ص1         السابق

 

7- حملة بوش ... حملة نابليون

ليلة زفاف قناة السويس ... ليلة اختطاف بترول الخليج!

 

محمد عابد الجابري

جرى في القاهرة، قبل بضع سنين، احتفال بمرور قرنين على حملة نابليون على مصر (1798). لقد جرت العادة منذ بدء اليقظة العربية الحديثة على اعتبار حملة نابليون وجها من وجوه التوسع الاستعمار الغربي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والذي كان مطبوعا بالتنافس الفرنسي البريطاني. أما ما تميزت به هذه الحملة من كونها كانت تضم جماعات من العلماء والباحثين الذين انكبوا على دراسة جغرافية مصر وتاريخها الخ، فقد كان ينظر إليه على أنه جزء من الطابع العسكري للحملة، وأنه كان في خدمة التوسع الاستعماري ليس غير. غير أن وجهة نظر مخالفة ظهرت في السنوات الأخيرة من القرن الماضي (العشرين) لتقول بأن حملة نابليون كان لها مظهر إيجابي تنويري لا ينبغي تجاهله ولا التقليل من أهميته. وكان هذا مما برر به الاحتفال بالذكرى المئوية لهذه الحملة، الاحتفال الذي قام حوله جدل واسع في مصر.

وإذا كان هذا الموضوع لم يعد مما يشغل الساحة الفكرية العربية مباشرة فإن مناسبتين اثنتين تبرران إثارته هنا: المناسبة الأولى هي "حملة بوش" على العراق! ومع أن هذه الحملة لم تنفذ بعد فإن وجه الشبه بينها وبين حملة نابليون يغري بعقد مقارنة قد يكون فيها القول الفصل في الـ"الخلاف" الذي عرفته الساحة المصرية قبل بضع سنين حول طبيعة حملة نابليون. أما المناسبة الثانية فهي ما قلناه في المقالات السابقة عن مفهوم "الأنا والآخر" في الفكر الغربي.

بخصوص المناسبة الأولى يمكن إبراز أوجه الشبه بين "حملة بوش على العراق" و"حملة نابليون على مصر" من خلال ما يلي:

- يقول بوش إنه يريد من "ضرب" العراق" تحرير الشعب العراقي من النظام الاستبدادي الذي يحكمه، وإقامة حكم ديموقراطي يتمتع فيه الشعب العراقي بالحرية والرخاء والمساواة. ولم يكتف بوش بتكرار هذه "البشرى" من على وسائل الإعلام الحديثة المتطورة وفي مقدمتها الفضائيات بما فيها "العربية"، بل لقد وزع ملايين المناشير تذرعها الطائرات من سماء العراق على أهل العراق.

- هذه "البشرى" وطريقة تعميميها تذكرنا بـ "بشرى" ممثلة زفها نابليون إلى الشعب المصري عندما وطئت قدماه أرض الكنانة. فقد أصدر منشورا أمر بتوزيعه على "أهالي مصر، كتب بعربية ركيكية أقرب إلى الدارجة كان مما جاء فيه: "بسم الله الرحمان الرحيم. لا إله إلا الله ولا ولدا له ولا شريك يملكه. من الجمهور الفرنساوي (الجمهورية الفرنسية) المبني على أساس الحرية، والساري عسكر الكبير بونابرت أمير الجيوش الفرنساوية، يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمن مديد، السناجق الذي يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية ...فحضرت الآن ساعة عقوبتهم. وحسرة من مدت عصور طويلة هذه الزمرة من المماليك المجلوبين من جبال الأبازا والكرجستان، يفسدوا في الأقاليم الأحسن ما يوجد في كرة الأرض كلها. فأما رب العالمين القادر على كل شيء قد حتم في انقضاء دولتهم. يا أيها المصريين: قد يقولوا لكم إنني ما نزلت في هذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم فذلك كذب صريح... فلا تصدقوه وقولوا للمفتريين إنني ما قدمت إليكم إلا لكيما أخلص حقكم من يد الظالمين وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه محمد والقرآن العظيم، وقولوا لهم أيضا إن جميع الناس متساويين عند الله وأن الشيء الذي يفرقهم من بعضهم فهو العقل والفضائل والعلوم فقط ... ولكن رب العلمين هو رؤوفا وعادل على البشر. بعونه تعالى من اليوم فصاعدا لا يستثنى أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية وعن اكتساب المراتب العالية...".

