ص1        السابق

11- الحجاب ... قول فيه مختلف!

1- أنواع مختلفة... تعتبر كلها شرعية!

 

محمد عابد الجابري

أثار مشروع القانون الذي تنوي الحكومة الفرنسية إصداره، والذي سيمنع بموجبه على التلميذات في المدارس الرسمية الفرنسية ارتداء أي زي قد يرمز إلى هوية دينية معينة، أثار ضجة واسعة تزاحمت فيها المواقف والتأويلات وردود الفعل المختلفة والمتناقضة إلى درجة يصعب التمييز فيها بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع، بين ما هو صواب وما هو خطأ، بين ما هو ظاهر وما هو باطن..!

لنحصر المواقف السائدة، المتزاحمة المتدافعة، في ثلاثة رئيسية لنخلص بعد ذلك إلى ما نعتبره جوهر الموضوع.

1- تدعي الحكومة الفرنسية أن الغرض من ذلك القانون –الذي سيعرض على البرلمان للمصادقة عليه- هو الالتزام بمبدأ العلمانية داخل المؤسسات التعليمية، المبدأ الذي يعني هنا "حياد" المدرسة وعدم السماح فيها بالدعاية لأي دين كيفما كان!

2- يرد المعارضون، من الجاليات العربية والإسلامية في فرنسا، بأن هذا القانون يتناقض مع مبدأ آخر في العلمانية وهو الحرية الشخصية، وهي جانب أساسي في الحقوق الديمقراطية التي تكفلها الدولة العلمانية، ما دامت الحرية الشخصية لا يترتب عنها ضرر ما بالمجتمع ولا بالأفراد. ولبس الحجاب من هذا القبيل وإذن فمنع الحجاب في المدارس بدعوة احترام مبدأ العلمانية تدبير يتناقض مع العلمانية ذاتها، مع أسسها ومبادئها. ومعنى ذلك أن السبب الحقيقي الذي يقف وراء الرغبة في منع الفتيات المسلمات من لبس الحجاب في المدارس شيء آخر غير الحرص على تطبيق مبادئ العلمانية.

نحن لا نريد أن نذهب بعيدا في الشك في نوايا الحكومة الفرنسية فنتهمها بمحاربة الإسلام مثلا، فليس من شأننا محاكمة النوايا . ولكن هناك سابقة تلقي ما يكفي من الضوء على خلفية الدافع الحقيقي الثاوي وراء مشروع قانون منع الحجاب في المدارس الفرنسية. ذلك أنه حدث منذ سنوات أن تدخل بعض رؤساء البلديات في فرنسا لدى بعض السكان من الجالية العربية والإسلامية طالبين، بل آمرين، بإزالة الصحون اللاقطة للفضائيات التلفزية بدعوى أن تلك الصحون تشين منظر العمارات، نوافذها وسطوحها. والمقصود أساسا هو منع أصحاب هذه الصحون من التقاط الفضائيات العربية. وقد تم التصريح بوضوح، في ذلك الوقت، من جانب بعض المسئولين الفرنسيين بأن ارتباط الجاليات العربية بفضائيات بلدانها الأصلية سيجعل رجالها ونساءها، وأبناهم بصفة خاصة، أكثر تشبثا بهويتهم مما يزيد في صعوبة إدماجهم في المجتمع الفرنسي وعاداته وقيمه الخ. وواضح من هذه السابقة أن منع الحجاب في المدارس على الفتيات المسلمات هو تدبير يقصد به نفس ما قصد بمحالة منع الصحون اللاقطة للفضائيات. المسألة إذن من "الواضحات الفاضحات"!

3- هذا من جهة، ومن جهة أخرى انطلقت في العالم العربي والإسلامي حملة من التنديد بمشروع القانون الفرنسي المانع للحجاب: بعضهم أبرز ما في هذا المنع من المس بالهوية، وبعضهم أجاز للفتيات المسلمات نزع "الحجاب" (أي غطاء الرأس) عند الدخول إلى المدرسة استنادا إلى مبدأ "الضرورات تبيح المحظورات"، ومنهم من أفتى بحق الدولة الفرنسية في إصدار قوانين تطبق على بلادها، بينما ذهب البعض على العكس من ذلك إلى أن منع البنت من لباس الحجاب "الإسلامي" ينطوي على منع "فريضة" إسلامية" الخ.

