ص1          السابق

 

 

المشكلة، في نظر ابن رشد، هي التطرف يمينا ويسارا...

 

محمد عابد الجابري

أبرنا في المقالين السابقين كيف أن ابن رشد الذي طلب منه صديقه الأمير أبو يحيى الموحدي أن يكتب له كتابا في "السياسة"، بالمعنى الذي يستعمل فيه الفلاسفة هذا المصطلح، قد اضطر إلى تلخيص كتاب الجمهورية لأفلاطون لعدم عثوره على كتاب "السياسية" لأرسطو، وقلنا إنه كان عليه –في هذه الحال- أن يعيد كتابة جمهورية أفلاطون على أساس نظرية أرسطو في تأسيس العلم السياسي، الشيء الذي يعني تعويض خطاب الحوار والجدل والتخييل الذي بنى عليه أفلاطون كتابه بخطاب "علمي" تحليلي تركيبي، خطاب برهاني باصطلاح بن رشد. وقد تطلب ذلك إعادة بناء كتاب أفلاطون كي يستجيب لـ"مقتضى الحال" الذي كلن فيلسوف قرطبة يفكر في إطاره.  وهكذا تطلبت منه عملية إعادة البناء القيام بالتعديلات التالية:

 - لم يتقيد فيلسوف قرطبة بالطريقة التي سلكها أفلاطون في تبويب كتابه (إلى عشرة كتب: فصول، مقالات)، بل خط لـ"مختصره" تبويبا منطقيا جديدا يستجيب للصياغة العلمية التي توخاها، فجعله في ثلاث مقالات، استهلها بمقدمة وأنهاها بخاتمة:

 أهمل ابن رشد "المدخل" الذي استهل به أفلاطون محاورته والذي استعرض فيه على لسان المتحاورين المعاني التي يعطيها كل فريق من الناس لمعنى "العدل" بأسلوب جدلي، قد لا يخلو من السفسطة أحيانا لينتهي النقاش إلى حقيقة أن "العدل" يجب البحث عنه، لا في إطار نظرة الأفراد كأفراد بل في إطار الدولة أو المدينة. أهمل ابن رشد هذا المدخل الجدلي، الذي شغل "الكتاب الأول" والثلث الأول من "الكتاب الثاني" من "الجمهورية"، وعوضه بمقدمة حدد فيها المعطيات النظرية والمنهجية التي سيعتمدها في "تجريد الأقاويل العلمية" من محاورة أفلاطون.

بعد هذه المقدمة التي كتبها ابن رشد خارج نص أفلاطون متجاوزا أُفُقه الجدلي إلى الصياغة البرهانية الأرسطية، "اختصر" فيلسوفنا "الجمهورية" وركزها حول محاور ثلاثة خص كل واحد منها بمقالة، فجاء الكتاب في ثلاث مقالات: عرض في الأولى –بعد المقدمة- البرنامج الذي خطه أفلاطون لتشييد المدينة الفاضلة، وعرض في الثانية الشروط والخصال الضرورية في رئيسها (الفيلسوف)، وخصص الثالثة لتحليل أنواع السياسات (أو أنظمة الحكم) والمقارنة بينها، وبين رؤسائها بعضهم مع بعض كما فعل أفلاطون. وهكذا عرض ابن رشد في ثلاث مقالات ما عرضه أفلاطون في محاورته ابتداء من بداية الثلث الثاني من الكتاب الأول إلى نهاية الكتاب التاسع.

ما يلفت النظر هنا، ومن الواجب إبرازه، هو أن ابن رشد لم يسجن نفسه في الإطار الذي تحرك فيه أفلاطون، بل لقد تصرف فيلسوف قرطبة كشريك في إنتاج النص. وإذا نحن جمعنا ما كتبه ابن رشد من عنده خارج الأفق الأفلاطوني فسنجده يناهز ثلث الكتاب! وهكذا فإضافة إلى المقدمة التي كتبها ابن رشد من عنده وفقرات أخرى كثيرة، في المقالة الأولى والثالثة، كتب من عنده أيضا أكثر من ثلثي المقالة الثانية التي خصصها، أفلاطون لتربية وتعليم الفيلسوف رئيس المدينة الفاضلة. ذلك أن ابن رشد قد ترك جانبا تعريف أفلاطون للفيلسوف (الذي يقول فيه: إنه الذي يطلب معرفة الوجود، الناظر في حقيقته، مجردا عن المادة (الجسمية)  وينبني هذا عنده على رأيه في المثل: مُثُل أفلاطون)، ترك ابن رشد هذا التعريف جانبا واتجه بالخطاب إلى قارئه قائلا: "وأنت ينبغي أن تعلم أن الفيلسوف هو الذي جعل نظره في العلوم النظرية على القصد الأول، على حسب شروط أربعة. ثم ينطلق في شرح هذه الشروط "الأرسطية" التي تقع خارج أفق أفلاطون. ولا يعود إليه في موضوع الخصال المطلوبة في رئيس المدينة الفاضلة –زيادة على العلوم النظرية، علوم الفلسفة- إلا لينفصل عنه في النتيجة التي يستخلصها أفلاطون، وهي الاعتراف بصعوبة الحصول على من تتوافر فيه تلك الشروط والخصال، وبالتالي الشك في إمكانية قيام المدينة الفاضلة على أرض الواقع. يرفض ابن رشد هذا الشك ويرى أن قيام هذه المدينة شيء ممكن، ليس إمكانا مطلقا فحسب بل أيضا إمكانا محددا معينا بزمان ومكان، هما زمان ابن رشد ومكانه. ويشرح فيلسوف قرطبة ذلك ويقول: يمكن أن نربي أناسا بالصفات الطبيعية التي حددها أفلاطون، و"إلى جانب ذلك ينشأون وقد اختاروا الناموس العام المشترك الذي لا مناص لأمة من هذه الأمم من اختياره (يقصد هنا الإسلام)، وإلى جانب ذلك تكون شريعتهم الخاصة بهم غير مخالفة للشرائع الإنسانية، وتكون الفلسفة قد بلغت على عهدهم غايتها. وذلك كما هو عليه الحال في زماننا هذا وفي ملتنا هذه [الإسلام]، فإذا ما اتفق لمثل هؤلاء أن يكونوا أصحاب حكومة [حكم]، وذلك في زمن لا ينقطع، صار ممكنا أن توجد هذه المدينة"، إذن المدينة الفاضلة ممكنة في الأندلس زمن ابن رشد إذا توافر :

