ص1        السابق

 

18- عندما ننجح في جعل ضروريات عصرنا جزءا من مقاصد شريعتنا

 

محمد عابد الجابري

قال صاحبي: وماذا يبقى في شعار "تطبيق الشريعة" بعد أن بينت لنا أن تطبيقها في الحدود، وهي التي نص القرآن فيها على عقوبات معينة، لا يكون إلا نسبيا نظرا للشروط التي اشترطها الشرع لإثباتها، وأيضا باعتبار أن الحديث النبوي "ادرءوا الحدود بالشبهات"، صريح في التماس كل ما من شأنه أن يدرأ تطبيق الحد؟

قلت: الواقع أن هذا السؤال لا معنى له إلا لدى من يختزل الإسلام في قطع يد "السارق الصغير" (سارق البيضة أو البيضتين)، والتغاضي عن "السارق الكبير" (سارق الأموال وسارق الحقوق بما فيها حقوق الإنسان والحقوق الديمقراطية)! أما من هو منشغل بما يشكل أبرز خصائص عصرنا، أعني التغير والتبدل، فالسؤال الذي يشغله هو: كيف نطبق شريعتنا على ما حدث ويحدث من تطور وتقدم فاتنا ركبه فأصبحنا في المؤخرة نعد مع الأمم "المتخلفة"؟

ذلك لأن مشكلتنا مع عصرنا هي أن التغير والتبدل هما أبرز سماته، وأن المستجدات في مختلف المجالات تتعاقب وتتزاحم في كل يوم، الشيء الذي يفرض على الناس، أعني على المتحضرين المواكبين للتطور، مراجعة ما يسنونه لأنفسهم من قوانين أو ما يتبعونه من شرائع. وإذا كانت عملية المراجعة لا تعني بالضرورة الحذف أو التعطيل لهذا القانون أو ذاك، لهذه القاعدة السلوكية أو تلك، فإنها كثيرا ما تفرض إعادة النظر في الأولويات وإعادة ترتيب الحاجيات، وما قد يترتب عن ذلك من إضافة لوائح جديدة...

ونحن في العالم العربي والإسلامي، الذين نعيش التغير الذي يطبع العصر الحاضر وسط تراث حي متنوع انحدر إلينا من العصور الماضية، كثيرا ما نغفل هذه الحقيقة، فترانا نطالب بالتجديد متسائلين : ماذا يجب أن نأخذ من تراثنا، وماذا يجب أن نأخذ من قوانين عصرنا؟ ناسين أو متناسين أن ما أصاب حياتنا من تبدل عميق واسع، وما نعرفه من تغير مستمر متواصل، قد جعلنا في وضعية تتطلب منا معالجتُها القيامَ بمراجعة عميقة للمقاييس التي نعتمدها والقواعد الأصولية التي ننطلق منها، وليس مجرد التساؤل أو التفكير فيما ينبغي أخذه من هنا، وما ينبغي أخذه من هناك، وكأن الحياة جامدة على حالة معينة، كما كانت في الماضي، أو كأن ركب التطور واقف ينتظرنا حتى نقرر ونختار.

لا، لم يعد في إمكاننا أن نختار بين ما يجب أن نأخذ من هنا أو من هناك. وأحسب أن الحياة البشرية على ممر العصور لم تكن تقوم على مثل هذا الاختيار. وإذا كان من غير الجائز سلب الإنسان قدرته على التحكم في الأحداث، فإنه من غير الجائز كذلك إغفال الطابع النسبي لهذه القدرة : قدرتهم على الاختيار بين الإمكانيات التي يتخيلون أنهم أحرار في ممارسة فعل الاختيار فيها. إن ما يفعله الناس في الحقيقة، وهذا ما قد ينجحون فيه أو يفشلون، هو التكيف مع المستجدات، سواء تلك التي يساهمون في إنتاجها، أو تلك التي تظهر من غير أن يقصدوها أو يفطنوا بها. والتكيف يعني الملاءمة: ملاءمة الذات، فردية، كانت أو جماعية، مع الواقع الجديد، ولكن لا من أجل الخضوع له والاستسلام أمامه، بل من أجل استعادة القدرة على السيطرة عليه نوعا من السيطرة. وبقدر ما يكون الوعي بنوعية التطور الحاصل عميقا بقدر ما تتسع الإمكانيات أمام الذات للحفاظ على استقلالها وأصالتها وضمان الاستمرار لأصولها ومراجعها خلال عملية الملاءمة المطلوبة التي ستكتسي، حينئذ، أبعادا عميقة، فتجمع بين إعادة بناء الواقع وإعادة تأصيل الأصول.

