تأملات أولية في الفكر الدستوري
لمغرب ما قبل الحماية
محمد زين الدين
هناك ميزة أساسية تطبع النظام الدستوري-السياسي المغربي بطابع الخصوصية
لتجعل من الدستور المغربي دستورا متميزا عن باقي الدساتير العالمية.
إن الأمر يتعلق بذلك "الامتداد التاريخي البعيد والعيمق الذي يطبع طقوس
وأخلاقيات الحياة الدستورية المغربية"
[1]. فالماضي السياسي والنفسي للمغرب القديم مازال يتحكم في حاضره؛ غير أن
استحضار هذه الخاصية يفرض على الباحث التحرك بحذر شديد بين ثقل التقاليد وحركية
التاريخ في محاولة للإحاطة بطبيعة ونوعية المرجعية الفكرية الدستورية لمغرب القرن
20.
وللإحاطة بالإرهاصات الأولية للتفكير الدستوري في مغرب القرن 20 سنخصص
المحور الأول لتسليط الأضواء على خلفيات ودوافع بروز هذه الإرهاصات، بينما
سنتناول بالدرس والتحليل أبرز المشاريع الدستورية لهذه المرحلة في المحور
الثاني؛ لنتحدث في محور ثالث عن طبيعة الخطاب الإصلاحي الدستوري في مغرب
القرن 20 على أساس أن نفرد المحور الرابع للبحث في أسباب فشل هذا الخطاب.
المحور
الأول: في بروز الإرهاصات الأولية للتفكير الدستوري في المغرب
تباينت مواقف الباحثين الدستوريين بخصوص الخلفيات السياسية التي كانت وراء
ظهور العديد من المشاريع الدستورية خلال الفترة الممتدة من سنة 1906 إلى سنة 1914.
ففي الوقت الذي أرجع فيه د.عبد اللطيف أكنوش سبب بروز هذه الأفكار الجديدة داخل
الوسطين الاجتماعي والسياسي بالمغرب إلى ظهور "عدة انقلابات سياسية بين
سنتي 1906 و 1912"[2]،
فإن د.محمد ضريف أرجع سبب بروز هذه المشاريع الدستورية إلى "فساد النظام
الجبائي نظرا لغياب سياسة جبائية قادرة وشاملة"[3].
لكن هل كان النظام الجبائي هو المجال الفاسد فقط في تلك الفترة؟؟
في محاولة لتلمس إجابة أكثر دقة نذهب مع تصور أحمد جديرة حينما اعتبر هذه
المطالب الإصلاحية جاءت نتيجة لـ"ظهور الأطماع الاستعمارية الفرنسية
والإسبانية قصد احتلال المغرب ثم القضاء على سيادته، وعجز الحاكمين آنئذ عن الوقوف
ضد هذه الأطماع بسبب تدهور دواليب النظام المخزني، وبالتالي امتناع السلطات عن
التعامل مع قيادات الجبهات الوطنية التي كانت تقود حركة الرفض لكل تسرب
أجنبي"[4].
ومهما تكن الدوافع والأسباب التي دفعت بدعاة الإصلاح إلى إخراج مطالبهم السياسية
إلى حيز الوجود فإنها تمحورت حول "تحقيق مطلبين أساسيين: دمقرطة السلطة
المغربية ومواجهة الأطماع الأجنبية"[5].
المحور الثاني: تأملات أولية في المشاريع الدستورية لمغرب القرن 20.
لقد برزت الرغبة الإصلاحية السياسية في مغرب القرن 20 عبر ثلاثة محطات
دستورية يشكل المشروع الدستوري للشيخ عبد الكريم الطرابلسي أولها؛ ومشروع دستور
جماعة لسان المغرب ثانيها ومذكرة الحاج علي زنيبر ثالثها.
