ص1        السابق

 

17- الزنا والقذف... والحجاب!

 

محمد عابد الجابري

المبدأ الأساس الذي يقوم عليه الإسلام هو أن نص القرآن مقدس، "لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت 42). وأما فهمه أو تفسيره أو تأويله فكل ذلك اجتهاد. والدعوة إلى تطبيق الشريعة ستبقى مجرد شعار ما لم تكن في الوقت نفسه دعوة إلى الاجتهاد. والفقه الإسلامي لم يكن ليتأسس كمدونة قانونية، فضلا عن كونه ممارسة علمية، لو لم يكن مبنيا على الإجتهاد. ومن هنا كان إجماع علماء أصول الفقه على اعتبار الاجتهاد مصدرا من مصادر التشريع في الإسلام. وإذا كان ترتيبه يقع في آخر قائمة هذه المصادر (القرآن، السنة، الإجماع، الاجتهاد) فليس ذلك لأن قيمته على مستوى التشريع تأتي في المؤخرة بل لأنه منهج يجب أن يطبق في المصادر الأخرى: في فهم القرآن والسنة وإثبات شرعية الإجماع وشروطه الخ.

والاجتهاد جهد يبذله المكلف من أجل فهم وتطبيق شرع الله المنصوص عليه في القرآن والسنة. يضاف إليهما ما أجمع عليه الصحابة. وبما أنه من غير المقبول أن ينوب شخص عن شخص في أداء الفرائض ولا في فهم الشرع ولا في تطبيقه ولا في تحمل المسؤولية فيه، فقد ارتأى بعض العلماء أن الاجتهاد واجب على كل مسلم، بمعنى أن عليه أن يجتهد هو شخصيا في فهم الشريعة وأحكامها، حتى يكون على بينة مما يفعل. وهذا يعنى ضرورة ترك التقليد لأن الاجتهاد يتنافى مع تقليد أي كان. وفي هذا يقول الإمام ابن حزم الأندلسي : "لا يحل لأحد أن يقلد أحدا، حيا ولا ميتا، وكل أحد له من الاجتهاد حسب طاقته"، ويضيف: إن "من ادعى تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل وقال قولا لم يأت به نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل لأنه قول بلا دليل". وأيضا: "وليعلم كل من قلد صاحبا (من الصحابة) أو تابعا (من التابعين) أو مالكا أو أبا حنيفة أو الشافعي أو سفيان أو الأوزاعي أو أحمد (= ابن حنبل ) أو داوود (=الأصبهاني ) رضي الله عنهم، أنهم يتبرءون منه في الدنيا والآخرة". أما كيف يجتهد العامي حسب طاقته، فذلك بأن يطلب الدليل الشرعي (آية قرآنية، حديث)، ويطلب ما قيل فيه من اجتهادات إن أمكن، ثم يتحمل مسؤوليته، ويتصرف حسب ما يهديه إليه ضميره وحظه من الفهم.:

أقول هذا بمناسبة موضوع هذا المقال الذي يدور حول كيفية تطبيق الشريعة في مسألة الزنا والقذف وهما مترابطتان، بعد أن تحدثنا عن تطبيقها في مسألة السرقة.

ثمة ثلاث آيات وردتا في حد الزنا، اثنتان منها في سورة النساء ونصهما : "وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ (امنعوهن من الخروج) حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ( بالكلام: عيٍّروهما ووبخوهما) فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (النساء 15-16).

لقد اضطرب المفسرون والفقهاء في فهم الآيتين لكون الأولى منهما جاءت بصيغة الجمع :"من نِسَائِكُمْ"، بينما جاءت الثانية بصيغة التثنية : "وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ". قال بعضهم: الآية الأُولى في النساء عامّة، والآية الثانية في الرجال خاصة فعقوبة النساء الحبسُ، وعقوبة الرجال الأذَى (بالكلام). وواضح أن هذا التفسير لا يحل مشكلة ذكر النساء بالجمع والرجل بالتثنية! و قال آخرون: الأُولى في النساء المحصنات (غير الأبكار)، ودخل معهنّ من أحصِن من الرجال بالمعنى، والثانية في الرجل والمرأة البِكرين. وواضح أن هذا تأويل لا سند له من النص. وارتأى بعضهم أن الآية الأولى نزلت في تساحق النساء والثانية في لواط الرجال. ومع أن "الفاحشة" تعني السحاق واللواط، كما تعنى الزنا، فإن هذا التأويل يبقى بعيدا عن منطوق النص.

