13- العولمة بوصفها أمركة... ووراء الأكمة ما وراءها!
محمد عابد الجابري
عندما نتحدث عن "الأمركة" بوصفها المضمون العملي والنتيجة المقصودة من العولمة عند دعاتها في الولايات المتحدة الأمريكية فإننا لا نفعل ذلك بناء على استنتاج أو تخمين بل نعبر عن الاتجاه السائد فيها،فعلا، عند التيار المنظر للعولمة، وبالخصوص منه الفريق "المحافظ" الذي يحكم بلاد العم سام اليوم.
ومع أن كلمة "العولمة" لم تنتشر ولم تصبح كما هي عليه اليوم من الرواج إلا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وبالخصوص منذ أواخر الثمانينات، فإن مضمونها بوصفها تهدف إلى أمركة العالم، قد تم التعبير عنه بجلاء منذ أواسط الستينات على الأقل.
ففي عام 1965 حدد بعض المنظرين للهيمنة الأمريكية على العالم، اقتصاديا وإعلاميا وسياسيا، ثلاث مهام جعلوا منها "برنامج عمل" يضمن للولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة على العالم:
- الأولى تتعلق باستعمال السوق العالمية كأداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية، في نظمها وبرامجها الخاصة بالحماية الاجتماعية.
- الثانية تخص الإعلام بوصفه القضية المركزية التي يجب الاهتمام بها لإحداث التغييرات المطلوبة على الصعيد المحلي والعالمي.
- الثالثة تتعلق بالسوق كمجال للمنافسة. لقد ذهبوا في هذه المسألة مذهبا قصيا فقالوا إن "السوق" يجب أن تصبح مجالا لـ "اصطفاء الأنواع"، متبنين هكذا بصورة صريحة النظرية الداروينية التي تقول بـ "البقاء للأصلح" في مجال البيولوجيا، داعين إلى اعتمادها في مجال الاقتصاد على مستوى عالمي.
كان ذلك في أواسط الستينات والقطب الثاني (المعسكر الشيوعي) ما يزال قويا يحمل مشروعه تحت شعار مقاومة الإمبريالية، وكان قد حقق مكاسب على حساب الغرب في العالم الثالث. أما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فقد عمد المنظرون الأمريكيون، دعاة الهيمنة الأمريكية على العالم، إلى تسمية الأشياء بأسمائها، إلى طرح شعار "الإمبراطورية الأمريكية" والمناداة بأن "القرن الحادي والعشرين سيكون أمريكيا"، ولم يتردد بعضهم في رفع الالتباس الذي أضفاه كتاب "معتدلون" على مفهوم "الإمبراطورية الأمريكية" بهدف نزع الطابع الإمبريالي منه، فصرحوا بكل وضوح بأنه لا مانع من استعمال لفظ "الإمبريالية".
وإذا أخذنا بقاعدة " لا مُشَاحَّةَ في الألفاظ"، لأن المهم هو المضمون، أمكن القول إن معظم "المحللين الأمريكيين"، الذي يؤسسون لصنع القرار لا يرون مانعا من الكلام عن "السياسة الإمبريالية" التي يجب أن تسلكها الولايات المتحدة خلال القرن الواحد والعشرين لتحقيق هيمنتها على العالم؛ والخلاف بينهم، عندما يكون ثمة خلاف، يتعلق بالوسائل فقط، أما الهدف فهو موضع اتفاق. وهكذا ففي عام 1997 حدد السيد Richard N. Haass, -ويعد من المعتدلين-في كتاب له بعنوان The Reluctant Sheriff, Council on Foreign Relations,( New York, 1997). المسألة كما يلي: قال: إن هدف السياسة الخارجية الأمريكية هو العمل، مع أطراف أخرى تتقاسم معنا نفس الأفكار، من أجل تحسين أداء السوق وتعزيز احترام قواعدها الأساسية، إما بالإذعان سلميا إن أمكن وإما بالإكراه إن لزم الأمر". ويضيف: "وفي نهاية الأمر فإن عملية تنظيم وضبط التجارة الدولية هي نظرية إمبراطورية من حيث إنها تعمل على إرساء جملة من القيم نتعلق بها ونعمل وفقها. وهذا يجب أن لا يخلط بـ"الإمبريالية" التي ليست شيئا آخر غير كونها سياسة خارجية للاستغلال". وواضح أنه يشير بذلك إلى أن الإمبريالية هي ممارسة أوروبية محض (الاستعمار).
