21- "الخلافة" ثغرات دستورية ...موروثة!
محمد عابد الجابري
من الأمور اللافتة للنظر أن الكتاب والمؤلفين في "الفكر الإسلامي المعاصر"، من معتدلين ومتشددين، يتجنبون الخوض بتفصيل فيما هو أساسي وتأسيسي بالنسبة إلى متطلبات عصرنا، بينما ينشغلون بما هو أقل شأنا بالقياس إلى التحديات التي تواجهنا اليوم. إن كثيرين منهم يختزلون قضايا معقدة وعويصة في شعارات عامة قد تغني من جوع لبعض الوقت ولكنها لا تفي بالحاجة ولا تسمن. من ذلك شعار "الإسلام هو الحل"، الذي يرفع في وجه الأسئلة الكبرى التي تواجهنا كمسألة الحكم. والحق أن هذا الشعار يطرح قضية غير ذات موضوع عندما يرفع وسط شعب مسلم -إذ كيف يمكن أن يكون الشخص مسلما من دون أن يؤمن بأن الإسلام هو الحل دائما، تماما مثلما يعتقد المسيحي في مسيحيته واليهودي في يهوديته والبوذي في بوذيته الخ. إن ذلك يعني أن رافعيه إنما يقصدون توظيفه سياسيا وإيديولوجيا في وجه شعارات أخرى. ومن أجل أن تنزع عنه البطانة السياسية الإيديولوجية يجب الرجوع به إلى المرجعية التشريعية أو التاريخية الذي يرتبط لها، وفي هذه الحالة يجب أن يدور النقاش حول المضمون أو المضامين التي تعطى، أو يمكن أن تعطى، لهذا الشعار، في وضعية معينة وإزاء قضايا ومشاكل محددة.
وبما أنه ليس هناك، لا في القرآن وفي السنة، نص تشريعي ينظم مسألة الحكم، وبما أن النبي (ص) قد توفي من دون أن يعين من يخلفه، ومن دون أن يبين طريقة تعيينه، ومن دون أن يحدد اختصاصاته ولا مدة ولايته، فإن المسألة برمتها قد بقيت تنتمي إلى جنس المسائل التي يصدق عليها قوله عليه السلام: "أنتم أدرى بشؤون دنياكم"، فهي إذن متروكة لـ "الاجتهاد".
والاجتهاد في الإسلام، كما في جميع الديانات والمذاهب، لا ينطلق من فراغ، لا يبدأ من لاشيء، فليس ثمة شيء يبنى على لا شيء. إن الاجتهاد في الإسلام، إما أن يكون في المسائل التي يمكن أن تدرج تحت حكم شرعي فيه نص، وإما أن يكون في مسائل لا نص فيها. وفي هذه الحالة تكون المصلحة العامة التي تقتضيها ظروف العصر هي المرجع، والخلقية الإسلامية هي الموجه، والتجربة التاريخية للأمة هي موطن العبرة والاعتبار.
لنبدأ بهذا الجانب الأخير ولنتساءل: ما هو الدرس الأساسي الذي تقدمه لنا التجربة التاريخية للأمة العربية/الإسلامية في مسألة الحكم؟ الجواب الذي قد لا يختلف عليه اثنان يمكن صياغته كما يلي: إن الواقعة السياسية الرئيسية في التاريخ العربي الإسلامي هي: "انقلاب الخلافة إلى ملك عضوض"، حسب تعبير القدماء. ومن هنا السؤال الضروري التالي: لماذا "انقلبت الخلافة إلى ملك"؟ لماذا لم تعالج الأزمة السياسية التي حدثت في أواخر عهد الخليفة عثمان معالجة سياسية دستورية تجعل حدا لتدهور الوضع وتجنب الأمة ما آل إليه أمرها من فتنة وحرب أهلية انتهت بـ "انقلاب الخلافة إلى ملك عضوض".
