10- عنف الإعلام العولمي الإخباري والإشهاري
محمد عابد الجابري
في
22 سبتمبر 2001 أجرت معي إحدى المذيعات في القسم العربي بهيأة الإذاعة البريطانية حوارا بالهاتف كان من جملة فقراته واحدة تناولت الأحداث الشهيرة التي عرفتها كل من نيويورك وواشنطن قبل ذلك بأسبوع (أحداث 11 سبتمبر 2001). وكان السؤال حول ما إذا كانت تلك الأحداث جزءا أو مظهرا من "صراع الحضارات" كما كان يقول كثير من المعلقين؛ فكانت إجابتي أن ما حدث ويحدث من أعمال العنف التي تعرف اليوم بـ "الإرهاب"، سواء جرت في أوروبا أو أمريكا أو أفغانستان أو اليمن أو غيرها من البلدان، ليست "صراع حضارات"، وأن هذه المقولة نفسها مقولة مغرضة لا تمثل شيئا في الواقع، وأنه إذا كان لابد من استعمال كلمة "الصراع" فإن هذه الأحداث هي، في نظري، تعبر وتعكس صراع الحضارة الغربية مع منتجاتها. وضربت مثلا لذلك بأفغانستان التي اتهمت الإدارة الأمريكية حكومة الطالبان فيها وتنظيم نصيرها أسامة بن لادن بكونهما الجهة التي دبرت أحداث 11 سبتمبر المذكورة، مذكرا بكون أمريكا هي التي جندت الجهة نفسها لإخراج السوفييت من أفغانستان في إطار الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، وكلاهما من إنتاج الحضارة الغربية.وهكذا أكدت على النتيجة التالية وهي ظاهرة "الإرهاب" التي توصف اليوم بكونها ظاهرة عالمية هي عالمية فعلا، ولكنها ليست عالمية إسلامية كما يريد أن يوهم بذلك دعاة "صراع الحضارات" في الغرب، بل هي عالمية بمعنى أنها تابعة لعالمية العولمة أو الإمبريالية، وبعبارة أعم تابعة للتاريخ العالمي للحضارة الغربية.
ذلك هو الإطار الذي وضعت فيه أحداث 11 سبتمبر 2001 وقد شرحته بقدر ما يسمح به حوار محدود الزمن تناول عددا من المسائل لم تكن هذه المسألة هي المقصودة بالحوار وإنما فرضتها الظروف فكان لابد من وقفة قصير معها.
واليوم نعود إلى شرح ذلك الإطار بمناسبة ما نقوم به في هذه السلسلة من المقالات من تحليل لأحداث أخرى شبيهة بأحداث 11 سبتمبر، نقصد ظاهرة التفجيرات التي كانت كلا من الرياض والدار البيضاء مسرحا في شهر مايو الأخير. لقد انتهينا في القسم الأول من هذا التحليل -الذي خصصناه لما قد يكون من دور لعملية "التكييف الإيديولوجي" باسم الإسلام في تلك الظاهرة- إلى نتيجة استبقنا بها بحثنا فقلنا إن السبب الذي يجب أن تعزى إليه تلك الظاهرة هو "
في نهاية التحليل" العامل الاقتصادي، وقلنا إننا لا نقصد به ما يفهمه منه عامة الناس عادة، أي مجرد الفقر وما في معناه، بل نقصد به بنية "عالم العولمة" التي من جوفها خرج "الإرهاب" كما خرجت "المقاومة وحروب التحرير" من جوف "عالم الاستعمار".سيكون علينا إذن أن نحلل "بنية عالم العولمة" من زاوية كونها السبب الحقيقي -"
عند نهاية التحليل"- في ظاهرة "الإرهاب"، الذي يوصف هو الأخر بـ "العالمية"، وذلك انطلاقا من الفكرة التي سبق أن قررناها من قبل، وهي أن ظاهرة الإرهاب هذه ليست جزءا ولا مظهرا مما يدعى بـ "صراع الحضارات"، بل هي مظهر أساسي من ظاهرة "صراع الحضارة الغربية مع نتاجها".لنبدأ بما يعتبر جزءا أساسيا ومظهرا جوهريا في ما يعرف بـ "العولة"، الجزء/المظهر، الظاهر بأسلوبه وتقنياته الخفي اللامرئي بأهدافه وآثاره. إن ما هو ظاهر في العولمة هو الجانب الإعلامي بتقنياته المرئية واللامرئية، أما ما هو خفي فهو العنف اللامرئي الذي يمارسه هذا الإعلام العولمي والذي يولد ردود فعل تنتمي هي الأخرى إلى عالم اللامرئي، ردود فعل تتراكم في وعي بعض الناس لينتهي بهم الأمر إلى الانقياد والاستلاب إما لإغراءات العولمة بالنسبة لمن تمكنهم ظروفهم المادية الاقتصادية من ذلك، وإما إلى قبول أي خطاب وأي تكييف إيديولوجي يحرض على الثورة ضدها والانفجار على "حظيرة أهلها" والمنقادين لها، وهذا بالنسبة لمن يكتسبون وعيا ما –صحيحا أو مقلوبا لا فرق- بأنهم ضحاياها وأنها السبب فيما يعانونه من فقر
