دور الفئات الوسطى في دولة العصبية.
محمد عابد الجابري
اقتصرنا لحد الآن على عرض آراء ابن خلدون حول الطرفين المتناقضين: خشونة البدأوة التي يختص بها البدو الرحل، ورقة الحضارة التي يؤول إليها أمر هؤلاء البدو أنفسهم، بعد استيلائهم على السلطة وتأسيس الدولة، ساكتين هكذا عن الفئات الوسطى التي كانت تتشكل منها ما كان يطلق عليه "طبقة العامة " (الفلاحون، الصناع، التجار... الخ).
والواقع أن هذه الفئات الوسطى لم تكن تقوم –من وجهة النظر الخلدونية- بأي دور أساسي في أحداث التاريخ الإسلامي، أو على الأقل، نادرا جدا ما كانت تأخذ بزمام المبادرة في هذه الأحداث. إن معظم الثورات والدول التي قامت منذ البعثة المحمدية إلى عهد ابن خلدون، إنما قام بها، أو على الأقل كانت القوة العسكرية التي تعتمد عليها، هم هؤلاء "لعرب، وفي معناهم ظعون البربر وزناتة بالمغرب، والأكراد والتركمان والترك بالمشرق". أما غير هؤلاء فلم يكن في إمكانهم القيام بأي عمل جماعي منظم لفساد عصبيتهم بالاختلاط، واختلاف المهنة، واختلاف المصالح، والخضوع دوما، أو في معظم الأحوال، للسلطة المركزية وأصحاب الجاه والنفوذ. وهكذا:
- فالفلاحون كانوا في الغالب "مستضعفين وأهل عافية"، لأن الفلاحة لم يكن يشتغل بها أحد "من أهل الحضر في الغالب، ولا من المترفين، ويختص منتحلها بالمذلة" وإذا كان الإنتاج الزراعي قد عرف أحيانا فترات ازدهار، فإن فائض هذا الإنتاج كان يذهب في الغالب إلى "بيت المال"، إما على شكل جبايات ومغارم، وإما على شكل تسديد الديون القديمة، وإما على شكل مصادرات وضرائب تعسفية؛ ومن هنا بقي الفلاح دوما "غارما ذليلا يائسا بما تتنأوله أيدي القهر والاستطالة"، فيقعد عن الإنتاج، أو لا ينتج إلا ما هو ضروري لقوته وقوت عياله.
وعلى العموم فإن العقار، وأهمه يومذاك الأرض الزراعية، لم يكن يفيد مالأ ولا ثروة، بل إن "فوائد العقار والضياع غير كافية لمالكها في حاجات معاشه إذ هي لا تفي بعوائد الترف وأسبابه، وإنما هي في الغالب لسد الخلة وضرورة المعاش (...) وأما التمول منه وإجراء أحوال الموظفين فلا. وقد يحصل ذلك منه للقليل أو النادر بحِوالة (تحول)الأسواق (...) إلا أن ذلك إذا حصل ربما امتدت إليه أعين الأمراء والولاة واغتصبوه في الغالب".
- ومثل الفلاحة في ذلك: التجارة؛ فهي لم تكن تدر ربحا إلا إذا اعتمدت على جاه يحميها ويعززها. لقد كانت التجارة في الحقيقة تجارة السلطان وحاشيته، أما غير هؤلاء، فلم يكن يحصل على "التافه من الربح إلا بعظم العناء والمشقة، أو لا يحصل، أو يتلاشى رأس ماله". إن الكسب من التجارة كان يتطلب علاوة على الخبرة، ورأس المال الكافي، الجاه والسلطة. "أما من كان فاقد الجرأة والإقدام من نفسه، فاقد الجاه من الحكام، فينبغي أن يجتنب الاحتراف بالتجارة، لأنه يعرض ماله للضياع والذهاب ويصير مأكلا للباعة، كما يصير أيضا "نهبا بوجوه التحيُّلات وأسباب الحكام".
- أما الصناعات (الحرف والمهن) فقد كان رواجها يكاد يكون محصورا في "السوق الأعظم" أي في مركز الدولة (العاصمة). فـ "الصنائع وإجادتها إنما تطلبها الدولة، فهي التي تنفق سوقها، وتوجه الطلبات إليها". وهي لا تطلب من الصناعات إلا ما يستهلك أو يدخل في نطاق الاستهلاك المنزلي. ومن هنا كانت الصناعات في معظمها صناعات استهلاكية: الثياب، المأكولات، الأواني، مواد الزينة، مواد البناء... الخ. ولذلك يقرن ابن خلدون دومآ "الحضارة" بـ "التفنن في الترف، واستجادة أحوال المنزل".
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الدولة، أي أصحاب الجاه والنفوذ، لم يكونوا يدفعون للصناع من الأثمان إلا القليل: فصاحب الجاه "مخدوم بالأعمال، وقَِيَم الأعمال تعود عليه". ومن ثمة فإن الصنائع مثلها مثل الفلاحة والتجارة لم تكن توفر لأصحابها أي فائض، وبالتالي، لم يكن المشتغلون بهذه المهن، في وضع يمكنهم من تشكيل قوة اقتصادية أو طبقة اجتماعية تستطيع القيام بدور فعال في الأحداث السياسية.
