الصفحة الأولى         السابق

 

12- لحظات العولمة... ومضاداتها!

 

 

متى بدأت العولمة؟ ومتى بدأ "يظهر" ما يدعى اليوم بـ "الإرهاب" بوصفه "نتاجا" للحضارة الغربية؟

سؤالان لابد من الإجابة عنهما لفهم طبيعة العلاقة التي تربط ظاهرتي العولمة والإرهاب...

متى بدأت العولمة؟

سؤال يختلف معناه وبالتالي دلالاته وأبعاده، باختلاف الموقع الذي يوجد فيه من يطرحه، إزاء ظاهرة العولمة نفسها! فالعولمة بالنسبة لمن يمارسها تختلف لحظة بدايتها، عن البداية التي يحددها بها من هو موضوع لها، كما يختلف باختلاف درجة وقوع هذا الأخير تحت طائلتها. فالعولمة بالنسبة لدعاتها والمبشرين بها والمستفيدين منها في الولايات المتحدة تبدأ عمليا بانهيار الاتحاد السوفيتي وقيام "نظام عالمي جديد"، تحتل فيه الولايات المتحدة منزلة "القطب الواحد"! فالعولمة من هذه الزاوية هي احتواء الولايات المتحدة للعالم كله، هي جعل "سكان الكرة الأرضية" مشدودين -باختيار أو بإكراه- إلى نمط الحياة الأمريكي: يخدمونه ويكملوه ويقلدونه ويتطبعون به.

لكن الذي ينظر إلى العولمة من زاوية كونه موضوعا لها، أعني من زاوية كونها، هي، توسيعا وتعميقا للهيمنة التي تمارسها الحضارة الغربية منذ قرون، فإنه سيعتبر العولمة بالمعنى السابق مجرد لحظة من لحظات ثلاث، تطور عبرها هذا النوع من الهيمنة الذي تميزت به الحضارة الغربية الحديثة، والذي قام مع الثورة الصناعية التي انطلقت في أوروبا منذ ثلاثة قرون أو يزيد...

لنقل كلمة عن كل واحدة من هذه اللحظات:

- أما اللحظة الأولى فهي تلك التي أفرزت فيها الثورة الصناعية نظاما اقتصاديا جديدا، لم يسبق له نظير في التاريخ، نظاما عرف ويعرف بـ "النظام الرأسمالي": طبقة من الصناعيين والمالكين لرأس المال يضيق عدد أفرادها باستمرار بفعل منافسة شرسة قوامها "تنازع البقاء" أقصت فئات من الميدان ودفعت "الصفوة" المتبقية، "الصالحة للحياة"، إلى التكتل في مجموعات صناعية وتجارية كبيرة تمارس الهيمنة الرأسمالية الوطنية القطرية (ذات أفق عولمي). وقد أفرز هذا النظام الرأسمالي طبقة جديدة تماما هي الطبقة العاملة التي تتميز عما سبقها من الطبقات، بكون نظام الصناعة وشبكات الإنتاج والتسويق قد جعلا من الفرد البشري العامل في مصنع مجرد جزء أو ذرة من الجسم الذي ينتمي إليه: جسم العمال المأجورين. وهكذا أصبحت الهيمنة الرأسمالية تقع لا على فرد واحد بعينه، بل على مجموعات سرعان ما وجدت نفسها مضطرة إلى القيام بنوع من "العولمة المضادة"، قوامها اتحاد نقابات العمال والقيام باحتجاجات جماعية منظمة: إضرابات، مظاهرات الخ. عنف رأسمالي منظم يقابله عنف عمالي منظم كذلك. ومع تطور أدوات الإنتاج ونمو "التنظيم" واتساعه في مجال كل من الطرفين المتصارعين نشأ نوع من التداخل بين مصالحهما دفعهما إلى التزام حدود معينة في الصراع، حدود لا يستطيع أي منهما اختراقها دون أن يؤدي ذلك إلى المس بمصالحه. وشيئا فشيئا أخذ كل طرف يعي وعيا متناميا، أن وجوده يتوقف على بقاء خصمه قادرا على ممارسة مهمته. وهل يستطيع العمال الاستغناء عن مشغليهم؟ وهل يقدر المشغلون الاستغناء عن عمالهم؟