أولا: مشروع دستور الشيخ عبد الكريم الطرابلسي:
في سنة 1906 حل بالمغرب شيخ سوري يدعى عبد الكريم مراد الطرابلسي، وقد استقر
هذا الفقيه بفاس ما بين سنتي 1906 و1907، حيث عرض على السلطان المولى عبد العزيز
وثيقة تتضمن المطالبة بإجراء جملة من الإصلاحات الدستورية-السياسية.
وباستقراء لمقتضيات هذه الوثيقة نلاحظ أنها تمحورت حول ثلاثة مجالات أساسية:
المجال التشريعي، المجال المالي والمجال العسكري.
1 ـ المجال التشريعي في مشروع دستور الطرابلسي:
انطلق الشيخ عبد الكريم الطرابلسي من تصور شبه شمولي للجانب التشريعي الذي
يمثله مجلس الأمة، إذ أناط بهذا المجلس مهمة حل جميع القضايا وفق الشريعة
الإسلامية، فهو الذي يقر الأحكام على قول واحد مع حفظ المعاهدات الأجنبية وتقرير
خدمة الوزراء والعمال مع ترتيب مؤونتهم وتقرير الأموال وتوفير المصاريف اللازمة
للحكومة وتنظيم قانون تعليم الرعية و"الحركات" العسكرية، مراقبة أعمال
العمال ومحاكمة العمال فيما بينهم؛ محاسبة الأمناء، تقرير كل عمل يلزم عمله في
الحكومة، كما أناط الشيخ الطرابلسي لهذا المجلس مهمة سن قوانين القضاء، بل إنه
يتحول إلى شبه محكمة استئنافية: فعلى "المحكوم عليه أن يستأنف دعواه في مجلس
الأمة"[6].
2 ـ المجال المالي في مشروع دستور الطرابلسي:
حتى يصبح جميع المغاربة سواسية أمام أداء الضرائب، فلا بد من "إعفاء
الرعية من كل رسم مخالف للشريعة المطهرة فتضحى بلاد سيدنا –نصره الله تعالى- خالية
من الفتن لأن جميعها لا تحدث إلا بدعوى الابتعاد عن الأحكام الشرعية وعدم الإنصاف
للرعية"[7].
لذلك عمد الشيخ الطرابلسي إلى المطالبة بتأسيس مجلس للأحباس أطلق عليه اسم مجلس
الإسلام.
وبالنظر إلى تشكيلة هذا المجلس نلاحظ أن صاحب هذا المشروع حاول خلق نوع من التوازن
بين مختلف مكونات المجتمع المغربي آنذاك؛ فهناك تمثيل للشرفاء في شخص نقبائهم
وناظر الأحباس وشيخ للفقراء والأميين إلى جانب حضور ممثلين عن العلماء، ويتضمن هذا
المجلس عدة فروع تتوزع بمختلف أرجاء المملكة المغربية.
لكن ما هي مهمة هذا المجلس؟
إن الهدف من خلق "مجلس الإسلام" هو تدعيم حضور الدولة في المجالات
الاقتصادية كتشييد السكك الحديدية وبناء المعامل، ولم يغفل الطرابلسي كيفية تسيير
هذا المجلس، فقد نص على أن يرفع هذا المجلس كل سنة حسابين أحدهما يقدم للسلطان
والآخر لمجلس الأمة.
لقد اعتبر الشيخ الطرابلسي أن إنشاء "مجلس الإسلام" سيغني الدولة
عن الاقتراض من الأجانب شريطة أن تكون هناك محاسبة دقيقة لنظارة المجلس ومراقبة
شاملة وصارمة لمختلف فروعه، ولعل أبرز ملاحظة يمكن تسجيلها على هذا المشروع كونه
افتقر إلى تنظيم محكم بين أبوابه الثلاث، "إذ نجد في كثير من الأحيان تداخلا
ملحوظا بين المجالين التشريعي والمالي"[8].
