الصفحة الأولى         السابق

 

 

6- الغُلاة والحشَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّاشون والمُوَسْوَسون ... ورأي ابن خلدون!

 

محمد عابد الجابري

من الجماعات المتطرفة التي كان لها دور خطير في تاريخ الإسلام تلك التي يطلق عليها مؤرخو الفرق (السياسية الفكرية) اسم "الغلاة". وما يهمنا هنا من هؤلاء "الغلاة"، الذين كانوا أصلا للحركات الباطنية في الإسلام، هو الجانب الفكري من حركتهم، أعني إيديولوجيتهم السياسية. لقد أطلق عليهم مؤرخو الفرق اسم "الغلاة" لكونهم كانوا يغالون في أئمتهم بأن أخذوا يقدمونهم للناس بصورة تخرج بهم عن المستوى الإنساني إلى المستوى النبوي والإلهي. كانوا لهؤلاء بمثابة "كوادر" متخصصة في التكييف الإيديولوجي لظاهر الآيات القرآنية بحيث يصرفون معناها إلى مضامين لاشيء يبررها سوى كونها تخدم أغراضهم السياسية.

لم تكن ثقافة هؤلاء "الغلاة" دينية إسلامية بقدر ما كانت امتدادا للمعتقدات والفلسفات الدينية السابقة على الإسلام والتي كانت منتشرة بهذه الصورة أو تلك في "مراكز الغلو" بالكوفة (التي كان الخليفة الرابع علي بن أبي طالب قد اتخذها عاصمة له) والتي كان معظم سكانها من القبائل اليمنية التي انتقلت إليها زمن الفتح حاملة معها "موروثها الثقافي الديني" الذي امتزج مع الموروث الثقافي الهرمسي الذي كانت له مراكز في الكوفة نفسها كما في الحيرة والمدائن. أضف إلى ذلك عقائد المزدكية والمانوية وعقائد الصابئة والمندائيين وما يعرف تاريخيا بـ"الإسرائيليات" أي المعتقدات اليهودية، الدينية منها والتاريخية.

من هذا الخليط من "المعتقدات القديمة" صاغ هؤلاء الغلاة نظرياتهم السياسية الدينية فادّعوا النبوة لأيمتهم، وإذا استنكر هؤلاء منهم ذلك ادعوها لأنفسهم. وهكذا قالوا بنظرية في النبوة تستغني عن جبريل وتجعل النبي في علاقة مباشرة مع الله. قالوا إن الاتصال بالله ليس مقصورا على الأنبياء التقليديين بل هو باب مفتوح في وجه الأئمة أيضا وذلك من خلال فكرة "الحلول"، بمعنى أن جزءا من الله يحل في الإمام، وبه يعلم ما سيحدث، وهذا ما يرفعه إلى درجة الألوهية. وتلك نظرية تفتح الباب لالتباس الإمامة بالنبوة والألوهية فيوصف الإمام بأنه نبي بالحلول. وبهذا يكون الإمام إلهيا، وبعضهم يجعله إلها، وفي نفس الوقت بشرا نبيا. ولكنه يختلف عن البشر العاديين في كون الجزء الإلهي الذي يحل فيه ينتقل بعد وفاته إلى غيره من الأئمة، أو يعود إليه هو نفسه فتكون رجعته. ومن هنا استمرارية النبوة والإمامة وما تنطوي عليه من "الوصية" التي تعني كون الإمام السابق يوصي بالإمامة للإمام اللاحق، فتتخذ الإمامة حينئذ صورة انتقال الجزء الإلهي في الإمام الحي القائم إلى الذي يخلفه حين ينصب إماما.

كان هؤلاء الغلاة هم الأصل الأول للحركات الباطنية في الإسلام، أي التنظيمات السرية التي تلتمس التأييد للإمامة بـ "التأويل الباطني للقرآن"، فتصرف الآيات التي تقتطعها اقتطاعا عن معناها الظاهر إلى معنى آخر لا شيء يجمعه بالمعنى الظاهر إلا ما قد يكون هناك من المشابهة في العلاقة، أي المماثلة بين معناها اللغوي وما يريدون تضمينه فيها. وإلى جانب هذا التأويل الباطني الذي كان أساس التكييف الإيديولوجي عندهم كانت لديهم تنظيمات سرية تقوم باغتيال الخصوم والمخالفين.

