ص1     الفهرس    41-50

التسلطية السياسية العربية *

عبد النور بن عنتر

الشرعية السياسية عملية تطورية

أساس الشرعية هو قبول الأغلبية حق فرد (أو جماعة) في الحكم وممارسة السلطة بما فيها حق اللجوء إلى القوة إن اقتضى الأمر ذلك. هذا التعريف المبسط يرسم بدقة معالم الشرعية. أولاً، يوضح أن "قبول المحكومين" وقناعتهم، وليس "إذعانهم"، هو جوهر الشرعية. ثانياً، الشرعية لا تستلزم "القبول" الأبدي لأنها ليست مكسباً نهائياً بل هي ذات طبيعة تطورية ومتقلبة تتجدد باستمرار، وعلى الحاكم صيانتها دوماً وإلا سقط "العقد" الذي بموجبه تحصّل من قبل المحكومين على هذه الشرعية[1]. إذ يجب صيانة ما يسميه ماكس فيبر بـ "الإيمان بالشرعية" الذي يعتبره فيبر "عاملاً حاسماً". إذ يرى أن كل سلطة تسعى إلى صيانة الإيمان بشرعيتها.[2] بتعبير أخر، "الشرعية هي فكرة واعتقاد وقناعة شعبية بجدارة الحاكمين باحتلال موقع القرار ومركز السلطة السياسية". وإن اندثرت هكذا فكرة، انهارت شرعية السلطة القائمة. فالشرعية إذن متحركة على الدوام: تتغير، تُكتسب، تُكرس، كما تضعف وتتآكل إلى أن تُفتقد.[3] إذا فقد نظام سياسي شرعيته فإنه يفقد مسوِّغ وجوده وبقائه.[4]

توضح مقاربة ابن خلدون للبيعة معنى الشرعية السياسية من حيث هي عقد كالذي يُبرم بين البائع والمشتري، ذلك أن "المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شئ من ذلك، ويطيعه فيما يكلِّفه به من الأمر على المنشط والمكره. وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا في يده تأكيداً للعهد؛ فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري".[5] فهذه العلاقة التعاقدية المبنية على الرضى المتبادل تُفسخ إذا أخلّ أحد المتعاقدين بشروط العقد.

الشرعية، حسب فيبر، تستمد من مصادر ثلاث: التقاليد، الزعامة الملهمة، والعقلانية القانونية.[6] وتعتبر الشرعية القانونية، المعمول بها في الديمقراطيات الغربية، أرقى نموذج  وتُعرف أيضاً بالشرعية الدستورية أو المؤسسية. ويمكن إضافة الأيديولوجيا التي أصبحت تقريباً المصدر الوحيد للشرعية لبعض أنظمة الحكم في العالم الثالث وفي المنطقة العربية خلال العقود الماضية.[7] فلقد كانت الإيديولوجية القومية مصدراً لشرعية العديد من الأنظمة العربية، وحتى التي لم تتبن هذه الأيديولوجية كانت تعلن التزامها القضايا القومية حفاظاً على استقرارها.[8]

للشرعية السياسية علاقة وطيدة بالاستقرار السياسي، فكلما تدعم هذا الأخير ترسخت، وكلما تدهور تضعف وتتآكل. وعلى السلطة في هذه الحالة توفير الاستقرار اللازم حتى تعيد إنتاج وتجديد مسوِّغات وجدودها.[9] من العوامل الأساسية في تكريس الشرعية، الكفاءة والفاعلية في تسير الشأن العام. الشرعية والفعالية تحددان مستوى الاستقرار في المجتمع، لكنهما لا تأخذان دائماً نفس المنحى، فقد يحدث أن يتميز نظام سياسي بأداء عال (فاعلية)، لكن افتقاره للشرعية يقود إلى عدم الاستقرار الظاهر أو الكامن. تصور المحكومين لكل من الشرعية والفاعلية في تغير مستمر، ذلك أن المحكومين قد يقبلون في حقبة من الزمن بمصدر ما للشرعية، لكنهم يرفضونه في مرحلة لاحقة تبعاً للتطورات الاجتماعية.[10]

