الصفحة الأولى         السابق

 

 

3- العنف والتكييف الإيديولوجي!

مثال خوارج الأمس وخوارج اليوم ...

 

محمد عابد الجابري

أن يكون العنف ملازما للحياة البشرية، ملازمة الخير والشر لها، فهذا ما لا يحتاج إلى بيان. وأن يكون العنف وسيلة لاكتساب منافع غير مشروعة فهذا شيء ظاهر من كثير من التصرفات والأعمال الإجرامية كالقتل العمد والسرقة وما أشبه. وأن يكون العنف "وسيلة أخرى" لممارسة السياسة فهذا واضح في الحروب بين الدول، وفي مقاومة الاحتلال والمحتلين، وفي الثورات الاجتماعية والسياسية الموجهة ضد حكم طبقة مستغلة أو طاغية مستبد. وأن يكون كثير من أشكال العنف التي ذكرنا تكتسي صيغة رد الفعل على عنف آخر، ظاهر أو مستتر، فهذا أيضا ما لا جدال فيه، ومن هذه الزاوية، زاوية رد الفعل يلتمس التبرير وأحيانا المشروعية لبعض أعمال العنف. فالذي يسرق لأنه لم يجد ما يأكل، والذي ينتابه الانفعال والهيجان بسبب ما تعرض له عرضه أو شرفه من عدوان فيضرب أو يقتل الخ، والذين يضطرون إلى اللجوء إلى العنف لإخراج المحتل من بلدهم واسترجاع حقهم في أرضهم الخ، كل هؤلاء يمارسون عنفا مبررا لأنه يدخل في إطار الحفاظ على النفس والدفاع عنها.

وأما أن يُتَّخَذَ العنف وسيلة يراد منها أن تقوم، ابتداء، مقام العمل السياسي أو الدعوة الدينية أو الدعاية الإيديولوجية، لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو إيديولوجية فهذا شيء وارد أيضا، وقد عرف التاريخ أنواعا منه وأشكالا، ولكنه غير مبرر ولا مشروع. ولأنه غير مبرر وغير مشروع، فإنه يمنى في نهاية المطاف بالفشل والخيبة وسوء العاقبة. وهذا ما يشهد له التاريخ. ذلك، لأن الشيء إنما يكون مبررا مشروعا إذا كان يقع تحت الناموس العام (أو الميثاق، أو العقد) الذي يجعل من الجماعة جماعة ومن الأمة أمة... وقد لا يكون هذا الناموس مكتوبا على الورق وبرموز لغوية، وهذا هو الغالب، ولكنه يظل حاضرا دوما في ضمير الجماعة والأمة، إذ هو خلاصة تجربتها التاريخية ومرجعية قيمها، وبعبارة أخرى هو ضميرها الجمعي الذي به تميز بين الصواب عن الخطأ، المشروع عن غير المشروع. ومن هنا يوصف السلوك الذي لا يصدر عن هذا الضمير الجمعي بالشذوذ إذا كان أثره ينعكس على صاحبه وحده، وبالتطرف إذا كانت آثاره تطال الجماعة كلها.

والشذوذ والتطرف بهذا المعنى صنفان: صنف ناشئ عن تعارض ميولات الشاذ والمتطرف من شهوات وطموحات الخ، مع الضمير الجمعي، ضمير الأمة؛ وصنف يكون نتيجة تعارض قيم الضمير الجمعي السائدة مع مثل عليا وقيم أسمى يتبناها الشخص الذي ينعت بالتطرف والشذوذ. وفي هذا النوع الأخير تدخل دعوات الإصلاح والتحديث في المجال السياسي أو الديني أو الاجتماعي أو الفكري. وهي قد توصف بالتطرف والشذوذ بسبب جدة و"غرابة" الأهداف التي تتبناها وتدعو إليها، وقد توصف بهما بسبب الوسائل التي تستعملها من أجل تحقيقها.

يمكن أن استمر في هذه التصنيفات والتفرعات التي ألزمت نفسي بالخوض فيها توخيا للموضوعية وتجنبا للجدل ومزالقه، ولكني لا أرى منفذا أو سبيلا يجعلني أتمكن بواسطتها وحدها من فهم وتفهم التفجيرات التي حدثت مساء يوم 16 مايو الأخير في الدار البيضاء. إنها بكل تأكيد تستنسخ العمليات الاستشهادية التي تنظمها المقاومة الفلسطينية بعد أن عادت إسرائيل فأحكمت حصارها على الضفة الغربية وقطاع غزة وجعلت الفلسطينيين يعيشون في وضعية خانقة لا تسمح لهم بأي شكل آخر من أشكال المقاومة، غير هذا النوع من العمليات التي اضطروا إليها اضطرارا. هذا مفهوم، وقابل للتفهم.

