8- في البحث عن "السبب النهائي"...
محمد عابد الجابري
قلنا في مستهل هذه المقالات التي خصصناها للتعليق على حوادث التفجير التي عرفتها الدار البيضاء في 16 مايو الأخير إن على جميع الجهات، التي من حقها أو من واجبها الاهتمام بالشأن العام، أن تمارس ما يجب من النقد الذاتي عند تحليل تلك الحوادث أو تحديد موقفها منها، وقلنا إن على رأس هذه الجهات الجماعات التي تتحرك سياسيا أو اجتماعيا أو أخلاقيا، باسم الإسلام، سواء كانت تمارس ذلك بترخيص من الدولة أو بدونه. وإنما بدأنا بهذه الجماعات لأنها المعنية قبل غيرها لكون الذين دبروا تلك الحوادث والذين نفذوها قد فعلوا ذلك باسم "الإسلام" أيضا. وهذا يضع هذه الجماعات في إحراج معنوي على الأقل (أما ما يتعدى الجانب المعنوي فالفصل فيه من اختصاص القضاء). وقلنا إن من وجوه هذا الإحراج كونها لم تركز دعوتها، التركيز الكافي، على تعاليم الإسلام السمحة ولا على موقفه الصحيح من العنف بجميع أشكاله ولا على القيود التي يقيد بها "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
ونحن إنما طالبنا بذلك الجماعات الإسلامية قبل غيرها لأننا خرجنا من النظر في تاريخ الجماعات التي مارست في الماضي أو تمارس في الحاضر السياسة تحت شعار "الإسلام"، بالنتيجة التالية، وهي أن ممارستها للسياسة بمفاهيم وتصورات وشعارات وأنشطة غير سياسية، يجعلها تجد نفسها في وقت من الأوقات أمام "جدار السياسة"، الذي لا يمكن اختراقه إلا بوسائل سياسية : مفاهيم وتصورات وشعارات وأنشطة ... وهذا ما يجعل هذه الجماعات تقف أمام "جدار السياسة" هذا أمام أحد موقفين: إما الجمود ثم التفكك والانحلال، وإما الوقوع فريسة للإحباط وبالتالي الانسياق مع إغراء "الرفض" و"التكفير والهجرة" ثم الانتحار السياسي الذي كثيرا ما يليه، أو يكون مقدمة له، الانتحار الجسدي بالتفجير أو غيره. وموقف "الرفض" هذا يبدأ في الغالب برفض "الجوف" الذي منه خرج أصحابه. أعني بذلك أن العنف الذي يخرج من جوف الحركات التي تمارس السياسة تحت شعار "الإسلام" يتوجه ابتداء ضد هذه الحركات نفسها، إن لم يكن بتهمة "الخيانة"، فبذريعة "ممالأة" الخصم والوقوع في أحضانه.
والحق أن هذه الظاهرة ليست مقصورة على الجماعات التي تمارس السياسة تحت شعار "الإسلام"؛ فكثيرة هي المنظمات التي مارست السياسة بغير شعار "الإسلام" وانتهى بها الأمر إلى مثل هذه النتيجة. وقد تكفي الإشارة هنا إلى الجماعات "اليسارية" المتطرفة التي خرجت من جوف الأحزاب الشيوعية في أوروبا وغيرها والتي مارست نفس النمط من الرفض و"التكفير والهجرة" : "التكفير" الذي يتخذ هنا شكل اتهام تلك الأحزاب بالانحراف عن الخط "الماركسي" الصحيح... عن الخط الثوري؛ و"الهجرة" التي يتم تجسيدها بالانتقال إلى الجبال والأحراش وممارسة "حرب العصابات".
***
لعل بعض القراء يذكرون أني كنت كتبت منذ أزيد من عقد من السنين تعليقا حول حوادث "التكفير والتفجير" التي بدأت تنتشر منذئذ تحت شعار "الإسلام"، قلت فيه: إنه لو كان هذا الزمان "زمان الماركسية" لكان هؤلاء الشبان الذي يقومون بهذا النوع من أعمال العنف يفعلون ذلك تحت "راية الماركسية". ولم أكن في حاجة في ذلك الوقت –كما لست في حاجة اليوم- إلى ذكر "الجمعيات الثورية" التي مارست العنف بالمسدس والتفجير باسم الماركسية، طيلة القرن العشرين، فهي معروفة بأسمائها...