في الأنظمة غير الشرعية يكون الاستقرار ظاهرياً فقط، ذلك أنها كثيراً ما تمارس العنف الرسمي لكبح جماح القوى المناوئة لها، وبالتالي، حتى وإن وفقت، فلا تحقق إلا استقراراً سلطوياً، ظاهراً يخفي غلياناً كامناً والسبب هو أن هذا "الاستقرار" لم يكن نتيجة لسعي "النظام لتدعيم شرعيته، وزيادة فاعليته"، وإنما نتيجة لضرب قوى التغيير في البلاد. لهذا "فإن حالة عدم الاستقرار السلطوي تتضمن في إطارها مقوّمات كامنة لعدم الاستقرار، سرعان ما تنفجر في شكل دورة جديدة من العنف والعنف المضاد". ومن هنا فإن "العنف السياسي هو المظهر الأساسي لعدم الاستقرار".[11]

فقدان السلطة لشرعيتها في نظر المحكومين يجعلها تسعى لاستدراك الأمر بالإيحاء بأهليتها في الحكم. إذ تميل النظم غير الشرعية عموماً إلى إجراء انتخابات شكلية (وإلى تزويرها). و بالتالي يصبح هذا السلوك والتظاهر بالتمتع بالشرعية بحد ذاتهما تعبيراً على أزمة شرعية السلطة. معالجة المشكلة بالتحايل على المحكومين يعمق إذن من محنة الشرعية.[12] وهذا ما يحدث مع "ديمقراطية الواجهة" التي تبنتها بعض الدول العربية.

ليس الهدف من هذه الإطلالة المفهومية مناقشة مختلف المقاربات النظرية للشرعية السياسية، وإنما للتأكيد على طابعها التطوري والمتغير. وحسبنا أن أزمة الشرعية التي تعانيها الأنظمة السياسية العربية حالياً ناجمة عن عدم إدراكها لهذه الحقيقة التاريخية. فهذه الأنظمة التي تربعت على الحكم تحت مختلف المبررات (تقليدية، قبلية، دينية، ثورية، تاريخية) في مرحلة من التاريخ اعتقدت أن شرعيتها مكسباً لا رجعة فيه وأنها مسوّغة إلى الأبد وهذا ربما ما يفسر ظاهرة الحكام على مدى الحياة في العالم العربي وتأصل شخصانية السلطة.

نشأة التسلطية أو غلبة خيار "من يحكم؟" على خيار "شكل الحكم"

قبل الخوض في أسباب التسلطية كظاهرة معاصرة من حيث تشعبها وتعقيداتها، لابد من التوقف عند نقطة أساسية وهي أن ظاهرة التسلط والانفراد بالحكم تضرب بجذورها في التاريخ العربي-الإسلامي، ويمكن القول إنها ترجع إلى الانحراف التاريخي السياسي، لما فضل المسلمون خيار "من يحكم؟" على خيار "شكل الحكم". وقد تأصل هذا الخيار في الواقع السياسي العربي. إنه بؤس السياسة في تاريخنا وواقعنا الراهن.

يبدو العالم العربي-الإسلامي وكأنه فقد بوصلته السياسية أو لم يعثر عليها بعد - وبقيت السياسة الحلقة الأضعف في التراث العربي-الإسلامي. فمنذ التأزم المبكر للخلافة حتى الإجهاض السياسي لمحاولات النهوض المعاصرة،[13] ومنطقتنا في اضطراب مزمن. فرغم ثراء هذا التراث في مختلف العلوم، فإن الشأن السياسي بقي تقريباً مهمشا من قبل العلماء، بل منبوذ في بعض الأحيان.

