ص1         السابق

 

8- "الغرب يهديه الله...والغرب عدو الله"

والجنوب؟ ذلك هو التهديد الجديد...

 

 

محمد عابد الجابري

عندما كان الفرنسيون يحتفلون في مصر بـ "ليلة زفاف قناة السويس" كما بينا في المقال السابق، كان جمال الدين الأفغاني يستنهض أمم الشرق لمقاومة التوسع الاستعماري الغربي. لم يكن الأفغاني كاتبا وإنما كان داعية محرضا وصاحب آراء وأفكار يعبر عنها شفاهيا. وقد تكفل أحد تلامذته، واسمه محمد المخزومي، بكتابة نطقه، فحفظه لنا في كتاب بعنوان "خاطرات جمال الدين الأفغاني".

على أن ما يهمنا الآن ليس هذه "الخاطرات" بالذات، بل إن ما سنركز عليه هنا هو نص "محاورة" كتبها المخزومي بنفسه بعنوان "المحاورة بين الشرق والغرب" ونشرها في مجلة "الرياض المصرية" التي أنشأها سنة 1888 يوم كان شابا في العشرين من عمره كما يقول.

إن أهمية هذه "المحاورة" بالنسبة لموضوعنا (الإسلام والغرب: أنماط الوعي بالآخر) ترجع إلى أنها تعبر عن نمط آخر من "العلاقة بين الأنا والآخر"، يعكس ليس فقط تصور المخزومي، الشاب، حين كتب "المحاورة" بل يعبر أيضا عن رأي شيخه وأستاذه جمال الدين الأفغاني، خصوصا وقد قرأها وأجاز نشرها في كتاب "الخاطرات" كما يقول المخزومي نفسه. وكما سنرى فإن هذه المحاورة ستضعنا أمام نمط آخر من الوعي بالعلاقة بين الشرق والغرب لم تكن يخلو منه أهم جناح من أجنحة اليقظة العربية الحديثة، جناح الأفغاني وعبده، رغم أن الموقف المشهور لدى هذا الجناح من الغرب، يتناقض تماما مع موقف "المحاورة"، الشيء الذي يكشف عن ازدواجية صميمة في موقف "العرب والمسلمين" إزاء الغرب. وكما سيلاحظ القارئ فإن هذه الازدواجية شبيهة بتلك التي تعرفنا عليها في المقال السابق من خطبة ممثل الكنيسة بمناسبة تدشين قناة السويس، والقصيدة التي ألقيت بعده.

 

تقول المحاورة :

"ذهب الشرق بآثاره القديمة وهياكله العظيمة لزيارة زميله الغرب… تقابل الطرفان… وأخذ الشرق يهش ويبش… وحوله تلك الآثار… أما الغرب فلم يأت من التكريم غير رد السلام وتقضيب الحاجب… وقد طال الصمت ساعات… حتى علم الشرق أنه إذا لم يفتح الكلام فزميله يثابر على الصمت أعواما… فقال من غيظ لم يستطع كتمانه: إننا وجدنا في سفرنا هذا نَصَبًا… فالسماء مظلمة والوجوه كالحة، وما الغرب بعد المشاهدة إلا:

شبيه الطبل يدوي من بعيد وداخلُه من الخيرات خالي.

"فقام الغرب وقعد، وعلا وجهه علامات الغضب وقال: عادة الغريب أن يكون أديبا… وأنت غرورك زائد… ابتدأت بالذم قبل الاختبار…

"فقال الشرق: أنا معدن الفضائل، أدبي مشهود، بنا عُرفت المكارم… بنا ظهر العلم… منَّا العلماء الأعلام والفلاسفة العظام… بنا اهتديتم في الظلماء… قمت في الزمن الأخير من ظلمة القهر والتقصير، والتقطت مني بعض المعارف، وادعيت أنك الكامل العارف…

"كل ذلك والغرب ثابت الجنان… حتى انتهى الشرق من مقاله وخيل له أنه فاز على مناظره… فقال: أيها الضيف الكثير الإعجاب، المسهب بمدح ذاته… أتيت بخواص أعوانك وعظيم آثارك، فلو علمت شيئا مما لدينا من عظيم الأحجار لكفيت نفسك مشقة حمل هذه الآثار… فلو كان فيك الحزم ما قدمت لتُقاضِي الغرب في الجيل التاسع عشر، والإنسان ابن يومه لا ابن أمسه… من كشف لك الأسرار عن آلة البخار؟ من سيرك في البحار آمنا من الأخطار؟… من أتاك بالطباعة؟… أليس الغرب؟ تهافتَّ على الأزياء الجديدة، وتغاضيت عن الأمور المفيدة… سيَّرْتُ أبنائي إليك… فعمَّروا الخراب… وأدخلوا لك التجارة… وأحيَوا فيك العلوم الدوارس.