إذا نحن أردنا أن نستخلص الدروس السياسية من أحداث "الفتنة الكبرى"، أحداث السنين الست الأواخر من عهد عثمان وما تلاها من حرب بين صحابة كبار ومناصريهم -علي بن أبي طالب، الزبير بن العوام، طلحة، عائشة زوج النبي، معاوية ومعهم كثير من الصحابة أوائل المسلمين الخ- وجب القول: إن ما حدث كان تعبيرا عن فراغ دستوري كبير في نظام الحكم الذي قام بعد وفاة النبي (ص). ويتجلى لنا اليوم هذا الفراغ ، نحن أبناء القرنين العشرين والحادي والعشرين، في المسائل الثلاث الرئيسية التالية:
1- عدم إقرار طريقة واحدة مقننة لتعيين الخليفة. لقد تم تعيين أبي بكر في ظروف استعجالية استثنائية، فكان تعيينه "فلتة" كما قال عمر بن الخطاب، مشيرا بذلك إلى أن بيعة أبي بكر قد تمت من دون تدبير سابق، وأن مبادرة الأنصار إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة لاختيار واحد منهم خليفة، وجعل الباقي أمام الأمر الواقع، هو الذي جعل الأمور تمر بالطريقة التي بها مرت، حيث احتدم النقاش وتباينت الآراء، وكاد أن يتطور النزاع إلى ما لا تحمد عقباه لولا أن بادر عمر إلى مبايعة أبي بكر فتبعه المهاجرون والأنصار. وكانت النتيجة في النهاية على أفضل ما كان يمكن أن يكون عليه الأمر لو لم يكن فيه استعجال، فلقد كان أبو بكر أكثر الصحابة حظا في نيل رضا الناس واختيارهم... وقد تلافى أبو بكر تكرار مثل تلك "الفلتة" بتعيينه عمر بن الخطاب بعد استشارة الناس وحصول رضاهم، وتلافاها عمر بتعيين ستة يرشحون واحدا من بينهم، وقد وقع الاختيار على عثمان. إذن لم تكن هناك طريقة واحدة لتعيين الخليفة فبقي الباب مفتوحا لكل الاجتهادات وأيضا لكل الاحتمالات. وإذا كان من الممكن الرجوع بجذور الثورة على عثمان إلى الصراع الذي احتدم بين مؤيديه وبين أنصار علي بن أبي طالب أيام "الشورى"، أي خلال تلك المداولات والنقاشات التي أسفرت عن تعيين عثمان خليفة، فإن ما حدث من ميوعة سياسية ومن فتنة دموية انتهت بقتل عثمان ما كان ليحدث بالصورة التي حدث بها لو لم يكن هناك فراغ دستوري يتمثل، إضافة إلى ما ذكر، في القضيتين التاليتين:
2- عدم تحديد مدة ولاية "الخليفة" : وهذا شيء يمكن أن نفهمه إذا استحضرنا في أذهاننا أن وظيفة "الخليفة" الأساسية، في ذلك الوقت، هو أن يكون "أميرا" للمسلمين يقود جهادهم في حروب الردة أولا، ثم في حروب الفتوحات ثانيا. إن "الأمير" في الاصطلاح العربي القديم هو قائد الجيش في المعركة. وبما أنه لا أحد يعرف كم ستدوم الحرب فلم يكن من الضروري قط تحديد مدة إمرة "الأمير": إن ولايته تمتد ما دامت الحرب قائمة، اللهم إلا إذا عزل أو قتل وحينئذ يعين آخر مكانه. ولكن مهمته كانت تنتهي حتما بانتهاء الحرب فيفقد لقب "أمير" ويعود إلى مكانه كبقية الناس. وبما أنه لم يكن هناك نص تشريعي، لا من القرآن ولا من السنة، ينظم مسألة الحكم، وبما أن العرب لم تكن لديهم تقاليد راسخة في ميدان الحكم والدولة، فإن نموذج "الأمير" الذي كان حاضرا في مخيال المسلمين عقب وفاة النبي هو نموذج "أمير الجيش"، ولذلك كان هذا النموذج هو المهيمن على العقل السياسي العربي آنذاك. وهكذا فعندما بايع الصحابة أبا بكر خليفة للنبي (ص) فإنهم فعلوا ذلك ليخلفه في تسيير شؤون الدولة الناشئة، وفي مقدمة تلك "الشؤون" وعلى رأسها: انطلاق الجيش الذي كان النبي قد جهزه قبيل وفاته. وإذن فقد بايعوه قائدا عاما لجيوش المسلمين، وبالتالي لم يكن من المعقول أن يخطر ببالهم تحديد مدة ولايته. وعندما توفي، بعد سنتين فقط من تعيينه، وبايع الناس عمر بن الخطاب وصاروا يدعونه: "يا خليفة خليفة رسول الله" استثقل هذه العبارة واستحسن عبارة أخرى ناداه بها أحدهم، عبارة "أمير المؤمنين"، استحسنها لأنه رآها تعبر عن جوهر وظيفته، وهي قيادة جيوش المسلمين في الحرب التي كانوا يخوضونها، حروب الفتوحات خاصة. لقد كان عمر إذن قائدا عاما لجيوش المسلمين، أميرا على أمرائها، ولم يكن من الملح تحديد مدة ولايته والمسلمون خائضون في حروب الفتوحات الكبرى. وعندما طُعن عمر بن الخطاب، وانتقل إلى رحمة الله والحرب قائمة، جرت عملية "الشورى" التي أمر بها فكانت النتيجة تعيين عثمان خليفة له للقيام بنفس المهمة، فلم يكن من الملح أن يحددوا مدة ولايته للسبب نفسه.