سؤالان كانت الإجابة عنهما تحال على المستقبل. كان منظرو وضعية الطبقة العاملة يتوقعون أن يؤدي التناقض بين تطور أدوات الإنتاج والطابع الفردي لملكيتها إلى انفجار النظام الرأسمالي في نهاية الأمر! وحينذاك سيفسح المجال لقيام "جنة" الطبقة العاملة على الأرض: الشيوعية. ومع أنهم كانوا واثقين من تحليلهم فإنهم ألحوا على ضرورة تنامي "العولمة المضادة"، التي قوامها نضال الطبقة العاملة، بما يوازن تنامي الاستغلال الرأسمالي واتساع مجالاته. إن المصالح الاقتصادية تدفع الرأسماليين إلى التكتل والوقوف صفا واحدا إزاء مطالب العمال، فما على العمال إذن إلا أن يوسعوا من تكتلهم وتضامنهم. ومن هنا نداء: "أيها العمال في جميع أنحاء العالم اتحدوا"! إنه شعار اللحظة الأولى من تطور "العولمة المضادة".

ضاقت بالرأسمالية الأوربية دنيا أقطارها الأصلية: إن الصناعة التي هي قوام وجودها تحتاج إلى مواد أولية من جهة وإلى أسواق تستوعب المنتوجات من جهة ثانية. أما المواد الأولية فقد بدأت في النفاذ في الأقطار الأوروبية فارتفع بذلك ثمن المصنوعات وزاده ارتفاعا ارتفاع أجور العمال نسبيا. وأما الأسواق في أوروبا فقد أصيب قسم كبير منها بظاهرة الإشباع! لا مخرج إذن إلا باللجوء إلى "الخارج"، لاستيراد المواد الأولية ولفتح أسواق جديدة. وكان ذلك هو جوهر الظاهرة الاستعمارية.

اتجهت الرأسمالية الأوروبية، إذن، إلى غزو العالم بحثا عن الثروات التي لا بد منها ليس فقط لتنمية مواردها بل أيضا لحل مشاكلها مع الطبقة العاملة. ومع أن عملية الغزو هذه قد تمت بأسلحة متطورة جدا (المدافع...) قياسا على ما كان بيد شعوب البلدان المغزوة، فإن عملية الغزو الخارجي تنتج دوما رد فعل وطني! وهكذا قامت في وجه هذه العولمة الاستعمارية حركات للمقاومة، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية -صمد بعضها لفترة طويلة من الزمن- لتشكل تاريخيا الوجه الثاني للحركة المضادة للعولمة الرأسمالية. وهكذا انتهى التطور باللحظة الأولى من تاريخ الرأسمالية الأوروبية إلى أن أفرزت نقيضين لها: الطبقة العاملة في بلدانها والحركات المقاومة للتوسع الاستعماري في "عالم ما وراء البحار".

وهنا بدأت اللحظة الثانية في تاريخ "العولمة".