هذا بينما ارتأى أخررن أنه حصل تقديم وتأخير في الآيتين عند جمع القرآن، وأن الأصل هو تقديم الآية الأولى الخاصة بالرجال على الأولى الخاصة بالنساء، وحينئذ ستكون عقوبة التوبيخ والإيذاء (بمجرد الكلام) قد نُسِخت بعقوبة الحبس المؤبد في البيت. ولكن هذا النوع من الإخراج غير مقبول في نظر الفقهاء وكافة علماء الدين، لأن المبدأ الأساسي الذي يتم التعامل به مع القرآن هو أن ترتيب الآيات داخل كل سورة ترتيب وقفي، أي أنه أخذ من النبي (ص) ويجب أن يبقى كما هو. لأنه لو فتح الباب للاجتهاد في تقديم وتأخير الآيات داخل السور لأصبحنا ليس أمام قرآن واحد، بل إزاء كتب مختلفة المضمون اختلافا لا يمكن حصره. أما ترتيب السور، كما هو الآن في المصحف، فليس وقفيا، بل هو موضوع اجتهاد اللجنة المكلفة بجمع القرآن زمن عثمان.

ذلك عن بعض جوانب الاجتهاد، وبالتالي الاختلاف في عقوبة الزنا كما وردت في الآيتين السابقتين. أما الآية الثالثة والواردة في مستهل سورة النور فنصها: "ٱلزَّانِيَةُ وٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ". وقد اختلف المفسرون في تحديد موقعها من الآية الأولى : هل هذه الآية ناسخة للأولى أم أنها مكملة لها. قال فريق منهم إن آية الحبس نزلت في أول الإسلام ثم نسخت بآية الأذى ثم نسخت الآيتان معا بآية الجلد. بينما ذهب فريق آخر إلى أن الآيات الثلاث محكمات كلها، لأنه لا تعارض بينها، وبالتالي يمكن –إن يكن لم يجب- الجمع بينها فتكون عقوبة الزنا هي الحبس والجلد.

هذا إلى جانب الرجم والتغريب اللذين استندوا في شأنهما على أحاديث نبوية. منها حديث ورد فيه أن جماعة من اليهود جاؤوا النبي (ص) ومعهم رجل وامرأة زنيا وطلبوا منه أن يحكم لهم فيهما، فقال النبي (ص) «ائتوني بأعلم رجلين منكم» فأتَوهُ بابنَيْ صُورِيا أحد كبار أحبارهم، فنشدهما: «كيف تجدان أمر هذين في التوراة» ؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعةٌ أنهم رأَوْا ذكره في فرجها مثلَ المِيل في المُكْحُلة رُجِما ... فدعا (ص) بالشهود، فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميلِ في المكحلة؛ فأمر رسول الله (ص) برجمهما".

وتؤكد روايات عديدة أن القرآن نص على رجم الشيخ والشيخة في آية عرفت بآية الرجم ونصها : "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله، والله عزيز حكيم". قالوا وهذه الآية رفعت من جملة ما رفع (لم يعد موجودا) من سورة "الأحزاب" التي قالوا عنها إنها كانت تشتمل قبل وفاة النبي على مائتي آية، ولم يبق منها سوى ثلاث وسبعين أية.