3 ـ المجال العسكري في مشروع دستور الشيخ الطرابلسي:
لقد كان المشروع الدستوري للشيخ الطرابلسي ابنا شرعيا للظروف السياسية،
الاجتماعية والاقتصادية التي كان يمر منها مغرب ما قبل الحماية، فحضور المجال
العسكري في وثيقة دستورية أمر غير مألوف. إلا أن الوضعية المزرية التي كان يتخبط
فيها المغرب كانت تحتم إصلاح الجهاز العسكري المغربي بعدما تزايدت الأطماع
الأجنبية لاحتلال المغرب، واستفحلت الاضطرابات الداخلية مما دفع الشيخ الطرابلسي
إلى تقديم تصور جديد لتنظيم مؤسسة الجيش المغربي.
ونسجل على هذا المشروع الإصلاحي كونه لم يشر إلى المبادئ الدستورية العامة
لحقوق المواطنين، مثلما أغفل الحديث عن اختصاصات السلطان والوزراء.
ثانيا: مشروع دستور جماعة لسان المغرب.
منذ ما يزيد عن 90 سنة كان السيد فرج الله نمور يصدر بطنجة جريدة أسبوعية
تحت اسم لسان المغرب، وقد نشرت في سنتها الثالثة أربعة أعداد متتابعة(*)
تتضمن مشروعا دستوريا يتكون من 93 مادة.
ومن خلال قراءة سريعة لمقتضيات هذا المشروع الدستوري تتكرس الملاحظة الشكلية
التي سجلناها على مشروع الشيخ الطرابلسي، إذ لم يسلم مشروع دستور 1908 من غياب
التنظيم الشكلي الأمر الذي دفع جاك روبير إلى اعتباره حالة مرضية، بل إن هذا النص
الدستوري قد أثار لدى هذا الباحث الأجنبي نوعا من الدهشة لكونه "أقحم الرواتب
الشهرية لكبار الموظفين والتنظيم الدقيق للمدارس الوطنية"[9].
وبالوقوف عند وضعية المؤسسات المخزنية في هذا المشروع الدستوري نجد أصحابه
حريصين كل الحرص على الثوابت الأساسية للمملكة المغربية الشريفة جاعلين من
"الدين الإسلامي دينا رسميا للمملكة والمذهب الشرعي فيها هو المذهب
المالكي"[10]
مؤكدين على أن الدولة المغربية دولة مستقلة استقلالا كليا.
1 ـ المؤسسة الملكية في مشروع دستور 1908:
لقد أولى أصحاب مشروع دستور 1908 عناية كبرى للمؤسسة الملكية باعتبارها
مؤسسة تضرب بجذورها في عمق التاريخ السياسي المغربي، إذ يتجلى هذا الاهتمام في
إفرادهم لـ 11 مادة خصصت لهذه المؤسسة. فللسلطان مكانة متميزة، فهو أمير المؤمنين
وحامي حوزة الدين؛ كما أنه المسؤول الأول عن ضمان حماية أبناء هذه الدولة باعتباره
وارث البركة الكريمة.
إن المثير للانتباه هو أن هذه المقتضيات تشبه إلى حد كبير مقتضيات الفصل 19
من الدستور الحالي، كما أن إدماج مفهوم البركة يحيل إلى المذهب الشيعي وليس إلى
المذهب السني!
وباستقراء للمادة 11 من نفس المشروع يتضح أن للسلطان مهاما متعددة؛ فباسمه
تسك النقود وتخطب الخطب، كما أن له دورا حاسما في الدفاع عن حوزة الدولة الشريفة
لذلك أسندت له مهمة قيادة الجيوش الكبرى وإشهار الحرب وعقد الصلح وإبرام المعاهدات
مع الدول؛ كما أن له الحق في تعيين موظفي الدولة سواء كانوا كبارا أو صغارا مثلما
له الحق في عزلهم بمنحهم "النياشيين"[11]؛
وفي مقابل ذلك نجد السلطان غير مسؤول سواء على صعيد السياسة الداخلية أو على صعيد
تدبيره للسياسة الخارجية[12].
2 ـ مؤسسة الحكومة في مشروع دستور 1908:
إذا كانت للمؤسسة الملكية مكانة مرموقة داخل الهندسة الدستورية، فكيف كان
يتصور واضعو مشروع دستور 1908 الحكومة المغربية.
