ص1              السابق

 

الكتلة التاريخية ... وأولوية "الثقافي".

 

محمد عابد الجابري

الكتلة التاريخية ... والاستقلال التاريخي

بعد أن شرحنا في المقال السابق ما نعنيه بـ"الكتلة التاريخية" التي ندعو إلى قيامها، كبديل عن الأوضاع المتردية في العالم العربي ككل وكأقطار، يبقى علينا أن نجيب عن السؤال التالي: ما هي الفئة أو الفئات المؤهلة للدعوة والعمل من أجل هذا الهدف؟

لقد طرحنا هذه المسألة في النص الذي نشرناه بعنوان "الكتلة التاريخية اليوم ...ضرورة تاريخية"، في كتابنا "المسألة الثقافية"، الذي صدرت طبعته الأولى عن مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، في سبتمبر 1994 (ص238). لقد قلنا بعد أن رسمنا الخطوط العامة لما نعتقد أنه الإستراتيجية المطلوبة في المجال الثقافي، في العالم العربي، ما يلي:

"... يبقى السؤال التقليدي مطروحا: من يعلق الجرس؟ ذلك أن تطبيق إستراتيجية كهذه يتطلب من جهة قيادات متنورة تعمل في جو من الديمقراطية الحقيقية على الصعيد القطري، ويتطلب من جهة أخرى حدا أدنى من التضامن العربي الحقيقي على الصعيد القومي (فالثقافة العربية ثقافة قومية وليست قطرية). ودون التأكيد مرة أخرى على أن الديمقراطية هي اليوم ضرورة وجودية على الصعيد القطري والقومي بمثل ما هي الوحدة مطلب تاريخي على صعيد القطر الواحد (الوحدة الوطنية) وعلى الصعيد العربي العام (الشراكة العربية العميقة المتنامية)، فإن نقطة البدء في كل إستراتيجية ثقافية لا بد من أن تنطلق من الثقافة نفسها. ذلك لأنه لا رجال السياسة ولا رجال الاقتصاد بقادرين على أن ينوبوا عن المثقفين، لا في تخطيط إستراتيجية ثقافية ولا في تنفيذها. فالمثقفون هم الذين عليهم أن يبلوروا مشروعا ثقافيا، وهم الذين تقع على عاتقهم مهمة التبشير به والنضال من أجله حتى ينتظم حوله فكر الأمة جمعاء.

هنا، وفي هذه النقطة بالذات يبدو كم هو ضروري اليوم إعطاء الأولوية للثقافي على غيره، ويتضح بشكل لا لبس فيه المعنى الذي يجب أن يعطى لهذه المقولة. إن أولوية الثقافي في هذا السياق لا تعني إحلال المثقفين محل الساسة ورجال الأعمال، ولا جعل التأملات الثقافية والمشاغل الفكرية المحض تنوب عن الممارسة السياسية والفعالية الاقتصادية، كلا. إن أولوية الثقافي تعني في السياق الذي نتحرك فيه قيام نوع من الإجماع الفكري بين جميع التيارات السياسية والطبقات والفئات، بما في ذلك الطبقة المسيرة نفسها، أو قسم منها على الأقل، حول قضايا وأهداف وطنية وقومية تفرضها الظروف الراهنة على الأمة ككل: كالحاجة إلى تنمية بشرية عربية شاملة في إطار تكامل اقتصادي جهوي وقومي، والحاجة إلى إقرار ديمقراطية حقيقية تعطي الشرعية لممارسة سلطة الحكم على الصعيد القطري ولبناء العلاقات والارتباطات الوحدوية على الصعيد العربي العام، والحاجة أخيرا، وليس آخرا، إلى الاستقلال الثقافي -الذي نضعه هنا كمقابل للاختراق الثقافي- والذي يعني عدم التبعية والوقوف في وجه ثقافة الاختراق، مع التفتح في الوقت نفسه على مكتسبات الحضارة الحديثة ذات الطابع الإنساني والعمل على تبيئتها في إطار إستراتيجية التجديد من الداخل التي ننادي بها. وغني عن البيان القول إن هذه الحاجات/الأهداف أصبحت الآن بمثابة شرط الوجود لأية نهضة أو تقدم، سواء على الصعيد القطري أو على المستوى العربي.

