7- العدوان على العراق...
من محنة الديموقراطية إلى احتمال انتفاضة ديموقراطية!
محمد عابد الجابري
تعودنا أن نتحدث عن محنة الديموقراطية في الأقطار العربية وفي العالم الثالث عموما، ولكن يبدو أن العدوى أصابت الأقطار التي ترسخت فيها الديموقراطية منذ قرون، وفي "العالم الأول" بالذات، عالم أمريكا وأوروبا.
أجل، إن الديموقراطية تعيش اليوم محنة، بل محنة المحن، في موطنها الأصلي: في كثير من الأقطار الأوروبية عامة، وفي أعظم دولة في العالم كانت تتميز إلى حد الآن، ليس فقط بقوتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، بل أيضا بنهجها الديموقراطي الذي تميز بالمرونة وقبول التعدد والاختلاف مما جعلها تدعي –ولم يكن هذا الادعاء من قبل يخلو من بعض الصحة- أنها قائدة قافلة الديموقراطية في العالم.
ومع أن ما يسمى بـ "العالم الحر"، عالم أوربا وأمريكيا، الرأسمالي ّالديموقراطي" كان يعاني منذ بدء هيمنة الرأسمالية والتكنولوجيا فيه على مختلف مظاهر الحياة، من خلل متفاقم في مجال الممارسة الديموقراطية، نظرا للفوارق الطبقية وما في معناها، فإن ذلك الخلل لم يصل في يوم من الأيام إلى درجة الخطورة التي وصلها اليوم. والحق أن الأمر لم يعد مجرد خلل في الممارسة الديموقراطية، بل لقد صار، مع العدوان على العراق، محنة حقيقية تعاني منها الديموقراطية، محنة تذكرنا بما حدث في أوائل عهد الديموقراطية في الغرب، حينما انتشرت جيوش أوروبا منذ القرن الثامن عشر تغزو العالم في نطاق التوسع الاستعماري الذي كان يبرر بـ "نشر الحضارة" وإقامة "الديموقراطية".
محنة الديموقراطية اليوم أكبر وأفظع من محنتها بالأمس، وهي في الغرب "المتقدم" أمعن في الفظاعة منها في العالم الثالث "المتخلف".
الديموقراطية تعني –ولا جدال في هذا- أن الحكومات تنتخب انتخابا حرا، ليس من أجل أن تستبد بالأمر بعد ذلك، كلا. إن الديموقراطية تلزم الحكومات المنتخبة انتخابا حرا على أن تبقى متجاوبة في تصرفاتها الداخلية والخارجية مع إرادة شعوبها. وإذا ما حدث بعض الخلل في هذا التجاوب فإن للشعوب أن تمارس "الضغط الديموقراطي"، بوسائل الديموقراطية نفسها، كالصحافة والعرائض ... والمسيرات والمظاهرات إن اقتضى الحال. وفي هذه الحالة تكون الحكومات إزاء اختيارين لا ثالث لهما: إما التراجع عما تسبب في "الخلل" وإما الاستقالة. هذه هي ألف باء الديموقراطية، وذلك هو جوهرها.
وما حدث منذ أن أعلنت الإدارة الأمريكية وحليفتها الحكومة البريطانية عن عزمهما على شن حرب على العراق، وافق مجلس الأمن أو لم يوافق، هو نوع من التمرد خطير على هذا الجانب الجوهري من الديموقراطية. أعني عدم استجابة الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية لـ "الضغط الديموقراطي" الذي مورس عليهما في بلديهما على نطاق واسع من خلال مواقف الأحزاب والشخصيات ذات الوزن والمظاهرات المنقطعة النظير، وإصرارهما على الاستبداد بالرأي والقرار، وبالتالي الانتقال إلى شن حرب مدمرة على العراق الشقيق.
محنة الديمقراطية اليوم تتلخص في كون هذا العدوان السافر الصريح تمارسه حكومات "أفرزتها" الديموقراطية، وتبرره هذه الحكومات باسم "الديموقراطية"، بعد أن أعلنت عدم خضوعها للشرعية الدولية ولا لمبادئ وقوانين هيأة الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس الأمن الذي تتخذ منه الولايات المتحدة "حكومة للعالم"، ولكن فقط عندما تقتضي مصالحها ذلك.
محنة الديموقراطية اليوم محنة مضاعفة:
- فمن جهة: حكومات تتخذ قرارات وتصر على تطبيقها رغم معارضة شعوبها بل وأحيانا رغم معارضة الحزب الذي تمثله. وعلى رأس هذه الحكومات: الإدارة الأمريكية والحكومات الحليفة لها في بريطانيا واستراليا وإسبانيا وإيطاليا ...