لقد أخضع أصحاب مشروع دستور 1908 الحكومة إلى مراقبة مزدوجة، فمن جهة تخضع
الحكومة إلى السلطان، ومن جهة أخرى يراقبها منتدى الشورى باعتباره هيئة تشريعية.
والملاحظ على الهيكلة التنظيمية للحكومة كونها تتسم بعدم التعقيد؛ فالسلطان هو
الذي يعين الوزير الأكبر ليفسح المجال لهذا الأخير قصد اختيار خمسة وزراء يتم عرض
أسمائهم على منتدى الشورى ليدلوا برأيهم اتجاه تشكيلة الحكومة؛ فإذا ما أقروا
انتخاب الوزراء الخمسة عرضوا رأيهم على السلطان ليصادق على تعيينهم.
3 ـ الهيئة التشريعية في مشروع دستور 1908:
كيف جاءت فكرة التمثيلية النيابية في تصور أصحاب لسان المغرب؟؟
يرى الباحث الفرنسي آلان كليس بأن كل الشكوك أو الغموض التي يمكن أن تثار
حول نص دستور 1908 والمحاولات الأخلاقية المنغلقة على ذاتها (Ethno-centriste) لأولئك الذين قاموا بتحريره، وكذا المعلقين عليه
يمكن ربطها بما يمكن اعتباره قوة قاهرة لهذا الدستور ألا وهو دور الأعيان الشرفاء
في إقامة نظام مزدوج لحماية الحريات والملكية الفردية من جهة، والتمثيل الجماعي عن
طريق الانتخاب والتعيين من جهة أخرى. "لمواجهة مؤسسات المخزن والقوى
الأجنبية، فإن فكرة التمثيلية البرلمانية الوطنية مع الضمانات بعدم خرقها إلى جانب
حرية القول قد تمت المطالبة بها بطريقة واضحة"[13].
ومهما تكن الخلفيات الكامنة وراء المطالبة بخلق هيئة تشريعية، فإن أصحاب
المشروع الدستوري السابق الذكر كانوا سباقين إلى تبني نظام الازدواج البرلماني:
فمنتدى الشورى كان يتكون من مجلسين: مجلس الأمة ومجلس الشرفاء مع إعطاء الأولوية
لهذا الأخير في حالة إذا ما تبين له وجود ما يخالف مقتضيات الفصل 54، إذ بإمكان
مجلس الشرفاء رفض مقترحات ومقررات مجلس الأمة مع تبرير أسباب رفضه. وعلى اعتبار أن
كل نائب لا يمثل ناخبيه بل يمثل الأمة المغربية، فإن كل برلماني له كامل الحرية في
التعبير عن آرائه، إذ لا خوف عليهم من المخزن ورجاله على الإطلاق ولا يقيد بأمر من
الأمور؛ ولا يساء به الظن ولا يتهم بتهمة لكونه قال ما شاء أن يقول بل يحق له أن
ينتقد كل الوزراء بمن فيهم الوزير الأكبر.
وبعيدا عن الأجهزة السياسية التي جاء بها مشروع دستور 1908، "فإن هذا
المشروع كان سباقا إلى طرح جملة من القضايا الأساسية التي أصبحنا نتبناها اليوم
داخل ترسانتنا الدستورية كتبني نظام المجلسين والأخذ بمسألة الجهة والدعوة إلى
احترام حقوق الإنسان"[14]،
ويمكن رصد أبرز الإصلاحات التي جاء بها هذا المشروع عبر مستويين أساسيين: المستوى
السياسي والمستوى الإداري.
- الإصلاحات السياسية في مشروع دستور 1908: لقد
جاء مشروع دستور 1908 كاستجابة لمواجهة تداعيات الوضعية السياسية الخانقة التي كان
يعيشها المخزن المغربي وكمحاولة جادة لدمقرطة الحياة السياسية في مغرب القرن 20.
