ما حقيقة الإيمان؟ وما حقيقة الكفر؟
محمد عابد الجابري
عندما رفع الخوارج شعارهم "لا حكم إلا لله" طرحوا بذلك قضية ستكون مثار جدل وصراع خلال جميع عصور التاريخ الإسلامي إلى عصرنا هذا. والسبب هو أن ذلك الشعار شعار إيديولوجي من النوع الذي تُعَرَّف به الإيديولوجيا بأنها "الرأي المضاد لرأيي"، وهذا في مجال الصراعات السياسية خاصة. وبما أن السياسة -زمن خوارج "الفتنة الكبرى" وخوارج كل وقت- لا تمارس في مجال خاص بها مستقل عن المجالات الأخرى، بل تمارس ضمن مجال الدين ويتم "الكلام" فيها بمفاهيم دينية، فإن هؤلاء الخوارج لم يكونوا يمتلكون ما به ينفصلون عن خصومهم السياسيين، لا على مستوى الفكر السياسي ولا على مستوى الاجتهاد الديني، سوى تهمة "التكفير". "والتكفير" في هذا المجال يحمل معنى فصل الآخر عن الذات، طرده، إقصاؤه، حجبه، إخفاؤه. وهو ضد "التفكير" الذي هو ربط الشيء بالذات، كشف المعنى، استنباط، وأيضا: استذكار واستحضار...
التكفير من "الكفر". وليس ثمة في قواميس اللغة ما يربط هذه الكلمة بأصل لغوي سابق للإسلام، يفيد ما أصبحت تفيده زمن الدعوة المحمدية وبعدها. إن معظم القواميس تنطلق في تعريف الكفر بما هو ليس إياه، فنقرأ في لسان العرب عند أول الكلام عن مادة "ك.ف.ر" : "الكفر ضد الإيمان". وأيضا "والكُفْرُ: جُحود النعمة، وهو ضِدُّ الشكر". وفي مختار الصحاح "كل شيء غطى شيئا فقد كَفَرَهُ، قال بن السكيت ومنه سمي الكافِرُ لأنه يستر نعم الله عليه". أما صاحب "مقاييس اللغة" فيقول: "الكاف والفاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على معنىً واحد، وهو السَّتْر والتَّغطية... والكُفْر: ضِدّ الإيمان، سمّي لأنّه تَغْطِيَةُ الحقّ، وكذلك كُفْران النّعمة: جُحودها وسَترُها". ومنه : الكَفَّارة في الفقه: "ما كُفِّرَ به من صدقة أَو صوم أَو نـحو ذلك: قال بعضهم؛ كأَنه غُطِّيَ علـيه بالكَفَّارة".
إن تحديد "الكفر" بضده -"الإيمان"- يطرح ضرورة "تعريف الإيمان" أولا. وبما أن الجدل والصراع بعد حادثة التحكيم لم يكن يدور في المجال الديني، كمجال مستقل، إذ كان المجال مجالا سياسيا، بالدرجة الأولى، فقد تركز الجدل ليس حول "الكفر" الذي يوصف به من يقع خارج دار الإسلام، كما كان الحال مع قريش خصوم الدعوة المحمدية، بل حول "الكفر" الذي يرمى به من يقع داخل "دار الإسلام"، وهذا هو معنى "التكفير"، أي إسقاط "الإيمان" عنه لارتكابه كبيرة من الكبائر (كالقتل والسرقة والزنا والقذف...). كان "ارتكاب الكبائر" هي التهمة الدينية/السياسية التي رمى بها الخوارج جميع الذين تسببوا في قتل المسلمين، بل مارسوه في حروب الفتنة الكبرى، قادة وجندا، صحابة والمبشرين بالجنة ومن هم دون ذلك.