- ومن جهة ثانية: أغلبية الدول دائمة العضوية وأغلبية الدول غير دائمة العضوية، في مجلس الأمن، تعارض الحرب على العراق، ومع ذلك تستفرد أمريكا بالقرار باسم المجتمع الدولي وتقوم بالعدوان. يوازي ذلك أغلبية حكومات العالم وجميع الشعوب على الكرة الأرضية –تقريبا- تعارض الحرب وتحتج ضدها ... ومع ذلك تتمادى الإدارة الأمريكية في غيها وتقوم بالعدوان : تحدد له تاريخه وتنفذه ...
***
على أن محنة الديموقراطية في هذا الزمان ليس في عدم خضوع الحكومات لرأي شعوبها، وذلك ما كان يحدث من حين لآخر، ولكن المحنة اليوم أشد، وهي من نوع جديد تماما:
- فباسم إزالة الحكم اللاديموقراطي في العراق تشن عليه حرب بقرار انتهكت فيه الديموقراطية وطنيا في كثير من البلدان، ودوليا من طرف الحكومات التي تشكل ما يسمى "التحالف". وباسم إقرار الديموقراطية في "الخارج" تنتهك الديموقراطية المقامة في "الداخل". وباسم إقامة الديموقراطية يتم تدمير العمران وقتل الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ. وباسم الديموقراطية و"من أجل إقرارها" يتم الحديث عن تعيين جنرال عسكري يشرف على آبار البترول و"تهيئ الوضع" للديموقراطية... وباسم الديموقراطية يتم إعداد أغلبية مصنوعة من طرف الاحتلال على حساب جثث أغلبية وطنية شعبية مقاومة للاحتلال...
تلك مظاهر من محنة الديموقراطية كما يكشف عنها العدوان الذي تقوده الإدارة الأمريكية خارج الولايات المتحدة. أما داخل الولايات المتحدة نفسها فالمحنة أعمق وأشد، وتتمثل في المعطيات التالية:
إدارة أفرزتها انتخابات رئاسية معلقة غير واضحة! ورئيس فاز بفارق أصوات معدودة يستفرد بالحكم هو وجماعته، وهم أقلية حتى داخل حزبه. كانت الديموقراطية تقتضي، حسب النتيجة التي انتهت إليها الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة، تكوين إدارة على شكل "حكومة وطنية ائتلافية" من الحزبين، لأن أيا منهما لم تكن له أغلبية واضحة. ولكن "المصالح" انتهت بالديموقراطية في بلاد "العم سام" إلى أن يستفرد الرئيس، المؤطر بجماعة من المتطرفين المتصهينين المغرورين المشدودين إلى مصالح اقتصادية غير نظيفة، بالتقرير في مصير الشعب الأمريكي كله.
هذا وضع غير طبيعي وستكون له نتائج كبيرة. ويهمنا هنا النظر فيما يمكن أن تكون عليه هذه النتائج:
قد يحدث أن ينهزم الجيش الأمريكي في العراق بالطريقة التي انهزم بها في فيتنام وقد لا يحدث هذا. ومع ذلك فصمود العراق، شعبا وجيشا وحكومة، خلال الأسبوعين الماضيين، ذلك الصمود الذي فاجأ الجميع والإدارة الأمريكية في المقدمة، يجعل من المحتمل جدا أن تؤدي الحرب على العراق إلى هزيمة القوى التي دبرت هذه الحرب ودفعت إليها داخل الولايات المتحدة. وقد ظهرت أولى بوادر اتجاه الأمور في هذا الاتجاه حينما اضطر كبير أوركسترا الحرب في الإدارة الأمريكية، إلى الاستقالة في الأسبوع الماضي، عندما اتضح للعيان أن الحرب على العراق لن تكون كما كان يزعم هو ورهطه، حربا خاطفة يستقبل فيها الشعب العراقي القوات الغازية بالأعلام البيضاء والورود.
