16- الإسلام هو "العدو الأول للإمبراطورية الأمريكية"؟!
كيف؟ ولماذا !؟...
محمد عابد الجابري
نبهنا في المقال الأخير من هذه السلسلة من المقالات التي نحاول فيها إبراز المحددات التي تتحدد بها، من الخارج، ظاهرة "الإرهاب" الذي تمارسه جماعات توصف، أو هي تصف نفسها، بأنها "إسلامية" -وكان منطلقنا في هذه المحاولة التفجيرات التي عرفتها الدار البيضاء في 16 مايو الأخير (2003) والتي سنعود إليها بعد الفراغ من الكلام عن تلك المحددات- أقول كنا نبهنا إلى مسألة على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة لهذه الموضوع وهي تزامن وتوازي التحليلات التي لم يفتأ يبشر فيها فريق من "المحللين الاستراتيجيين"، في الولايات المتحدة الأمريكية، بتشييد إمبراطورية إمبريالية أمريكية من جهة، والنظرية التي روج ويروج لها فريق آخر منهم، والتي تعتبر "الإسلام" الطرف الذي يجب التصدي له والاصطدام معه باعتباره "العدو" الذي سيقاوم هذا المشروع الأمريكي الإمبريالي. لقد عرضنا في مقال سابق لأراء، بل أحلام الفريق الأول، ويهمنا هنا في هذا المقال أن نعرض للكيفية التي يبرر بها أصحاب هذه النظرية دعواهم هذه؟
كان باري بوزان Barry Buzan أستاذ الدراسات الدولية في جامعة وورويك من الأوائل الذين طرحوا فكرة الصدام "الحضاري" مع الإسلام، وذلك في مقال نشره بعنوان "السياسة الواقعية في العالم الجديد: أنماط جديدة للأمن العولمي في القرن الواحد والعشرين". New Word realpolitik :New patterns of global security in the twenty first century. (International Affaires. Vol 67. No 3. July 1991) وهكذا فبعد أن فرغ من تحديد أهم سمات النظام "الأمني" الذي ساد في القرن العشرين خلص إلى أن الصدام "الحضاري" سيكون في نظره، في القرن الحادي والعشرين، "أوضح ما يكون بين الغرب والإسلام"، مبررا ذلك بجملة عوامل : عوامل ثقافية ترجع إلى "وجود تعارض بين القيم العلمانية السائدة في الغرب وبين القيم الإسلامية، ووجود تنافس تاريخي بين المسيحية والإسلام" الخ، وعوامل نفسية مثل "غيرة المسلمين من قوة الغرب"، إضافة إلى عامل جغرافي يتمثل في الجوار وما ينتج عنه من احتكاك واتصال، خصوصا "الهجرة إلى الشمال" في العصر الحاضر. وهكذا، يقول الكاتب: "فإذا اجتمع خطر الهجرة وخطر تصادم الثقافات أصبح من السهل وضع تصور لنوع من الحرب الباردة الاجتماعية بين المركز وجزء من الأطراف على الأقل، ولاسيما بين الغرب والإسلام". ثم يضيف "الحضارة الهندية" التي "لا يقل صدام الهويات الحضارية" بينها وبين الغرب عنه بين هذا الأخير والإسلام. والنتيجة أن "الحرب الباردة الحضارية" المقبلة ستكون بين طرفين: الغرب من جهة والحضارتان الإسلامية والهندية من جهة أخرى.
ويأتي صمويل هنتغتون ليتبنى نفس الأطروحة مع تعديل "استراتيجي" حيث استبدل ا"الحضارة الكونفوشية" بـ "الحضارة الهندية"، محتفظا بالإسلام في مكانه كطرف ثابت في "الصدام" مع الغرب. والسبب الذي يبرر به هذا الاستبدال هو أن الهند تتراجع عن "تراث نهرو" وتعود إلى الهندوسية، وأنها تعاني من التمزق الداخلي بسبب وجود طوائف وأقليات كثيرة فيها وعلى رأسها أقلية مسلمة كبيرة العدد. هذا في حين أن الصين لا تعاني من مثل هذا التمزق، بل بالعكس هي تتجه نحو خلق مجموعة إقليمية اقتصادية بشرق آسيا تحت زعامتها: يؤهلها لذلك اشتراكها في حضارة واحدة مع هونغ كونغ وتايوان وسنغافورة والجاليات الصينية التي تقطن البلدان الآسيوية الأخرى، الشيء الذي يساعد على اطراد النمو الاقتصادي في علاقاتها مع جيرانها هؤلاء. أضف على ذلك أن المنتمين إلى الحضارة الصينية هؤلاء يطلبون التحديث ويعملون من أجله، وفي نفس الوقت يرفضون التغريب، أي الاندماج في الغرب والاستسلام لهيمنته ، مثلهم في ذلك مثل أهل "الحضارة الإسلامية".