لقد حلت الرأسمالية الأوربية مشاكلها الداخلية باستعمار أقطار بل قارات، واستفادت الطبقة العاملة الأوروبية من ذلك على صعيد تحسين وضعيتها. وأيضا انتقلت الرأسمالية الأوربية إلى المستعمرات وأخذت تغرس فيها فروعا لها. وفي الوقت نفسه كانت روسيا وبلدان أوروبية أخرى على قاب قوسين أو أدنى من التحول إلى بلد رأسمالي صناعي. غير أن التنافس بين الدول الأوروبية ونظمها الرأسمالية الوطنية قد أوقعا أوروبا في حرب ... عالمية. لقد كان طبيعيا أن تكتسي الحرب بين الأقطار الأوربية هذه المرة، لا شكل حروب وطنية أو دينية، بل صورة حرب عالمية. لقد أصبحت الرأسمالية عالمية، ذات طابع عولمي، فكان طبيعيا تماما أن تتعولم الحروب بينها. ومن خلال اشتداد التنافس الرأسمالي وعولمة الحرب اغتنم الفرصة منظرو وضعية الطبقة العاملة في روسيا –وعلى رأسهم لينين- ونادوا بإمكانية "تحقيق الاشتراكية في بلد واحد". لقد تمت عولمة القومية الروسية وحلت محلها "أمميات" تقودها موسكو، قوامها الأحزاب الشيوعية "الممثلة" للطبقة العاملة على صعيد العالم كله. ومع أن هذا التطور غير المنتظر كان إيذانا بقيام عولمة مضادة تتجاوز الحدود القطرية لتهدد الرأسمالية في أوطانها كما في ما وراء بحارها، فإن الصراعات القومية الرأسمالية الأوروبية استمرت داخل القارة العجوز لتتوج بحرب عالمية ثانية، كادت تفني القارة العجوز لولا انخراط الولايات المتحدة فيها، وكانت من قبل قد اغتنمت "فرصة" انشغال أوربا بصراعاتها وحروبها الاستعمارية لتبني لنفسها كيانا اقتصاديا وعسكريا قويا، ويزداد قوة مع الأيام... لقد كانت نتيجة الحرب العالمية الثانية أن انهزمت أوروبا كلها ... وانتصرت ربيبتها الولايات المتحدة الأمريكية.

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وإمساك الولايات المتحدة بزمام الأمور في أوروبا ثم في العالم كله انتقلت الهيمنة الرأسمالية إلى إمبريالية أمريكية عالمية. أما النقيض الذي أفرزته هذا اللحظة من التطور، النقيض المباشر للإمبريالية، فقد اصطلح على تسميته بالمعسكر الشيوعي... وفي الوقت نفسه بدأت تظهر على المسرح الدولي حركات تعمل على عولمة النضالات الوطنية من أجل الاستقلال (مؤتمر باندونغ)، لتتحول بعد حصول معظم البلدان المستعمرة على استقلالها النسبي (في إطار نوع من الاستعمار جديد)، إلى حركات تضامن عالمية تلتمس لنفسها وضعا مستقلا عن المعسكرين: يتعلق الأمر بحركة "التضامن الإفريقي الآسيوي" التي عملت في أواخر عهدها على ضم أمريكا الجنوبية في "مؤتمر شعوب القارات الثلاث"، ثم على تكريس سياسة "عدم الانحياز". غير أن العملية أجهضتها الإمبريالية العالمية باغتيال الشهيد المهدي بن بركة ("دينامو" قيادة الحركة) وتدبير "اختفاء" الرؤساء الذي كانوا يشكلون رموز العولمة المضادة للإمبريالية، عولمة "تضامن الشعوب" المستعمرة سابقا (وهكذا اختفى من المسرح وفي فترة زمنية واحدة كل من محمد الخامس ملك المغرب وأحمد بن بلة رئيس الجزائر وسوكارنو رئيس إندونيسيا ونيكروما رئيس غانا، وسيكوتوري رئيس غينيا وأخيرا، وليس آخرا، جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة ...).

كان ذلك في مرحلة ساد العلاقات الدولية فيها جو من الحرب المستمرة استعملت فيها الأسلحة الإيديولوجية والاقتصادية خاصة، ولم يستعمل فيها السلاح العسكري إلا "بالنيابة" وفي بعض الهوامش والأطراف فقط. لقد شكل السلاح النووي رادعا لحرب "الكبار" لأنهم وعوا أن تماما أن نتيجة الحرب النووية لن يكون فيها منتصر قط!