"قال الشرق: أيها الغرب… لدغتنا من جحر واحد أكثر من مرتين… فوالله ما طرقت بلادي إلا لعِلْم تختلسه ومال تحتبسه، وما أدخلت التجارة لخطتي إلا لتلاشي ثروتي وتدعم تجارتي… أدخلت الربا… أوْلدت فينا الشقاق وأفسدت مكارم الأخلاق…

"فأجاب الغرب: ما هذه العبارة الكاشرة؟ وما هذه الألفاظ الباسرة؟ لقد جعلت الغالب مغلوبا وجئت بالكلام المقلوب… أنا الذي عملت فيك معرفة اللغات وصيرت من أبنائك للإنسانية دعاة… كن من المنصفين… وخذني صديقا مدى الأزمان، فإني لو تجردت من موالاتك لعسر عليك القيام بضرورياتك…

"فأجاب الشرق: كم قلبت لنا ظهر المجن وألقيتنا في مهاوي الإِحَن… فأنت إن شئت الوفاق وزوال الانشقاق، سٍرْ على الصراط المستقيم… واعتزل البغضاء… ولا تطمع في مال الغير… وأجزل ما استطعت من الإحسان… هذا ما أراه من النصيحة أبديها إليك…

"فقال الغرب: إنا ذهبنا في جدلنا وهما، ولم يحس أحدنا من مرامي الآخر فهما، فأنا لا أنكر ما لك من الفوائد… فالآن حصحص الحق، وعلمت أن نصحك هو الوجه الأحق، فلا تؤاخذني على فرط، إذ لا يخلو أحد من الشطط…

"فقال الشرق: لا تثريب عليك، فما منا إلا صديق صادق وخل موافق، لا يغير ما بيننا من الود شرارة من الحمق والعناد"

تلك هي الأفكار الأساسية الواردة في هذه المحاورة الطريفة التي تعكس نمطا فريدا من "الغيرية". لقد انتهى السجال الذي امتزجت فيه المفاخرة والهجاء بتقديم الشرق للغرب "نصيحة" ، قائلا: "سر على الصراط المستقيم… واعتزل البغضاء… ولا تطمع في مال الغير… وأجزل ما استطعت من الإحسان…". إنها "الغيرية النصوح" التي تطلب من الآخر: "التوبة النصوح".

وإذا نحن شئنا استعمال عبارة مألوفة لدينا قلنا إن هذا النمط من الوعي بـ "الآخر" الذي تعكسه هذه "المحاورة" يتلخص في القول: " الغرب، يهديه الله".

وبما أن خطبة ممثل الكنيسة التي استمعنا إليها في المقال قد ألغتها، أو على الأقل ناقضتها، تلك القصيدة التي نالت جائزة الأكاديمية الفرنسية فبإمكاننا أن نلتمس قصائد مماثلة عند أبناء الشرق تلغي هي الأخرى، أو على الأقل تناقض، مع انتهت إليه هذه المحاورة. غير أننا نفضل أن نعطي الكلمة لأستاذ صاحب المحاورة نفسه، أقصد جمال الدين الأفغاني الذي سيحدثنا عن الغرب بالعبارات التالية، يقول:

"الغرب في الحقيقة ليس من مصلحته إصلاح سِيَرٍ، ولا إصلاح سيرة المسرف المبذر -الشرق- لترجع إليه حقوقه، بل أقصى أمانيه أن يتمادى الشرق في غيه وإسرافه لكي يطول عهد الحِجْر، ومع تمادي الزمن، أن يتم بعد الاستعمار التملك والاستعباد".

"ما من دولة غربية تطرق باب مملكة شرقية إلا وتكون حجتها إما حفظ حقوق السلطان أو إخماد فتنة قامت على أمير… وإما بحجة حماية الأقليات أو حقوق الأجانب وامتيازاتهم أو حرية الشعب".

"يرتاح الشرقي إلى تلك المواعيد ويرضخ إلى حجر الغربي ويقدم في كل يوم نوعا من الطاعة… يغالط -الشرقيون- أنفسهم… معللين أنفسهم أن الغربيين سيوفون بوعودهم".