والجديد الذي حدث على عهد عثمان هو أن مدة ولايته طالت "حتى مله الناس"، حسب تعبير بعض المؤرخين القدماء. ذلك أنه كان رجلا مسنا بويع في السبعين من عمره. لقد تفاقمت المشاكل في السنين الأخيرة من ولايته واستفحل الخلاف، ونشبت أزمة دستورية، والخليفة طاعن السن يحيط به جماعة من الأقارب وأصحاب المصالح يصنعون له القرار ويسيئون التصرف. ولم تجد النصيحة في إصلاح الوضع لأن "جماعة الضغط" و"صانعي القرار" المحيطين بالخليفة كانوا يعرفون كيف يحملونه على التراجع عن وعوده بالإصلاح. وهكذا لم يكن أمام الثوار إلا أن يطلبوا منه الاستقالة. ولكن كيف؟ ومن سيتولى الأمر من بعده؟ وبأي "قانون" أو سابقة تطلب منه الاستقالة؟ كانت أزمة دستورية خطيرة لم تحل إلا بالدم، ذلك لأنه عندما يغيب القانون تكون الكلمة للسيف وحده!
3- عدم تحديد اختصاصات الخليفة لا عند بيعة أبي بكر، ولا عند بيعة عمر، ولا عند بيعة عثمان! والسبب هو أن النموذج الذي كان يهيمن على العقل السياسي العربي آنذاك، نموذج "أمير الجيش"، لم يكن يسمح بطرح مسألة الاختصاصات. إن مسألة الاختصاصات لم تكن من "المفكر فيه" في ذلك العصر لأنه كان عصر فتوحات وغنائم وانتشار في الأرض. ولكن عندما كثرت المغانم وتبدلت الأحوال بالناس، وظهرت مظاهر كانت موضوع اعتراض واحتجاج، أصبحت مسألة الاختصاصات تفرض نفسها. لقد طرحت بحدة من خلال المآخذ التي أخذها الثوار على عثمان: منها أنه عين أقاربه وتصرف في خمس الغنائم الخ. وعندما حاصره الثوار وقالوا له: "اعزل عنا عمالك الفساق واستعمل علينا من لا يتهم على دمائنا وأموالنا واردد علينا مظالمنا". أجاب: "ما أراني إذن في شيء إن كنت استعمل من هويتم وأعزل من كرهتم، الأمر إذن أمركم".
وهكذا كشفت الثغرة الدستورية الثالثة عن وجهها على لسان الخليفة نفسه: لقد رفض انتقادات الثوار ومطالبهم لأنه كان يرى أن من اختصاصاته التصرف في "فضل المال " كما يشاء، وأن من اختصاصاته وحده اختيار العمال والولاة وأن "الأمر" (أي الحكم والسلطة) يفقد معناه ومضمونه إذا هو حددت اختصاصاته. أما جواب الثوار، وقد كان يقف إلى جانبهم صحابة كبار مثل عمار بن ياسر، فضلا عن مساندة طلحة والزبير وعلي بن أبي طالب لهم، فقد كان كما يلي: "قالوا: والله لتفعلن أو لتعتزلن أو لتقتلن، فانظر لنفسك أو دع". فلما أبى أن يستجيب لما طلبوا وأصر على البقاء في الحكم قائلا: "لم أكن لأخلع قميصا قمصنيه الله"، حاصروه أربعين ليلة، ثم انتهى الأمر بأن تسلقت جماعة جدران قصره يقودها محمد بن أبي بكر... وتقول الروايات: قُتِل عثمان وفي يده مصحف، يقرأ فيه القرآن.