إن ما يزكي طرحنا هذا هو تضمن هذا المشروع الدستوري لجملة من الحقوق المدنية
والسياسية إلى جانب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فتحت عنوان أبناء الدولة
الشريفة حقوقهم وواجباتهم العامة، خصص واضعو هذا المشروع 23 مادة تطرقت إلى جل
الجوانب التي تهم حقوق الإنسان بمفهومها العصري، إذ أقروا مبدأ "الحرية
الشخصية" طبقا للمادة 13 مثلما تبنوا مبدأ "الكفاءة الشخصية".
فالمناصب لا يجب أن تعطى بواسطة نافذي الكلمة ولا بالأموال أو الوسطاء، كما منع
مشروع دستور 1908 ظاهرة "التسخير"[15]،
مثلما أبطل سياسية قسمة الغنائم بحيث لا يسمح لعساكر المخزن عند مقاتلة قبيلة من
القبائل أن ينهبوا مواشي القبيلة ودوابها وأشياءها ويقتسموها بينهم حسب العادة
المعروفة، فكل قائد يأتي ذلك يكون مسؤولا أمام منتدى الشورى والسلطان[16].
أما على مستوى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فقد أقر المشروع الدستوري
السالف الذكر احترام حق الملكية، فـ "كل مغربي آمن على ماله وملكه ولا يسوغ
لهيئة الحكومة أن تأخذ من أحد ملكه إلا إذا كان ضروريا للمتعة العامة (المصلحة
العامة)"[17].
ويشترط في ذلك ضرورة إصدار قرار من منتدى الشورى ومصادقة السلطان كتابة على هذا
القرار على أساس أن يدفع لصاحب الملك ثمنه الحقيقي سلفا؛ كما نصت المادة الخامسة
عشرة على إلزامية التعليم.
الإصلاحات الإدارية في مشروع دستور 1908: استهدف هذا المشروع وضع حد
للاحتكار المطلق الذي كان يمارسه السلطان في انفراده بممارسة السلطتين السياسية
والتنفيذية بشكل يجعل من وزرائه مجرد منفذين لقراراته، وفي أحسن الحالات مستشارين.
لذلك طالب أصحاب هذا المشروع "بإحداث تنظيم حكومي مبني على أسس وظيفية يتم
تسييره عن طريق هيئة من الموظفين تتمتع بحقوق وواجبات وتتقاضى أجرا ومعاشا
للتقاعد، كما أصبحت المالية العامة بدورها موضوعا لإعادة التنظيم، وتم لنفس الغاية
ضمن نفس المشروع وضع اللبنات الأساسية لنظام تربوي حديث[18].
أما على مستوى تكريس النظام الجهوي فقد طالبت جماعة لسان المغرب
بتكوين مجالس إقليمية في كل جهات المغرب حتى ترعى شؤون كل جهة، غير أن كل هذه
المطالب لم يكتب لها النور نظرا لتضافر عوامل داخلية وخارجية جد متعددة.
ثالثا: المذكرة الإصلاحية للحاج علي زنيبر:
لم تأت مذكرة الحاج علي زنيبر بأي جديد يميزها عن المطالب التي سبقتها، كما
أنها لا تشير –لا من بعيد أو قريب- إلى لفظ الدستور.
1 ـ الإطار الشكلي لمذكرة الحاج علي زنيبر:
كرست هذه المذكرة عدم اهتمام أصحاب هذه المطالب الإصلاحية بهذا الجانب، إذ
جاءت هذه المذكرة بصياغة تقليدية يغلب عليها الطابع الفقهي إلى جانب غياب تنظيم
محكم لمقتضياتها.
2 ـ الإطار الموضوعي لمذكرة الحاج علي زنيبر: لقد عنون الحاج علي زنيبر مذكرته بحفظ الاستقلال ولفظ السيطرة والاحتلال
"مستهدفا بالدرجة الأولى حماية المغرب من كل الأطماع الأجنبية عن طريق إصلاح
الجيش وخلق نظام ضريبي قائم على المساواة وتوظيف اللغة العربية في جميع المؤسسات
الحكومية وإنشاء بنك الدولة"[19].