- "أما الغربي فهو يحمل برنامجه في محفظته، ثم ينقله إلى ذاكرته وحافظته، مسطورا فيه: شعب خامل، جاهل متعصب. أراض خصبة. معادن كثيرة. مشاريع كثيرة. هواء معتدل. نحن أولى بالتمتع بكل هذا"…

وبإمكاننا الاستمرار طويلا في سرد عبارات من هذا النوع لجمال الدين… عبارات تعكس نمطا آخر من "الغيرية" إزاء الغرب ،نمطا مخالفا تماما، تلخصه عبارة نمطية أخرى من العبارات السائدة لدينا، عبارة : "الغرب، عدو الله".

***

-"الغرب، يهديه الله".

-"الغرب، عدو الله".

نمطان من الوعي؟ لا. بل نمط واحد، فالمخزومي تلميذ لجمال الدين، ومرافقه وكاتب سيرته وجامع "خاطراته". وأكثر من ذلك يؤكد لنا المخزومي أن السيد جمال الدين وافق على نشر تلك "المحاورة" مع "خاطراته"… إذن يتعلق الأمر بوعي واحد.

وعي مزدوج؟ وعي مغلوط؟ وعي "شقي"؟

احكم بما شئت، ولكن لا تنس أخي القارئ أننا استمعنا قبل إلى خطبة:

-تشيد بـ " الصليب بجانب الهلال"، على ضفاف قناة السويس.

و إلى قصيدة تصرح:

-" من أجلها هي… بنت أوربا قناة السويس".

إذن، هناك ازدواجية في الوعي لدى الجانبين. فهل تعود هذه الازدواجية إلى طبيعة الوعي ذاته أم إلى موضوعه؟

الإسلام بالنسبة للغرب موضوع مزدوج: هو في الوقت الراهن: موقع وبترول، وأيضا منافس، منافسة العبد للسيد، إذا تمرد انهارت "السيادة". والغرب بالنسبة للإسلام (للشرق، للعرب) سيد مزدوج -وإذا شئت قلنا موضوع مزدوج كذلك- هو في الوقت الراهن، بل منذ أوائل القرن الماضي: المَثَل والقدوة، حرية وديمقراطية وتقدم… ولكنه أيضا وفي الوقت نفسه: توسع واستعمار وهيمنة وإمبريالية الخ…

هل نماثل بين الطرفين؟ هل نعادل بينهما؟

سيكون ذلك خطأ فاحشا. فالأمر يتعلق قبل كل شيء، وبعد كل شيء، بغالب يمارس الغلبة، وبمغلوب ينتفض ضدها. وإذا كان هذا الانتفاض يمارس أحيانا بطرق ووسائل لاعقلانية و "غير معقولة" فيجب أن لا ننسى أن "الغلبة"، غلبة الغرب الاستعمارية، هي دوما غير عقلانية وتمت وتتم بوسائل غير أخلاقية، غير مشروعة.

الغرب والإسلام: علاقة قوى. وتموج هذه العلاقة مع المصالح والأحداث هو الذي يحدد طبيعة الغيرية التي تنطوي عليها هذه العلاقة بين وقت وآخر.

***

شهادة معاصرة :

في البحث عن العدو...بعد سقوط الاتحاد السوفيتي

الجنوب! ذلك هو التهديد الجديد..

كتب جان كريستوف روفان: "إن سقوط الخصم السوفياتي الذي كنا نعتمد عليه، منذ أربعين سنة، في إرهابنا قد أوقع الديموقراطيات [الغربية] في قلق شديد. ذلك لأنه: "ماذا ستكون روما بدون أعدائها؟"، كما قال كاتون متهكما، بعد هدم قرطاجة!

"الجنوب! ذلك هو التهديد الجديد".

"لقد زال الصدام شرق/غرب وحل محله الصدام شمال/جنوب".

"الشرق؟ لقد كان واضحا ما يعنيه هذا اللفظ: كان العالم الشيوعي يشكل معسكرا قاريا (الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية) تدور في فلكه توابع بعيدة ولكنها صلبة". أما الجنوب فكيف نحدده؟ وهل يتمتع بوجود مستقل؟".

"إن الجنوب المجزأ، المضطرب، غير القابل للتوقع، لا يمكن أن يحل محل التجمع الأحادي الذي كان يشكله الشرق. إن التقابل بين الشمال والجنوب يمكن أن يتبع التقابل بين الشرق والغرب، أن يأتي بعده، ولكنه لا يحل محله".

"إن الخصم هذه المرة ليس معطى لنا، ولذلك سيكون علينا أن نخلقه، أن نوحده، أن نبحث له عن الانسجام الذي يفتقده".