لم يكن قصدي من هذا "الجمع" بين توظيف الإسلام وتوظيف الماركسية لنفس الغرض -غرض التعبئة- الإشارة إلى عالمية الظاهرة التي يطلق عليها اليوم اسم "الإرهاب" وكان يطلق عليها في "زمن الماركسية" اسم "الثورة"؛ فعالمية العنف تتجاوز حدود الزمان والمكان وقد عرفتها وتعرفها مختلف الحضارات منذ قديم الزمان، وإنما كان قصدي الإشارة إلى شيئين اثنين سيكون علينا هنا شرحهما والكشف عن أبعادهما.
- الشيء الأول هو أن ما يجمع الإسلام والماركسية في هذا الشأن هو قابليتهما الفائقة للتوظيف من أجل تعبئة الوعي، مثلهما في هذا مثل كثير من العقائد، وإن كان المرمى يختلف باختلاف أهداف العقيدة وأبعادها المادية والروحية.
- أما الشيء الثاني الذي يجمع الماركسية بالإسلام –في المجال الذي نتحدث عنه- فهو أن كلا منهما يتجه بالنقد الشديد إلى الوضعيات التي يسود فيها الفقر والاستغلال، ويتكلم بلسان الفقراء والمحرومين... ولا نظن أن من له أدنى دراية بالإسلام يجادل في أنه دين المستضعفين ضدا على المستكبرين. وهو الشيء الذي عبرت عنه الماركسية بكونها عقيدة (أو إيديولوجيا) الكادحين ضدا على المستغلين. والحق أن من يتكلم عن الإسلام من غير أن يجعل أمام عينيه باستمرار أنه "دين المستضعفين ضدا على المستكبرين"، فهو كمن يتحدث عن الماركسية من دون أن يستحضر باستمرار أنها عقيدة العمال الكادحين. وبالتالي فكل من لا يضع نفسه، عقله ووجدانه وبالتالي سلوكه، في صف المستضعفين فهو يتكلم عن شيء لا يعرفه عندما يتكلم عن الإسلام، تماما مثلما أن من لا ينحاز لصف العمال الكادحين، سواء كان هو نفسه كادحا أو كان برجوازيا كبيرا، فهو يتكلم عن شيء لا يعرفه عندما يتكلم عن الماركسية.
ومع أنه سيكون من الخطأ الفاحش مساواة عقيدة سماوية بإيديولوجيات من نسج العقل البشري، فإن هذه المقارنة تبقى صالحة في نظرنا لإقرار نتيجة ربما لا تحتاج منا إلى مثل هذه المقارنة، لولا أن الظروف الراهنة تبرر هذا النوع من "الإثبات". أما النتيجة المعنية هنا فهي أن "السبب النهائي" في ظاهرة ممارسة "العنف المنظم"، سواء باسم الإسلام أو باسم الماركسية أو باسم شعار آخر هو "العامل الاقتصادي"، وأعني بالتحديد: "الوضعية" التي تجعل من المستضعفين مستضعفين ومن العمال الكادحين عمالا كادحين.
هذه النتيجة المعبر عنها بهذه الصيغة ستبقى موضوع جدل ما لم نحدد بالضبط ما نقصده بالعبارات التي وضعناها بين مزدوجتين تنبيها إلى أهميتها (السبب النهائي، والعنف المنظم، العامل الاقتصادي). يتعلق الأمر في الحقيقة بمصطلحات ثلاثة منهجية الطابع لا بد من تقديم تذكرة بشأنها للعارف بها وإعطاء بيان عنها لمن ليس كذلك. وبهذا سننتقل إلى النقد الذاتي التي يجب أن تمارسه الأطراف الأخرى، وبالخصوص الطرفين الرئيسين في المغرب الراهن: الطرف الذي يرفع في وجه أحداث 16 مايو الأخير شعار "الحداثة" و"المجتمع المدني"، سواء من موقع "الحزبية" المشاركة في الحكومة أو غير المشاركة، والطرف الذي يرفع شعار "أمن الدولة" و"أمن المجتمع" سواء من موقع في الدولة أو من موقع في المجتمع.