المحور الثالث: في طبيعة الخطاب الإصلاحي الدستوري لمغرب القرن 20.
بالرغم من كون جل أصحاب الحركة الإصلاحية الدستورية لمغرب القرن 20 ينتمون
إلى الإطار الديني إلا أنهم استطاعوا بلورة مطالبهم الإصلاحية من خلال توظيف
مرجعيات دستورية متعددة وأحيانا متباينة الاتجاهات، بل إننا نجد في وثيقة واحدة
مرجعيات متعددة مثلما هو عليه حال وثيقة الشيخ الطرابلسي، إذ نجد نوعا من المزج
بين الدستورانية الغربية والمرجعية الإسلامية (التركيز بشكل كبير على مبدأ الشورى)
إلى جانب توظيف مقتضيات دستور الإمبراطورية العثمانية لسنة 1876[20].
بل إن باحثا حاذقا ذهب إلى القول بأن مشروع دستور 1908 لم يكن سوى تبني للدستور
العثماني[21].
ونذهب مع تصور عبد الله العروي على اعتبار وجود هجرة مكثفة أقدم عليها العديد من
الشباب المغربي إلى الشرق؛ حيث كانت الأفكار الإصلاحية التي يدعو إليها مصلحون
سلفيون كالكواكبي ومحمد عبده والأفغاني جد متأججة.
وبالرجوع إلى المواطن الأصلية لهؤلاء الدعاة نجد جلهم ذوي انتماءات شرقية
كالطرابلسي وجماعة لسان المغرب أضف إلى كل هذا أن هذه الجماعة كانت لها
علاقة وطيدة بجماعة الاتحاد والترقي التركية.
المحور الرابع: أسباب فشل الخطاب الإصلاحي للحركة الدستورية في مغرب القرن
20.
اعتقد عبد اللطيف أكنوش أن سبب إقبار المطالب الإصلاحية الدستورية لمغرب
القرن 20 تعود إلى "غياب آذان صاغية عند كل الشرائح المغربية وغياب رغبة
حقيقية للإصلاح من طرف النظام المخزني"[22].
هذا في الوقت الذي حصر فيه عبد الإله بلقزيز "فشل الإصلاح السياسي في سبب
مركزي ومفصلي هو الفساد، فساد المسؤولين، وفساد المؤسسات المركزية الحاكمة[23].
غير أن هناك جانبا آخر يفسر عوامل إخفاق هذا الإصلاح، فالفشل كامن بالأساس في
مفهوم الإصلاح نفسه، وفي كيفية تطبيقه. ذلك أن هذا الإصلاح لم يمثل في تصور أصحابه
قطيعة مع الماضي والتوجه نحو مجتمع الحداثة، بل ظل إصلاحيا كهنوتيا ملتصقا بجذور
الإرث المخزني المغربي، كما أن هناك تباينا واضحا في مفهوم الإصلاح لدى الفاعلين
السياسيين آنذاك، فتصور مؤسسة السلطان للإصلاح لم يكن هو نفسه الإصلاح الذي
كان ينادي به دعاة هذه الإصلاحات الدستورية. فبالنسبة للأول يعني الإصلاح تقوية
السلطة قصد مواجهة الأعداء. بيد أن الإصلاح في أعين هؤلاء المصلحين هو القضاء على
أسباب الانحطاط؛ وفي مقدمتها الاستبداد الذي أدى إلى تغييب الحكم العادل وتزايد الأطماع
الأجنبية قصد احتلال المغرب، كما يؤخذ على هذا الإصلاح طغيان الطابع النخبوي عليه،
فهناك إقصاء واضح لعامة الشعب في عملية انبثاق وبلورة هذا الإصلاح السياسي
والإداري.
