9- الردة بين
الخيانة للأمة والحق في الخطأ
محمد عابد الجابري
مسألة الردة من المسائل التي تنوعت فيها
الآراء بين علماء الإسلام واختلفت، وذلك راجع إلى تنوع واختلاف الكيفيات والظروف
التي تطرح فيها هذه المسألة.
وكما رأينا في مقال سابق، فقد قرر أبو بكر رضي الله عنه قتال
"أهل الردة" الذين امتنعوا عن دفع الزكاة له عندما خلف الرسول عليه الصلاة
والسلام في تسيير شؤون الدولة الإسلامية الوليدة، محتجين بأنهم إنما كانوا
يدفعونها للنبي، والنبي قد توفي. هذا بينما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى
رأياً آخر: لقد غلَّب أبو بكر مصلحة الدولة يوم كانت الدولة مهددة، فقاتل مانعي
الزكاة، أما عمر بن الخطاب فقد كان يرى أن الأمر يتعلق بأناس يعلنون إسلامهم،
وبالتالي لا يجوز قتالهم، مستندا إلى حديث مشهور قال فيه النبي عليه الصلاة
والسلام "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا
الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله". فقال أبو بكر
والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني
عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه.
وعندما تولى عمر الخلافة بعد وفاة أبي بكر والدولة وطيدة الأركان، ارتأى أنه من
المصلحة رد الاعتبار إليهم وطي الصفحة طيا. أما الردة بالمعنى العام الذي يعني
تغيير المسلم دينه بالرجوع عن الإسلام والالتحاق بدين آخر، فقد وردت في شأنها
نصوص واجتهادات.
لنبدأ بذكر النصوص وهي قسمان: قسم مكي ينتمي إلى قرآن الدعوة
وقسم مدني ينتمي إلى قرآن التشريع. القسم الأول يقرر، في جملته، حرية الاعتقاد.
من ذلك قوله تعالى مخاطبا رسوله الكريم:"ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم
جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس 99). ويقول سبحانه:"فإن أعرضوا
فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ" (الشورى 48). ويقول "فذكر إنما أنت
مذكر، لست عليهم بمسيطر" (الغاشية 21/22). ويقول:"وقل الحق من ربكم، فمن شاء
فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف 29). ويقول تعالى:"إنا خلقنا الإنسان من نطفة
أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا"
(الإنسان 2-3). وواضح أن هذه الآيات تقرر حرية الإنسان في الاعتقاد، فهو حر في أن
يعتنق الإسلام، لكنه إذا أعرض فليس من حق الرسول أن يجبره على ذلك.
وهنا يمكن أن يعترض معترض بما قاله كثير من المفسرين والفقهاء
من أن آية "القتال" قد نسخت الآيات السابقة. وبما أننا قد سبق لنا أن عرضنا رأينا
بشأنها في هذا المكان (مقال بعنوان: آيات القتال... والنسخ، والعموم والخصوص. نشر
بتاريخ 17-06-2003)"، حيث ناقشناها على ضوء مسألة النسخ والخصوص والعموم،
وربطناها بالظروف التي نزلت فيها، وهي ظروف فتح مكة وقتال المشركين من أهلها
خاصة، فإننا سنكتفي بالتذكير هنا بالآيات التالية التي نزلت في المدينة وتنتمي
إلى عهد آيات التشريع: يقول تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ
الرُّشْدُ مِنْ الغَيّ" (البقرة 256). ويذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية
روايات متعددة مفادها أن شخصا أو أشخاصا رجعوا عن الإسلام والتحقوا بالنصرانية أو
غيرها من الأديان وأراد ذووهم ملاحقتهم وإجبارهم على الرجوع إلى الإسلام، ولما
عرضوا المسألة على النبي نزلت الآية:" لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ". هذا من جهة،
ومن جهة أخرى ورد في الآيات المدنية قوله تعالى:"ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو
كافر فأولئك حبطت أعمالهم" (البقرة217) وأيضا "إن الذين يشترون بعهد الله
وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة! (آل عمران 77) ويقول: "كيف
يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم بالبينات، والله لا
يهدي القوم الظالمين. أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"
(آل عمران 86-87). ويقول تعالى:"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع
غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا" (النساء 115). وأيضا:
"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ
ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ
سَبِيلا" (137).