وهكذا تكون الحدود الإسلامية في الزنا ثلاثة: رجم، وجلد، وتغريب. فالمتزوجون زواجا شرعيا من الرجال والنساء (المحصنون والمحصنات) فعقوبتهم الرجم، هذا رأي الأغلبية. غير أن طائفة أخرى وهم أقليلة قالوا إن حد كل زان الجلد، لا غير. واختلفوا في التغريب (النفي) مع الجلد، "فقال بعضهم لا تغريب أصلاً. وقال آخرون: لا بد من التغريب مع الجلد لكل زان ذكراً كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً، بينما ذهب غيرهم إلى القول: يغرب الرجل ولا تغرب المرأة، ولا تغريب على العبيد".

ومهما يكن فالمهم عندنا هنا هو أن تطبيق حد الزنا سواء كان رجما أو جلدا أو تغريبا يتطلب شروطا يصعب استيفاؤها في جميع العصور. ذلك أن القرآن قد اشترط في إثبات الزنا شهادة أربعة شهود كما رأينا. ويقول المفسرون إن اشتراط أربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن. وأجمعوا على أن من شرط هذه الشهادة أن تكون بمعاينة فرجه في فرجها، وبالتعبير الصريح لا بالكناية، وأن تكون شهادة كل من الأربعة واحدة لا تختلف لا في تحديد الزمان ولا في تعيين المكان. واختلفوا في حال ما إذا شهد الشهود الأربعة بوجود الرجل مع المرأة في ثوب واحد؛ فقال بعضهم بالحد، وقال آخرون: يؤدّبان بوجه الأدب السائدة (تخويف، توبيخ، نصح ...). وهذا رأي الأكثرية.

ولا شك أن من ينظر، من منطلق معهود عصرنا، إلى شرط الشهادة، بمعاينة ذكر الزاني داخلا في فرج الزانية "مثلَ المِيل في المُكْحُلة"، سيميل إلى القول إن "هذا غير متيسر". ذلك لأنه يصدر عن طبيعة العمران القائم الآن: دور محصنة بالأبواب والأقفال، عمارات وطوابق الخ. غير أن النظر إلى المسألة من منطلق معهود العرب في ذلك الوقت سيخفف كثيرا من صعوبة المعاينة. لقد كان العرب في ذلك الوقت يأوون إلى بيوت لا أبواب فيها وإنما نوع من "السترة" بالثياب فإذا هبت الريح أو رفع باليد زالت السترة. ويذكر المفسرون أن بيوت النبي والصحابة في المدينة كانت من هذا النوع. أضف إلى ذلك أن قضاء "الحاجة" (حاجة إفراغ البط) كانت تتم في الهواء الطلق خارج هذه البيوت، ومن غير المستبعد أن يلجأ الزاني والزانية إلى قضاء "الحاجة" الخاصة بالفرج، بهذه الطريقة.

ومما يتصل بأحكام الزنا حد القذف، ويخص الذين يتهمون النساء والرجال بالزنا، أو ينفونهم عن أنسابهم ولم يأتوا بأربعة شهداء من النوع الذي ذكرنا، فهؤلاء يجلدون ثمانين جلدة لقوله تعالى وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (النور: 4)

بقي أن نقول إن ما سبق تقريره في حد الزنا والقذف خاص بالأحرار والحرائر. أما العبيد والإماء فالواجب فيهم خمسون جلدة؛ في الزنا كما في القذف، لقوله تعالى: {فَإِنْ أَتَيْنَ (المملوكات) بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} (النساء: 25).

أما الحكمة في تخفيض العقوبة بالنسبة للإماء والعبيد فموضوع آخر.

ولكن يبقى هناك سؤالان.

الأول جوابه معه وهو: إذا كان حكم الزنا كما شرحنا فهل يمكن تطبيق الشريعة فيه اليوم؟ الجواب نعم، ولكن من منطلق اجتهاد جديد.

وأما الثاني فموضوع للتأمل وهو : إذا كان تطبيق الشريعة في فاحشة الزنا يتطلب كل تلك الاحتياطات والاجتهادات فلماذا يتشدد بعض الناس في مسألة الحجاب مع أنه ليس فاحشة ولا يلزم عن ترك الصورة المتشددة منه، لا حد ولا عقوبة ولا حتى نهي مباشر صريح؟