14- الحركة العالمية المناهضة للعولمة....
محمد عابد الجابري
في ديسمبر من سنة 1991 كنت ألقيت محاضرة بدار الندوة في بيروت بدعوة من مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان "آفاق المستقبل العربي" (نشرت في مجلة المستقبل العربي بتاريخ فبراير 1992). لقد انطلقت في محاولة لرصد آفاق المستقبل العربي يومذاك من معطيات ثلاث كانت تشكل أهم قضايا الساعة يومئذ: المعطى الأول هو انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام "النظام العالمي الجديد". والمعطى الثاني هو حرب الخليج الثانية (الحرب على العراق بسبب احتلاله الكويت). والمعطى الثالث هو تدشين مسلسل المفاوضات المباشرة بين العرب وإسرائيل (مؤتمر مدريد). وبعد استعراض أبعاد هذه المعطيات والتحديات التي تطرحها على العرب في المستقبل المنظور خلصت إلى النتيجة التالي وهي بيت القصيد هنا. قلت : "هناك حقيقة تفرض نفسها اليوم... وهي أنه لم يعد ممكنا في الظروف الراهنة الكفاح ضد "النظام العالمي" من خارجه. فالرأسمالية الإمبريالية ماضية في إحكام سيطرتها على العالم، وهي مستعدة لاستعمال أشد أنواع العنف والفتك والتدمير لجعل "الجميع" يدخل "الصف". وحرب الخليج، بل الحرب ضد العراق، مثال قصد منه إعطاء الدرس للعالم أجمع. إن انسحاب الاتحاد السوفيتي وتفككه... وما صاحب ذلك من تحول "العالم الثالث"... إلى مجرد "جنوب" لـ"الشمال"، يجعل التعامل السياسي مع النظام العالمي الجديد الطريق الوحيد الممكن للكفاح ضد هيمنته وجبروته"
وبعد أن أبرزت كيف أن النظام العالمي الجديد هو "نظام من العلاقات بين ثلاثة أطراف:الشركات العملاقة، الحكومات الغربية التي تنتخب ديموقراطيا" أي تنتجها القوى الرأسمالية أساسا لتدبير شؤونها وحماية انتشارها محليا ودوليا، ثم عالم الجنوب وهو يمثل بروليتاريا النظام الرأسمالي العالمي"، أكدت على أن "النضال ضد الهيمنة الرأسمالية العالمية لن يكون مجديا في الظروف الراهنة –على الأقل- إلا إذا اتخذ صورة نضال "العمال" ضد استغلال"رب العمل" لهم، وهذا ما نقصده بالنضال ضد النظام العالمي الجديد من داخله ...أعني ممارسة القوة بواسطة "السياسة" بهدف تحقيق توازن المصالح".
ليس من الضروري مواصلة استعادة تفاصيل التحليل والاستنتاجات التي خلصت إليها في المحاضرة المذكورة. إن هدفي من التذكير هنا بذلك النوع من التحليل الذي لم يثر في جميع المستمعين تلك الدرجة من الحماس المعتادة –وإن كان قد لقي التفهم الكافي من كثير منهم- هو تسجيل ملاحظتين: أولاهما هي أن الطرف الذي كانت محاضرتي تخاطبه بصورة شبه مباشرة هو نظام الحكم في العراق الذي كان يتصرف بنفس منطق الخمسينات والستينات عندما احتل الكويت وامتنع بكل عناد عن الانسحاب تلافيا للحرب المدمرة. أما الملاحظة الثانية –وهي نتيجة متابعة وتفكير في التطورات التي حدثت- فهي أن هذا النوع من النضال "من الداخل" ضد الرأسمالية الإمبريالية التي ندعوها اليوم بـ "العولمة" –ولم تكن هذه الكلمة قد شاعت عندنا بعد- هو الطريق الذي سلكته بعد بضع سنوات من تلك المحاضرة وتسلكه اليوم القوى الشعبية العالمية المناهضة للعولمة. وكما هو معروف فلقد كان المنطلق الرسمي لنضال هذه القوى هو تلك المظاهرات الصاخبة التي شهدتها سياطل Seattle ، إحدى أجمل وأهم مدن الولايات المتحدة الأمريكية، واضعةً العولمة وأسسها ونتائجها موضع اتهام.
