ص1      السابق

ابن خلدون ومفهوم الدولة ...

محمد عابد الجابري

في المقال السابق أبرزنا كيف أن مفهوم "الدولة" كما يجري استعماله اليوم في الخطاب العربي الحديث والمعاصر ليس امتدادا لظروف مشابهة لتلك التي أنتجت هذا المفهوم في الفكر الأوربي خلال نهضته الحديثة، بل هو مفهوم خاص نشأ وبقي مرتبطا مع معطيات التجربة الحضارية العربية الإسلامية، مما جعل أحد الفرنسيين (برتراند بادي) يطرح من منظور سياسي سوسيولوجي إشكالية عدم تطور الدولة في الحضارة العربية الإسلامية إلى النمط الذي تطورت إليه الدولة في أوروبا : دولة المؤسسات الديمقراطية. والأساس الذي يقوم عليه الاختلاف بين مسار تطور الدولة هنا ومسار تطورها هناك هو حضور "الكنيسة" في أوربا كسلطة دينية تزاحم وتنافس السلطة المدنية (دولة الأمير والإمبراطور) الشيء الذي أدى إلى صراع مرير انتهى بتغلب السلطة المدنية على السلطة الدينية وبالتالي قيام "الدولة العلمانية"، الدولة الذي تحتكر السلطة السياسية تاركة شأن الدين عقيدة وممارسة للكنيسة.

وكان مفكر فرنسي آخر قد أثار نفس الإشكالية، قبل بادي بنحو عقد من الزمن، من منظور ماركسي فتساءل في كتاب له بعنوان "الإسلام والرأسمالية": "لماذا لم تتطور الأوضاع الاقتصادية في التجربة الحضارية العربية الإسلامية إلى النظام الرأسمالي كما حدث في أوروبا؟ لقد أتجه هذا الباحث المستشرق إلى دراسة أنظمة الاقتصاد في اٌلإسلام، كما شرع لها الفقهاء في عصور مختلفة، فانتهى إلى أن تلك الأنظمة لم تكن لتعيق في شيء إمكانية تطور الاقتصاد في الحضارة العربية الإسلامية إلى نظام رأسمالي أو شبيه بالرأسمالية، وبالتالي خلص إلى النتيجة التالية: وهي أن الإسلام كدين وتشريع فقهي لم يكون يشكل عائقا أمام قيام الرأسمالية. ولست أعلم هل هذه النتيجة التي انتهى إليه ماكسيم رودنسون هي التي دفعت برتراند بادي إلى طرح الإشكالية من منظور المقارنة بين الظروف التي أنتجت الدولة الأوربية الحديثة (الرأسمالية) وبين تلك التي قد تكون قد قامت عائقا دون ذلك، فانتهى إلى القول بأن المسؤول هو "غياب الكنيسة".

وما أفهمه شخصيا من غياب الكنسية في الحضارة العربية الإسلامية ليس غياب دور الدين في الحياة السياسية ولا غياب توظيفه لأغراض سياسية، فجميع الثورات والتمردات التي عرفها التاريخ الإسلامي قديما وحديثا كانت إما باسم الدين (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وإما باسم دعوة دينية طائفية ... إن غياب الكنيسة في الإسلام معناه في هذا الإطار هو غياب مؤسسة ملموسة مجسمة تمتد بأجهزتها الملموسة إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فضلا عن الحياة الثقافية والروحية. إن غياب مثل هذه المؤسسة التي  تحتكر الدين وسلطته على الناس يجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل إقناع الناس بأن "العلمانية" (وما تحمله من مضامين وقيم) هي البديل؟ لأن الجواب عن مثل هذا السؤال، في وضع لا كنيسة فيه، ممتنع! إذ لا يمكن أن يقال إن المطلوب تحرير الناس من سلطة الكنيسة لأن الدين الإسلامي هو نفسه هو ثورة على الكنيسة (لا رهبانية في الإسلام)، كما أن الدين الذي يستغني عن الكنيسة هو ما كانت تهدف إليه الحركات النهضوية والإصلاحية والثورية في أوربا.

يمكن أن يقال إن غياب الكنيسة في التجربة الحضارية الإسلامية قد ترك "فراغا" استغلته السياسية على نطاق واسع، حتى صار كل ذي طموح سياسي (مشروع و غير مشروع) يرفع راية الدين فيتحول هو وأشياعه إلى كنيسة! بل قد يحدث أن ينصب كل شخص نفسه كنيسة، ليس فقط ضد السياسة بل أيضا ضد الذين يرون أن الدين يجب أن يحمي نفسه وتحميه الدولة من فتنة السياسة!