وكما كرر ابن خلدون مرارا، فإن الثروة في هذا النوع من الاقتصاد- اقتصاد الغزو- تابعة للجاه، للسلطة والنفوذ. "فإن كان الجاه متسعا. كان الكسب الناشئ عنه كذلك. وإن كان ضيقا قليلا فمثله". ولذلك كان "أكثر التجار وأهل الفلاحة في الغالب، وأهل الصنائع كذلك، إذا فقدوا الجاه واقتصروا على فوائد صنائعهم، فإنهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الأكثر، ولا تسرع إليهم ثروة، وإنما يرمقون العيش ترميقآ، ويدافعون ضرورة الفقر مدافعة".
ومع أن هذه الفئات الوسطى- الفلاحين والتجار والصناع- كانت تعرف بعض اليسار في بعض الأحيان، فإنها لم تكن في وضع يمكنها من تشكيل طبقة أو طبقات متميزة منفردة، ذلك لأن "طبقة" الخاصة التي كانت تتكون من الحكام والأعيان، من الموظفين والعلماء والشعراء والمغنين... الخ، لم تكن هي الأخرى تشكل طبقة بالمفهوم الحديث لكلمة "طبقة". فهي لم تكن تمتلك وسائل الإنتاج، أو أن ما كانت تمتلكه منها لم يكن كافيا، ولا قادرا على أن يجعل منها طبقة اجتماعية تستثمر وتستغل. إن هذه الفئة- فئة خاصة- لم تكن طبقة منتجة، وإنما كانت تعيش من "الإمارة"، من "الأموال السلطانية".
نعم، لقد تعرضت هذه الفئات الوسطى- طبقة العامة- خاصة الفلاحين منها للاستغلال الفظيع أحيانا. ولكن المستغل لم يكن طبقة اجتماعية، بل كان: الدولة. إن اقتصاد الغزو ثروة تتجمع عند الدولة بوسائل الدولة، لينفقها أهل الدولة. يقول ابن خلدون: "الدولة تجمع أموال الرعية وتنفقها في بطانتها ورجالها، فيكون دخل تلك الأموال ممن الرعايا وخرجها في أهل الدولة ثم فيمن تعلق بهم". ومن هنا كانت الدولة هي "السوق الأعظم، أمُّ الأسواق كلها، وأصلها ومادتها في الدخل والخرج. فإن كسدت مصاريفها فأجدر بما بعدها من الأسواق أن يلحقها مثل ذلك وأشد منه. وأيضا فالمال إنما هو متردد بين الرعية والسلطان، منهم إليه، ومنه إليهم. فإذا حبسه السلطان فقدته الرعية".
الدولة تنفق الأموال لتعود إليها: تنفقها على شكل أعطيات ابتداء من أجور الموظفين إلى الهدايا التي تقدم بمناسبة أو غير مناسبة لزعماء القبائل والأشراف، والعلماء والشعراء... الخ : نثر الدنانير من شرفات القصور، وإقامة الموائد الفخمة للخاصة، والموائد العمومية على الشوارع والساحات لجمهور الناس: (سواد العامة) مما نشأ عنه نوع خاص من "الكسب" سماه جرجي زيدان بحق: "الاسترزاق بالسخاء" (يقدر جرجي زيدن بناء على المصادر التاريخية أ"ن متوسط جباية الدولة في العصر العباسي الأول بلغ 360 مليون درهم في العام، لا يُنفق منها على مصالح الدولة أكثر من خمسين مليونا. فالباقي أي أزيد من ثلاثمائة مليون درهم فتبقى في بيت المال تحت تصرف الخليفة ينفقها في مجال "الاسترزاق بالسخاء").
أما كيف تعود هذه الأموال إلى السلطان، فلذلك طرق متعددة أيضا، وأهمها طريق الجباية بمختلف أنواعها من ضرائب ومغارم وجزية وخراج ومصادرات ومكوس على المبيعات في الأسواق ... كل ذلك بالإضافة إلى الهدايا التي يقدمها السكان عامة، والكبراء خاصة، لأصحاب الدولة بمناسبة وغير مناسبة.
وإذن فقد كان المال، مال الدولة يدور في الفراغ: الأخذ والعطاء، والعطاء والأخذ. فلم يكن المال ينمو نموا ذاتيا، ولا كان الاقتصاد اقتصادا ذا جذور عميقة، بل كان اقتصادا مهزوزا، اقتصادا غير قادر على تحمل أية هزة أو رجة. فإذا حدثت المجاعة بسبب من الأسباب الطبيعية (الجفاف مثلا)، أو إذا تحولت الطرق التجارية، أو إذا قامت فتن هنا أو هناك، تضعضع كيان هذا الاقتصاد، وسقطت الدولة في أزمة اقتصادية غالبا ما كانت تؤدي إلى سقوط الدولة وزوال حضارتها، و"فساد" عمرانها على الشكل الذي أوضحناه آنفا.
كيف نفسر ذلك، وهل كان للدين دور في هذا المجال خصوصا وابن خلدن يقرر "أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها" ؟