مرت الحركات الباطنية في التاريخ الإسلامي بمراحل مختلفة منذ زمن "الغلاة"، ومن أبرز هذه المراحل تلك التي ترتبط باسم الداعي الإسماعيلي المشهور "حسن الصباح"، الذي كان رئيسا لجماعات مسلحة مارست الاغتيالات على أوسع نطاق في بغداد زمن السلجوقيين، على عهد الوزير نظام الملك. وكان من بين أركان الدولة يومئذ علماء من أمثال أبي حامد الغزالي الذي كتب كتابا مشهورا باسم "فضائح الباطنية" يشرح طريقتهم في التكوين الإيديولوجي ويرد على نظريتهم في "المعلم" الإمام.

يخبرنا الغزالي أن الباطنية في عصره كانت تمارس ما نسميه نحن هنا بـ"عملية التكييف الإيديولوجي"، ويسميه هو بـ"الحيل"، عبر تسع مراحل أو "درجات مرتبة" لكل منها اسم:

أولها "الزرق والتفرس"، والمقصود أن الداعية للمذهب يبدأ بتفرس الأشخاص الذين يريد استقطابهم فيطلع على ميولهم واتجاههم ودرجة ارتباطهم بالدين وقيامهم بالفرائض أو التحلل منها. وهكذا يسلك مع كل شخص المسلك الذي يتوافق مع هواه: فإن كان متدينا أظهر التدين وأخذه من هذه الجهة، وإن كان ماجنا أظهر المجون وتعامل معه في إطاره، إلى أن يرتقي به إلى مرحلة "التأنيس" التي يكسب فيها ثقته فيربط معه علاقات تشده إليه. ثم تأتي الخطوة الثالثة وهي "التشكيك"، وهنا يوظف الداعي ذلك "التأنيس" في تشكيك صاحبه في معتقداته فيبادره بأسئلة تحرج مسلماته مستعملا في ذلك أنواعا من التأويل وأشكالا من المعارف السحرية وغيرها. وعندما يفلح التشكيك في زعزعة معتقدات الضحية تأتي مرحلة "التعليق"، إذ يتركه "معلقا" لمدة من الزمن، يعاني من الحيرة وعدم اليقين حتى إذا رآه الداعية قد سقط في دوامة الشك مقطوعا عن معتقاته السابقة انتقل به إلى المرحلة الخامسة، مرحلة "الربط"، ربطه بالحركة، فيأخذ منه المواثيق التي يلتزم بموجبها بعدم إفشاء ما سيقدم له من أسرار، وفي مقدمتها نظرية "الإمام المعلم" أو "المهدي". بعد ذلك تأتي مرحلة "التدليس" حيث يبدأ الداعي في عملية "تضليل" يوهم فيها الضحية مثلا بأن فلانا ممن يعتقد فيهم هذا الأخير الفضل والصلاح هو من أركان الحركة ولكنه يبطن ذلك تقية الخ. ومن هنا ينتقل به إلى "التلبيس" فيستعمل معه مقدمات ظاهرة الصحة يستنتج منها نتائج باطلة تؤدي به إلى التسليم في نهاية المطاف بأن الخلق كلهم على باطل ما عدا ما يلَقَّنه من أسرار الدعوة. يلي ذلك مرحلة "الخلع والسلخ". فالخلع يتعلق بالعمل، والمقصود ترك حدود الشرع وتكاليفه، فيقول له الداعية: لقد ارتفعت إلى مقام خرجت فيه من درجة العوام إلى درجة الخواص فلم تعد مطالبا بأداء الشعائر الدينية. أما السلخ فيخص الاعتقاد، والمقصود هو "خلع الدين"، وتسمى عندهم هذه المرتبة بـ"البلاغ الأكبر".

هذا عن التكييف الإيديولوجي الذي كان وسيلة الباطنية في استقطاب الأتباع والأشياع. ومن هؤلاء الذين يتم استقطابهم بهذا الشكل كان الدعاة ينتقون أعضاء تنظيماتهم السرية "الجهادية" المعروف بـاسم "الفادوية" نسبة إلى الفداء، وهم "الانتحاريون". وهنا يأخذ التكييف الإيديولوجي مجرى آخر، هو "تقوية إيمان" المختارين لهذه الغاية بالتركيز على الجنة ونعيمها كما هي موصوفة في القرآن : جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها من الثمار والفواكه والحور العين، إلى آخر ما هو مذكور في القرآن.

