1- انفجارات الدار البيضاء
ووضع الجماعات الإسلامية في المغرب.
محمد عابد الجابري
الانفجارات الإرهابية التي عرفتها الدار البيضاء مؤخرا لها جانبان: خاص وعام. سنخصص هذا المقال للجانب الأول. وقبل ذلك ننبه إلى أننا سنتعامل مع موضوعنا من منطلق اقتناعنا بضرورة قيام كتلة تاريخية في كل قطر عربي، وفي العالم العربي ككل، من أجل إنجاز المهام التاريخية التي تفرضها المرحلة، مهام إرساء أسس الديموقراطية الحق وتدشين انطلاقة قوية شاملة نحو القضاء على التخلف في كافة الميادين الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والسياسية. إن النقد الذي سنمارسه في هذه السلسة من المقالات على سائر الجهات المرشحة لتكون أعضاء فاعلة في هذه الكتلة، ونقصد بذالك الجماعات الإسلامية والأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والدولة الخ، سيكون من نوع "النقد والنقد الذاتي"، وليس من نوع نقد "الآخر". إنه نقد يتحرك داخل مفهوم الكتلة التاريخية التي تتجاوز الغيرية داخلها: فـ"الآخر" لا يقع داخلها، بل خارجها.
***
بعد هذا التنبيه العام ننتقل إلى الموضوع الخاص. والبداية من الجماعات الإسلامية التي تمارس نشاطها في العلن، سواء كانت تحظى باعتراف رسمي من الدولة أو لم تكن، لأنها أقرب إلى الحدث، أعني أقرب من غيرها إلى تحمل أوزاره، أو جني ثماره، إن كانت له ثمار. ولما كان هذا الحدث يذكرنا بحدث مماثل وقع في المغرب وفي الدار البيضاء بالذات منذ ثمانية عشر عاما، فلنبدأ بالتذكير به، "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين".
في الثالثة والنصف من زوال يوم 18 ديسمبر 1975 اغتيل الشهيد عمر بنجلون أحد قادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمغرب. ومن سوء حظ الذين دبروا هذه العملية أن أحد الشبان المنفذين لها طورد من طرف المارة، فتم اعتقال الجاني وهو متلبس بالجريمة. ولم تمر سوى بضع ساعات حتى تعرفت الشرطة على بقية أفراد الجماعة المنفذة وكانوا أعضاء في جمعية "الشبيبة الإسلامية"، فاعتقوا ثم قدموا للمحاكمة ... أما المدبرون للعملية، فعلى الرغم من أن السلطات كانت قد توصلت إلى تحديد هوية "مشتبه فيهم"، فإنها لم تمسسهم ولم تذهب بالتحقيق إلى أقصى مداه لأسباب ربما تتعدى إطار الجريمة. فقد ذكر أثناء التحقيق الذي أجرته الشرطة أن الأمر يتعلق بمؤامرة كبرى كانت تستهدف تصفية جميع العناصر البارزة والنشطة في الاتحاد الاشتراكي. وقال "العارفون" يومئذ إن المخططين المدبرين لهذه العملية، قد صدروا في تفكيرهم من "المقدمات" التالية: قالوا: "لقد انتعش الاتحاديون بعد مؤتمرهم الاستثنائي (يناير1975) وأصبحوا، أكثر من ذي قبل، عائقا أمام نجاح "الحركة الإسلامية" في استلام السلطة في المغرب في المستقبل القريب. قالوا: "إن الاتحاديين يحتلون موقع المعارضة للحكم بصورة لا يمكن منافستهم عليه علنيا، وإن السبيل الأسرع هو تنحيتهم من الطريق من أجل الاستفراد بالحاكم لحمله على مسايرتنا أو يكون حل آخر". (نسب مضمون هذا الكلام إلى شخصية مغربية وأخرى غير مغربية، تنتمي إلى قطر عربي انتقلت إلى دار الجزاء...). وهكذا امتدت يدهم أولا إلى واحد من أبرز القياديين النشطين في هذا الحزب، معتقدين أن العملية ستمر "على أحسن ما يكون"، وأن الاتحاد سيوجه أصابع الاتهام إلى الأجهزة الخاصة في إدارة الأمن الوطني... غير أن شيئا من ذاك لم يحدث. لقد انكشف الأمر...