لم يتمكن المعسكر الشيوعي من الصمود أكثر مما فعل، إزاء حصار اقتصادي وحرب إعلامية واستنزاف متواصل عرقل في كيانه النمو والتطور وعمق في أحشائه الأخطاء والانحرافات ... فكان ما لا بد منه أن يكون: هزيمة من الداخل، هزيمة الكيان...

كان العالم ثلاثة عوالم، على رأسها قطبان لمدة نصف قرن، فأصبح بين عشية وضحاها عالمين وقطب واحد! لقد خلت الساحة للقطب العملاق ليستفرد بـ "العالم الثالث" الذي لم تسمح له الحرب الباردة التي ولد في أحشائها بالتطور بالصورة التي تجعل من "التضامن" بين أقطاره يتجاوز مرحلة الشعارات إلى مرحلة ترتيب البنيات وتشييد الأركان. كان "العالم الثالث" طرفا ثالثا عندما كان هناك طرف ثان. وكان فيه أصدقاء وعملاء، وخصوما ألداء لكلا العملاقين! فلما انهار العملاق السوفيتي دخل أصدقاؤه وعملاؤه في حالة عطالة وانهيار. وبقي العالم الأول ومعه الباقي!

والمسألة التي نحوم حولها هنا في هذا المقال هي هذا "الباقي". وما يهمنا الآن هو طرح هذا السؤال:

- إذا كانت اللحظة الأولى من تطور "العولمة الرأسمالية"، قد أفرزت نقيضين لها :أحدهما وطني قومي مولدا، وعولمي تطلعا، هو الطبقة العاملة الأوروبية، والثاني هو الاتحاد السوفياتي الذي تشخصت فيه "العولمة المضادة" بوصفه المعسكر المتطلع إلى تحقيق عولمة شاملة تتحقق فيها "الجنة" الشيوعية في العالم كله!

- وإذا كانت اللحظة الثانية، لحظة "الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية"، قد أفرزت نقيضين لها كذلك: أحدهما في صورة حركات وطنية قومية مقاومة للاحتلال مناضلة من أجل الاستقلال، وثانيهما منظمات "متعددة الجنسية" تمت عبرها عولمة التضامن بين شعوب "بلدان العالم الثالث" من خلال شعار "عدم الانحياز"...

-إذا كان ذلك كذلك فما هو المعطى الأساسي الذي تتميز به اللحظة الثالثة من تطور "العولمة/الهيمنة/الرأسمالية"، لحظة القطب الواحد؟ وما هو الشكل أو الأشكال التي اتخذها النقيض الذي أفرزته ومازالت تفرزه ؟

يمكن أن نختصر الخطى فنقول: إن المعطى الأساسي الذي تتميز به هذه اللحظة الثالثة من تطور العولمة/الهيمنة/الرأسمالية هو أنها تنزع نزوعا قويا وشاملا نحو ما يدعى اليوم بـ"الأمركة": أمركة العالم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وقيما ونمط حياة...

أما ما أفرزته هذه العولمة/الأمركة كنقيض لها فهو أيضا نقيضان: نقيض خرج من "جوف العالم الأول" عالم الحضارة الغربية نفسها ليشكل إزاءها "عولمة مضادة" قوامها احتجاجات شعبية شبه منظمة متعددة الجنسيات، كان منطلقها مدينة سياطل الأمريكية... ونقيض آخر يطلق عليه "الإسلام السياسي" المعولم، وهو يختصر اليوم في عبارة "تنظيم القاعدة" بل في اسم "أسامة بن لادن".

- العولمة/الأمركة... إلى أين؟

- الحركة المضادة للعولمة التي كان مسقط رأسها سياطل... أية آفاق؟

- الإسلام السياسي المعولم: تفجيرات نيويورك وتفجيرات الرياض والدار البيضاء وتفجيرات أندنيسيا...أية علاقة؟

موضوعات ثلاثة لابد من الوقوف عندها قليلا!