرب ليصبح مرادفا لما يسمى اليوم بـ"المجتمع الدولي" و"دول التحالف"، تماما مثلما تعمل الآن على توسيع رقعة "الشرق الأوسط" ليصبح "الشرق الأوسط الكبير" ليكون كدرع لها ضد الاتحاد الأوروبي اليوم، وضد روسيا والصين غدا!

وكما يعكس هذا التنوع لمفهوم "الشرق الأوسط" على مستوى اللغة والاصطلاح، في "الغرب"، تنوعا مماثلا على مستوى الهوية، يعكس الشيء نفسه على مستوى "الشرق الأوسط" كموضوع للغرب، أقصد تنوع هوياته. لقد بدأ "فعل الغرب" في "الشرق الأوسط" بإطلاق هذا الاسم على أقطاره وشعوبه. الشيء الذي يعني ضم تلك الأقطار في كلية، مستقلة عن مكوناتها (إذ لا أحد فيها يقول : "أنا من الشرق الأوسط"). بعبارة أخرى: رد الكثرة فيها إلى وحدة مفروضة من خارج، وحدة منظور إليها من الغرب، أساسها مصلحة هذا المركز أو ذلك من مراكزه.

من هنا كانت هذه الوحدة غير مستقرة إلا على مستوى الاصطلاح، أما على مستوى المضمون فـ"الشرق الأوسط" متنوع بتنوع نوع المصلحة التي يمثلها بالنسبة لهذا الطرف أو ذاك من مراكز الهيمنة في الغرب. وهكذا: فلما كان التنافس وتناقض المصالح هما اللذان يحكمان العلاقات بين "مراكز الغرب"، وهذا هو أساس الصراع الدولي، فإن تأثير هذه العلاقات على كيانات "الشرق الأوسط" قد أصبح يحكم العلاقات الداخلية في دوله، والعلاقات البينية التي تقوم بينها.

وهكذا فالتأثير الذي مارسته فرنسا عسكريا واقتصاديا وثقافيا وحضاريا، ما كان منه بإرادة وعزم وما كان منه بالتبعية والتقليد، يختلف من قطر لآخر من أقطار الشرق الأوسط، وهو غير التأثير الذي مارسته بريطانيا أو إسبانيا أو إيطاليا... وعلى العموم فـ "الدول العظمى" هي التي شكلت الشرق الأوسط، على مستوى التسمية والكيانات والاقتصاد واللغة (الثانية) والثقافة والسلوكات الحضارية. قد نقلت إليه وحدتها على صعيد الاسم وتنوعها واختلافاتها وصراعاتها على المستويات الأخرى. وأكثر من ذلك عملت "الدول العظمى" تلك على تأسيس العلاقات البينية في هذا "الشرق الأوسط" تأسيسا يجعل تلك العلاقات في توتر دائم. وهكذا فما من دولة في الشرق الأوسط إلا ولها "مشاكل حدود" مع جاراتها، حتى أصبحت كل دولة من دوله عدوة لجارتها المباشرة صديقة أو على الأقل مسالمة للتي بعدها!

هذا على المستوى السانكروني أو "الأفقي". أما على المستوى الدياكروني (العمودي)، الذي هو مجال الصراعات الداخلية (الاجتماعية، الاقتصادية، الإثنية، الثقافية، الخ)، فإن تأثير الغرب في الشرق، سواء منه ما كان على شكل "قهر الغالب للمغلوب" أو ما كان على صورة "تقليد المغلوب للغالب"، قد أنتج وكرس أوضاعا اجتماعية، تقوم على التفاوت واتساع الهوة داخلها. إن ظاهرة "التحديث الاستعماري" التي مارستها فرنسا في أقطار ومارستها بريطانيا في أقطار أخرى، قد كرست ازدواجية مركبة عميقة في جسم مجتمعات هذه الأقطار، ازدواجية اقتصادية واجتماعية وثقافية وحضارية عامة، كان من نتائجها ما نشاهده اليوم من هوة واسعة عميقة بين البادية والمدينة، بين "قلب المدينة" وبين أطرافها، اقتصاديا وثقافيا وممارسات الخ.

فعلا، كان العالم كله يتميز قبل العصر الحديث باختلاف مجتمع المدينة عن مجتمع البادية. لكن هذا الاختلاف قبل العصر الحديث كان اختلافا في الدرجة وليس في النوع. فلم يكن أسلوب حياة الحاكم والتاجر وشيخ القبيلة، وبكلمة واحدة "الخاصة" يختلف عن أسلوب حياة "العامة" إلا على مستوى الدرجة، مستوى الكم. أما الاختلاف الذي نتج عن "التحديث الاستعماري" بنوعيه، القسري والتبعي، فهو اختلاف في النوع. والفرق بين الاختلاف في الدرجة والاختلاف في النوع هو أن الانتقال من الدرجات الدنيا إلى الدرجات العليا ممكن في الأول، بالسلم أو بالعنف، ولكنه في الثاني متعذر، يميل إلى الاستحالة، لأن محاولة تحقيق الانتقال فيه بالسلم تتحول إلى الدوران في حلقة مفرغة، أما بالعنف فتتحول إلى اقتتال.

