ص1       السابق

 

 

8- منطق متعدد القيم يؤسس لعقلانية إسلامية أصيلة...

 

محمد عابد الجابري

رأينا في المقال السابق كيف حاول غيلان الدمشقي، أحد رواد الحركة التنويرية في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، تجاوز منطق "إما... وإما"، المنطق الذي يلغي التفاعل بين المختلفات والمتقابلات والمتناقضات، وينكر على الآخر حقه في أن يكون له رأي خاص، مغلقا بذلك الباب نهائيا أمام التسامح. إنه المنطق الذي تبناه الخوارج، زمن الفتنة الكبرى، في مسألة مرتكب الكبيرة، والذي واجهه الحكام الأمويون وأنصارهم بمنطق موغل مثله في اللاعقلانية عندما قالوا إن جميع أفعال الناس هي نتيجة قضاء وقدر من عند الله، وأن ليس للإنسان فيها دور، هادفين بذلك إلى إسقاط المسؤولية عنهم فيما قاموا به من غصب للحكم، وعسف، وظلم...

على أن عملية التجاوز التي قام بها غيلان الدمشقي للمآزق التي أوقع الفكرَ الإسلامي فيها منطقُ "إما وإما"، الذي تعصب له الخوارج في أول أمرهم (حدث تطور في بعض فرقهم لاحقا، كالإباضية الذين اقتربوا من فكر المعتزلة)، كانت متجهة إلى الحاضر بالخصوص، بمعنى أن غيلان وأصحابه (أو على الأقل ما وصلنا عنهم) لم يتجاوزوا مستوى الفتوى التي تجيب عن نازلة تحمل معها زمنيتها، إلى مستوى الحلول النظرية العامة التي تصلح لتجاوز المشكل المطروح تجاوزا تاريخيا، يشمل الحاضر والماضي والمستقبل.

هذا التجاوز التاريخي العام حققه واصل بن عطاء عندما انتشل المسائل المطروحة من منطق "إما ... وإما" (من منطق ثنائي القيم)، ليطرحها على مستوى منطق آخر، متعدد القيم.

كان واصل بن عطاء تلميذا للحسن البصري، المرجعية الدينية المتفتحة المحترمة من الجميع. على أن الحسن البصري إذا كان قد قاوم "الجبر" الأموي بتقرير قدرة الإنسان على الفعل، وبالتالي مسئوليته على ما يفعل، فإنه في مسألة "مرتكب الكبيرة" لم يخرج من دائرة المنطق ثنائي القيم إلا بإحالة الحكم في هذه المسألة إلى المشيئة الإلهية، وذلك بتقرير أن مرتكب الكبيرة مؤمن عاص، إن شاء الله غفر له. وهذا الموقف إن كان يعبر في الوقت نفسه على رفض لإيديولوجية التكفير "الخارجية" وعلى إدانة للأمويين إدانة "خفيفة" : "مؤمن عاص إن شاء الله غفر له"، فإنه ينطوي في ذات الوقت على نوع من التساهل في مسألة الوعد والوعيد. ذلك أنه إذا كان الله سيغفر للمؤمن العاصي، فمعنى هذا أنه سيخلف وعيده، علما بان الله توعد مرتكبي الكبائر بالعقاب الشديد. ومثل ذلك يقال بالنسبة لوعده أصحاب الحسنات بالثواب. والتساهل في "الوعد والوعيد" يؤدي حتما إلى تزكية ادعاء الخلفاء الأمويين بأنهم لا يجري عليهم حساب ولا عقاب الخ. وهكذا نعود إلى وضعية : "إما.. وإما" : إما إيديولوجيا التكفير، وإما إيديولوجية الجبر وما يرتبط بها من القول باستثناء الخلفاء الأمويين من العقاب.