لنبدأ بإلقاء شيء الضوء على المفهوم الأول.
إذا نظرنا إلى التفجيرات التي حدثت في الدار البيضاء يوم 16 مايو الأخير، أو التي حدثت قبلها في الرياض، وجدنا أنه من السهل جدا أن يسجل المرء بشأنها عدة ملاحظات صحيحة، ولكن يقف في وجه كل منها سؤال اعتراضي! من ذلك مثلا:
1- أن المنفذين لهذه العملية، أعني الذين فجروا أنفسهم، قد فعلوا ذلك تحت تأثير ما أسميناه في المقالات السابقة بـ "التكييف الإيديولوجي"، تكييف استعمل فيه الإسلام. وهذه الملاحظة صحيحة ما في ذلك شك، ولكن يبقى مع ذلك سؤال اعتراضي أساسي وهو: لماذا استجاب أولئك الشبان لذلك النوع من التكييف الإيديولوجي إلى الدرجة التي جعلتهم يقبلون الإقدام على تفجير أنفسهم؟
2- أن هؤلاء المنفذين المنتحرين كانوا في الجملة "من الفقراء المحرومين"، خاصة في المغرب، وهذا صحيح. ولكن يبقى مع ذلك سؤال اعتراضي يمكن التعبير عنه كما يلي: كيف يمكن أن يكون الفقر والحرمان سببا في تفجير المرء نفسه! فالمعروف والمألوف أن الفقير المحروم يسعى بكل الوسائل لكي يعيش ويبقى على قيد الحياة، ولذلك يضطر إلى السرقة وما في معناها، وهو يطلب الحياة ويهرب من الموت!
3- قد يذهب ملاحظ آخر إلى إبراز دور الإعلام العربي المعاصر، خاصة المرئي منه، فهو يقدم للشباب نماذج حية من بطولات المقاومة في فلسطين من الاستشهاديين خاصة، هؤلاء الذي يقفون أمام الشاشة يعلنون بكل شجاعة وبكل إيمان بالقضية عن قرارهم –الذي لا رجعة فيه- القيام بتفجير أجسامهم وسط جموع العدو، في سبيل الحق الفلسطيني. هذه النماذج التي يشاهدها الشباب، والتي قد يرى فيها بعضهم تجسيما للبطولة، تلعب دورا ما في إقدام بعضهم، وبحماس، على هذا النوع من الاستشهاد. ومع أن المغرب والسعودية لا يعانيان، كأقطار، الوضعية نفسها التي تعانيها فلسطين فإن المماثلة قد تحمل على الجمع في سلة واحدة بين الوضع في المغرب والسعودية والوضع في فلسطين. أقول هذا لا على سبيل الافتراض بل بناء على شهادة من نوع "وشهد شاهد من أهلها". كنت استمع مساء إلى نشرة الأخبار في إحدى الفضائيات العربية، وعندما انتهت النشرة انتقلت القناة بمشاهديها إلى برنامج كان الغرض منه "استكشاف" موقف "الشارع العربي" غداة تفجيرات الدار البيضاء. وكان أول من تكلم بالهاتف مهاجر مغربي في دولة أوربية. وكان مما قاله عن تلك التفجيرات : "إنها البداية فقط، وما سيحدث بعد سيكون أقوى وأشمل". وعندما سألته صاحبة البرنامج عن السبب الدافع إلى هذه التفجيرات قال: "إن الوضع في المغرب هو نفس الوضع في فلسطين. الشعب المغربي في وضعية الشعب الفلسطيني، والحكام في المغرب هم كالحكام في إسرائيل"!