في جميع هذه الآيات التي نزلت كلها في المدينة نجد أن حكم
المرتد، كما يتحدد في سياقها، هو لعنة الله، غضب الله، جهنم، وليس القتل. نعم
هناك حديث مروي عن ابن عباس، أساسا، تذكره معظم كتب الحديث، ورد فيه قول النبي
صلى الله عليه وسلم "من بدل دينه فاقتلوه". ودون الدخول في مسألة النسخ مرة أخرى
والتساؤل هل تنسخ السنة القرآن؟ نكتفي هنا بذكر النازلة التي ورد فيها هذا
الحديث، وملخصها أنه جيء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأناس مرتدين يعبدون
صنما فأحرقهم. فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرِّقْهم، لأنَّ النبيَّ
صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذِّبوا بعذاب الله (يعني النار)، وإنما قتلتهم لقول
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم:"من بَدَّلَ دِينه فاقتلوه".
فالنازلة تتحدث عن ممارسة ظاهرة للكفر بعد الإسلام. وبعبارتنا
المعاصرة لقد ضبط المتهم في حالة تلبس. أما في حال عدم الممارسة أو في حال إقرار
المتهم بشهادة الإسلام فلا يجوز قتله، إذ لا يجوز شرعا محاكمة الناس على نواياهم.
وهذا طبقا لقاعدة فقهية نصها "إن الأحكام مبنية على الإقرار بظاهر اللسان لا على
ما في القلب إذ هو باطن لا يوقف عليه". وهي قاعدة مستخلصة من قوله تعالى:"يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا
تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (النساء94). ويقول المفسرون إن هذه
الآية نزلت عندما أغار رجل من المسلمين على رجل من المشركين، فحمل عليه، فقال له
المشرك: إني مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المسلم بعد أن قالها، فبلغ ذلك
النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال للذي قتله: "أَقَتَلْتَهُ وَقَدْ قَالَ لا إله
إلا الله"؟ فقال وهو يعتذر: يا نبيّ الله إنما قالها متعوّذا وليس كذلك. فقال
النبيّ صلى الله عليه وسلم:"فَهَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟". وفي خبر آخر "أنه
لما قتل علي رضي الله عنه: من قال: لا إله إلا الله. قال له النبي عليه
السلام:"لم قتلته يا علي". قال علي: علمت أنه ما قال بقلبه، فقال عليه السلام:"هل
شققت قلبه".
وفي هذا الاتجاه يندرج ما روي من أن أنه "قَدِمَ عَلَى عُمَرَ
بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبَِي مُوسَىٰ فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ
فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ مُغْرَبَةِ خَبَرٍ؟ قَالَ: : نَعَمْ، كَفَرَ
رَجُلٌ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ، قَالَ: فَمَا فَعَلْتُمُ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ
فَضَرَبنا عُنُقَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلاَّ حَبَسْتُمُوهُ ثَلاَثاً
وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفاً وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ
وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ؟ اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ وََلَمْ أَرْضَ
إِذْ بَلَغَنِي". وروي أيضا عن أنس قال: "َقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ فَقَالَ:"يَا أَنَسُ مَا فَعَلَ السِّتَّةُ الرَّهَطُ مِنْ بَكْرِ بْنِ
وَائِلٍ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ فَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قُتِلُوا بِالْمَعْرَكَةِ، فَاسْتَرْجَعَ
عُمَرُ (كرر السؤال)، قُلْتُ: وَهَلْ كَانَ سَبِيلُهُمْ إِلاَّ الْقَتْلَ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: كُنْتُ أَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمَ فَإِنْ أَبَوْا
أَوْدَعْتُهُمْ السِّجْنَ".