كان ذلك عام 1975. وفي مارس عام 1983 ساهمت في ندوة عقدها في تونس "منتدى العالم الثالث" في موضوع "الصحوة الإسلامية"، وكان البحث الذي أنجزته بالمناسبة بعنوان "السياسي والديني في المغرب : الدولة والعلماء والجماعات الدينية المعاصرة" (نشر في كتابي المغرب المعاصر...) حيث عرضت بشيء من التفصيل لتاريخ "الجماعات الإسلامية المعاصرة بالمغرب"، محللا واقعها آنذاك وآفاق مستقبلها، لأنتهي إلى الخلاصة التالية، قلت: "وإذن فالجماعات الإسلامية التي تطمح إلى إقامة "الدولة الإسلامية" في المغرب... لن تنجح في تأسيس وجودها وسط الجماهير، كقوة محركة للتاريخ، إلا إذا تبنت أهدافا سياسية واجتماعية تستجيب لمطالب الجماهير ومطامحها المادية والمعنوية معا. وإذا فعلت ذلك فإنها ستتحول لا محالة إلى حركة سياسية، وبالتالي سيتوقف نجاحها على مدى قدرتها على التجديد في ميدان الدين وفق متطلبات العصر، أي بصورة يصبح معها الخطاب الديني يحمل مضمونا اجتماعيا وسياسيا معاصرا... وبما أن القضايا الأساسية المطروحة اليوم في المغرب هي قضايا الحريات الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والتنظيم العقلاني للاقتصاد والمجتمع والدولة من أجل الخروج من التخلف واكتساب أسباب القوة والمنعة، فإن أية حركة دينية تطمح إلى أن تتسلم قيادة المجتمع والدولة لا يمكنها أن تجد طريقا نحو النجاح –النسبي أو الكلي- إلا إذا عرفت كيف تتبنى إيجابيا هذه القضايا، وكيف تجعل تفكيرها الديني يستوعبها ويقدم الحلول العقلانية لها... أما في الحالة المخالفة... فإنها ستظل هامشية قد تنجح في "الإخلال بالأمن" في هذا المسجد أو ذاك، في هذا الشارع أو ذاك، في هذه المدينة أو تلك، كما قد تنجح في "تصفية" هذه الشخصية أو تلك ... ولكنها لن تنجح في قيادة شعب يعتبر إسلامه شيئا مفروغا منه لا يحتاج إلى نقاش ولا يستسيغ التعددية الدينية ولا التمايز الديني" (المغرب كله سني مالكي).
***
لقد رأينا من المفيد التذكير بهذه المعطيات قبل الكلام في موضوع الانفجارات الإرهابية التي عرفتها الدار البيضاء مساء يوم الجمعة 16 مايو 2003 . وإذا كان من السابق لأوانه استخلاص نتائج نهائية أو شبه نهائية من حادث الانفجارات –فالتحقيق ما يزال جاريا- فإن هذا الحادث يطرح بإلحاح على الجماعات الإسلامية بالمغرب، كما على الدولة والمجتمع ككل، الوقوف وقفة تأمل تطرح فيها الأسئلة الضرورية التي تخص المدة الزمنية الفاصلة بين حادث الانفجارات وحادث اغتيال عمر بنجلون، خصوصا والأمر يتعلق بثمانية وعشرين سنة شهد فيها العالم تحولات هائلة انعكست على المغرب كما على مختلف الأقطار العربية والإسلامية.