فعلا، انطلقت الحركة المعارضة للعولمة، الحركة التي خرجت من جوفها وفي عقر دارها، في أواخر نوفمبر 1999، في صورة مظاهرة صاخبة ضد المؤتمر الوزاري للمنظمة العالمية للتجارة، وهي المنظمة التي تم إنشاؤها قبل ذلك بسنة لتكون "الجهاز المنظم لعولمة التجارة الدولية". لقد تواعدت عشرات الآلاف من معارضي العولمة عبر العالم، للاحتجاج -أمام المقر الذي عقدت فيه تلك المنظمة مؤتمرها- والاعتراض ضد العولمة وآثارها السلبية في ميدان الشغل والتشغيل كما في ميدان الصحة والبيئة الخ. وقد تمكن المتظاهرون فعلا من إفشال الاجتماع.
هكذا انطلقت الحركة العالمية المناهضة للعولمة لتنظم احتجاجات ومظاهرات صاخبة كلما تواعد أقطاب العولمة لعقد اجتماع أو مؤتمر دوري في هذه العاصمة أو تلك من عواصم العالم ومدنه الكبرى: فمن سياطل إلى واشنطن إلى كولونيا بألمانيا إلى لندن إلى برشلونة إلى بروكسيل الخ. ومع أن مصادمات قد حدثت مع الشرطة خلال مظاهراتها في سياطل ولندن وفي عواصم أخرى فإن المبدأ الذي تلتزم به هذه الحركة العالمية هو النضال ضد العولمة وسلبياتها بوسائل الضغط الديموقراطي. وبعبارة أخرى لقد اختار زعماء هذه الحركة النضال ضد النظام العالمي العولمي من داخله وبالوسائل التي يتيحها. يقول أحد الزعماء المؤسسين لهذه الحركة، جوزي بوفي
José Bové، " إن المسألة المركزية هي معرفة كيف نؤسس للنقاش حول الديموقراطية والشفافية بين الدول والجهاز الدستوري ونشاط المواطن، وذلك من أجل من إقرار قواعد أكثر عدلا وإنصافا، ليس فقط في مجال التجارة بل أيضا في مجال البيئة ومجال حق الشغل وحقوق الإنسان"، وهو يرى أنه يكفي إخضاع السوق لقواعد ودمقرطة المؤسسات الدولية لكي يغدو في الإمكان تحسين وضعية الفلاحين والعمال في العالم أجمع". ويضيف: "إن السوق موجودة، والمسألة ليست مسألة إنكارها أو تجاوز وجودها، بل المسألة هي إخضاعها لقواعد. يجب أن تقوم سلطة تواجه سلطة السوق وقواعد مستقلة تخضع لها السوق خضوعا". ومع أنه كان يدرك تماما "أن الدولة والمؤسسات الدولية من قبيل المنظمة العالمية للتجارة وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي هي أدوات في خدمة طبقة اجتماعية معينة، فقد ارتآى أنه يجب النضال من أجل استعمال هذه المؤسسات لأغراض أخرى غير تلك التي أسست، في الأصل، من أجل خدمتها".على أنه سيكون من التبسيط تماما القول بأن الأمر يتعلق بحركة واحدة متجانسة ذات أهداف ومبادئ يلتزم بها الجميع. إن الأمر يتعلق في الحقيقة بتيار عريض يضم ما لا يحصى من المنظمات والتنظيمات والجماعات منها ما تشغله قضية العمال العاطلين والمستضعفين من الفقراء، ومنها ما يركز اهتمامه على قضايا الصحة والبيئة والتعليم، ومنها ما يواجه النظام العالمي "الجديد" بوصفه إمبريالية جديدة، ومنها ما يركز على الاستغلال الذي تتعرض له بلدان العالم الثالث الخ. وإذا كانت هذه الهيئات والحركات قد اختارت الكفاح العلني السلمي، الذي لا يخلو من عنف من نوع الصدامات التي تحدث مع الشرطة نتيجة محاولة الهجوم على هذه المؤسسة أو تلك من مؤسسات العولمة، فإنها قد التزمت بصورة عامة النأي بنفسها عن أعمال التخريب والإرهاب وما في معناه.