فما وجه الصواب في هذه المسألة؟

وجه الصواب في مثل هذه الأمور هو، أولا وقبل كل شيء، تجنب محاكمة النوايا وبالتالي أخذ الأمور على ظاهرها. والأخذ بالظاهر هنا لا يعني الاستسلام لمنطوق الدعوى الفرنسية، بل يعني مناقشة هذه المنطوق نفسه مناقشة تحرجه، وذلك ببيان أن الهدف الذي تدعي الحكومة الفرنسية تحقيقه–والمساواة في المدارس بمنع استعمال الرموز الدينية - يمكن الوصول إليه بطريق آخر لا يثير جدلا ولا ضجة، بل سيكون محل استحسان وترحيب من الجميع.

الطريق الأفضل في نظري هو هذا الذي يجري تطبيقه اليوم في المغرب بعد أن أصدرت وزارة التعليم قرارا بتوحيد الزي المدرسي وتركت تحديد شكله وكيفية تطبيقه إلى مديري المدارس بالتعاون مع جمعيات آباء التلاميذ : وهكذا أصبحنا اليوم نشاهد تلميذات الإعدادي والثانوي يلبسن زيا موحدا يتألف من سروال أسود اللون يغطى النصف الأسفل من الجسم من السرة إلى الكعبين مع جوارب، وقميص داخلي (شوميز) أبيض يغطي النصف الأعلى من الجسم، نزولا من العنق مع "رباطة عنق"، إضافة إلى صدرية (فيست) في لون السروال. وليس هناك على الرأس شيء سوى شعر ممشوط بدون زينة ولا تبرج. إنه زي أشبه بزي المضيفات في الطائرات ولكنه أبسط وأرخص بكثير. وقد تولت جمعيات الآباء مع المسئولين على المدارس أمر الحصول على هذه الزي الموحد من معامل الخياطة بسعر منخفض جدا، يكاد يكون رمزيا.

واللافت للانتباه أن التلميذات اللائي جرى معهن حوار في الموضوع، على شاشة التلفزة، قد أبرزن جانبا مهما في هذه الزي، حيث أكدن أنه يحقق المساواة بين بنات الفقراء وبنات الأغنياء، على الأقل داخل المدرسة، فيرتفع الشعور بالنقص والغبن والحاجة من وجدان التلميذات الفقيرات، كما يختفي الزهو والتباهي والتبرج في مظهر بنات الأغنياء... فلو فعلت الحكومة الفرنسية مثل هذا لما كان هناك رد فعل سلبي من جانب البنات المسلمات بل بالعكس سيجدن في ذلك نوعا من العدل والمساواة...

هذا، في نظرنا وجه الصواب، في هذه المسألة. وأعتقد أنه يفي بالهدف من "الحجاب" في التشريع الإسلامي، أعني ما نص عليه القرآن وليس ما نص عليه الفقهاء. ذلك أن الفقهاء قد "قننوا" للحجاب انطلاقا من الواقع الذي كان سائدا. والحجاب قديم، ومعظم الأنواع السائدة منه اليوم تجد أصولها في الحضارات القديمة السابقة على الحضارة الإسلامية. ومعلوم أنه كان هناك نوع خاص من الحجاب في الجزيرة العربية، ونوع آخر في فارس، ونوع ثالث في الشام، ونوع في مصر، وآخر في المغرب العربي. وما زال هذا التنوع قائما حتى اليوم. بل إن التنوع قائم في البلد الواحد.