هذا عن المناسبة الأولى أقصد وجه الشبه بين حملة بوش وحملة نابليون. أما عن المناسبة الثانية، ونقصد قراءة هاتين الحملتين من خلال مفهوم "الأنا والآخر" في الفكر الأوربي الحديث، فقد يكون من المفيد أن نورد هنا معطيات تاريخية حول الكيفية التي احتفل بها أبناء وحفدة حملة نابليون على مصر بإتمام العمل في شق قناة السويس. إنها كيفية تكشف لنا عن نمط آخر من الوعي بـ"الآخر" عند الغرب.

اشتهرت في فرنسا خلال النصف الأول من القرن الماضي حركة فكرية صناعية عرفت باسم السانسيمونية، نسبة إلى المفكر الفرنسي الشهير سانسيمون Saint Simon (1760-1825)، أحد الدعاة الكبار لما عرف بـ"الاشتراكية الطوباوية". كان مذهبه يقوم على التنظيم العقلاني للاقتصاد والإدارة وعلى المشاريع الصناعية الكبرى، مع نزعة إنسانية مؤطرة ضمن ما أسماه سانسيمون نفسه بـ "المسيحية الجديدة المبنية على العلم والصناعة". لقد اعتقد سانسيمون في أواخر حياته أنه بُعِث رسولا لقيادة البشرية إلى عصر جديد، عصر الصناعة والسلم و"التشارك" ASSOCIATION على الصعيد العالمي.

التف حول سانسيمون جماعة من الأنصار خلفوه في دعوته وطوروا مذهبه، وكان من أبرزهم الداعية الشهير آنفانتان Enfantin (1796-1864). لقد تحولت أفكار سانسيمون على يد هذا الداعية النشط إلى مذهب فكري واجتماعي و"علمي" بالغ الطموح. لقد كان يرمي إلى أن يجعل من هذا المذهب دينا جديدا يتولى القيام بنفس الرسالة التي قامت بها الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى، ولكن بصورة جديدة قوامها مشروعات صناعية كبرى تربط أجزاء الأرض بعضها ببعض هادفة إلى توحيد العالم صناعيا، وصولا إلى توحيده روحيا. (عولمة!)

وبما أن مصر هي البلد الذي يربط الشرق بالغرب، إذ تجاور البحر الأبيض المتوسط الذي تطل عليه أوربا من جهة والبحر الأحمر الذي تبدأ عنده آسيا من جهة أخرى، فقد اتجه آنفانتان باهتمامه إلى أرض الكنانة يريد بعث مشروع كان قد فكر فيه أستاذه سانسيمون، الذي عاصر نابليون، مشروع شق قناة في السويس لتربط البحر الأحمر والأبيض المتوسط. غير أن محاولة آنفانتان قد فشلت إذ واجهته صعوبات وعراقل بعضها من الجانب المصري وبعضها من فرنسا ذاتها. ومع ذلك بقي المشروع حيا في أذهان السانسيمونيين إن أن نجح دوليسبس De Lesseps في إنشاء شركة عالمية لشق القناة، فابتدأ العمل فيها عام 1859 ليتم الاحتفال بتدشينها في 16 نوفمبر 1869.

كان السانسيمونيون يعقدون آمالا كبيرة على قناة السويس، إذ كانوا يرون فيها البرزخ الذي سيكرس التوافق والتفاهم والانسجام بين الشرق والغرب. كانوا يبررون التوسع الغربي بكونه وسيلة لإعادة الحياة والتقدم إلى الشرق من جهة، ومرتعا يستقي منه الغرب الروحانية التي افتقدها، من جهة أخرى. وهكذا دعا ميشيل شوفاليي Michel Chevalier، من جماعة آنفانتان، الشعوب الأوربية إلى التوسع والانتشار حاملة نشاطها العلمي الصناعي إلى "هذا الشرق الذي يمد إليها ذراعيه العطرتين". لقد كان يرى أن قناة السويس ستصبح "فراش ليلة زفاف الشرق والغرب" ولكن أي زفاف؟ ومن هو العريس الذكر، ومن هي العروس الأنثى؟

نجد الجواب صريحا واضحا في قصيدة تغنى فيها آنفانتان بالسويس. ومما جاء فيها:

"السويس

هي مركز النشاط العملي من حياتنا

هناك سنقوم بإتيان الفعل (الذكوري)

الذي ينتظره العالم

ليعترف بأننا ذكور فحول!