نقول هذا، ونحن نريد أن نؤكد في هذا السياق أن الدعوة إلى تحقيق الأصالة والخصوصية والانخراط في الحداثة الخ، وهي دعوة ما فتئت تتردد عندنا منذ أكثر من قرن، ستبقى مجرد دعوة تتقاذفها أمواج التغير والتبدل الذي يفرض نفسه على الحياة المعاصرة، ما لم ترتفع هي إلى المستوى الذي يجعل منها دعوة إلى التكيف الواعي مع المستجدات قصد السيطرة عليها، ارتكازا على تأصيل جديد للأصول.

لقد أشرنا في مقال سابق إلى أنه عندما أخذ بعض الأصوليين الفقهاء، الذين اتجهوا اتجاها تجديديا بعد "انغلاق" باب الاجتهاد، يفكرون في إعادة تأصيل أصول الفقه على أساس بنائها على مقاصد الشريعة، انطلقوا من "الأصل" التالي، وهو أن "الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معا"، وأن مقاصدها، بناء على هذا، لا تعدو أن تكون ثلاثة أقسام : ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات. أما الضروريات فقد حصروها في خمس هي: حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال. وأما الحاجيات فهي كل ما قامت الحاجة إليه من أجل رفع الضيق والمشقة والحرج، وأما التحسينيات فهي الأخذ بما يستحسنه العقل من العادات والمستجدات، وتجنب ما يستقبحه منها. ثم أضافوا إلى كل قسم من هذه الأقسام ما هو له كالتتمة والتكملة، مما لا يؤدي إلى إبطال أصل من الأصول، وجعلوا المقاصد الضرورية أصلا للحاجيات والتحسينيات والتكميليات، باعتبار "أن مصالح الدين والدنيا مبنية على الأمور الخمسة المذكورة"، وقالوا إن هذه الأمور الخمسة قد ثبتت لديهم بالاستقراء، ليس من الدين الإسلامي وحده، بل أيضا من "النظر إلى الواقع وعادات الملل والشرائع".

لقد حدد فقهاؤنا القدامى الضروريات وغيرها بالاستقراء كما سبق القول، أي باعتماد معطيات عصرهم الحضارية من جهة، والارتكاز على النقل والعقل معا، من جهة أخرى.وفي الغالب فكروا في هذه الأمور الخمسة داخل المجتمع الإسلامي الذي كان في وقتهم يشكل عالما قائما بذاته مستقلا عن غيره من المجتمعات التي لم يكن لها شأن يذكر، لأن الشأن كل الشأن كان يومئذ للمجتمع العربي الإسلامي الذي كانت حضارته حضارة للعالم أجع. أما اليوم، ونحن نعيش في عالم آخر، أصبحنا فيه تابعين لا متبوعين، عالم تغيرت فيه الأحوال وتطورت فيه الحقوق والواجبات وكثرت فيه المنافسات والتهديدات، فإنه لا بد لكل من يفكر بشيء من الجدية في التجديد، و"فتح" باب الاجتهاد، وتحقيق الأصالة والتحديث معا، لا بد له من أن يدخل في حسابه ما استجد من تحولات، وهي كثيرة وعميقة.