وتروي المصادر أن عملية "تقوية الإيمان" هذه كانت تبلغ ذروتها بإعطاء مخدر يمزج مع طعام هؤلاء الذين يتم إعدادهم للقيام بعمليات انتحارية، حتى إذا أخذ يظهر عليهم أثر المخدر نقلوا من دون أن يشعروا إلى بساتين وأشجارا تجري من تحتها الأنهار وغير ذلك من أوصاف الجنة. وعندما يبدأ التخدير يخف أثره نقدم لهم المآكل وجميع ما تشتهي الأنفس لمدة من الزمن فيرون بأم أعينهم ما ينطبق على أوصاف الجنة، قبل أن يعطى لهم المخدر مرة أخرى ليتم الرجوع بهم إلى أما كنهم الأولى دون أن يشعروا. وعندما يستفيقون من تأثير المخدر يكونون قد تيقنوا أنهم "زاروا الجنة" ونعموا فيها، فيندفعون إلى القيام بما يؤمرون به من عمليات انتحارية واغتيالات، معتقدين أنها هي وسيلتهم المباشرة إلى الجنة.

هذا ونظرا لاستعمال هؤلاء الباطنية الذين كان على رأسهم حسن الصباح أسلوب التخدير الذي شرحنا أطلق عليهم اسم "الحشاشين".

***

وإلى جانب الحركات الباطنية التي سلكت هذا المسلك، الطويل النفس، في كسب الأتباع والأشياع وتجنيدهم في عملية الاستيلاء على الحكم، شهد التاريخ الإسلامي نماذج أخرى من الأفراد والحركات التي سلكت للاستيلاء على السلطة طرقا غير تلك التي تقتضيها "طبائع العمران"، حسب تعبير ابن خلدون، فيتخذون من الدعوة الدينية وسيلة للحصول على السلطة السياسية. ومعروف أن ابن خلدون ينظر إلى المسألة السياسية نظرة واقعية، وقد صاغ في هذا الموضوع نظريته التي استخلصها من التجربة التاريخية العربية الإسلامية والتي تربط الدولة بالعصبية.

وأساس هذه النظرية هي "أن الملك والدول العامة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية"، أي بتحالف واسع، قوامه القوى الفاعلة في المجتمع، وهي يومئذ القبائل التي يقوم بينها تحالف عضوي يرجع إلى اعتقاهم أنهم يشكلون عصبية واحدة، بالنسب أو ما في معناه ويوحدهم هدف سياسي معين. وأما الدعوة الدينية فهي في نظره لا تقيم بمفردها دولة، إن كانت "تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها". وأكثر من ذلك "فالدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم"، بمعنى أن الدعوة الدينية نفسها لا تنجح في كسب الأتباع والأنصار بدون ارتكازها على عصبية. وإذا كانت الدعوة المحمدية قد قامت ونجحت من غير اعتماد على عصبية فإنها دعوة خاصة، قام بها نبي رسول. ومع ذلك فقد قامت عشيرة النبي بدور كبير في نصرته وحمايته، وقد جاء القرآن ليطلب من النبي البدء بدعوة أهله قبل غيرهم "وأنذر عشيرتك الأقربين" (الشعراء 214) وفي الحديث: "ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه".

على هذا الأساس ينطلق ابن خلدون في انتقاد أولئك الذين يتخذون من الدعوة الدينية وسيلة للحصول على السلطان السياسي، فيلومهم على جهلهم بـ"طبائع العمران" التي من جملتها أن "أحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزعزعها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر"، أي قوى اجتماعية مادية منظمة. أما الدعوة الدينية بمفردها فلا تكفي. يقول ابن خلدون : "فإذا ذهب أحد من الناس هذا المذهب –أي اعتماد الدعوة الدينية في طلب الحكم من غير عصبية كقوة اجتماعية- وكان فيه محقا قصر به الانفراد عن العصبية (أي عدم توافرها له) فطاح في هوة الهلاك. وأما إن كان من الملبسين بذلك في طلب الرئاسة فأجدر أن تعوقه العوائق وتنقطع به المهالك". ثم يضيف بعد ذكر محاولات من التاريخ الإسلامي طلب أهلها الحكم بتبني دعوة دينية من غير عصبية فانتهت بالفشل والخسران، قائلا : "ثم اقتدى بهذا العمل بعدُ كثير من المُوَسْوَسِين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق، ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية، ولا يشعرون بمغبة أمرهم ومآل أحوالهم. والذي يُحْتاج إليه في أمر هؤلاء: إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون، وإما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا هرجا، وإما إذاعة السخرية منهم وعدِّهم من جملة الصاعقين" (الكذابين).

01-07-2003

www.aljabriabed.com