وكما شيد هنتنغتون أساس نظريته "صراع الحضارات"، بشكل عام، على ملاحظة "تدرج الحروب عبر التاريخ" (المقال السبق)، يبني دعواه عن "الصراع" الحتمي بين "الإسلام والغرب" على "تاريخ الحروب" بين العرب والإسلام من جهة، والغرب من جهة أخرى. وهكذا يقرر أن تاريخ العلاقة بين الغرب والعرب، بين المسيحية والإسلام، هو تاريخ سلسلة من الحروب المتجددة، تاريخ تفاعل عسكري. وهذا " التفاعل العسكري، بين الغرب والإسلام، والذي يعود تاريخه إلى قرون لن يتلاشى، بل لعله سيشتد ويصبح أكثر اشتعالا". أما الأسباب فكثيرة ومتنوعة، يذكر منها ما كان يراه حين كان يكتب مقالته (1993). يقولك: هناك لدى بعض العرب "شعور بالفخر لأن صدام حسين هاجم إسرائيل وتحدى الغرب"، ولدى بعضهم الآخر "شعور بالهوان، ويستنكرون الوجود العسكري الغربي في الخليج الفارسي وكذلك السيطرة الغربية الساحقة وعدم قدرة العرب على صياغة مصيرهم بأنفسهم". وهناك النفط الذي وصل ببعض الأقطار العربية إلى مستوى من التطور جعل الحملة من أجل الديمقراطية تجد آذانا صاغية في هذه الأقطار، "وكان المستفيد الرئيسي من هذه الانفتاحات (على الديمقراطية) هو الحركات الإسلامية".
وبصدد "استفادة" الحركات الإسلامية من الانفتاح الديموقراطي الذي عرفته بعض الأقطار يضع هنتغنتون ما يشبه أن يكون قانونا عاما يتناقض صراحة، وعلى طول الخط، مع ما هو سائد على السطح في الخطاب الأمريكي من دعوة إلى إقرار الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في البلدان غير الغربية. يقول: "وباختصار يمكن القول إن الديمقراطية الغربية تؤدي إلى تعزيز القوى السياسية المناهضة للغرب"! ولا يكتفي صاحبنا بإبراز أن الديمقراطية في البلاد الإسلامية تنتج أعداء للغرب بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيقرر أن "النمو السكاني الهائل في الدول العربية وبخاصة في الشمال الإفريقي، وتزايد هجرة سكان هذه الدول إلى أوربا، ستكون نتيجتهما الحتمية هي أن العلاقة بين الغرب والإسلام ستكون علاقة صدام حضاري!
يستشهد صاحبنا بزميله برنار لويس المعروف بمواقفه السلبية من العرب- فيقول عنه إنه توصل إلى نتيجة مشابهة حين كتب قائلا: "إننا نواجه مزاجا وتحركا سيرفعان إلى حد كبير من وتيرة القضايا والسياسات التي تنتهجها الحكومات، وهذا ليس سوى صدام حضارات. قد يكون ذلك هو رد الفعل اللاعقلاني، بله التاريخي لخصم قديم، على تراثنا اليهودي المسيحي وحاضرنا العلماني وانتشارهما على نطاق عالمي".
ويسترسل هنتنغتون فيحمل العرب والمسلمين مسؤولية هذا الصراع الذي جعل منه خاصية تطبع تاريخهم ليس مع الغرب/"الشمال" فحسب، بل أيضا مع بلدان الجنوب. وهكذا يقرر: "أن التفاعل الصدامي الكبير الآخر، التفاعل الصدامي للحضارة العربية الإسلامية على المستوى التاريخي، كان مع الشعوب السوداء إلى الجنوب: الشعوب الوثنية والإحيائية التي تعتنق المسيحية على نحو متزايد". مشيرا إلى "تجارة الرقيق" في الماضي وإلى الحرب الأهلية "بين العرب والسود" في جنوب السودان، وإلى الحرب التشادية بين "المتمردين المدعومين من ليبيا وأهل الجنوب". إضافة إلى التوتر بين المسيحيين الأرثوذكس والمسلمين في القرن الإفريقي" والصراعات الطائفية بين المسيحيين والمسلمين في نيجريا. أما على الحدود الشمالية للإسلام "فالصراع متفجر بين الشعوب الأرثوذكسية والإسلامية " في البوسنة وصربيا وبلغاريا والأرمن... ثم ينتقل إلى الحدود الشرقية للإسلام ليقرر "أن صراع الحضارات متجذر عميقا في أماكن أخرى من قارة آسيا" ليضيف إلى ذلك ما يسميه بـ "نشوب حالة من العنف بين المسلمين من جهة والصرب الأرثوذكس في البلقان واليهود في إسرائيل والهندوس في الهند والبوذيين في بورما والكاثوليك في الفلبين" من جهة أخرى، لينهي إحصاءه ذاك بقوله: "حقا إن للإسلام حدودا دموية".