ونحن عندما نستعيد هنا هذه الإشكالية وما يرتبط بها من تساؤلات لا نقصد الخوض فيها على القصد الأول، بل نستعيدها فقط لأن قراءة واقعنا السياسي الراهن بعيون ابن خلدون يجر حتما إلى طرح السؤال التالي: ترى! ماذا عسى أن يكون قد تبقى من نظريات ابن خلدون، الاجتماعية السياسية الاقتصادية الثقافية الخ، مما له علاقة بالإشكالية التي طرحها المفكران الأوربيان المذكوران. ومع أن كلا منهما يصرح بأن غرضه فهم هذه الإشكالية بعيدا عن إيديولوجيا التوسع الاستعماري، فإنا نعتقد أن ما دفعهما، في العمق، إلى الخوض فيما يميز مسار التطور في أوربا إلى الرأسمالية والديمقراطية، وغياب هذا المسار في العالم العربي الإسلامي، هو الرغبة في استكمال "الأنا" للمعرفة بنفسها من خلال نوع من التعرف على "الآخر"... وهذه مسألة أخرى؛

لنعد إلى ابن خلدون الذي نحاول من خلال "المقدمة" التي قدم به لكتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"! ومع أننا مقتنعون بأنه لا معنى لأن نطلب من صاحب المقدمة عناصر من "ديوان المبتدأ والخبر" عن "ذوي السلطان الأكبر في زماننا" إلا أننا سنجده يقدم شهادة ثمينة عن "مبتدأ" نشأتهم و"خبر" تراجع من سماهم "العرب والعجم والبربر" الذين لم يعد، بعد، في إمكاننا أن نقول عنهم إنهم من "ذوي السلطان الأصغر"! كلا. إنهم ما زالوا في قبضة "السلطان الأكبر" الذي سكت عنه كل من الباحثين الأوربيين المذكورين شأن جميع من يكتب عن "الأنا" من خلال "الآخر". وما يميز ابن خلدون عنهم هو أنه قد حاول التعرف على "الأنا من خلال معطيات "الأنا" نفسها.

***

يرتبط مفهوم الدولة عند ابن خلدون بنظريته في العصبية ارتباطا عضويا. ولذلك كان معنى الدولة عنده يختلف باختلاف الزاوية التي ينظر منها إلى العصبية الحاكمة ورجالاتها والعلاقات السائدة بينهم من جهة، وبينهم وبين العصبيات الخاضعة لهم من جهة ثانية. ولعل أكثر الأخطاء التي وقع فيها بعض الباحثين في تأويلهم وشرحهم لآراء ابن خلدون في الدولة، راجعة إلى هذه النقطة بالذات. ولذلك بات من الضروري، قبل شرح آرائه وتحليلها، في هذا الموضوع، تحديد مفهومه أو على الأصح، تصوراته للدولة، تحديدا يمكننا من وضع آرائه فيها في المكان الذي تستحقه.

وتجنبا لكل غموض أو التباس، يمكن أن ننطلق، من هذا التعريف الذي نقترحه للدولة، ومن وجهة نظر ابن خلدون: الدولة عند ابن خلدون هي الامتداد المكاني والزماني لحكم عصبية ما. ومن هنا يمكن تصنيف آرائه فيها إلى قسمين: ما يتناول امتداد الدولة في المكان، أي مدى نفوذها واتساع رقعتها، وما يتناول استمرارها في الزمان، أي مختلف المراحل التي يجتازها حكم العصبية الحاكمة من يوم استلامها السلطة إلى يوم خروجها من يدها.

وهكذا، فإذا نظر أبن خلدون إلى الدولة حيث امتداد حكم العصبية الغالبة في المكان، ولنقل من الناحية الأفقية، وجدها نوعين: دولة خاصة، ويقصد حما حكم عصبية خاصة في إقليم معين، تابع ولو نظريا لحكم عصبية عامة تمتد سلطتها إلى أقاليم عديدة فتشكل هكذا الدولة العامة. فالدولة البويهية مثلا هي دولة خاصة بالنسبة إلى الدولة العباسية التي كانت تشملها وتشمل غيرها من الإمارات، مما جعل منها دولة عامة. فالدولة العامة إذن هي الدولة التي لا تخضع لغيرها بشكل من أشكال الخضوع، والتي قد تمتد سلطتها فعليا إلى جميع المناطق الداخلة تحت نفوذها، كما قد تكون سلطتها على بعض الأقاليم التي قامت فيها دول خاصة، أو إمارات، سلطة اسمية فقط. وبهذا الاعتبار فإن سلطة الدولة الخاصة "ملك ناقص"، في حين أن سلطة الدولة العامة "ملك تام".

أما إن نظر ابن خلدون إلى الدولة من الناحية العمودية، أي من حيث استمرار حكم العصبية الغالبة، في الزمان، فهو يصنفها إلى صنفين: دولة شخصية، وهي حكم شخص واحد من أهل العصبية صاحبة الملك والرئاسة، مثل دولة معاوية، أو دولة يزيد، أو دولة هرقل، أو دولة المأمون... الخ، وهي بطبيعة الحال محدودة زمنيا بمدة حكم هذا الشخص. والصنف الثاني هو الدولة الكلية، وهي مجموع الدول الشخصية التي ينتمي أصحابها إلى عصبية واحدة، خاصة كانت أو عامة. وبعبارة أخرى إنها مدة حكم عصبية ما. فالدولة الأموية مثلا دولة كلية باعتبارها دولة عصبية خاصة من العصبيات العربية، وهي عصبية بني أمية. والدولة العربية سواء كانت أموية أو عباسية هي أيضا دولة كلية باعتبارها دولة عصبية عامة واحدة، هي عصبية العرب جميعا، وذلك في مقابل دولة الروم أو الفرس.