فعلا، إن الأمور الخمسة التي حصر فيها فقهاؤنا القدامى "الضروريات" كانت، وما تزال، وستبقى أمورا ضرورية بالفعل، أي مقاصد أساسية لكل تشريع يستهدف فعلا خدمة مصالح البشر. غير أن مصالح الناس اليوم لم تعد مقصورة على حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بل إنها تشمل بالإضافة إلى الأمور الخمسة المذكورة أمورا أخرى نعتقد أنه لا بد من أن ندرج فيها : الحق في حرية التعبير وحرية الانتماء السياسي، والحق في انتخاب الحاكمين وتغييرهم، والحق في الشغل والخبز والمسكن والملبس، والحق في التعليم والعلاج... إلى غير ذلك من الحقوق الأساسية للمواطن في المجتمع المعاصر. أما الحاجيات، فبالإضافة إلى ما ذكره فقهاؤنا القدامى، هناك حاجيات جديدة، مثل الحاجة إلى توفير الصحة والوقاية من الأمراض بإعداد ما يكفي من مستشفيات وغيرها، والحاجة إلى ما لا بد منه لتنشيط الإبداع الفكري في مختلف المجالات العلمية والفنية والنظرية، والحاجة إلى ما لا بد منه لاكتساب معرفة صحيحة بالواقع والأحداث... أما التحسينيات التي يتطلبها عصرنا، فحدث ولا حرج، كما يقولون.

غير أن ما تقدم ليس إلا وجها واحدا من الضروريات والحاجيات والتحسينيات التي يتطلبها العيش في مستوى عصرنا، الوجه الذي يتعلق كما قلنا بحقوق المواطن وحاجاته في المجتمع المعاصر. أما الوجه الآخر فيتعلق بما هو ضروري وحاجي وتحسيني وتكميلي بالنسبة إلى الأمة ككل. ولا نعتقد أن هناك من يجادل في أن من ضروريات الوجود القومي المنيع للعرب والمسلمين في العصر الحاضر، قيام حد أدنى من الوحدة بين دولهم، قوامه التخطيط المشترك والتعاون الفعلي والتضامن الحقيقي وصولا إلى أشكال وأنواع من التكتلات الإقليمية التي أصبحت ضرورية في هذا العصر. ولا نشك في أن جميع العرب والمسلمين ومعم جميع أحرار العالم، يقرون اليوم بأن من ضروريات استقرار الوجود العربي، بل الوجود العالمي : تحرير فلسطين وتمكين شعبها من تقرير مصيره بنفسه... ولا نخال أن هناك من يجادل في أن ضروريات التنمية والتقدم في الوطن العربي في العصر الحاضر تتطلب بناء السلطة فيه على أسس ديمقراطية حقيقية، وبناء العلاقات الاجتماعية في كل بلد من بلدانه وقطر من أقطاره على العدالة الاجتماعية.

ذلك عن ضرورات عصرنا. أما الحاجيات فأكثر من أن تحصى : إنها حاجيات التنمية، وحاجيات التحرر، وحاجيات القوة والمناعة... الخ. وأما التحسينيات، فهي أيضا لا حصر لها على هذا المستوى. ويمكن أن نذكر منها، الحفاظ على سمعة الأمة بتجنب كل ما قد يسيء إلى قيمها وخلقيتها، كما يمكن أن نذكر ضرورة نشر قيمها المشرقة، وكسب الأنصار والحلفاء لقضاياها المصيرية، على كل مستوى.

تلك هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات التي يطرحها علينا عصرنا، ذكرنا بعضها على سبيل المثال، ومن دون شك، فإنها لا تلغي ولا تعوض تلك التي سبق أن حصرها فقهاؤنا بالأمس في الأمور الخمسة المذكورة، بل بالعكس هي تكملها، وأكثر من ذلك توفر لها الشروط الضرورية لحفظها في الحياة المعاصرة.

لنختم إذن بالقول إنه إذا كانت هناك ضرورات عامة خالدة كتلك التي أحصاها فقهاؤنا بالأمس، فإن لكل عصر ضرورياته وحاجياته وتحسينياته... وهكذا فعندما ننجح في جعل ضروريات عصرنا جزءا من مقاصد شريعتنا، فإننا سنكون قد عملنا ليس فقط على فتح باب الاجتهاد في وقائع عصرنا المتجددة المتطورة، بل سنكون أيضا قد بدأنا العمل في تأصيل أصول شعريعتنا نفسها بصورة تضمن لها الاستجابة الحية لكل ما يحصل من تغيير أو يطرأ من جديد.