صحيح أنه من المستبعد أن تصاب الولايات المتحدة بهزيمة عسكرية بالمعنى الكلاسيكي. ولكن ليس من المستبعد قط أن تتجرع الإدارة الأمريكية الحالية هزيمة من النوع الذي تجرعته في فيتنام، أو من النوع الذي يصدق فيه المثل القائل: "رضيت من الغنيمة بالإياب"، كما حدث لها في الصومال. وهذا ما كنا أدخلناه في حساب "الممكنات" في مقال سابق نشر في هذا المكان قبل شهر (4/3/2003) حيث كتبنا نقول: "إنه من الصعب جدا -حتى على مستوى الممكنات الذهنية فقط- تصور حدوث الاحتلال الأمريكي واستمراره من دون ردود فعل. إن الأقرب إلى الواقع هو أن يتصور المرء قيام مقاومة عراقية على صورة جماعات مسلحة بعضها من الجيش وبعضها من مليشيات حزب البعث. ولا يستبعد أن يتطور الأمر بسرعة فتقوم تنظيمات للمقاومة المسلحة في صفوف الشعب العراقي كله... إن ما هو موجود الآن في فلسطين من تنظيمات للمقاومة متعددة متنوعة، بما في ذلك المقاومة الاستشهادية وصواريخها، مجرد صورة مصغرة لما يمكن أن يحدث في العراق. بل يجب أن نضيف إمكانية حضور، من نوع ما، لتنظيم القاعدة، سواء داخل العراق أو في الدول المجاورة، دون أن نستبعد أن تتعرض المصالح الأمريكية للتخريب بما في ذلك بترول العراق الخ. كما لا يستبعد أن يعاني حكام بعض الأقطار العربية من مشكلات مماثلة في عقر دارهم. دع عنك إمكانية تقدم آلاف العرب للتطوع للقتال إلى جانب العراق، فنسمع مستقبلا عن : العراقيين العرب··· على غـــرار الأفغان العرب!
ومن الممكنات الذهنية، التي يحلم بها كثيرون، أن يشهد التاريخ العربي المعاصر فيتنام أخرى على الطريقة العربية الإسلامية! وحينئذ سيغدو العراق قطرا نموذجيا ذا قوة جذب هائلة، ولكن ليس في ديمقراطية الاحتلال، بل في تحرير الوطن العربي من الاحتلال"·
وهذا الذي كنا أدخلناه في حساب "الممكنات الذهنية" قبل شن العدوان على العراق بنحو أسبوعين، يتحول اليوم إلى مستوى الممكنات الواقعية، وبصورة أقوى. لقد كنا نفكر في "الحد الأدنى" وهو قيام مقاومة شعبية للاحتلال بعد حصوله على مستوى المدن، غير أن الذي حدث هو أن المقاومة بدأت، قوية صامدة، قبل تمكن الجيش الغازي من احتلال أي مدينة، مما يرفع مجال "الممكنات الواقعية" إلى الحد الأقصى (بالنسبة لسلم التوقع).
وما نريد الخلوص إليه من هذه الإشارة إلى "التوقعات" التي عرضناها في مقال سابق حول ما يمكن أن يكون عليه رد الفعل من جانب الشعب العراقي، هو عرض توقع آخر يخص هذه المرة ما يمكن أن يكون عليه رد فعل الشعب الأمريكي في إطار المحنة التي تعيشها الديموقراطية اليوم في بلده بسبب العدوان على العراق.
صحيح أن قسما من الرأي العام الأمريكي يقف مؤيدا للجنود الأمريكيين. وهذا شيء طبيعي، خصوصا والحرب في بدايتها. ولكن صمود الشعب العراقي وتحول الحرب على العراق اليوم إلى ما يشبه الحرب على الفيتنام أمس يفسحان المجال لتوقع "انتفاضة ديموقراطية" في الولايات المتحدة الأمريكية قد ترتفع نتيجتها إلى ما لم يكن في الحسبان، إلى هزيمة سياسية عميقة للتيار المتطرف المتصهين الذي انتقل على عهد الرئيس الحالي من موقع المؤثر إلى موقع المقرر.
وإذا حدث هذا فإن ذلك سيعني أن التأثير الإسرائيلي في الإدارة الأمريكية سيعرف تراجعا لم يسبق له مثيل، الشيء الذي سيفسح المجال للتفكير في آفاق جديدة على مستوى القضية الفلسطينية. وحينئذ سيكون هناك شيء واحد وحيد تكون توقعات التيار المتصهين في الإدارة الأمريكية قد "صدقت" فيه وهو أن "حل القضية الفلسطينية يمر على بغداد"، ولكن لا من خلال استسلام العراق لإرادة بوش وجماعته، كما كانوا يتوهمون، بل بناء على صمود العراق صمودا يتلاحم تاريخيا مع صمود الشعب الفلسطيني أمام شارون ورهطه!
01/04/2003