ص1        السابق

 

12- الحجاب ... قول فيه مختلف!

ب- "معهود العرب ... ومعطيات عصرنا!

 

محمد عابد الجابري

1- الحجاب كان جزءا من "معهود العرب" قبل الإسلام، أي من عاداتهم الاجتماعية، والقرآن نزل يخاطبهم بلغتهم وفي إطار معهودهم ذلك، من أجل أن يتمكنوا من فهمه والعمل به...

2- و"معهود العرب" هذا يختلف اختلافا كثيرا عن معهود عصرنا، والقرآن خطاب إلى الناس كافة في جميع الأزمنة والأمكنة بما في ذلك عصرنا ومكان إقامتنا!

تلك هي المعادلة التي على المجتهدين في عصرنا تركيبها بالصورة التي تحقق التجديد في إطار الاستمرارية، والاستمرارية داخل التجديد. نقول "الاستمرارية داخل التجديد" لأننا نفكر في المجتهد داخل الإسلام، أما المتكلم خارجه وبالقطيعة معه فالخطاب هنا ليس موجها إليه.

لننظر أولا إلى المعطيات الأساسية التي كانت تحدد "معهود العرب" زمن النبوة، في الجانب الذي له صلة بمسألة الحجاب.

كان مجتمع الجزيرة العربية قبل الإسلام مجتمعا رجوليا، فالرجل هو صاحب الأمر والنهي في كل شيء. وإذا ما حظيت امرأة ما ببعض الاعتبار فالأغلب أنها تستمده من منزلة أبيها أو زوجها أو ابنها أو قبيلتها. أما هي في ذاتها فقد كان وضعها تابعا لوضعية بعلها (وإِنما سمي زوج الـمرأَة بَعْلاً لأَنه سيدها ومالكها- "لسان العرب")، وكما أنه لم يكن للعبد أن يتشبه بسيده في لباسه أو مظهره أو سلوكه، فكذلك لم يكن للأمة أن تتشبه بسيدتها. كان بنو آدم سادة وعبيدا، أما بنات حواء فكن حرائر وإماء.

ومعلوم أنه كان من "معهودهم" وأد البنات، أي دفنهن عندما يولدن، بدعوى خوف العار. والمقصود بالعار هو قيام علاقة جنسية (زنى) بين المرأة ورجل ليس بعلا لها، ومع ذلك فقد كان الزنى متفشيا فيهم حتى ظهور الإسلام، وقد ذكر المفسرون أنه كانت هناك في الطائف وفي يثرب ( المدينة) دور خاصة للدعارة تعلن عن نفسها برفع أعلام خاصة على أبوابها. إن هذا يدل على أن "الزنى" في حد ذاته لم يكن هو المستهجن المرفوض، ولم تكن المرأة، بإطلاق، هي التي يخاف عليها من الزنى. فليست "الباغيات" هن وحدهن اللائي كان يقبل منهن الزنى الفاحشة، بل الإماء أيضا، والنساء الأجنبيات من جنسيات غير عربية، وفيما بعد غير مسلمات. إن الخوف على المرأة من الزنى كان محصورا في النساء "الحرائر"، وهن اللائي تربطهن قرابة الدم مع الرجال الأحرار- أي الذين لهم نسب معروف في إطار القبيلة. ومن أجل تحصينهن لجأوا إلى حجبهن عن الأنظار بهذا النوع أو ذلك من الحجاب، ثم فرضوا السفور على الإماء حتى يتميزن عن الحرائر. قد يكون ذلك ظاهرة اجتماعية عرفتها بلدان أخرى، ولكن ما يهمنا هنا هو وجودها في الجزيرة العربية.