ولكن أن يقوم شبان بتسليح أجسامهم بمتفجرات، ثم يذهبون إلى أماكن عامة فيها أناس من خلق الله فيفجروا أجسامهم وسطهم بهدف قتل أكبر عدد وجرح أكبر عدد بدون أن تكون هناك ظروف تبرر هذا النوع من العنف كظروف فلسطين اليوم... فهذا ما لا يمكن فهمه إلا باستحضار عنصرين أساسيين: الأول يخص الشخص الذي يسترخص حياته فيفجر نفسه راضيا ومتحمسا. والثاني الدوافع التي تدفعه إلى ذلك. والعنصران مترابطان متساندان.

قد يكون الشخص قد مس في كرامته أو عرضه أو معتقده أو في شأن من شؤونه الشخصية، وفي هذه الحالة يكون الدافع داخليا أو كما يقال عادة من فعل "الغريزة" غريزة الانتقام وما في معناه. وهذه حال عامة تخص البشر جميعا وتظهر في جميع الأوقات. وهي لا تنطبق على تفجيرات الدار البيضاء.

وقد يكون الدافع خارجيا من فعل عملية تكييف خارجي تعرض له الشخص حتى صار فيه في مستوى الدافع الداخلي. وعملية التكييف هذه أشكال وأنواع. منها التحريض، ومنها التخدير المادي والإيديولوجي، ومنها أمور أخرى عديدة يصعب استقصاؤها، تتراوح بين الوعي المغلوط الذي يعتقد صاحبه بصدق في شيء ما، اعتقادا ما، بينما أن الأمر يتعلق في الحقيقة بفهم مخطئ أو ناقص أو خاضع لتحريف.

فإذا نظرنا إلى حال "الخوارج" الذين ثاروا على علي بن أبي طالب رافعين شعار "لا حكم إلا لله"، فإننا سنجد فعلا أن مفتاح تفسيرها قد قدمه هذا الأخير من خلال قولته المشهورة : "كلمة حق أريد بها باطل". ذلك أن الذين رفعوا ذلك الشعار قد يكون منهم من كان قصده استغلال هذا المبدأ الديني من أجل أغراض سياسية، وقد يكون منهم من وقع تحت تأثير هذا الاستغلال فانساق مع الشعار بحسن نية أي دون أن يكون له دافع آخر غير تطبيق ذلك المبدأ الديني. وقد يكون منهم من تبنى هذا الشعار بصدق ولكن بوعي مغلوط، أي بقصور في الفهم، كأن لا يكون على بينة من معنى هذه العبارة ("لا حكم إلا لله")، فلا يحيط علما بمعنى "الحكم" عندما ينسب إلى الله، ولا بمعنى وقوعه تحت أداة الحصر ("إلا") الخ. غير أن هذا النوع من الوعي المغلوط لا يرجع إلى الجهل فقط، بل يرجع بالدرجة الأولى إلى الاستعداد المسبق لتلقي الغلط، وهو استعداد يرجع إلى نوع من التكييف المباشر أو غير المباشر خضع له صاحب الوعي المغلوط، هذا النوع من التكييف هو الذي يجعله يرفع هذا الشعار، وهو مبدأ ديني كما قلنا، في وجه علي بن أبي طالب دون أن يخطر بباله أن هذا الأخير أعلم منه ومن رؤسائه وأصحابه في هذا المجال، مجال الدين!

