15- "صدام الحضارات" ... تحليل على الطريقة الماركسية!
محمد عابد الجابري
في أوروبا أفرزت الرأسمالية الوطنية القطرية في القرن التاسع عشر نقيضها الداخلي المتمثل في الطبقة العاملة، وعندما اتجهت إلى غزو العالم عبر الاستعمار أفرزت نقيضها الخارجي المتمثل في حركات التحرير الوطني في الأقطار المستعمرة.
وعندما تحولت هذه الرأسمالية الأوروبية الوطنية إلى رأسمالية إمبريالية عولمية، قوامها شركات متعددة الجنسية، مركزها ونقطة انطلاقها الولايات المتحدة الأمريكية، عبر كثير من "المحللين الاستراتيجيين" في هذه الدولة /القطب الواحد عن الطموح الذي يسكنها، طموحها إلى تشييد إمبراطورية عالمية. وهكذا اتجه فريق منهم إلى التركيز على وسائل اختراق العالم سياسيا واقتصاديا وثقافيا وإعلاميا... بينما ركز فريق آخر اهتمامه على الناحية "الصدامية" العسكرية. وهكذا أفرزت هذه الإمبريالية العولمية نقيضها المزدوج: نقيض داخلي على شكل حركات عالمية مناهضة للعولمة التزمت لحد الآن بالكفاح السلمي يحدوها الأمل في تغيير اتجاه العولمة من داخلها لصالح المستضعفين من أبناء البشر، ونقيض خارجي اختار ممارسة السياسة بوسائل أخرى.
وقبل أن ننتقل إلى الكلام عن هذا "النقيض" الخارجي لابد من استمال الحديث عن أراء المحللين الاستراتيجيين" الذين نظروا وينظرون لمشروع الإمبراطورية الأمريكية العالمية. لقد شرحنا في مقال سابق (نشر في هذا المكان بعنوان "العولمة بوصفها أمركة". 19-08-2003) وجهة نظر الفريق الذي اهتم بالوسائل التي يجب اعتمادها من أجل اختراق العالم سياسيا واقتصاديا وثقافيا وإعلاميا... ويبقى علينا أن نعرض وجهة نظر الفريق الآخر الذي اتجه باهتمامه إلى الناحية الصدامية، ناحية ردود الفعل المضادة التي ستواجهها الولايات المتحدة عند سعيها لتحقيق إمبراطوريتها الإمبريالية.
وفي هذا المجال كان الاهتمام منصرفا -عقب سقوط الاتحاد السوفيتي مباشرة- إلى تعيين من سيكون "العدو" غدا؟ ما هي الجهات التي يمكن أن يصدر عنها رد فعل مضاد؟ أما نوع رد الفعل ووسائله فلم يكن ليشغل من يعتبر نفسه القوة العظمى التي لا تقهر. لقد طرح سؤال "من سيكون العدو غدا" في نفس الوقت الذي كان الفريق الذي تحدثنا عنه يخطط لكيفية اختراق العالم، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم العمل.
كان صموائيل هنتنغتون وما يزال، أشهر من طرح الموضوع بصراحة قل مثيلها في مقالة نشرها بعنوان "صدام الحضارات" (في مجلة "شؤون خارجية" الأمريكية في عددها المؤرخ في صيف 1993)، ثم أتبعها بكتابات أخرى في نفس الموضوع (حوارات، كتاب...). ومع أن آخرين ، من زملائه، سبقوه إلى وصف الصراع المقبل بين الإمبراطورية الأمريكية وبقية العالم بأنه سيكون "صراع حضارات"، وأن هذا الصراع سيكون أساسا بين "الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية"، وأنه سيكون بمثابة "حرب باردة اجتماعية" يشنها الغرب ضد الإسلام الخ، فإن ما يميز مقالة هنتنغتون هو الطابع التنظيري "البرهاني" الذي حاول أن يصب فيه دعواه مقلدا في ذلك التحليل الماركسي لتاريخ "صراع الطبقات". وهكذا فكما أن "البيان الشيوعي" الذي أصدره ماركس وإنجلز عام 1848 ينطلق من حكم عام يقرر أن تاريخ جميع المجتمعات هو تاريخ صراع بين الطبقات : صراع تدرَّج عبر التاريخ من الصراع بين العبيد وأسيادهم، إلى الصراع بين الفلاحين الأقنان والإقطاعيين، إلى الصراع بين البرجوازية والطبقة العاملة، يبني هنتغتون فكرته عن صدام الحضارات على نفس النمط من التدرج التاريخي، ولكن لا على مستوى "تاريخ المجتمعات" كما فعل ماركس، بل على مستوى "تاريخ الحروب". وملخص فكرته كما يلي:
بما أن "التاريخ العسكري"، تاريخ الحروب، قد مر بمراحل متدرجة في اتساع دائرة المتحاربين، من مستوى الأمراء والأباطرة، إلى مستوى الملكيات، إلى مستوى الدول القومية، ثم إلى مستوى المعسكرات الإيديولوجية، فإن منطق هذا التدرج في الاتساع يقتضي -عندما ننقله من دائرة الثقافة على مستوى القرية إلى مستوى الدولة ثم إلى دائرة "الحضارة" على مستوى مجموعة من الدول- أن تكون الحرب المقبلة على هذا المستوى الأخير، مستوى الحضارة، الشيء الذي ينتج عنه "حتما" أن الصدام المقبل سيكون بين المجموعات التي تصنف على هذا المستوى الأخير، أي بين الحضارة الغربية والحضارتين الإسلامية والصينية. ولما كان الغرب متقدما ومسيطرا وكان كل من العرب والمسلمين والصينيين يطمحون إلى التقدم والرقي، فإن الصراع سيكون ثنائي الأطراف: الحضارة الغربية من جهة والحضارتان الإسلامية والكونفوشية (الصينية) من جهة أخرى.
وإذا سألنا هنتغنتون : وأين الحضارات الأخرى؟ أجاب: لقد أحصى مؤرخ الحضارات الشهير ارنولد تونبي واحدا وعشرين حضارة رئيسية "لا يوجد منها على قيد الحياة في عالمنا المعاصر سوى ست حضارات" أو على الأكثر ثماني حضارات وهي: الحضارة الغربية، والكونفوشية، واليابانية، والإسلامية، والهندية، والسلافية الارثودوكسية، والأمريكية اللاتينية، "وربما الحضارة الإفريقية". ثم يأخذ هنتنغتون في توزيع هذه الحضارات حسب إمكانية اندماجها في الحضارة الغربية فيقرر: أن اليابانيين، ولو أن لهم حضارة متميزة وفريدة، إلا أنهم أصبحوا جزءا من الغرب سياسيا وتكنولوجيا ولا يتصور أن ينفصلوا عنه أو يعادونه. وكذلك الشأن بالنسبة للشعوب السلافية، فهي جزء من أوربا وهي تقترب من الغرب وترغب في الاندماج فيه، مثلها في ذلك مثل أمريكا اللاتينية. أما الهند فهي تتراجع عن "تراث نهرو" وتعود إلى الهندوسية، وستعاني من التمزق الداخلي بسبب وجود طوائف وأقليات كثيرة فيها وعلى رأسها أقلية مسلمة كبيرة العدد. وأما إفريقيا فهو لا يدخلها في الحساب، لأن وجودها كحضارة مقيد عنده بـ "ربما". تبقى إذن حضارتان لا يمكن أن تندمجا في الغرب وهما الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية، وبما أن أهل هاتين الحضارتين يطلبون التحديث ويعملون من أجله، وفي نفس الوقت يرفضون التغريب، أي الاندماج في الغرب والاستسلام لهيمنته، فإن الصراع في المستقبل سيكون بينهما وبين الغرب!ذلك ما يقرره هنتنغتون بكل تأكيد!
أما العنصر الذي يلعب الدور الأساسي في هذا المجال فهو ما يسميه بـ "الوعي الحضاري"، وهو وعي يقول عنه إنه: "يتزايد بفعل الدور المزدوج الذي يلعبه الغرب. فالغرب يمثل قمة السلطة، ومع ذلك فإن العودة إلى الجذور ربما كانت، نتيجة لذلك، الظاهرة الأبرز في الحضارات غير الغربية". وبالجملة: "ثمة غرب في قمة السلطة يجابه بلدانا غير غربية تتعاظم لديها الرغبة والإرادة والموارد في أن تقوم بصياغة العالم وفق طرق غير غربية". وهذا في نظره شيء جديد تماما. ذلك لأنه : "في الماضي كانت النخب في المجتمعات غير الغربية هي أشد ارتباطا بالغرب، فقد نالت قسطا من التعليم في أوكسفورد والسوربون أو ساند هيرست وتشبعت بالمواقف والقيم الغربية، هذا في الوقت الذي ظل فيه السكان في البلدان غير الغربية غارقين في ثقافتهم المحلية. أما الآن فإن هذه العلاقة قد أصبحت معكوسة. فهناك ظاهرة "نزع التغريب" مع التركيز على العودة إلى الأصول والتراث المحلي، وهذه ظاهرة تطال النخب في العديد من البلدان غير الغربية، وفي الوقت نفسه فإن الثقافات الغربية والأمريكية بما تنطوي عليه من طرز وعادات هي الآن أكثر شعبية وانتشارا لدى جماهير السكان".