ورغم كل هذه المؤاخذات فقد شكلت المطالب الإصلاحية في مغرب القرن 20 تحولا
نوعيا في الثقافة السياسية للنخبة المثقفة المغربية، إذ أسهمت بشكل كبير في إدماج
مفاهيم سياسية جديدة على المجتمع المغربي، وأكثر من هذا فقد حملت هذه الإرهاصات
الدستورية بين طياتها تصورا لنظام الحكم في المغرب ينبني أساسا على ملكية
ديمقراطيةn
[1] - انظر عبد الإلاه فونتير: (الحياة الدستورية بالمغرب عبر أبحاث الجامعيين
المغاربة)، المجلة المغربية لقانون واقتصاد والتنمية، العدد 30، مطبعة
النجاح الجديدة، البيضاء، 1994، ص57.
[2] - راجع عبد اللطيف أكنوش: السلطة والمؤسسات السياسية في مغرب الأمس..
واليوم، مؤسسة بنشرة، البيضاء، 1988، ص140.
[3] - انظر محمد ضريف: تاريخ الفكر السياسي بالمغرب – مشروع قراءة تأسيسية،
إفريقيا الشرق، ط.ث، البيضاء، 1989، ص212.
[4] - راجع أحمد جذيرة وآخرون: التجربة الديمقراطية في المغرب، دار
المستقبل، ط.أ، القاهرة، 1987، ص9.
[5] - انظر مقالتنا: (الإرهاصات الأولية للتفكير الدستوري بالمغرب)، جريدة
الاتحاد الاشتراكي، العدد 5007 بتاريخ 27 أبريل 1997.
[6] - انظر المادة السابعة من الوثيقة.
[7] - راجع بيان المشروع الثاني من نص مشروع دستور الشيخ الطرابلسي.
[8] - راجع مقالتنا: (الإرهاصات الأولية للتفكير الدستوري بالمغرب)، م.س.خ.
(*) يتعلق الأمر بالأعداد من 57 إلى 60.
[9] - انظر محمد المدني: (بروز الدستورانية وظهور الحركة الوطنية)، مجلة
أبحاث، العدد السادس، خريف 1984، ص12.
[10] - انظر المادة الرابعة من مشروع دستور 1908 (نص الدستور منشور بالمجلة
المغربية لقانون واقتصاد التنمية)، كلية الحقوق، البيضاء، العدد 30، - مطبعة
النجاح الجديدة، البيضاء، 1993.
[11] - النياشيين تشبه إلى حد كبير الأوسمة الملكية حاليا.
[12] - V.M.Ghomari : Les
institutions politiques, Imprimerie Najah El Jadida, Casablanca, 1992,
p108.
[13] - راجع آلان كليس: (البرلمان وصورته)، أبحاث، العدد 6، خريف 1984،
ص45.
[14] - راجع محمد زين الدين: (الإرهاصات الأولية للتفكير الدستوري بالمغرب)،
م.س.ذ.
[15] - انظر المادة 28 من مشروع دستور 1908.
[16] - انظر المادة 31 من مشروع دستور 1908.
[17] - المادة 23 من المشروع الدستوري السالف الذكر.
[18] - راجع ميشيل روسي: المؤسسات الإدارية المغربية، ترجمة إبراهيم الزياني وآخرون، مطبعة النجاح
الجديدة، البيضاء، 1993، ص35.
[19] - راجع محمد زين الدين: المسألة الدستورية في مغرب الأمس واليوم
1906-1996، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة الحسن الثاني،
البيضاء، 1998، ص28.
[20] - راجع مقالتنا: (الإرهاصات الأولية للتفكير الدستوري بالمغرب)، م.س.ذ.
[21] - نفس الموقف تبناه ميشيل روسي في كتابه المؤسسات الإدارية بالمغرب،
م.س.ذ.
[22] - انظر عبد اللطيف أكنوش: السلطة والمؤسسات السياسية في مغرب الأمس-واليوم،
م.س.ذ، ص140.
[23] - راجع عبد الإله بلقزيز: الخطاب الإصلاحي في المغرب: التكوين والمصادر،
دار المنتخب، الطبعة الأولى، لبنان 1997، ص181.