من جميع هذه النصوص يتبين أن قتل المرتد حتى وإن كفر وأشهر كفره
كان آخر ما يلجأ إليه، هذا إذا أعلن ارتداده وأصر على الردة ورفض التوبة. وإذا
نحن تأملنا مقصد الشرع من الحكم بالقتل على المرتد الذي من هذا النوع، فإننا
سنجده مرتبطا بالضرر الذي يمكن أن يلحقه هذا المرتد بالمجتمع والدولة. ذلك أن
غالبية الفقهاء الأئمة قالوا لا تقتل المرأة إذا ارتدت وعللوا ذلك بأن ردتها لا
يلزم عنها في العادة ضرر بالجماعة لأن النساء يتبعن الرجال، لا العكس. كما قال
كثير منهم بأن الصبي والعاجز والمجنون لا يحكم عليهم بالقتل إن ارتدوا، لنفس
السبب، بمعنى أنه من غير المحتمل أن ينجم عن ردتهم ضرر على الأمة.
في هذا الإطار يجب - في نظري- أن نفهم الفارق بين الآيات التي
نزلت في حق المرتدين والتي تخلوا من العقاب ما عدا عقاب الدار الآخرة-، كما
أوضحنا أعلاه، وبين النصوص والمواقف المحكومة باعتبار مصلحة الأمة والدولة. ذلك
لأن "المرتد"، بهذا الاعتبار، بعد قيام الدولة الإسلامية، لم يكن مجرد شخص يغير
عقيدته لا غير، بل هو شخص خرج عن الإسلام عقيدة ومجتمعا ودولة. وإذا أخذنا بعين
الاعتبار أن دولة الإسلام في المدينة، زمن النبي وزمن الخلفاء الأربعة، كانت تخوض
حربا مستمرة (مع المشركين العرب، ثم مع الروم والفرس)، أدركنا أن "المرتد"، زمن
هذه الدولة، هو في حكم الشخص الذي يخون وطنه ويتواطأ مع العدو زمن الحرب-
بالتعبير المعاصر. وحروب الردة على عهد أبي بكر الصديق لم تكن فقط ضد مانعي
الزكاة، بل كانت أساسا ضد أناس لم يقتصروا فقط على "خيانة" دولة الإسلام التي
انضموا إليها زمن النبي عليه الصلاة والسلام، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، إذ نظموا
أنفسهم للانقضاض عليها كما تحكي ذلك كتب التاريخ. فـ "المرتد" بهذا المعنى هو من
خرج على الدولة الإسلامية "محاربا" أو متآمرا أو جاسوسا للعدو، الخ...
وإذاً فحكم الفقه الإسلامي على "المرتد" بهذا المعنى ليس حكما
ضد حرية الاعتقاد، بل ضد خيانة الأمة والوطن والدولة، فضلا عن الدين، والتواطؤ مع
العدو أو التحول إلى لص أو عدو محارب.
أما الخطأ في الفهم والتأويل فشيء لا يعاقب الإسلام عليه بل
بالعكس. فالإسلام يعترف بحق الخطأ. ومرتكب الخطأ في الفهم أو التأويل لا علاقة له
إطلاقا مع وضعية المرتد، فلا يجوز تكفيره. يقول ابن تيمية وهو من أكثر الفقهاء
تشددا:"... بَيِّنٌ أن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم لا يجوز
تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه،... فإن تسليط الجهال على تكفير علماء
المسلمين من أعظم المنكرات". وبعد أن يشير إلى اختلاف المجتهدين أضاف: ومع هذا
فقد اتفق المسلمون على أنه لا يكفر أحد من هؤلاء الأئمة؛ ومن كفرهم بذلك استحق
العقوبة الغليظة التي تزجره وأمثاله عن تكفير المسلمين؛ وإنما يقال في مثال ذلك:
قولهم صواب أو خطأ. فمن وافقهم قال: إن قولهم الصواب. ومن نازعهم قال: إن قولهم
خطأ، والصواب قول مخالفهم"..