الكرة الأرضية؟ تلك هي خطيبتنا، تلك هي أمنا، لهذا الوقت.

الشعب عائلتنا،

لنتناسل بالعمل

لنحتضن الأرض، ولنداعبها!

لننتظر حليب المرأة، ولكن علينا نحن الرجال أن نهيئ الخبز".

عندما انتهى العمل في قناة السويس أقيم حفل تدشين حضرته شخصيات دولية، منها ممثل الكنيسة الذي ألقى خطابا، كان مما جاء فيه قوله: "اسمحوا لي أن أؤكد أن الساعة التي تدق الآن ليست من أبرز الأوقات في هذا القرن فحسب، بل إنها من أعظم اللحظات في تاريخ الإنسانية وأكبرها أثرا. ففي هذا المكان الذي تلتقي فيه آسيا وإفريقيا بدون صدام، نحتفل اليوم احتفالا عالميا يجمع جميع الأعراق التي على الأرض. إن جميع الأعلام والرايات ترفرف بفرح تحت السماء الواسعة الساطعة. وها هو الصليب بجانب الهلال (...). أمامنا هنا، تحت أرجلنا، يتاح لنا أن نتدبر العمل العظيم الذي كان يراه مستحيلا أولئك الذين مازالوا لا يدركون ما يستطيع الإنسان أن يفعله، عندما تحركه الإرادة والعزيمة. لننظر إلى النهر(=القناة) الذي شقته، بأيديها، مخلوقات بشرية، والذي سيبقى موضوع اندهاش للأجيال المقبلة. لننظر إلى ما صنعه العلم والتقنولوجيا والشجاعة والإخلاص، إلى ما حققته المثابرة المنتصرة على الخلافات والنزاعات، إلى ما أنجزته عبقرية الإنسان تحت رعاية الله. لننظر إلى البواخر التي تنتمي إلى جميع الأمم، والتي تتهيأ لأن تجتاز لأول مرة العتبة التي توحد الشرق والغرب لتجمعهما في عالم واحد. لقد سقط الحاجز، وها هي المسافة، التي هي العدو الخطير للإنسانية والحضارة، تفقد في لحظة واحدة ألفي فرسخ من مملكتها. وهكذا يقترب طرفا العالم ليحيي أحدهما الآخر. وستكتشفان بذلك أن الناس جميعا هم أبناء الله (...). وكما أن التاريخ قد جعل في الماضي اكتشاف أمريكا فاصلا بين القرون، فسنقول في المستقبل عن حادثة ما إنها حدثت قبل أو بعد أن ارتبط الشرق بالغرب بواسطة الجانب المفتوح من مصر، قبل أو بعد 16 نوفمبر 1869، قبل أو بعد فتح قناة السويس".

وفي مقابل هذه الخطبة الدينية الرومانسية المتفائلة، التي تبشر بغيرية "المثابرة المنتصرة على النزاعات والخلافات" غيرية "الصليب بجانب الهلال"، كان هناك خطاب آخر واقعي هذه المرة، خطاب الغيرية الإستراتيجية الخالية من أية مواربة. يتعلق الأمر بقصيدة ألقيت بالمناسبة لتمجيد نفس الإنجاز، ولكن من منظور آخر. لقد جاءت ردا مباشرا على الخطبة السابقة. فيا لها من مصادفة!

جاء في هذه القصيدة:

"نعم، إنه من أجل العالم،

من أجل آسيا وأوربا،

من أجل هذه الأصقاع النائية، التي يلفها الليل

من أجل الصيني الماكر، والهندي النصف عريان

بنت أوربا قناة السويس.

لكن، لنفسها بنتها، أولا وقبل كل شيء. لنفسها هي".

لنضف فقط هذه الملاحظة وهي أن هذه القصيدة، وليس خطبة ممثل الكنيسة، هي التي نالت جائزة الأكاديمية الفرنسية الخاصة بالمناسبة‍.

هل نحن في حاجة إلى تعليق؟

لنذكر فقط بهذه الأزواج:

حملة نابليون على مصر. حملة بوش على العراق!

ليلة زفاف "قناة السويس" . ليلة زفاف بترول الخليج!

والعرب اسم ... بلا مسمى!