وللخروج من هذا المنطق الضيق الثنائي القيمة عالج واصل بن عطاء هذه المسألة على مستوى منطق ثلاثي القيم، فقال إن مرتكب الكبيرة يقع في بمنزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر، هي منزلة "الفاسق" الذي هو: "لا مؤمن مطلقا ولا كافر مطلقا". وحسب ما نقله عنه الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل" فإن واصل كان يقرر "أن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا، وهو اسم مدح. والفاسق لم يستجمع خصال الخير وما استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنا. وليس بكافر مطلقا أيضا، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه لإنكارها. لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالدين فيها، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان : فريق في الجنة وفريق في السعير. لكنه يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار"(ج1 ص48). معنى ذلك أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار ما لم يتب قبل وفاته. وبالتالي فما دام في الدنيا حيا يرزق من دون أن يتوب فحكمه حكم الكافر ولكن مع تمتعه بـ"وقف التنفيذ" إلى آخر لحظة في حياته. وإذا عرفنا أن استراتيجية "القدريين" الذين ينتمي إليهم واصل كانت ترمي من جملة ما ترمي إليه التأثير في الحكام الأمويين وممارسة الضغط السياسي-الديني عليهم أدركنا المغزى السياسي لاشتراط التوبة. إن التوبة هنا تعني تراجع الأمويين عن سياستهم وسلوك سياسة الشورى والمساواة… التي ينادي بها القدريون. بعبارة أخرى لقد جعل واصل بن عطاء شرعية الحكم الأموي معلقة على التوبة، والتوبة تقتضي الاعتراف بالخطأ مع الندم والالتزام بعدم العودة إليه والتعهد بالعمل الصالح مستقبلا. وواضح أن هذا الموقف ينطوي على إدانة السلوك الذي صدر عن الأمويين في الماضي وفتح المجال لإمكانية تجاوز خطايا الماضي إلى الصلاح في المستقبل بالقيام بما نعبر عنه اليوم بـ"النقد الذاتي" والالتزام بالصلاح والإصلاح.

ذلك على صعيد المصالحة مع الحاضر والمستقبل. وتبقى المصالحة مع الماضي، التي لم تكن تقل أهمية في ذلك الوقت، خصوصا وقد كان الموقف الحقيقي من الحاضر إنما يتحدد من خلال الموقف المتخذ من الماضي. ومن هنا، حملات الإرهاب الفكري الذي كان يمارس على الناس بطرح أسئلة محرجة من قبيل: ما قولك في عثمان؟ وما قولك في علي؟ وما قولك في معاوية الخ؟

لقد كان على واصل بن عطاء، إذن، أن يجد صيغة للحكم على صراعات الماضي تنسجم وتتكامل مع قوله بـ"المنزلة بين المنزلتين"، وذلك ما قام به فعلا. فبدلا من تخطئة معاوية وأصحابه بالذات، أو علي وأصحابه بالذات، وبدلا من القول بـ "الارجاء" الذي ينطوي على تأييد ضمني للأمويين، بدلا من ذلك كله قال واصل "في الفريقين من أصحاب الجمل (حرب الجمل بين علي من جهة وطلحة والزبير وعائشة من جهة أخرى) وأصحاب صفين (فريق معاوية وفريق علي)، إن أحدهما مخطئ لا بعينه. وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه. قال : إن أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا محالة، لكن لا بعينه" (والمتلاعنان هما الزوج يتهم زوجته بالزنى فتنكر، ولا شهود لأي منهما، فيتلاعنان: كل منها يحلف مدعيا الصدق أربع مرات ويختم بالخامسة : "ولعنة الله على الكاذبين"). وهكذا فما دام كل من الفريقين (فريق علي وفريق معاوية) يدعي أن الحق معه، وأن خصمه هو الظالم، فإن أحدهما لابد أن يكون مخطئا، ("لأن الحق لا يضاد الحق" كما سيقول ابن رشد).