ومن هنا يمكن أن نتصور حجم "الفتنة الفكرية" التي أثاروها بإلصاقهم تهمة "الكفر" بمرتكبي الكبائر من هذا النوع. التهمة سياسية إذا نظرنا إليها في لحظتها السياسية. ولكن بما أن مضمونها ديني فهي تمتد إلى ما قبلها وما بعدها امتداد الدين نفسه. يتعلق الأمر إذن بتهمة تنسحب على السلف، انسحابها علىالخلف. ومن هنا ذلك الإرهاب الفكري الذي مورس من طرف الخوارج وأهل الدولة من الأمويين، سواء بسواء، عندما لجأوا إلى امتحان النوايا بمواجهة الناس بهذه الأسئلة: "ماذا تقول في معاوية وعثمان؟ وماذا تقول في علي؟ وما تقول في الحَكَمين؟ وفي "أهل صفين" جملة الخ؟
لقد سجلت لنا كتب "الفِرَق"، روايات تعكس مدى ثقل بدعة "التكفير" على الضمير الإسلامي، الديني منه والسياسي في ذلك الوقت. من ذلك ما سجله عبد القاهر البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق" حيث يقول: "كان الناس يومئذ (زمن قيام الخوارج) مختلفين في أصحاب الذنوب من أهل الإسلام، على فرق : فرقة تزعم أن كل مرتكب لذنب كبير أو صغير مشرك بالله، وكان هذا قول الأزارقة من الخوارج. وزعم هؤلاء أن أطفال المشركين مشركون ولذلك استحلوا قتل أطفال مخالفيهم وقتل نسائهم سواء كانوا من أمة الإسلام أو من غيرهم. وكانت الصفرية من الخوارج (أصحاب زياد بن الأصفر) يقولون في مرتكبي الذنوب إنهم كفرة مشركون، كما قالته الأزارقة، غير أنهم خالفوا الأزارقة في الأطفال. وزعمت النجدات (أصحاب نجدة بن عامر الحنفي) من الخوارج أن صاحب الذنوب التي أجمعت الأمة على تحريمها كافر مشرك، وصاحب الذنب الذي اختلفت الأمة فيه حُكِم على اجتهاد أهل الفقه فيه. وعذروا مرتكب ما لا يُعلم تحريمه بجهالة تحريمه إلى أن تقوم الحجة عليه. وكانت الإباضية من الخوارج (أصحاب عبد الله بن إباض) يقولون إن مرتكب ما فيه الوعيد (بالعقاب يوم القيامة) مع معرفته بالله عز وجل وما جاء من عنده كافر كفران نعمة وليس بكافر كفر شرك. وزعم قوم من أهل ذلك العصر أن صاحب الكبيرة من هذه الأمة منافق، والمنافق شر من الكافر المُظِهر لكفره. وكان علماء التابعين في ذلك العصر مع أكثر الأمة يقولون إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن لما فيه من معرفته بالرسل والكتب المنزلة من الله تعالى بأن كل ما جاء من عند الله حق، ولكنه فاسق بكبيرته، وفسقه لا ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام. وعلى هذا القول الخاص مضى سلف الأمة من الصحابة وأعلام التابعين".
في مثل هذا الجو من الفوضى والشك والحيرة يلجأ الناس إلى طلب الفتوى من أهل المعرفة، المحايدين الذين استحقوا ثقة الناس بسلوكهم والنأي بأنفسهم عن الفتنة. وفي الإطار تروي كتب الفرق الحادثة التالية: كان الحسن البصري يحدث الناس كعادته في المسجد، وإذا بشخص يدخل ويطرح هذا السؤال: "قال: : يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة! فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟ صمت الحسن البصري وأخذ يفكر. "وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر! ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن فقال الحسن: اعتزل عنا واصل فسمي هو وأصحابه: معتزلة".
أما الحسن البصري وكثير من الشخصيات الدينية المستقلة المحايدة فقد كانوا يصفون "مرتكب الكبيرة" بأنه فاسق ارتكب معصية. ولكن دون أن يسقطوا عنه صفة الإيمان ولا الإسلام استنادا إلى أنه ينطق بشهادة بالإسلام، ولا يخرج نفسه من جماعة المؤمنين. وقد طرح هذا الموقف مشكلة "التحديد" مرة أخرى. تساءل كثيرون: هل صحيح أن الإيمان قول فقط، أي مجرد تصريح بالإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، أم أنه قول وعمل. أي تصريح بما تقدم والعمل بما في الكتاب والسنة من أوامر ونواه.