ومع أن خصوم هذه الحركة من كبار "الليبراليين" قد حاولوا رميها بتهمة "ابن لادن" بعد 11 سبتمبر 2001، بدعوى أن "معاداة العولمة تعني معاداة الأمريكان وبالتالي التحالف مع ابن لادن"، فإن هذه الدعوى لم تنجح في كسب اهتمام الرأي العام الأمريكي والغربي على العموم. كما لم تنجح محاولات أخرى من هذا القبيل. ويهمنا هنا أن نشير بصفة خاصة إلى أن المخابرات الإيطالية قد حاولت "زرع" عناصر من المنظمة المتطرفة المعروفة بـ Black Block ، والشهيرة بنزعتها الفوضوية، في صفوف الجموع التي كانت تستعد للقيام بمظاهرة ضخمة في مدينة جينوة، وكان الهدف من ذلك تلغيم وتخريب تلك المظاهرة وجرها إلى أعمال عنف يمكن أن تتخذ ذريعة لتجريمها وبالتالي اعتقال زعمائها والتماس سبيل قانونية لمنع أنشطتها. لقد نجحت المنظمة في اكتشاف عملية التلغيم تلك فأفشلتها، وواصلت العمل بطريقتها السلمية التي اختارتها الأغلبية العظمى من أجنحتها. وعبثا حاول دهاقنة "الليبرالية الجديدة" التفاوض مع زعماء الحركة العالمية المناهضة للعولمة. ذلك لأن هؤلاء يرون أن المسألة ليست مسألة خلاف بين طرف وطرف، بل المسألة هي مسألة نظام دعائمه الرئيسية هي الشركات المتعددة الجنسية التي تمارس نفوذا سياسيا هائلا على الحكومات المنتخبة مما يجعل عملية الانتخاب وبالتالي الديموقراطية تفقد وظيفتها وتتحول إلى واجهات للقوى الرأسمالية العالمية المستغلة.
ومن هنا أخذت الحركة العالمية المناهضة للعولمة تركز على الشركات العملاقة والمتعددة الجنسية، وتتهمها بكونها تشجع اللامساواة الاجتماعية وتقوم بممارسات غير مشروعة في ميدان التشغيل، ولا تهتم بالبيئة ولا بشروط المحافظة على الثروات الطبيعية فضلا عن التسبب في قيام كوارث بيئية. كما تندد بالدور الذي تلعبه المؤسسات الاقتصادية الكبرى والمنظمات المالية العالمية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة... ليس فقط بوصفها تقوم بدور "الجندرمة" (الدركيين) للممارسات التجارية العالمية فتحدد لها قواعد العمل وتسهر على تطبيقها، بل أيضا لأنها رأس الحربة بالنسبة لعولمة الاقتصاد. إن الشركات الكبرى المتعددة الجنسية "ليست مجرد مؤسسات تمدنا بالمنتجات التي نستهلكها جميعا بل هي أيضا القوى السياسية الأكثر نفوذا وقوة في عصرنا". وبالجملة توجه المنظمات المناهضة للعولمة سهامها ضد النظرية الرأسمالية التي تعنى بـ"سعادة" الفرد، ولا تهتم بالمجموع ولا بالثقافات ولا بالبيئة بل تضحي بكل ذلك على مذبح "الجري وراء الربح".
ومع أن الطابع العام الذي تتميز به هذه المنظمات المناهضة للعولمة هو حرصها على النضال السلمي فإن التحديات التي تواجهها هذه الحركة نتيجة انزلاق القوى الإمبريالية المتطرفة إلى "العولمة العسكرية" للدفاع عن العولمة الاقتصادية كان لابد أن يثير ردود فعل مضادة. إن ما تسميه الإدارة الأمريكية بـ "الحرب على الإرهاب" ورفعها لـ "شعار من ليس معنا فهو ضدنا"، قد عزز جانب الأجنحة المتطرفة في الحركة العالمية المناهضة للعولمة. لقد أخذت هذه الأجنحة المتطرفة تروج لفكرة عدم جدوى الاقتصار على الأشكال الحالية للنضال (مظاهرات، مسيرات، لافتات...) بل لابد من المرور إلى أشكال أخرى من "العمل المباشر الذي من شأنه أن يلحق الأذى بالشركات التي تمارس العولمة التجارية والتكنولوجية على حساب الكرة الأرضية وسكانها المعدمين".
وفي هذا الإطار تعرضت آلاف الشركات لهجمات القراصنة على الانترنيت مما أصابها بالشلل التام. وهكذا أصبحت إحدى أهم وأقوى وسائل العولمة (الانترنيت) وسيلة من وسائل ممارسة العنف ضدها. والحق أن هذه الوسيلة التي تمثل أحد أهم وأبرز الدعائم التي تقوم عليها العولمة في مختلف المجالات قد تحولت أيضا إلى وسيلة هامة جدا يوظفها مناهضو العولمة للاتصال والتنظيم والتشويش ضد العولمة ومؤسساتها.
***
وبعد فقد كان النظام الرأسمالي الذي ساد في أوربا القرن التاسع عشر نظاما قوميا طبقيا: طبقة رأسمالية وطنية منظمة أفرزت نقيضها على صورتها :طبقة عاملة وطنية منظمة. أما النظام الرأسمالي الجديد الذي قوامه شركات لا وطن لها "متعددة الجنسية" فقد أفرز بدوره على صورته: حركات احتجاجية، "متعددة الجنسية"، متنوعة الأصول والتوجهات...
يبقى النقيض الآخر ... "الإرهاب"! موضوعا آخر.
.