ومعنى ذلك، بلغة عصرنا، أن ملابسات الفتنة التي حصلت زمن عثمان، والحرب التي جرت بين علي وطلحة والزبير ثم بين علي ومعاوية ملابسات معقدة، يصعب إن لم يكن يستحيل تبين الخطأ من الصواب فيها خصوصا والروايات متناقضة… ولكن الواقع لا يرتفع : لقد تقاتل هؤلاء وتسببوا في قتل المسلمين، فالخطأ ثابت إذن. وبما أنه لا يمكن تحديد المخطئ بعينه فإنه من الضروري تجاوز ما حصل من خلاف وصراع واقتتال والاتجاه إلى المستقبل. أما الطرفان معا فسيبقيان محل شبهة وتهمة! والنتيجة المترتبة على هذا – في نظر واصل بن عطاء- "أن أقل درجات الفريقين ألا تقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين"(نفس المرجع ص 47). وواضح أن من بين ما يدخل في "الشهادة" رواية الحديث. ومن هنا كان واصل بن عطاء وغيره من المعتزلة لا يعتمدون الحديث أساسا ويقولون بأسبقية "العقل" على "النقل".

وكما "تكلم" واصل بن عطاء في مسألة "مرتكب الكبيرة" من منظور إثبات المسؤولية فعل الشيء نفسه في مسألة "القدر" سالكا مسلك زميليه معبد الجهني وغيلان الدمشقي وأستاذه الحسن البصري. ويلخص الشهرستاني رأيه في هذه المسألة كما يلي : كان واصل بن عطاء يقول. "إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه. فالعبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية، وهو المجازي على فعله… ويستحيل أن يخاطب -الله- العبد بـ "افعل" وهو لا يمكنه أن يفعل ولا هو يحس من نفسه الاقتدار والفعل. ومن أنكره فقد أنكر الضرورة (=العقلية : المنطق). واستدل بآيات على هذه الكلمات" (نفس المرجع والصفحة"). وكما "تكلم" واصل في "القدر" ضد إيديولوجيا الجبر الأموي "تكلم" كذلك في "الصفات" –صفات الله- في الإطار نفسه والهدف ذاته. قال إن الله لا يوصف بالعلم والقدرة والإرادة والحياة كما يوصف البشر. وواضح أن نفي الصفات من مقتضيات القول بحرية الإرادة لدى الإنسان، ومن ثمة ثبوت المسؤولية، فالثواب والعقاب.

لم يقتصر هذا الاتجاه العقلي الذي دشنه واصل على مواجهة الجبر الأموي والإرجاء السياسي الذي يخدم قضيتهم، بل إنه واجه أيضا ميثولوجيا الإمامة فقال بالشورى ورد على القائلين بـ "الوصية" و"البداء" (الذي قالت به بعض فرق الشيعة، ومعناه : أن يكون الله قد أقر أمرا ثم "بدا" له أن يلغيه ويقر أمرا آخر، وهو في السياسة قرين النسخ في الأحكام الشرعية)، مؤكدا حول هذه المسألة أن النسخ إنما يكون في الأحكام ولا يكون في الأخبار. كما تجند للرد على الثنوية والزنادقة والفرق الغنوصية الأخرى فناظر أصحابها وألف في الرد عليهم كتابا بعنوان "الألف مسألة في الرد على المانوية".

وهكذا نرى أن واصل بن عطاء، مؤسس فرقة المعتزلة، قد "تكلم" سياسيا في جميع القضايا التي أثيرت في عصره وحدد فيها وجهات نظر خاصة. ووجهات النظر التي حددها واصل في القضايا الأساسية التي ذكرنا هي التي سيطلق عليها فيما بعد مصطلح: "أصول المعتزلة"، وهي خمسة : 1) التوحيد (=التنزيه، نفي الصفات)، 2) والعدل (=الله لا يظلم، لا يجبر أحدا بفعل شيء ثم يعاقبه عليه)، 3) والمنزلة بين المنزلتين (مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا مطلقا ولا كافرا مطلقا، هو في حكم الكافر ما لم يتب). 4) والوعد والوعيد (الله ينفذ وعده بالثواب ووعيده بالعقاب ضرورة). 5) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد التزم بهذا المبدأ جميع رجال حركة التنوير التي تحدثنا عنها، والتي أسست لعقلانية إسلامية أصيلة، كانت هي الجسر الذي جعل ظهور العلم والفلسفة ممكنا في الحضارة العربية الإسلامية.