إن الأسئلة التي تفرض نفسها بالمناسبة لا تخص طرفا دون آخر، من الأطراف "الفاعلة" في المغرب، ولكن بما أن انفجارات الدار البيضاء تضع الجماعات الإسلامية، التي تتحرك في العلن وتساهم بصورة ما في الحياة السياسية المغربية، في وضع حرج يهدد مستقبلها السياسي، فإن السؤال التالي يفرض نفسه عليها بصورة أكثر إلحاحا: هل استفادت هذه الجماعات من دروس حادثة اغتيال الشهيد عمر بنجلون؟ وهل استطاعت فعلا تحقيق قطيعة تامة ونهائية مع الشرنقة التي أفرزت ذلك الحادث؟ وهل يمكن القول إنها اليوم مشدودة فعلا إلى مشروع مستقبلي مستقل يستجيب لخصوصية المغرب وحاجاته؟
يمكن القول مبدئيا إن تحول عناصر أساسية كانت تنتمي بصورة أو أخرى إلى "الشبيبة الإسلامية" نحو العمل العلني داخل المشروعية القائمة كان حدثا مهما في حد ذاته، وكان يمكن أن يؤدي إلى تدشين قطيعة حقيقية مع ماض لم تكن هذه العناصر مسئولة عنه، على الأقل على صعيد التخطيط والتدبير، لكون معظمهم كانوا مراهقين أو شبانا يافعين. لكن الذي حدث هو أن هذا الفصيل عمد إلى اختيار غطاء سياسي –أو أملي عليه هذا الغطاء لا فرق- يقوي صلته ليس فقط بـ"الإرث" القريب الراجع إلى عملية اغتيال عمر بن جلون، بل أيضا بـ "إرث" بعيد لم يكن لهؤلاء الشبان فيه ناقة ولا جمل. قد يقال إن هؤلاء اضطروا إلى ذلك للحصول على الاعتراف الرسمي، وهذا في تقديري خطأ، فالوضع هنا كوضع "المستجير من الرمضاء بالنار"..! إن الحق في ممارسة السياسة لا معنى له تحت الوصاية! ومهما يكن فقد تحول ذلك الفصيل إلى طرف أساسي في حزب يحمل اسم "حزب العدالة والتنمية"، وقد حصل هذا الحزب في الانتخابات الأخيرة على عدد هام من المقاعد، وصار يشكل أقوى فريق للمعارضة في مجلس النواب الحالي.
أما الفصيل الإسلامي الآخر الذي عرف نشأة مستقلة عن الفصيل المذكور فقد بقي وفيا لأطروحة شيخه في مسألة شرعية البيعة. وبينما انتشر الفصيل السابق في أوساط الأساتذة والمعلمين (الذين يجمعهم به عامل السن والصحبة إضافة إلى أشياء أخرى) انتشر الفصيل الثاني أعني "جمعية العدل والإحسان" في أوساط الطلبة. لقد منع هذا الفصيل من تكوين حزب ولكن تركت له الحرية في احتواء الطلبة. لقد كانت "المصلحة" –مصلحة من يهمهم الأمر- تقضي الفصل بين الطلبة والحزب. وهكذا تركوا الطلبة في جهة يمنع عليها تشكيل حزب، بهدف "حرمان" الحزب، والأحزاب، من الطلبة. والنتيجة هي أن الطلبة بقوا "يناضلون" في ساحات الكليات برفع شعارات مكرورة لا تطال لا الحكم ولا سياسته ولا وضعية الطلبة ومطالبهم النقابية. هذا في حين أن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كان منذ تأسيسه في أوائل الاستقلال إلى السبعينات يجسد استمرار حركة التحرير ويقوم بدور رأس الحربة في النضال ضد الاستعمار الجديد وزبنائه في المغرب.. هذا فضلا عن تحقيق مطالب نقابية هامة.. أما بعد أن فصل الطلاب عن الحزب والأحزاب فقد شغلوا بما شغلوا به من صراعات جانبية، فغابت المطالب النقابية والأهداف السياسية والاجتماعية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أي نقد أو نقد ذاتي يتخذ موضوعا له الجماعات الإسلامية التي تعمل في العلن، سواء المعترف بها رسميا أو غير المعترف بها، لا يمكن أن يتجاهل تماما كون هذه الجماعات تعاني من ظاهرة عدم الانسجام وتعدد الرؤى والاستراتيجيات، سواء على مستوى علاقات بعضها ببعض أو على مستوى الوضع الداخلي لكل منها. وهذا يجعل السؤال التالي الذي يفرض نفسه إزاء موقف هذه الجماعات من انفجارات الدار البيضاء سؤالا لا يحتمل جوابا واحدا! إننا نعتقد أن وحدة السؤال في مثل هذه الأمور لا ينتج عنها ضرورة وحدة الجواب.