ويخلص هنتغنتون من تحليله إلى النتيجة التالية وهي أنه " يتوجب على الغرب، على المدى القريب، أن يعمل على تحقيق قدر أكبر من التعاون والوحدة بين مكونات حضارته الأوربية الأمريكية وأن يعمل في الوقت نفسه على إدماج أمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية في حضارته لأن ثقافتهما قريبة من ثقافته. هذا إضافة إلى تعزيز التعاون مع روسيا واليابان، والتخفيف من عملية "تخفيض الأسلحة" حفاظا على التوازن العسكري مع "الرابطة الكونفوشية الإسلامية" التي يجب وضع حدود لتوسعها العسكري، مع استغلال الخلافات بين الدول المكونة لهذه "الرابطة" وتدعيم الجماعات المتعاطفة مع الغرب في الحضارات الأخرى وتعزيز المؤسسات الدولية التي تخدم المصالح والقيم الغربية.
أما على المستوى البعيد فيجب على الغرب أن ياخذ بالحسبان أن الحضارات غير الغربية ستحاول "الاستمرار في الاستحواذ على الثراء والتكنولوجيا والخبرات والآلات والأسلحة التي تشكل جزءا من الحداثة. كما ستحاول العمل على التوفيق بين هذه الحداثة وبين ثقافتها وقيمها المحلية. وستزداد قوتها الاقتصادية والعسكرية بالنسبة للغرب. ولهذا سيجد الغرب نفسه مضطرا للعمل على احتواء تلك الحضارات الحديثة غير الغربية التي تقترب قوتها من قوة الغرب ولكن قيمها ومصالحها تختلف كثيرا عن قيم الغرب ومصالحه. وهذا سيتطلب من الغرب أن يحافظ على القوة الاقتصادية والعسكرية اللازمة لحماية مصالحه إزاء هذه الحضارات، كما سيتطلب الأمر أيضا من الغرب أن يعمق فهمه للأسس الفلسفية والدينية التي تقوم عليها تلك الحضارات والطرق التي ينظر الناس بها في تلك الحضارات إلى مصالحهم". وباختصار فإنه على الغرب أن يعمل من جهة على ضمان تفوقه العسكري والتكنولوجي والاقتصادي على الصين والدول العربية والإسلامية بالصورة التي تمكنه من قهرها وتحجيمها إلى أقصى حد، كما أن عليه من جهة أخرى أن يجتهد في احتواء الحضارات الأخرى، بما في ذلك الحضارة الصينية والإسلامية باختراقهما من الداخل ومن الخارج معا".
***
تلك خلاصة سريعة لأراء صاحب نظرية "صدام الحضارات" وهي آراء نراها قد وجدت طريقها إلى التطبيق في السياسة الأمريكية مثلها مثل آراء أولئك الذين نظروا و"بشروا" بـ "أمركة العالم"!
كيف سيكون مستقبل هذه النظريات والسياسة المبنية عليها؟
إذا نحن احتكمنا إلى العقل المؤيد بدروس التاريخ أمكننا القول: لقد سبقت الماركسية إلى التبشير بنوع من "عولمة العالم"... ولما جاء وقت سقوطها سقطت مرة واحدة... فلا يستبعد إذن أن تلقى "السياسة الواقعية في العالم الجديد" المصير نفسه!
قبل الخوض في هذا الموضوع بتفصيل لنطرح السؤال التالي:
كيف سيكون "النقيض الخارجي"، النظري والعملي الذي يفرزه –ولابد- مثل هذا التوجه الصدامي العدواني في التفكير والعمل؟