فهل نحتاج إلى بيان تهافت هذا النوع من التحليلي؟
لنكتف بتذكير صاحبنا بما كانت عليه –وما تزال- حدود ما يعرف بـ"الغرب": حدود الحضارة اليونانية خصوصا على عهد الإسكندر المقدوني "الفاتح العظيم"؟ وحدود الحضارة الرومانية، الشرقية منها والغربية، حدودها الإمبراطورية؟ ثم حدود الدول الأوروبية خلال الحروب الدينية والحروب القومية؟ ثم حدود غزو القارة الأمريكية وإبادة أهلها في شمالها وجنوبها، ثم الإمبراطورية البريطانية التي كانت "لا تغيب عنها الشمس"، وحدود إمبراطورية نابليون، والحروب الخاصة بالغزو الاستعماري ابتداء وانتهاء، ثم.. ثم.. الحرب العالمية الأولى والثانية! أليست هذه حدود دموية حقا وصدقا؟
وبعيدا عن الوقوع في جدل عقيم حول "دموية الحدود" بين الدول فإن المرء لا يملك –مع الأسف- إلا أن يلاحظ أن الحدود بين الدول منذ العهود الغابرة كانت في الغالب "حدودا دموية". ومع ذلك فإذا قارنا هذه الحدود بعضها مع بعض، قصد معرفة أي البلدان أو الجهات كانت الحدود فيها أكثر دموية، زمانا ومكانا، فإن دول الحضارة الغربية ستتصدر القائمة، وبفارق كبير جدا!
هل يجهل هنتنغتون هذه الحقيقة؟ لا بكل تأكيد! ولكنه لا ينظر إلى التاريخ كما كان بالفعل، بل يراه فقط كما يريده أن يكون له عونا وسندا على "إثبات" أن "التاريخ يشهد" أن الإسلام هو العدو في الغد للولايات المتحدة الأمريكية، في سعيها لتشييد إمبراطوريتها الإمبريالية!
ترى كيف استقبل أهل الإسلام هذه الدعوى؟ إنه لمما يبعث على الأسف أن يلاحظ المرء أن كثيرا منهم، إن لم نقل جميعهم، قد وقعوا في شراك! لقد وفقوا جميعا –تقريبا- موقف "الدفاع"، وكأن الأمر يتعلق بتهمة يجب إثبات البراءة منها!
- فريق سلك مسلك المنافح عن الإسلام مثبتا أن الإسلام هو بالعكس دين سلام، وأن هذه الدعوى ناتجة عن "جهل" صاحبها بالإسلام، ومن ثم نادى هذا الفريق بـضرورة قيام "حوار الحضارات"..!
- وفريق وقع فريسة لهذه الدعوى فاعترف بها نوعا من الاعتراف، إما تحت تأثير التحليل الذي قدمه صاحبها، وإما بسبب جهله بالتاريخ !
- وفريق آخر سلك مسلك "ألا لا يجهلن أحد علينا - فنجهل فوق جهل الجاهلينا" وقام يلوح بسيفه قائلا: فعلا تاريخنا معكم تاريخ صدام وسنواصل الصراع والكفاح!
إلى هذا الفريق الأخير ينتمي "الإسلام السياسي" الذي اختار سبيل ما يسمى بـ"الإرهاب"!
أوليس هذا "الإرهاب" عبارة عن رد فعل مباشر على نظرية "صدام الحضارات"، رد فعل عملي ونظري؟ وبالتالي أوليس هذا "الإرهاب" مظهرا من مظاهر صراع الحضارة الغربية مع نتاجها؟
إننا نعتقد ذلك، ولكن هذا لا يعفينا من النظر إلى هذه الظاهرة "من الداخل"، فالعوامل الخارجية لا تمارس فعلها إذا لم يكن هناك نوع من "الاستعداد" في المكونات "الداخلية" للظاهرة.