ففي المغرب الشرقي مثلا تلف المرأة جسمها بالكامل في "حايك" على شكل ثياب يغطي كامل جسمها من الرأس حتى القدمين، ولا فتحة فيه غير ثقب صغير في حجم سواد العين تصنعه المرأة بيدها في مكان إحدى عينيها لتتمكن من رؤية الطريق. وبعض المفسرين القدامى يقولون عن هذا النوع من الحجاب إنه هو المطلوب شرعا! أما في المدن المغربية التي دخلتها الحضارة منذ القديم فقد كان الحجاب السائد فيها إلى ما قبل نحو نصف قرن –قبل أن يسود السفور- هو "الجلابة" (الجلباب بقلنسوة)، بحيث تتولى القلنسوة تغطية الرأس إلى الحاجبين بينما يغطي هيكل "الجلابة" الجسم كله إلى الكعبين، هذا إضافة إلى لثام خفيف تختلف درجة شفافيته من امرأة لأخرى: يغطي الوجه ابتداء من أسفل العينين أو ظهر الأنف، ثم يرسل على الواجهة الأمامية من العنق حتى الصدر. وهذا النوع يعتبره بعض المفسرين القدماء يفي بغرض الشرع من الحجاب. وهناك أنواع أخرى من "الحجاب" تتراوح ما بين "الحايك" و"الجلابة"، وكلها أشكال وصفت في كتب التفسير. أما في القرى والأرياف حيث تشتغل المرأة في الحقول فليس ثمة حجاب من هذا النوع أو ذاك، فالمرأة تقتصر في الغالب على لباسها التقليدي الذي يقي من البرد، ويتكون في الغالب من إزار وشيء أشبه بالعمامة يوضع على الرأس أو جزء منه، أما الوجه فيبقى كما خلقه الله بدون حجاب. وأما الشعر فيجمع على شكل ضفيرتين تتدليان على الأذنين. وليس فيما اطلعنا عليه من آراء الفقهاء والمفسرين من استنكر أو شجب هذا النوع من "السفور" البدوي الطبيعي.

هذا عن أنواع الحجاب التي ما زال لها وجود بالمدن والقرى بالمغرب، وهناك أنواع أخرى في المشرق العربي، وفي إيران وأفغانستان، لم يعرفها المغرب مثل الرداء الأسود أو الأزرق الذي يغطي الجسم كله، ومثل البراقع (جمع برقع) التي "تَلْبَسُها الدوابّ وتلبسها نساء الأَعراب وفـيه خَرْقان للعينـين" كما ورد في "لسان العرب" الخ.

مثل هذا التنوع في الحجاب، وهو تنوع يرجع إلى تنوع البيئات الاجتماعية وإلى التفاوت على مستوى الفقر والغنى، كان معروفا في البلاد الإسلامية كلها، قبل الإسلام، وما يزال بعده. وفي رأيي أنه ليس ثمة نوع خاص من الحجاب يمكن وصفه دون غيره بأنه "حجاب إسلامي". دليل ذلك أن المفسرين، القدماء منهم والمحدثين، قد ذكروا الأنواع التي وصفنا من الحجاب واعتبروها كلها تستجيب لقصد الشارع أعني لما نص عليه القرآن في الموضوع. أما الفقهاء فقد تحدثوا إضافة عما تقدم عن العورة، عورة الرجل وعورة المرأة، وفي سياق حديثهم عنها يأتي ذكر الحجاب والاستشهاد بما ذكره المفسرون...

هذا التنوع الذي نجده عند المفسرين والفقهاء في رسم صورة "الحجاب" المطلوب شرعا، أعني المذكور في القرآن، يسمح بالقول إن الأمر يتعلق بمسألة اجتهادية، وأنه من الجائز لأي مجتهد، وفي أي عصر، القول في هذه المسألة –كما في غيرها من السائل المماثلة- بما يعتقد أنه يصلح لزمانه، وبذلك يساهم في تثبيت المبدأ الذي يؤمن به كل مسلم، وهو أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان. لكن الاجتهاد في مسألة لها علاقة بالدين ليس قولا بالرأي المطلق، بل هو اجتهاد في فهم النص وانطلاقا منه، وهذا يتطلب شروطا ثلاثة: الأول معرفة "معهود العرب" في المسألة المطروحة لأن الخطاب القرآني جاء بلغتهم ويتحدث عن أشياء يعرفونها. الثاني المعرفة بأسباب النزول، أعني المناسبة التي نزلت فيها هذه الآية أو تلك. والأمر الثالث المعرفة بمقاصد الشرع.

وتلك أمور يتطلب كل منها قولا خاصا.