هنا انقسم الناس إلى ثلاث فرق رئيسة: خوارج، ومرجئة، ومعتزلة. الخوارج موقفهم معروف: الإيمان عندهم قول وفعل. وكل من لم يعمل بما أمر الله ولم ينته مما نهى عن –كما يفهمون ذلك- فهو عندهم كافر مباح الدم كما كان كفار الجاهلية. وأما الفرق أو الاتجاهات الأخرى فهي لا تكفر مرتكب الكبيرة وبالتالي لا تبيح دمه ولكنها تختلف في تحديد الفرق بينه وبين المؤمن، قولا وفعلا، وفي تحديد نوع المصير الذي يستحقه يوم القيامة.
كان غيلان الدمشقي، الذي تحدثنا في المقال السابق عن مواقفه التنويرية في موضوع "الجبر والاختيار" وفي "مسألة الخلافة"، ممن تصنفهم كتب الفرق ضمن المرجئة (أعني الذين تجنبوا الحكم على مرتكب الكبيرة وأرجأوا أمره إلى الله يوم القيامة). وبما أن اصطلاح "الإرجاء" كان فضفاضا فقد ينبغي أن نحكم على غيلان بما قاله هو وأصحابه.
كانت الإشكالية المطروحة على كل من يريد معالجة هذه المسألة بالعقل مع التزام الموضوعية والحياد هي تجاوز منطق "إما... وإما". ذلك لأن معارضة الخوارج في ذلك الوقت قد تفسر على أنها تأييد للأميين، والعكس بالعكس. ولذلك كان الموقف العقلاني الصحيح يتطلب البحث عن قيمة ثالثة تتجاوز دعوى الخوارج والأمويين معا. وهذا ما حاول غيلان فعله. فمن جهة لم يجعل العمل شرطا في الإيمان كما فعل الخوارج، ومن جهة أخرى تجنب السقوط في تأييد دعوى الأمويين وأنصارهم الذين يقولون: الإيمان يكفي فيه القول وحده. وهكذا صاغ غيلان التعريف التالي للإيمان، قال: الإيمان "هو معرفة الله، معرفة صادرة عن تدبر واقتناع، ومحبته، والخضوع له، والإقرار بما جاء به الرسول. وأنه -أعني الإيمان- ليس خصلة واحدة إذا انفردت حصل بها، بل الإيمان اجتماع خصاله كلها، وأنه بالتالي لا يزيد ولا ينقص". أما عن تنفيذ الله وعيده يوم القيامة فقد وقف غيلان ضد فكرة "استثناء الخلفاء" التي روج لها الأمويون وغيرهم ممن يقولون إن الله إنشاء عاقب وإن شاء غفر... قال غيلان وأصحابه: "إن الله تعالى لو عفا عن عاص يوم القيامة عفا عن كل مؤمن عاص هو في مثل حاله، وإن أخرج من النار واحدا، أخرج من هو في مثل حاله"، لأن ذلك ما يقتضيه العدل". ويبدو أن هذا كان المنطلق في نظرية المعتزلة في "العدل"، إذ المقصود هو أن الله عادل، يجري حكمه على الناس بدون تمييز.
وقد ذكر بعض مؤرخي الفرق أن بعض المرجئة قالوا: "إن من شهد شهادة الحق (لا إله إلا الله…) دخل الجنة وإن عمل ما عمل"، حجتهم في ذلك أنه "كما لا ينفع مع الشرك حسنة كذلك لا يضر مع التوحيد سيئة". هذا بينما أعطى آخرون معنى آخر للإرجاء، هو طلب "الرجاء"، رجاء المغفرة. وهذا المعنى كان ينصرف أساسا إلى المسلمين الجدد الذين يجهلون فرائض الإسلام ومحرماته، فيرتكبون ذنوبا بسبب جهلهم.
واضح أن هذه المواقف كانت متأثرة إلى حد كبير بالظرف الذي قيلت في إطاره، فكانت مواقف دينية/سياسية، ولم تكن عقلية محض. ولكنها كانت بدون شك ممهدة لمحاولة واصل بن عطاء الذي أبدع موقفا جديدا، يتمثل في القول بقيمة ثالثة بين قيمة الكفر وقيمة الإيمان. إنها "المنزلة بين المنزلتين"، التي تمزق شرنقة منطق "إما...وإما". وهذا يتطلب قولا خاصا لبيان مضمونه وأبعاده، وتجلية آفاقه.
(انظر التفاصيل والمصادر في كتابنا "العقل السياسي العربي" الفصل التاسع فقرة 7)