وكما سبق أن أكدنا فالأمر هنا يتعلق بأهداف تاريخية تتطلب قيام كتلة تاريخية تتولى تحقيقها، لأنها أهداف لا تستطيع أية طبقة أو فئة أو حزب أو جماعة بمفردها القيام بها في قطرها، ولا أية دولة ولا مجموعة من الدول العربية الانفراد بأعبائها وتحمل تبعاتها وحدها على المستوى العربي كله. مطلوب إذن قيام كتلة تاريخية تضم جميع فئات المجتمع على الصعيد القطري وجميع الدول العربية على الصعيد القومي، كتلة لا ترتبط بالمشاريع الإيديولوجية التي تضعها أمامها الفئات المتصارعة المتناحرة، جماعات أو أحزابا كانت، أو دولا وتكتلات، بل تنطلق من الحاجات/الأهداف التي ذكرنا والتي قلنا عنها إنها تشكل اليوم شرط الوجود لأي مشروع مستقبلي في النهضة والتقدم.

إن هذا لا يعني أن على جميع المدعوين إلى الانخراط في هذه الكتلة التاريخية أن يتخلوا عن مشاريعهم الإيديولوجية ومدنهم الفاضلة، كلا. إن المطلوب هو وضع ذلك في موضعه الذي يسمح به الظرف التاريخي. والظرف التاريخي القائم اليوم يفرض نوعا من التأجيل- لمدة قد تكون قصيرة أو طويلة- لكل طموح إلى التعميم الإيديولوجي الذي يقوم به عادة كل ذي إيديولوجيا. إن البديل، كما يبدو، على المدى المنظور هو ذلك الذي يخرج من جوف الأمة كلها وليس ذلك الذي تنفرد به هذه الفئة أو تلك.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقيام كتلة تاريخية من النوع الذي ندعو إليه لا يعني إقصاء أية طبقة من الطبقات، بما في ذلك طبقة المسيرين والحكام، كما أنه لا يعني بالمقابل تعليق الصراع الاجتماعي ولا صرف النظر عن النضال من أجل الديمقراطية الحقيقية والعدالة الاجتماعية بكل شروطها: من تكافؤ الفرص وتقليص الفوارق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين المدينة والعالم القروي وبن الطبقات الاجتماعية في كل منهما. كلا، كل ما في الأمر هو أنه بدلا من أن تكون هذه الأهداف السياسية والاجتماعية أهدافا لحزب أو طبقة، تصبح في ظل الكتلة التاريخية أهدافا للمجتمع ككل، وذلك عن طريق تحقيق "الإجماع الثقافي" حولها، هذا "الإجماع" الذي يشكل لحام هذه الكتلة. كما أنه بدلا من أن تتغذى تلك الأهداف السياسية الاجتماعية من الصراع الطبقي أو الطائفي أو الفئوي، فإنها تستقي وقودها في ظل الكتلة، ليس من المصالح الطبقية وحدها، بل أيضا من الأهداف الوطنية التي يلتزم بها الجميع: أهداف الكتلة.