وكما هو معرف فقد أمكن في أوربا مد الجسور بين البادية والمدينة والتقليص من الاختلافات بينهما بفضل التصنيع. التصنيع وحده أساس التحديث وأبو الحداثة. هذا ما يجب أن لا يغيب عن البال. لقد حول التصنيع الصراع أوروبا من صراع أفقي إلى صراع عمودي، طبقي. وقد أمكن تجاوز التناقض الطبقي الحاد الذي أحدثه التصنيع بفضل نضالات العمال من أجل حقوقهم التي هدرها الاستغلال الطبقي، وكانت النتيجة اضطرار الطبقات المستغلة إلى الاستجابة التدريجية لمعظم تلك الحقوق! ذلك لأن المعامل لا يقوم لها وجود بدون عمال. فما كان يجمع، وفي نفس الوقت يفرق، بين أرباب المعامل والعمال، شيء واحد بعينه هو: أدوات الإنتاج، الآلات والمكينات الخ.

ذلك هو الأساس الذي قام عليه التحديث في أووربا، هذا التحديث الذي سيكون بدوره أساس الحداثة فيها. أما في الشرق الأوسط، كما في جميع البلدان المستعمرة "سابقا" فالأمر يختلف. إن الاستعمار لم ينقل إليها الصناعة والتصنيع، بل بالعكس نهب منها المواد الأولية الضرورة للصناعة وفرض عليها أنماطا من الاستهلاك، مما حرمها من الحركة والتطور على مستوى البنيات الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية، وكرس فيها ثنائية البادية والمدينة، وثنائية "التقليدي" و"العصري" : في المسكن والملبس والفكر والثقافة والرؤى والسلوك. النتيجة هي حرب أهلية كانت غير معلنة في العقود الماضية، فأصبحت اليوم معلنة: حرب أهلية بين "التقليدي" و"الحداثي". سلاح الأول توظيف الدين في تعبئة العامة، ثم التكفير ثم التفجير! أما سلاح الثاني فهو مساندة الحكومات وتحريضها، (وكلها غير ديمقراطية غير مستقلة عن إرادة الغرب) على أمل أن يتحقق من خلال "التبعية الإرادية" للغرب ذلك التأثير الإيجابي الذي يرجى من العولمة أن تقوم به.

ذلك هو الصراع الداخلي الذي يعيشه "الشرق" اليوم، الأدنى منه والأوسط و"الأوسط الكبير". إنه صراع لا تاريخي، بمعنى أنه لا يحمل في جوفه ما يمكن أن تستقبله قابلة غدا، فتتولى إرضاعه والتكفل برعايته. إنه مجرد اقتتال. ولكن بما أن هذا الاقتتال، ما كان منه موجها ضد الغرب والحداثة وما كان منه موجها ضد الماضوية ومن أجل الحداثة، لا ينتج غير التوتر وعدم الاستقرار والخبط خبط عشواء، فهو يهدد بصورة أو بأخرى المصالح الأمريكية خاصة، ومصالح الغرب عامة. وبما أن الولايات المتحدة خصوصا، والغرب عموما، تقوم سياستها على البراغماتية ومبدأ "السياسة الواقعية"، فإنها ستعرف اليوم، كما عرفت من قبل، كيف "يجب العمل" لتحييد الطرف الذي يهدد مصالحها ويمسها فعلا. ولذلك قلنا، ونعود فنقول، إنه ما دام التيار الذي يمثل "الحداثة" في الشرق الأوسط لا يهدد المصالح الأمريكية ولم يعد قادرا على تعبئة الجماهير (التي لم تعد تسمى بهذا الاسم إذ يطلق عليها تعبير: رجل الشارع) فإن "السياسة الواقعية" تفرض "التعامل" مع التيار الإسلامي "المعتدل"، ليس في باكستان وتركيا وإيران فحسب بل وفي أقطار الشرق الأوسط "الأصيل". إنه في نظرهم الطريق الملكية لتهميش الإرهاب والتطرف!

والسؤال الآن: ما هو المخرج بالنسبة لنا أبناء الشرق الأوسط "الأصيل" منه والكبير، أبناء العالم العربي والإسلامي؟

الجواب عندي هو ما ناديت به، ولا زلت، منذ عام 1982 في مناسبات، وعبر نصوص متعددة. إنه الكتلة التاريخية. إننا اليوم أكثر من أي وقت مضى نعيش عصر فتنة أشبه ما يكون بعصر "الفتنة الكبرى". وكما نعرف جميعا، فلم يتمكن لا الأمويون ولا الخوارج ولا الشيعة ولا "أهل السنة والجماعة" ولا المعتزلة الخ، من تجاوز هذه الفتنة إلا عندما شعر الجميع بعبثية الاقتتال، ودخلوا في كتلة تاريخية صنعت "الثورة العباسية" التي دشن بها التاريخ العربي والإسلامي عصرا جديدا ...