وفي نفس الاتجاه، ولكن بلغة أكثر دقة وصرامة، يلاحظ السيد Ainsi M. Irving Kristol في كتاب صدر له في نفس السنة (1997) بعنوان "The Emerging American Imperium", (The Wall Street Journal, New York, 18 AUGUST. 1997.) أن قيام إمبراطورية أمريكية هو أمر يجري بشكل طبيعي، فلا تحتاج المسألة إلى "إكراه". يقول: "في يوم قريب سيمتلك الشعب الأمريكي وعيا بكونه صار أمة إمبراطورية... لقد حصل هذا لأن العالم أراده أن يحدث"، مفسرا ذلك بأن "قوة عظمى يمكن أن يتطور بها الأمر بالتدريج إلى القيام بمسؤوليات دون أن تكون قد سعت إليها بصورة مسبقة". ومن هنا ينظر إلى أوربا كطرف تابع للولايات المتحدة، "ولو أنها تتمتع باستقلال داخلي واسع". أما أمريكا اللاتينية فهو يرى أنها "بدأت تعترف بشرعية زعامة الولايات المتحدة عليها وأنها قد قبلت بأمركة متدرجة ومتنامية لثقافتها الشعبية ونمط حياتها". وعلى العموم فالهيمنة الأمريكية على العالم في نظر هذا الكاتب ومن ينحو نحوه لا تطرح مشكلة، وأن منافسي الولايات المتحدة يمكن إعادتهم إلى "الصواب" بصورة أو بأخرى.
نعم هناك كتاب أمريكيون يرون أن مسألة سيطرة الولايات المتحدة على العالم بأسره ليست بمثل هذه السهولة، ولذلك تجدهم يؤكدون على ضرورة الاستعانة بـ"الشركاء" ويقدمون نموذجا لذلك التحالف الدولي الذي جندته واشنطن لغزو العراق في حرب الخليج الثانية 1990-1991.
ويقدم السيد Haassفي كتابه المذكور آنفا The Reluctant Sheriff (الشيرف على الرغم منه) صورة من المخيال الأمريكي لما سيكون عليه دور الولايات المتحدة كقوة مسيطرة على العالم، فيقول: إن دورها سيكون أشبه بدور "الشيرف" العالمي. وحسب ما هو معروف من خلال الأفلام الأمريكية فـوضعية "الشيرف" تختلف عن وضعية الشرطي الذي هو موظف دائم، إذ هو من نوع "المياومين" الذين يعملون فقط في الأيام التي تدعو الحاجة إليهم: يشتغل "الشيرف" فقط عندما يكون من الضروري تنظيم حملة ضد القوى التي تمارس العصيان في منطقته"، أي في المناطق التي فيها جماعات لا تنفذ الأوامر الصادرة من واشنطن. ففي هذه الحالة يقوم "الشيرف" بتأليف رتل من "المتطوعين" لمساعدته على استعادة الأمن. وواضح أن هذا هو ما حصل ويحصل في التدخلات التي تقوم بها الولايات المتحدة في أنحاء العالم لفرض الإذعان لهيمنتها: في حرب الخليج الثانية، في البلقان، في أفغانستان، عند احتلال العراق مؤخرا ... والبقية تأتي.
إن سقوط الاتحاد السوفيتي قد غمر المحللين الأمريكيين من هذا الصنف بنشوة النصر من نوع خاص. يقولون مثلا إن الطرف الآخر (الاتحاد السوفيتي) لم يخسر الحرب الباردة وحسب بل إنه اختفى نهائيا. ومن هنا ذلك الحلم الكبير الذي يحملونه ويروجون له والذي عنوانه: "القرن الحادي والعشرون سيكون قرنا أمريكا"، قرن عماده: الثقافة والإعلام.
من بين هؤلاء شخصية مرموقة في هذا المجال هو السيد M. David Rothkopf, الذي كتب مقالة بعنوان"In Praise of Cultural Imperialism?" ("تمجيداً للإمبريالية الثقافية": صيف 1997 (Foreign Policy, n° 107, Washington, ومما ورد في هذه المقالة قوله في موضوع الإعلام: "بالنسبة للولايات المتحدة فإن الهدف المركزي لسياستها الخارجية في عصر الإعلام يجب أن يكون ربح معركة تدفق المعلومات العالمي وذلك بالسيطرة على الأمواج، تماما كما كانت بريطانيا العظمى تسيطر من قبل على البحار".
أما بالنسب للثقافة فيؤكد أنه: "من مصلحة الولايات المتحدة في مجال الاقتصاد والسياسة أن تسهر على الأمور التالية:
- إنه إذا كان للعالم أن يتخذ له لغة مشتركة فلتكن هذه اللغة هي الإنجليزية.
- وإذا كان للعالم أن يتبنى معايير مشتركة في مجال الاتصالات والأمن ... فلتكن هذه المعايير هي المعايير الأمريكية.
- وإذا كان لأجزاء العالم أن يرتبط بعضها مع بعض بواسطة التلفزة والإذاعة والموسيقى فإن البرامج يجب أن تكون أمريكية.
- وإذا كان لمجموعة من القيم أن تصبح قيما مشتركة للعالم فلتكن هي القيم التي يتعرف فيه الأمريكيون على أنفسهم".