أما المبرر الاجتماعي الأخلاقي الذي كانوا يبررون به هذا النوع من محاربة الزنى، فهو الحفاظ على الأنساب من الاختلاط. فالرذيلة هنا ليست رذيلة في ذاتها بل هي رذيلة فقط إذا كانت ستؤدي إلى اختلاط الأنساب، ولذلك كان الزنى مع غير "الحرائر" العربيات مباحا لأنه لا يؤدي إلى اختلاط الأنساب، فابن الزنى لا نسب له. والهدف من الحرص على عدم اختلاط الأنساب لا يفسره سوى الحرص على الخيط الرابط بين أعضاء القبيلة، ومعروف أن القبيلة لا تقوى على الدفاع عن نفسها ولا على احتلال منزلة مرموقة، منزلة السؤدد، إلا إذا كانت متلاحمة النسب، بحيث يكون دفاع كل عضو منها دفاعا عن نفسه وأمه وأبيه وإخوته... والفرد الواحد لا هوية له خارج قبيلته، فقبيلته هي هويته. والدفاع عنها دفاع عن الهوية. وإذن فـ "تحصين" نساء القبيلة هو تحصين للقبيلة، وفرض الحجاب على بنات القبيلة، وفرض السفور على الإماء، لم يكن هدفه في نهاية التحليل غير الحفاظ على صفاء ومناعة وقوة القبيلة/الهوية.

ومع أن الإسلام قد شجب هذا التصور المغلوط، الذي يجد مرجعيته في ذلك الشعار الذي استنكره القرآن الكريم مرارا، شعار: " إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ" (الزخرف 22)، ومع أن القرآن الكريم قد فتح أبوابا كثيرة للتخلص من الرق، مثل الكفارات التي نص فيها على "تحرير رقبة" الخ، ومع أنه قد قرر المساواة بين البشر، رجالا ونساء، في التكليف وما يترتب عنه، وجعل الاعتبار، كل الاعتبار للتقوى، أي للسلوك الفاضل والتحلي بمكارم الأخلاق فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات 13) الخ، أقول مع ذلك كله فلم يكن من السهل أن ينسحب "معهود العرب" بأجمعه حين النبوة وبعدها، فالأمر يتعلق ليس فقط بموروث ثقافي، بل بظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية تعيد إنتاج ذلك المعهود في كل لحظة. وهذا ما يفسر كون عمر بن الخطاب -الذي كان الصواب يوافقه في كثير مما كان النبي يستشير فيه الصحابة- يتصرف أحيانا وبكيفية لاشعورية تحت تأثير ذلك الموروث الثقافي الذي يعبر عنه بـ "معهود العرب". من ذلك ما يروى من أنه كان "إذا رأى أمة متقنعة (لابسة الحجاب) علاها بالدرة، وقال ألقي عنك الخمار يا دفار"، أي انزعي عنك الحجاب. (ويقال للأَمة إِذا شُتِمَتْ: يا دَفَارِ، أَي يا مُنْتِنَةُ: ذات رائحة كريهة).

وبما أن المفسرين والفقهاء في جميع العصور الإسلامية إلى عصرنا (مع استثناءات قليلة)، كانوا وما يزالون يربطون معاني القرآن بـ"معهود العرب" ذاك، دون أن يعطوا كبير اعتبار –إلا القليل منهم- للحقيقة التاريخية التالية وهي أن كثيرا مما كان من "معهود العرب" قد صار في عصرنا غير مطابق لما حصل من تطور في المجتمعات العربية والإسلامية، وفي العالم بأسره، فإنهم قد تكلموا في الحجاب كلاما تقيدوا فيه بمرجعية "معهود العرب" قبل الإسلام، وكأنه "المعهود الخالد" خلود القرآن، والذي وحده يفسر أحكام الدين وبالتالي لا يجوز الخروج عنه ولا مناقشته. وفي الفقرة التالية نموذج يبين كم كان المفَكَّر فيه عند الفقهاء محكوما بعادات العرب و"أخلاقياتهم" قبل الإسلام.

قالوا في موضوع الحجاب: إن نظر الرجل إلى المرأة ينقسم إلى أربعة أقسام: نظره إلى زوجته ومملوكته وهو حلال من قرنها إلى قدمها عن شهوة أو غير شهوة. وأما نظره إلى ذوات محارمه فيباح له أن ينظر إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة. وحصر بعضهم الأولى في الثياب وحده، والثانية في الرأس والشعر والعنق والصدر والعضد والساعد والكف والساق والرجل والوجه. وقالوا وكما يباح النظر إلى هذه المواضع يباح المس. وأما نظر الرجل إلى إماء الغير والمدبرات، وأمهات الأولاد (الإماء اللائي ولدن ذكرا من رجل حر)، والمُكاتِبات (الإماء اللائي تعاقدن بمبلغ ما مع مالكيهن على شراء حريتهن) فقالوا عنه إنه كنظر الرجل إلى ذوات محارمه.