وحرمان؟كيف
يقوم الإعلام العولمي بهذا الدور؟كلمة
"العولمة" بالعربية ترجمة موفقة جدا لكلمة globalization فهي تدل بصيغتها على جزء من معناها، الجزء الذي يهمنا هنا بالدرجة الأول، وهو التأثير في الشيء لإحداث تغيير فيه. ومن السهل جدا أن يلمس المرء هذه الجزء من المعنى، الذي تعطيه هذه الصيغة، في كلمات كثيرة منها كلمة "قولبة" التي تعني وضع الشيء في قالب. والعولمة في الميدان الإعلامي تقوم بهذا الدور، دور القولبة، قولبة الوعي وبالتالي السلوك. وهذا يتم من خلال نمطين من الإعلام: "الإعلام الخبري" كنشرات الأخبار والتعاليق والحوارات والأفلام الوثائقية وغيرها من الوسائل والمنتجات التي تقوم –بصورة مقصودة أو غير مقصودة- بعملية التكييف الإيديولوجي لصالح الجانب السياسي للعولمة، من جهة، و"الإعلام التجاري" أو الإشهار الذي أصبح تقنية عالية، عظيمة التأثير في الوعي واللاوعي، في الفكر والسلوك والعادات، ويقوم بالتكييف الوجداني والسلوكي لصالح الجانب الاقتصادي فيها.هذا الإعلام بقسميه هو "عولمي" بمعنى أنه يهدف إلى فرض مضمون معين ذي طبيعة عدوانية -لأنه يقوم على "قولبة" الفكر والرؤية والذوق والوجدان الخ- تحدده جهة معينة هي "الغرب" وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية. إن هذا النوع من الإعلام موجه في الأصل إلى مجتمعات الغرب التي بلغت من التقدم على صعيد الاقتصاد والمعرفة درجة تجعلها في وضعية تستطيع معها أن تستجيب لهذا النوع المتقدم من الإعلام استجابة يحكمها في الغالب قانون الملاءمة والتكيف. بمعنى أن قسما كبيرا من الناس يستطيعون التكيف بصورة أو أخرى مع "العنف" الذي يمارسه هذا النوع من الإعلام، لأنه "عنف" يمارسه أصحابه بتقنيات عالية فيتم تكييفه وملاءمته باستمرار ليكون "على قد" وضيعة الذين يتجه إليهم. بعبارة مختصرة إن الإعلام العولمي، الإخباري منه والإشهاري هو، بعنفه وإغراءته بإيجابياته وسلبياته،
جزء ومظهر من الحضارة الغربية المعاصرة عندما يمارس في مجتمعاتها. نقول "جزء" و"مظهر"، ولا نقول "نتاج"، لأنه مندمج فيها اندماج الجزء في الكل الذي ينتمي إليه.لكن عندما يتجه هذا الإعلام العولمي، بنوعه الإخباري والإشهاري،-أو يُستورد لا فرق- إلى مجتمعات أخرى تقع خارج مجاله الحضاري فالأمر يختلف. فإذا كان الشاب الأمريكي مثلا يتلاءم بانفعالاته وسلوكه العقلي والنفسي مع
أفلام العنف، سواء تلك التي تحكي "بطولات" أجداده "رعاة البقر" في العمليات التي أدت إلى إفناء السكان الأصليين بأمريكا، أو تلك التي تحكي بطولات وهمية في الأرض أو في السماء، فهو يتلاءم معها بوصفها جزءا من ثقافته ومظهرا من مظاهر تقدمها الحضاري. قد يحدث أن يختل عنده التلاؤم اختلالا فيقوم بتقليد لاشعوري لتلك "البطولات" فيأخذ مسدسا أو رشاشا ويطلق النار بصفة عشوائية على زملائه في المدرسة مثلا.هذا النوع من السلوك الذي صار مألوفا ومتوقعا في كل لحظة في الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن نتوقعه من الشباب لا في فلسطين ولا في المجتمعات العربية الإسلامية. إننا لا يمكن أن نتوقع من الشاب الفلسطيني أن "يتلاءم" بالطريقة نفسها مع ما يشاهده صباح مساء في وسائل الإعلام المرئية، المحلية والدولية، من أنواع العنف الدموي والتخريبي التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. بل إن المتوقع منه –وهذا ما يحدث فعلا- هو أن يتلاءم بصورة تكاد تكون "غريزية" مع مفعول الإحساس بالظلم في نفسه، فيقوم برد فعل ملائم لوضعيته ووضعية بلده، يستجيب به لنداء الاستشهاد في سبيل الوطن فيقف أمام شاشة التلفزة معلنا عزمه على تفجير نفسه وسط جموع الأعداء المغتصبين للحق الفلسطيني.