- وأخيرا: "إن على الأمريكيين أن لا يتجاهلوا الأمر الواقع التالي، وهو أنه من بين جميع الأمم التي عرفها تاريخ العالم فإن أمتهم وحدها هي أكثر الأمم عدالة، وأكثرها تسامحا، وأشدها رغبة في مراجعة أوضاعها وفي التطلع دوما إلى ما هو أحسن، وأنها أفضل نموذج للمستقبل".
***
وبعد، فليست الأمركة رؤية من الخارج للسياسة الأمريكية، ليست تهمة لا ولا وصفا إيديولوجيا، بل هي مشروع أمريكي معلن ومطبق. هي سياسة إمبريالية بل هي استعمار جديد. إن المنظرين للأمركة في بلاد العم سام يطمحون إلى أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الواحد والعشرين "إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس"، كما كانت بريطانيا في القرن التاسع عشر وجزء من العشرين. ولكن مع هذا الفارق وهو أن قوة بريطانيا كانت أساسا في أسطولها البحري وأن هدفها كان الحصول على الثروات المنقولة... أما الولايات المتحدة الأمريكية فقوتها متعددة الأبعاد، قوة عسكرة واقتصادية لا تضاهى، وأيضا قدرة فائقة على الاختراق الثقافي والهيمنة الإعلامية.
ومع ذلك فإن هناك نقطة ضعف في القوة الأمريكية، هذه المتعددة الأبعاد، وهي حاجتها إلى حلفاء تابعين أو أصدقاء عملاء تستعين بهم للهيمنة على العالم. ومن هذه الجهة فالولاية المتحدة الأمريكية تابعة هي الأخرى تبعية الشريك للشريك! ومهما كان ميزان القوى في هذه "الشراكة" لصالحها فإنها لا تستطيع أن تستقل بنفسها، في عصر الاتصالات، العصر الذي أصبح فيه العالم قرية واحدة! والشريك قد يكون مستسلما وقد يكون منافسا وقد يكون خصما. أما المستسلمون فلا مشكل معهم، وأما المنافسون والأصدقاء المشاكسون الخ فالمشكل معهم أكبر وأشد تعقيدا مما تصوره هؤلاء المنظرون الحالمون حينما حلوا هذا المشكل كما رأينا بالقول: "يمكن إعادتهم إلى "الصواب" بصورة أو بأخرى".
هذا من جهة، ومن جهة أخرى يغفل هؤلاء المنظرون الأمريكيون الحالمون بـ"القرن الأمريكي" حقيقتين أساسيتين:
أولاهما كون الولايات المتحدة الأمريكية عالمين: عالم من يسمون اليوم فيها بـ"المعدمين" الذين لا يملكون من جهة، وعالم من يطلق عليهم اسم "المالكون" من جهة أخرى. والعلاقة بين هؤلاء وأولئك هي علاقة صراع تاريخي. وهو يجري الآن "بالقلب واللسان" ولكن لا شيء يمنع من أن يتطور هذا الصراع "الغافي"، ولا أقول "النائم"، إلى صراع علني مكشوف وبوسائل في مستوى التقدم التكنولوجي الذي يفخر به الحالمون بـ"أمركة العالم"!
أما الحقيقة الثانية فهي أن العالم لا يتألف فقط من أمريكا وشركائها من الأوروبيين ومن غيرهم الذين يسميهم هانتنجتون بـ "المندمجين في الحضارة الغربية والمستعدين للاندماج فيه" كاليابان، بل معظم سكان العالم هم من "العالم الثالث"، وهو عالم لا يجوز النظر إليه على أنه فقط "موضوع للهيمنة" بل يجب النظر إليه كذلك على أنه عالم يرد الفعل بوسائل مختلفة...
وبعد فإن التاريخ لم ينته ولن ينته!
لقد مثل الاستعمار الأوربي الذي اكتسح العالم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل العشرين أعلى مراحل الرأسمالية "التقليدية"، التي أفرزتها الثورة الصناعية في أوربا، وهاهي "العولمة/الأمركة" اليوم تعني ما كان يعنيه الاستعمار أقصد أنها أعلى مراحل الرأسمالية "الجديدة" التي أفرزتها الثورة المعلوماتية وما يرافقها من تطور في مجال الاتصال والإعلام؟
وكما قامت ضد الاستعمار "التقليدي" حركات تحرير وطنية فنحن نشهد اليوم أنماطا من "العولمة المضادة" للأمركة، تتلمس الطريق للوقوف في وجه الإمبراطورية المزعومة. إن القرن الواحد والعشرين سيكون قرن الصراع ضد العولمة /الأمركة، فعلينا أن لا نستهين بطلائع هذا الصراع، سواء تلك التي اتخذت طابعا الحركات الشعبية العالمية المضادة للعولمة، أو تلك التي جنحت إلى الأسلوب الذي يقترن باسم "القاعدة".
يجب أن لا يستهان لا بهذا ولا ذاك فإن وراء الأكمة ما وراءها...