ويبقى النظر إلى الأجنبيات (ما سوى ذوات المحارم والإماء): فعند بعض الفقهاء يباح النظر إلى موضع الزينة الظاهرة منهن بما في ذلك الكحل والخاتم الخ، ولا يباح النظر إلى شيء من بدنها بما في ذلك الوجه، ويبررون ذلك بـ "خوف الفتنة" وبكون وجهها أكثر إثارة للفتنة من الأعضاء. على أن بعض الفقهاء يرون أن خوف الفتنة ليس مقصورا على الوجه، فقد يكون بالنظر إلى ثيابها أيضاً. وبالعكس من هؤلاء قال آخرون إنه يباح النظر إلى وجهها وإلى ذراعيها أيضا، لأنها في الخبز وغسل الثياب تضطر إلى إبداء ذراعيها أيضاً، كما قيل ويباح النظر إلى ثناياها أيضاً، لأن ذلك يبدو منها في التحدث مع الرجال. وقد أباحوا ذلك كله إذا لم يكن النظر عن شهوة، فإن كان الرجل يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحل له النظر إلى شيء منها. وقالوا أما النظر إليها عن شهوة فلا يحل إلا عند الضرورة، وهو كما إذا دعي إلى الشهادة عليها، أو كان حاكماً ينظر ليوجه الحكم عليها بإقرارها أو بشهادة الشهود على معرفتها، لأنه لا يجد بداً من النظر في هذا الموضع...

مما تقد يتضح أن الفقهاء قد فكروا في الحجاب والعورات انطلاقا من أن المرأة موضوع شهوة وفتنة للرجل، ولذلك يجب حجبها عنه. هذا في حين أنها تقدر على إغرائه بجمع الوسائل بما في ذلك الحجاب نفسه. فكم من امرأة محجبة تستطيع إيقاظ شهوة الرجل أكثر مما تقدر غير المحجبة على فعله. كما أنهم أهملوا كون الرجل هو أيضا موضوع شهوة وفتنة للمرأة، وأنه يوقظ فيها غريزة الشهوة بنظره ووجهه وعضلاته: فاشتعال الشهوة في الذكر لا يكون بدون أنثى واشتعالها في الأنثى لا يكون بدون وجود ذكر، إلا عند الشواذ جنسيا. وما دام الأمر يتعلق عندهم بـ"مقدمات المحظور" (مقدمات الزنى)، كما يقولون، فلماذا لا نحرص على المساواة بين المرأة والرجل في لبس الحجاب أو عدم لبسه، ما دام هذا المحظور لا يتأتى إلا بوجودهما معها؟ لماذا، لم ينطلقوا، ولا ينطلقون في تفكيرهم، من قوله تعالى : ""قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ..." (سورة النور 30). إن الخطاب الإلهي موجه إلى الرجل أولا، وإلى المرة ثانيا، يأمرهما معا بغض البصر...؟

الجواب الاجتماعي التاريخي عن هذا السؤال هو أن سفور "الحرائر" لم يكن من المفكر فيه في "معهود العرب"، ذلك أن مكانهن هو البيت، فلا يحتجن إلى الخروج للعمل، أي عمل، فالإماء يقمن لهن بذلك. فلو كان معهود العرب قائما على عمل المرأة وسفورها لما اجتهد الفقهاء في تقنين الحجاب. إننا إذن لا نلومهم ولا نخطئهم، فقد فكروا في الأمر ضمن دائرة ما كان وحده يشكل المفكر فيه في عصورهم؟ ولكن هل يليق بنا نحن الذين نعيش في عصر مختلف تماما أن نحصر تفكيرنا في شرع الله، الذي هو لكل زمان ومكان، ضمن نفس الدائرة التي كانت تشكل مجال التفكير في العصور القديمة؟

سؤال يحتاج إلى قول مفصل يرتكز على آيات الحجاب في القرآن.