- رجال يعرفون الناموس العام المشترك الذي لا مناص منه لأمة من الأمم.

- وتكون شريعتهم الخاصة بهم غير مخالفة للشرائع الإنسانية.

- وتكون الفلسفة قد بلغت على عهدهم غايتها. ثم يضيف "وذلك كما هو عليه الحال في زماننا هذا وفي ملتنا هذه.

وعندما يتساءل أفلاطون، في إطار تشكيكه في إمكانية قيام مدينة فاضلة على رأسها فيلسوف، عن السبب في كون الناس لا يستفيدون من الفلسفة ويجيب بمعطيات من زمانه وبلده اليونان، يطرح فيلسوف قرطبة السؤال نفسه ويستعيد جواب أفلاطون ولكن في إطار تجربته هو، في بلده وزمانه. وهكذا وضع مكان السفسطائيين اليونانيين الذين اشتكى منهم أفلاطون، سفسطائيين آخرين عانت منهم الفلسفة في زمن ابن رشد، أولئك الذين نصبوا أنفسهم خصوما وأعداء للفلسفة والفلاسفة فحاربوها وضيقوا الخناق عليها إلى درجة أن حضور الفلسفة في زمانه وفي شخصه هو (ابن رشد)، إنما هو بفضل العناية الإلهية. يقول: "ومن هذا النوع من الناس، تظهر فئة السفسطائيين القائمين على أمر هذه المدن (في الأندلس) ممن يُعرضون عن كل ما هو جميل، كالفلسفة وغيرها، ويستحسنون كل ما هو قبيح. وبالجملة كل الشرور المدنية الواقعة في مثل هذه المدن. أما آراؤهم وتسلطهم على المدن، فهي أكبر أسباب ضياع الفلسفة وانطفاء نورها. وستعلم إذا ما تفحصت الأمر أن أمثال هؤلاء الرجال هم الأكثر عددا في هذه المدن (الأندلس والعالم الإسلامي). فإذا ما نجا أحد من الخلق في هذه المدن، فإنك لن تعدو الحق، إذا ما قلت بأن الله اصطفاه بعنايته السرمدية".

ولا يقتصر ابن رشد على التنديد بخصوم الفلسفة في زمانه بل يستنكر أيضا، وبقوة، سلوك المشتغلين بها في عصره الذي لا يتحلون بالفضائل العلمية والخلقية والذي يسيئون إلى الفلسفة أكثر من خصومها. يقول: "وأما من يتعاطون الفلسفة ممن لم تكتمل فيهم هذه الصفات، فالأمر فيهم بيّنٌ أيضا. فهم مع كونهم لا يُسدون نفعا للمدن (للمجتمع)، فإنهم مع ذلك أكثر الناس إضراراً بالفلسفة. وذلك لأنهم على الأغلب يميلون ميلا إلى الشهوات وإلى جميع الأفعال القبيحة كالجور والظلم، إذ ليس لهم في جوهرهم فضيلة تمنعهم من الإتيان بهذه الأفعال. ولا يَصْدقون أيضا في أقوالهم التي يرهبون بها أهل المدينة فيما يأتون به من تلك الأمور، ويكونون عارا على الفلسفة، وسببا في إيذاء كثير ممن هم أولى منهم بها، كما هو عليه الحال في زماننا هذا". ما يشتكي منه ابن رشد هو وجود متطرفين يحاربون الفلسفة باسم الدين، من جهة، ومتطرفين آخرين يشوهون الفلسفة بتصرفاتهم وأقولهم غير المسئولة (يمكن أن نضع مكان كلمة "الفلسفة" لفظ "الحداثة").

وهكذا يجد الفيلسوف الحق نفسه في مثل هذه الحال، بين خصوم الفلسفة والمتفلسفين المسيئين إليها، في وضعية حرجة عبر عنها فيلسوف قرطبة مستعيدا تجربة ابن باجة، فقال : "وإذا اتفق ونشأ في هذه المدن فيلسوف حقيقي، كان بمنزلة إنسان وقع بين وحوش ضارية، فلا هو قادر على أن يشاركها فسادها، ولا هو يأمن على نفسه منها. ولذلك فإنه [يفضل] التوحد ويعيش عيشة المنعزل ...".