والكتلة التاريخية فوق ذلك كله ليست أبدية، بل لا بد أن يأتي يوم تكون فيه قد أنجزت مهمتها، ويكون ذلك في الغالب عندما يتمكن التفاعل بين الأطراف والقوى المكونة لها من تحقيق نوع من التداخل بينها تفتقد فيه التصنيفات القديمة أهميتها ومبررها مما يسمح بظهور تصنيفات جديدة تخرج من جوف الكتلة ككل لتحل محلها. والمتأمل لوضعية الأحزاب والنقابات والجمعيات في الوطن العربي اليوم لا بد من أن يخرج بنتيجة تفرض نفسها، وهي أن جميع التشكيلات السياسية والنقابية والمهنية في الوطن العربي، إن وجدت، قد بلغت درجة من الترهل والانحلال- مع استثناءات قليلة هي الشاذ الذي يؤكد القاعدة- إلى درجة أصبح معها إعادة بعث الحياة فيها نوعا من العبث وضياع الوقت. وهكذا فلا "الحزب الوحيد"، في هذا القطر أو ذاك، ولا الأحزاب القومية، ولا الأحزاب الشيوعية والتنظيمات اليسارية، ولا الجماعات الإسلامية ولا النقابات... لا شيء من هذه التشكيلات بمنأى عن الصراعات الداخلية والانقسام والتشرذم والعطالة التنظيمية والفكرية، وبالتالي ليس أي منها بقادر على أن يتابع السير بزخم وأمل، ولا أن يستأنف حياة جديدة بعملية تغيير داخلي، فضلا عن أن يستطيع القيام بمفرده بتحقيق المهام المطروحة. وإذن فالكتلة التاريخية لا تتطلب من الأحزاب والتشكيلات الحاضرة لا التنكر لتاريخها ولا التضحية بأحلامها، ولا حتى التخلي عن أسمائها، وإنما تتطلب منها فقط التخلص من الشرنقة المترهلة التي تسجن فيها نفسها لتتمكن من الارتباط ارتباطا جديدا، حيا وفاعلا، بجسم المجتمع، والمساهمة بالتالي في بعث الحركة فيه من جديد. لا بد من التسليم إذن بحقيقة أن وضعية التشكيلات السياسية والنقابية والمهنية هي اليوم في الوطن العربي كما وصفنا. أما وضعية الدولة فليست بأحسن حالا ولا نحتاج إلى شرح حالها. وإذن فلا مناص ولا مخرج إلا بهذا النوع من الكتلة التاريخية التي وحدها يمكن أن توفر فرص العمل الجاد القادر على مواجهة الوضعية المتردية التي يعانيها الوطن العربي والتصدي للأخطار والتحديات التي تواجهه، وعلى رأسها الاختراق الثقافي الذي يمارس على مجتمعات العالم الثالث كله. إنه في فترات معينة من التاريخ يكون الاستقلال التاريخي هو الشرط القبْلي لكل طموح في صنع التاريخ. والاستقلال التاريخي اليوم للذات العربية- قطريا وقوميا- يتطلب ليس فقط مواجهة الاختراق الثقافي الآتي من الخارج، بل أيضا التحرر من الأوهام الإيديولوجية في الداخل، وفي مقدمتها اعتقاد هذه الفئة أو تلك، من فئات المجتمع، أن في مقدورها القيام بمفردها بإنجاز المهام المطروحة قطريا، واعتقاد هذه الدولة أو تلك أن في استطاعتها، منفردة، القيام بإنجاز المهام المطروحة قوميا. إن التنمية القطرية أصبحت شبه مستحيلة من دون ارتكازها على بعد وحدوي، اتحادي، تكتلي، شراكي (ولا مُشَاحَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّة في الأسماء) ، تماما مثلما أن تحقيق نهضة على الصعيد العربي ككل، مستحيلة من دون الانطلاق من الاعتراف بالقطرية، ككيان وخصوصية.

مواجهة الاختراق الثقافي تتطلب ليس مواجهة الآخر فحسب، بل أيضا مواجهة الأنا، أنانياتها وأوهامها.

بدلا من "أنا وحدي في العالم" : الكتلة التاريخية.

وفي حوار مع جريدة "المحرر" التي كانت تصدر بباريس نشرته في عددها بتاريخ 23 يناير 1995. قلت حول الكتلة التاريخية ما يلي:

"... ومن ناحية أخرى، تنشط الآن في الساحة العربية ما نسميه بالحركات الأصولية الإسلامية الهادفة إلى إقامة خلافة إسلامية. أعتقد أن معوقات كثيرة تعترض هذا المشروع، فالغرب لن يسمح بتحقيقه. ثم إن التناقضات الداخلية في هذا المشروع هي أيضا عنصر ضعف وليس عنصر قوة. أعتقد شخصيا أن كثيرا من الأخطاء القاتلة التي اقترفتها الحركة القومية العربية في الخمسينات والستينات لم تستفد منها الحركة الإسلامية بل تقترفها بعينها. ومن جملة هذه الأخطاء، الخطأ القاتل الذي يعبر عنه بعبارة "أنا وحدي في العالم" (1). لقد تجاهل القوميون في الخمسينات والستينات الحركات الإسلامية والتوجهات الفكرية الإسلامية. وها هي الحركات الإسلامية اليوم تتجاهل أيضا قوات أخرى وطنية وفكرية. وهنا أكرر ما سبق أن أكدت عليه مرارا وهو أن أي فصيل من فصائل الحركات السياسية والفكرية، سواء كانت إسلامية أو قومية أو غيرها لا يستطيع أن يتحمل وحده الأعباء المطروحة على أي قطر في العالم العربي والإسلامي. فلا بد إذن من أن أعيد هنا الدعوة مرة أخرى إلى ضرورة قيام كتلة تاريخية بين جميع القوى التي تنشد التغيير لصالح الأمة العربية والإسلامية. ولا أستثني أحدا من هذه الكتلة التاريخية، لا أصحاب المال ولا الكادحين ولا الثوريين ولا حتى أولئك الذين هم الآن في مواقع السلطة ويشعرون بضرورة قيام نوع من التعامل الجديد مع شعوبهم ومع خصومهم، تحقيقا لمشروع سيكون من أولى مهامه لا تحقيق الوحدة العربية والإسلامية بل الحفاظ على الوحدة الوطنية في كل قطر عربي ودرء مخاطر التمزق التي تهدد العالم الثالث الآن بالعودة إلى نظام العشائر بدلا نظام الدولة. "المحرر" الباريزية–23 يناير 1995

الكتلة التاريخية هي أولا موقف تاريخي... هي غير "الطليعة"!