أما السؤال فهو:
ماذا كان موقف الجماعات الإسلامية، طوال الثماني عشرة سنة الماضية على اغتيال عمر بنجلون، من الانحراف الديني الذي يتمثل في الغلو في الدين، واتخاذ التطرف سبيلا ومنهاجا، وممارسة العنف، والطعن في إسلام مسلمين وتكفيرهم الخ، الانحراف الذي كان وراء انفجارات الدار البيضاء؟
سؤال واضح لا اشتباه فيه. ولكن الجواب عنه سيكون فيه اشتباه بالضرورة. وبما أنني لا تتوافر لدي معلومات تعكس الحقيقة وتعبر عن الواقع فسأكتفي بعرض جملة احتمالات لاشيء يؤسسها غير الفرض التقدير.
- الاحتمال الأول هو أن تكون الجماعات الإسلامية التي تنشط في العلن -أو بعض أفرادها على الأقل- قد قامت بـ "شيء" مما يوجب الإسلام القيام به ضد ذلك النوع من الانحراف الذي يستعيد ظاهرة "الخوارج" التي عانى منها الإسلام في القرن الأول والتي كان من الممكن أن يكون تأثيرها على مسار تاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية أشد سوءا مما حدث لولا أن تجند علماء السنة لهم ولمذهبهم. غير أن هذا "الشيء" الذي يمكن أن تكون هذه الجماعات قد قامت به في هذا الصدد لم تتردد له أصداء تعرف به، لا في الصحافة ولا في خطب الجمعة ولا في الدروس ولا في الحملات الانتخابية... وإذن فأقل ما يمكن قوله في هذا الصدد هو أن هناك -على الأقل- تقصيرا إعلاميا من طرف الذين يكونون قد واجهوا ذلك الانحراف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو تقصير يؤدي التيار الإسلامي كله ثمنه اليوم غاليا مع الانفجارات الإرهابية التي ذهب ضحيتها أبرياء جلهم من المستضعفين ...
- الاحتمال الثاني هو أن تكون هذه الجماعات الإسلامية قد تهاونت، أصلا، في التصدي للانحراف بالدين والغلو فيه. وهذا تقصير ما كان ينبغي أن يكون وهي تعلم بدون شك مدى الأضرار التي تعرض لها الإسلام والمسلمون في العصور الماضية والعصر الحاضر بسبب التطرف والغلو في الدين. وأيضا لأنها ربما تعرف قبل غيرها أن من طبيعة التطرف أنه لا يستهدف الطرف الأقصى المقابل له على الخط بقدر ما يوجه سهامه إلى أقرب الأطراف إليه. ألم يحارب الخوارجُ علي بن أبي طالب، ومن أجل الانتصار للحق ولأصل قضيتهم كان قد نهض...؟
- والاحتمال الثالث هو أن تكون هذه الجماعات –أو بعض أفرادها- قد سلكت أحد مسلكين: إما طريق الشخص الذي يقول لسان حاله "لم آمر بها ولم تسؤني"! آملا في الاستقواء أمام الخصوم السياسيين بهذا "الرديف" الذي "يحمي" الظهر! وإما طريق اليائس من العمل السياسي الذي يتطلب بطبيعته نفسا طويلا وتكيفا مع الأحداث، طريق الذي يمارس السياسة بدون الاعتراف بمنطق السياسة فيستعجل "النصر" ويلتمسه خارج ذاته ووضعه، وربما خارج بلده. وفي هذا نفي للذات واغتيال للمستقبل!
مجرد مواقف محتملة. ولكن الشيء الذي يمكن القول عنه إنه شبيه بالمؤكد هو أن "الإسلام السياسي" في المغرب قد تعرض عقب حادث اغتيال الشهيد عمر بنجلون لانتكاسة خطيرة دام مفعولها أزيد من عشر سنوات. ولا شك أنه في المغرب سيتعرض لانتكاسة أعمق وأوسع ما لم يقم بحملة توعية ضد الإرهاب والعنف اللامسؤول يقيم بها البرهان لنفسه أولا على أنه قد استخلص الدروس الضرورية من تجارب توظيف الإرهاب في العمل السياسي، الدروس الذي يزخر بها حاضر العالم الإسلامي وماضيه منذ زمن الخوارج.
2003-05-27