على أن دور الإعلام العولمي، كوسيلة من وسائل نشر العنف والدعاية له، دعاية مباشرة وغير مباشر، ليس مقصورا على هذا النوع من الممارسة الملموسة والصريحة التي تتم على مستوى الإعلام الإخباري. إن ما يجري على مستوى الإعلام الإشهاري أعم وأشد تأثيرا، لأنه يتم على مستوى التراكم اللاشعوري في نفس الفرد كما في ضمير المجتمع ككل. إن الأقطار العربية الإسلامية، وبلدان ما كان يسمى بـ "العالم الثالث" على العموم، قد ورثت من عهد الاستعمار انشطارا في كيانها، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، انشطارا توسعه وتعمقه العولمة، إلى درجة أن أصبح المجتمع في تلك البلدان فئتين:
- فئة تمثل أقلية تعيش في درجة ما من اليسر، ونمط حياة المنتمين إليها "عصري/حداثي" في الغالب، يجعلهم يستجيبون بصورة من الصور لإغراءات الإعلام العولمي الإشهاري فيشترون، لأنفسهم ولأطفالهم، ما يقوم هذا الإعلام، بالصوت والصورة الموظفين بتقنيات عالية، بالدعاية له من السلع، مبوسات ومأكولات وغيرها. وإذا قدر لأحد رجال هذه الفئة أن يتكلم "ثقافيا" في العولمة دعا إلى "ضرورة ركوب قطارها قبل فوات الأوان". والدعوة هنا موجهة إلى نفسه وفئته، أما "الباقي" فالغالب أنه يقع عنده –في تلك اللحظة على الأقل- في منطقة اللامفكر فيه.
- أما الفئة الثانية وهي هذا "الباقي" وتمثل الأغلبية الغالبة عدديا المغلوبة واقعيا فهي تعاني من العسر. ومهما بلغت درجة هذا العسر الذي تعاني منه فإنها مع ذلك لا تستطيع مقاومة إغراءات الإعلام العولمي، ولذلك تجدها تقتطع من قوت يومها وضروريات عيشها ما تشتري به وسائل معاشرته مباشرة. وبما أنها لا تقدر، بحكم وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على التكيف والملاءمة معه بامتصاص أنواع العنف التي يمارسها، فإنها تتولد لديها ردود فعل سلبية "نابذة" تجعل بعض أفرادها مهيئين لتقبل أي نوع من أنوع "التكييف المضاد" المحرض ليس ضد العولمة وإعلامها والجهة المنتجة لها (الغرب) فحسب، بل أيضا ضد الفئة التي تقبلت العولمة ونمط الحياة الذي تسوِّقه داخل بلدها.
وهكذا نرى أن العولمة الإعلامية التي صارت نمط الحياة الخاص بالحضارة الغربية قد أنتجت ما هو كالخصم لها والنقيض، خصم يعود بنفسه، بفكره ورؤاه كما بلباسه وطريقة التعامل مع لحيته وشعره الخ، إلى نمط حياة قديم يعتبره هويته الأصيلة السابقة على العولمة وبذورها. ومن السهل على المرء أن يفهم كيف يضم هذا الطرف إلى "الغرب" خصمه تلك الفئة التي تدعو إلى"ركوب قطار العولمة". يكفي أن نتذكر أن المدعو إلى ركوب القطار هو من يملك ثمن "تذكرة الركوب"!
3-07-2003