وفي حوار لفائدة جريدة "السفير" اللبنانية نشرته بتاريخ 22/4/1995، طرح المحاور هذا السؤال:

"سؤال- في الماضي، كان معروفا أن الحزب، أو حزب الطليعة، هو الذي يوحد الأمة، لكنك تطرح مقولة جديدة في مؤلفاتك، هي "الكتلة التاريخية". لكن هذا التعبير ما يزال غير مفهوم وغير محدد.

جواب- "عندما أتحدث عن "الكتلة التاريخية" فإنني أطرح الفكرة، وأعتقد أنه يجب أن يقتنع بها الآخرون، ولا بد من نقاش حولها. "الكتلة التاريخية" هي أولا موقف تاريخي، يحتاج إلى اقتناع. يجب أن تقتنع جميع الأطراف: المعارضة العصرية (الليبرالية وغيرها) والإسلاميون (المعتدلون وغيرهم)، بأن أيا منها استلم الحكم بمفردها ستستبد كما يستبد الحكم القائم، وبالتالي ستفشل كما فشل. المهام والظروف الحالية أكبر مما كان يسمى بـ"الطليعة".

مفهوم الكتلة التاريخية غير مفهوم "الطليعة". كنا نقول "حزب الطليعة" : حزب رائد، يتولى القيادة، لأنه كانت هناك قوة سوفيتية وراءه، ومد ثوري عالمي يؤطر الجميع. أما اليوم فلا معنى لحزب الطليعة. كان له معنى، فقط في إطار الفكر الاشتراكي العالمي والأممية الاشتراكية وتيار التحرر العالمي الذي كان يؤطر الجميع. يمكن أن يكون عندنا اليوم طليعة فكرية وليس حزبا طليعيا. المطروح الآن كتلة تاريخية، تنطلق من أن كل طرف يقتنع أنه بمفرده لا يمثل الشعب، فهو من الناحية العملية لا يستطيع وحده أن يحقق الأهداف والمرامي والطموحات الشعبية. يجب أن نتفق على المهام المطروحة أمامنا جميعا، ونتفق على تحقيقها كمرحلة انتقالية لنجتاز المأزق الذي نحن فيه.

هذا المفهوم يحتاج إلى شرح ونقاش، ويحتاج إلى من يعارضه، كي يتمكن الداعي إليه من تعميق الفكرة. أنا لا أطرح حلا سحريا.

سؤال - لكنه يحتاج أيضا إلى عصب فكري يشده.

جواب - طبعا. طبعا، أنا أطرح ذلك للنقاش. وأطرحه على مستوى ثقافي. لا أطرح ذلك كحزب، ولا كجهة سياسية تدعو إلى جبهة. الفكرة يجب أن تحصل على إجماع ثقافي، ثم بعد ذلك تلتمس طريقها نحو التحقق.

الكتلة التاريخية... والاختراق الثقافي

سؤال- في كتاباتك الأخيرة حديث عن غزو ثقافي غربي ضدنا، أو اختراق ثقافي –كما تعبر أحيانا- كيف يمكن، في رأيك، مواجهة مثل هذا الغزو أو الاختراق؟

جواب - لا يمكن أن نواجه هذا الغزو أو الاختراق إلا بكتلة تاريخية. لأنه ليس ذا طابع إيديولوجي يمكن أن تقاومه بإيديولوجيا مضادة. الغزو الثقافي عزو عام، يغزو سلوكنا، من خلال الصورة: الإشهار يغزو تصوراتنا، يفرض علينا سلعا معينة للاستهلاك، للبيع والشراء. وبالتالي فالمعرض له هو الإسلامي والقومي والدولة، أي الشعب كله، الذي يريده الغازي أن يصيره أدوات استهلاكية، كما هو مُكيَّفُ الشعب الأمريكي ومُسَيَّر، عن طريق التلفزيون ووسائل الإعلام والصورة.