وكما يقرأ بعض الشباب العربي في الاستشهاديين الفلسطينيين المثل والقدوة، يوجه ابن لادن بتصريحاته -التي صار بعض الناس في العالم العربي ينتظرونها وينظرون إليها كتصريحات "المنقذ الهادي"- يوجه هؤلاء الشباب وغيرهم ويدعوهم إلى "الجهاد" ضد الأمريكان وضد من يوالونهم من الحكام العرب مثلما يجاهد الفلسطينيون ضد الطغاة الإسرائيليين.
دور الإعلام ودور ابن لادن وغيره من الدعاة إلى "العنف" باسم "الإسلام" يجب أن يؤخذ بالحسبان عند تتبع ورصد عوامل الظاهرة التي نتحدث عنها. ويجب أن نضيف إلى ذلك دور السياسة الأمريكية التي لا تقتصر على مساندة إسرائيل فحسب بل تعلن حمايتها لها، وعدم السماح لأية قوة في الشرق الأوسط بالارتفاع إلى مستوى قوتها. إن السياسة الأمريكية تدفع الناس دفعا إلى الشعور المميت بالظلم الذي يقع عليهم من جهتها. وهذا السلوك من جانب أمريكا ضد فلسطين والعراق والأقطار العربية والإسلامية الأخرى يرفع من وقع وتأثير ما يمكن تسميته بـ "مفعول ابن لادن"!
لا أعتقد أن هناك من يقلل من دور هذا النوع من الإعلام المعاصر وما تثيره السياسة الأمريكية من ردود فعل الخ، ومع ذلك يبقى هناك سؤال اعتراضي هو: لما لم يتأثر أولئك الذي فجروا أنفسهم بما ينقله نفس الإعلام المعاصر -العربي منه وغير العربي سواء عبر الأثير والفضائيات أو عبر الجرائد والمجلات- من أنواع أخرى من "التكييف الإيديولوجي" المضاد، الداعي إلى "التسامح"، و"الإخاء "الإنساني" و. و ؟
قد لا ننتهي من سرد جملة الأسباب التي لها "دخل" ما في الظاهرة التي نحن بصددها، ظاهرة "التكفير والتفجير"، فهي داخلية وخارجية متسلسلة متناسلة. ومع ذلك فلا أحدا منها يشكل ما أسميناه قبل بـ "السبب النهائي"، أعني السبب الذي يفرض نفسه كسبب حقيقي "عند نهاية التحليل"! دليل ذلك تلك الأسئلة الاعتراضية التي تقوم في وجه كل منها.
وإذا شئنا اختصار الطريق إلى النتيجة التي سنفصل القول فيها تفصيلا في المقالات اللاحقة أمكن القول : إن السبب الذي يقدم نفسه "عند نهاية التحليل" كسبب حقيقي في الظاهرة التي نحن بصددها هو العامل الاقتصادي. ولا بد من التأكيد منذ الآن أني لا أقصد بـ"العامل الاقتصادي" ذلك المعنى الدارج المختزل الذي يفهمه به كثير من الناس، أي "الفقر والحرمان" بمعناهما المادي فحسب، بل أقصد أيضا سببهما ودرجة الوعي بهذا السبب، وعيا صحيحا أو مقلوبا لا فرق. إن الوعي بسبب الفقر والحرمان هو الأهم فيما نحن بسببه.
وإذن فما يحرك بعض الناس ويدفعهم إلى الاحتجاج والثورة أو إلى "التكفير والتفجير" ليس الفقر ذاته ولا الحرمان ذاته، بل الوعي –الصحيح أو المقلوب- بمصدرهما، ليس فقط بوصف هذا المصدر سببا في الفقر والحرمان اللذين يعاني منهما الفقراء والمحرومون حقا، بل أيضا بوصفه يقوم في وعيهم بما يقوم به الشعور بـ "الحاجة" الناتجة عن الفقر والحرمان في وعي الفقراء المحرومين حقا.
عبارات تحمل معان تحتاج إلى توضيح وتفصيل.
15-07-2003