ومن أنواع التكييف التي لجأ إلى الخوارج تسمية أنفسهم بـ "الشٌّراة" (بضم الشين –كقٌضاة- جمع شار، اسم فاعل من الشراء). قالوا إنهم سموا أنفسهم بذلك لأنهم باعوا أنفسهم لله و"الثمن" هو أن لهم الجنة، موظفين في ذلك قوله تعالى "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون"، مقتصرين على هذا الجزء من الآية، في حين أن الآية كل لا يتجزأ ونصها الكامل: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " (التوبة 110). هذا فضلا عن إغفالهم لمناسبتها ووجه العموم فيها والخصوص. فقد نزلت هذه الآية ضمن سورة التوبة (أو براءة) التي نزلت مرة واحدة، وجل آياتها تتحدث عن ما لاقاه النبي (ص) حين الاستعداد لحرب الروم. وكان هرقل، ملك الروم البزنطيين، قد جهز جيشا لغزو مكة بعد فتحها من طرف الرسول. وكانت مكة مركزا تجاريا فضلا عن كونها مركزا دينيا. كانت محطة من محطات التجارة الدولية يومئذ، فخاف الروم على مصالحهم التجارية، فجهزوا جيشا ضموا إليه جموعا من القبائل العربية النازلة بالشام وفلسطين يريدون اقتحام المدينة والقضاء على الدولة الإسلامية الجديدة في المهد. ولما علم النبي (ص) بالخبر، قرر أن يأخذ المبادرة فيهاجم الروم قبل أن يهاجموه، فاستصعب كثير من المسلمين هذه الحرب واستثقلوها ففشى فيهم التقاعس والتماس الأعذار للتخلف عن الخروج، فعاني الرسول كثيرا في تجهيز هذا الجيش حتى سمي بـ "جيش العسرة". ومع ذلك مضى الرسول على راس هذا الجيش متجها نحو تبوك، على مشارف الشام. وكان في صفوف جيشه فريق من المؤمنين كانوا على عكس المترددين، هم الذي أشارت إليهم الآية المذكورة. ولم يكد يقترب النبي من تبوك حتى بدأ بعض رجاله يتملصون وينسحبون تحت تأثير ما كان يروج في صفوفهم من كلام حول صعوبة مواجهة الروم وما تنطوي عليه العملية من خطورة. وعندما وصل النبي إلى تبوك وجد أن هرقل قد غادرها إلى حمص، فجاءه أهل بعض تلك النواحي وصالحوه على الجزية، وبعث خالد بن الوليد في سرية إلى بعض المناطق المجاورة فصالحوه على الجزية أيضا، ثم عاد الرسول (ص) إلى المدينة وكان هذا آخر خروج له للحرب (السنة التاسعة للهجرة). في هذه المناسبة نزلت سورة التوبة، تحكي ما عاناه الرسول في تجهيز ذلك الجيش وتفضح المتخاذين والمنافقين والقاعدين والمترددين الخ، وتضع النقط على الحروف حسب تعبيرنا المعاصر. والحق أن سورة "التوبة" قد جاءت بمثابة تقرير نقدي، قوي وشديد، عن الوضعية الداخلية في دولة الدعوة المحمدية قبل وفاة الرسول بنحو سنة. لقد نددت بجوانب الضعف وأوضحت المسؤوليات، ولكن من موقف القوة والشدة لا من موقف اللين والضعف. ولعل مما له دلالة أنها السورة الوحيدة التي لا تبدأ بـ "بسم الله الرحمان الرحيم"، بل دخلت في الموضوع مباشرة. ونظرا لما في عباراتها من قوة وشدة سماها المفسرون بأسماء عديدة. يقول الزمخشري : سورة التوبة "لها عدة أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافزة، المثكلة، المدمدمة، سورة العذاب. ذلك لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق أي تتبرأ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها، وتثيرها، وتحفر عنها وتفضحهم، وتنكلهم، وتشرد بهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم. وعن حذيفة رضي الله عنه : إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب". (انظر التفاصيل في كتابنا العقل السياسي العربي الفصل الثالث). وإذن فالآية التي اقتبس الخوارج جزءا منها ليسموا أنفسهم بـ "الشراة" تنمي إلى كل، كل جزء من أجزائه فيه خصوص وفيه عموم، وجانب الخصوص أوضح وأقوى لوضوح المناسبة.

ونحن إنما استطردنا هذا الاستطراد لأن كثيرا من الشعارات الدينية التي ترفعها الجماعات المتطرفة هي من هذا القبيل: اقتباس جزئي، وقوف عند "ويل للمصلين"، صرف الآية عن معناها على الغرض المطلوب. وأكثر من ذلك وأدعى إلى الاستغراب والاستنكار معا، أن في هذه الجماعات من يتصرف في القرآن والحديث والسيرة النبوية متقمصا شخصية الرسول (ص)، أعني واضعا نفسه الموضع نفسه الذي كان خاصا بالرسول، فينسب إلى نفسه ما كان خاص بالرسول دون غيره. ومعلوم أن هناك أشياء كثيرة ورد ذكرها في القرآن والحديث والسيرة وهي خاصة بالرسول وحده. وهذا شيء معروف في كتب التفسير والحديث والسيرة والفقه...

ولا شك أن سكوت "علماء الإسلام" المعاصرين، وسكوت الجماعات والجمعيات والأحزاب التي تنبذ التطرف وتتمسك بالاعتدال والوسطية، أقول إن سكوت هؤلاء وأولئك عن الكشف عن وجوه الخطأ في مثل هذا النوع من التأويل الشخصي المغرض، وإحجامهم عن مواجهته بالنقد والاستنكار والتصحيح، لمن الأمور التي تساهم في ترك الانحراف والتطرف يستشري إلى الدرجة التي صار معها كثير من الناس يعتقدون عن حسن نية أن ذلك هو "الدين الصحيح"، وصارت جهات كثيرة في العالم تنظر إلى الإسلام من هذا المنظور، والإسلام، والدين الصحيح من ذلك براء.