عصرنا هو عصر الاتصال الذي يخطف الأبصار والعقول، ويغزو السلوك الوجدان. وكل واحد معرض لهذا الغزو. وهو غير الدعاية الإيديولوجية. فالإيديولوجيا لها خصوم معينون، تحارب طبقة أو فئة معينة. أما هذا الغزو، فهو يستهدف جميع الطبقات والفئات. إذن: مقاومته تتطلب كتلة تاريخية، أي إجماعا وطنيا يعي الظاهرة وأبعادها، ويعي أن واحدا لا يستطيع أن يقاومه بمفرده، سواء كان حزبا أو تيارا. فإذا لم يتكتل المجتمع لمقاومته، أولا ببناء نفسه، وبناء ثقافته، وتجميد التناقضات داخله، وتحضير المقاومة والدفاع، بنفس مستوى هجوم الخصم، فلا يمكن التغلب عليه. يمكن في هذا الإطار أن نستعين بوسائل الاتصال المتاحة كالبث عبر الأقمار الاصطناعية الموجودة. نعم هناك قنوات عربية فعلا، ولو أن هناك سياسة ثقافية عربية مشتركة، لكانت هذه القنوات تؤدي المهمة. ولو أن الكتلة التاريخية موجودة لكانت حققت ذلك.

يجب أن يقتنع الجميع بهذه الفكرة، ولكي يقتنعوا يجب أن تروج وتناقش، بعيدا عن التحزب لإيديولوجيات معينة.

الكتلة التاريخية والبحث الاجتماعي الميداني...

وفي فقرة من مقال نشرناه في مجلة الوسط بتاريخ 21-02-2000، قلت ما يلي:

"...وإذن، فدراسة تشكل المجتمع المدني وسير عملية التحول الديمقراطي في الأقطار العربية، دراسة ميدانية وثائقية، لا يمكن أن تلمس مفاصل المجتمع وتمفصلاته ولا ذبذبات الحراك الاجتماعي، بدون خلفية نظرية تربط الباحث بمعطيات المجتمعات العربية وطبيعة تكوينها وأنواع الصراع فيها واتجاه الحركة داخلها، بدل أن يبقى الباحث الميداني مشدودا إلى مفاهيم وقياسات وتصورات ونماذج تجد خلفيتها النظرية وأساسها الاجتماعي التاريخي في واقع آخر غير الواقع العربي، الواقع الأوروبي بالدرجة الأولى .

هذا فيما يخص التحليل ومستلزماته النظرية. أما فيما يخص الآفاق فإنه من الضروري إعطاء الأولوية للجانب الثقافي. وهذا لا يعنى جعل الشواغل الفكرية المحض تنوب عن الممارسة السياسية والفعالية الاقتصادية. كلا. إن أولوية الثقافي تعني، في السياق الذي نتحرك فيه، قيام نوع من الإجماع الفكري بين جميع التيارات السياسية والطبقات والفئات والنخب حول قضايا وأهداف وطنية، اقتصادية واجتماعية وثقافية سياسية وقومية، تفرضها الظروف الراهنة على الأمة ككل. إن الأمر يتعلق هنا لا ببرنامج مرحلي لجبهة من القوى، بل بأهداف تاريخية يتطلب إنجازها قيام كتلة تاريخية تضم أكثر ما يمكن من الشرائح والفصائل والنخب، لأنها أهداف لا تستطيع أية طبقة أو فئة أو حزب أو جماعة بمفردها القيام بها وحدها. إن هذا لا يعنى أن على جميع المدعوين للانخراط في هذه الكتلة التاريخية أن يتخلوا عن مشاريعهم الأيديولوجية ومدنهم الفاضلة، بل إن كل ما هو مطلوب هو وضع ذلك في موضعه الذي يسمح به الظرف التاريخي. والظرف التاريخي القائم اليوم يفرض نوعا من التأجيل - لمدة قد تطول أو تقصر - لكل طموح إلى التعميم الأيديولوجي الذي يقوم به عادة كل ذي إيديولوجيا. صحيح أنه ليس من مهمة الباحث السوسيولوجي الميداني التبشير بهذا الحل أو ذاك. ولكن بما أن الحل الذي يمر عبر الكتلة التاريخية كما حددناها هو أقرب إلى ما تتطلبه طبيعة المرحلة، فإنه سيكون عليه، أعني من مهام البحث السوسيولوجي الميداني، رصد إمكانيات قيام مثل هذه الكتلة والكشف عن العوامل المساعدة أو المعوقة. من هنا تصبح دراسة "المجتمع المدني" عاملا مساعدا على الدفع بالأمور نحو قيام مجتمع مدني وتحقيق تحول ديمقراطي، بدل السقوط في الحيرة واللاأدرية.

 

هوامش

1- إشارة إلى مذهب فلسفي يعرف باسم solipsisme وهو مذهب قال به بعض الفلاسفة في إطار "نظرية المعرفة"، وبالخصوص في النقاش حول مسألة : ما ذا يمكن للإنسان أن يعرف؟ وما علاقة ذلك بالموجود؟. قال بعضهم "الموجود هو ما أعرف"، والمقصود ما تمده به الحواس والخبرة. وهذا إلغاء لكل شيء غير "الأنا".