رغم ثرائها، فإن الحركة العلمية الإسلامية لم تول العناية اللازمة لعلم السياسية مقارنة بالعلوم الأخرى، فليس للمسلمين مؤلفات في السياسة، وفي أنظمة الحكم وأصولها. وما كُتب في هذا المجال ظل نسبياً للغاية مقارنة بمؤلفاتهم العلمية الأخرى. وربما يرجع هذا القصور، حسب علي عبد الرّازق، إلى ضغط السلاطين على حرية العلم ذلك أن الملك يحتاط دوماً من العالم لأنه يرى فيه خطراً على أُسس ملكه. ويُعتبر علم السياسة أخطر العلوم على الملك، كونه يبحث في أنواع الحكم وخصائصه. من هنا جاء عداء هؤلاء لهذا العلم.[14] الكواكبي كان أيضاً قد أشار إلى تخوف المستبد من العلوم كعلم سياسة المدنية لما يكشفه من خصائص الحكم.[15] ربما عداوة السلطان لكل ما يتعلق بالسياسة والبحث في فروعها يفسر خلو (شبه الكامل) التراث العربي-الإسلامي، فكراً وممارسة، من محاولات الحد من الانفراد بالسلطة. إذ يلاحظ محمد عابد الجابري أن التاريخ العربي-الإسلامي لم يعرف صراعات من أجل تقييد سلطة الحاكم المتفرد، بل اكتفت الأدبيات السياسية بـ "نصح الملوك". وبالتالي لم تكن الرقابة ولا الحد من السلطة المحور الرئيس في الفكر السياسي الإسلامي وإنما النصح. لكن من كان يعمل بنصائح العلماء والفقهاء؟ وهل كان هؤلاء يجرءون دائماً على الإدلاء بنصائحهم؟ الحقيقة أنهم كانوا باستمرار عرضة الخيار (الأموي المنشأ لما فُرضت مبايعة يزيد بالقوة) القاتل: "إما هذا، وإما هذا"، بمعنى إما الرضوخ لمشيئة السلطان وإما السيف![16] الاحتكام إلى القوة في الصراعات السياسية على السلطة كانت السمة البارزة في التاريخ الإسلامي حتى أنه قيل: "ما سُل سيف في الإسلام كما سُل من أجل الإمارة". فكان التسلط لما سخر السلاطين الفكر السياسي لتبرير سلطتهم، مما حال دون خوض الفقهاء في المسألة الدستورية للحكم.[17]

محنة السياسة العربية في رأي محمد جابر الأنصاري تعود إلى الانقلاب التاريخي لما فرضت المرجعية القبلية نفسها على السياسة العقلانية: الانتقال من إشكالية "كيف نحكم؟" إلى إشكالية "من يحكم؟". هكذا أصبحت المرجعية القبلية والعشائرية منذ وفاة الرسول r المحدد الرئيس للسلوك السياسي، إذ لم يكن هاجس الجميع طبيعة الحكم الذي يجب إقامته، بل من سيحكم؟ من أية قبيلة وأية عشيرة؟ هذا هو السؤال الذي فرض نفسه في حادثة سقيفة بني ساعدة التاريخية. أما السؤال السياسي الحاسم؛ كيف يكون الحكم (المستمد من مبادئ الإسلام)، فلم يُطرح. وبالتالي نقلت "ذاتية" القبيلة القضية من "موضوع" الحكم، بمعنى كيف يقام، يُنظم ويُقنن إلى "ذاتية" الحاكمين، بمعنى هويتهم وانتماءاتهم القبلية والعشائرية.[18] وحتى مثول الأنصار لإرادة المهاجرين من قريش (في حادثة السقيفة)، كان أيضاً نتيجة للمفعول القبلي الأضيق (فيما بين الأنصار) بين الأوس والخزرج. وبالتالي كان العامل القبلي لا الديني هو الذي حسم أول صراع على السلطة في الإسلام.[19] تحرك هذا المفعول هذا بين الأنصار مرده أن الأوس والخزرج كانتا في صراع على الزعامة في يثرب (قبل الإسلام). لكن هذا المفعول لم يتحرك بين المهاجرين إبان حادثة السقيفة، لأن المهاجرين كانوا من قريش أساساً وسعوا لتكون السلطة قرشية. لكن لما تأجج الصراع على السلطة إبان الخلافة الراشدة، لا سيما بين عثمان بن عفان وعلى بن أبي طالب وفيما بعد بين هذا الأخير ومعاوية بن أبي سفيان، كان المفعول القبلي الأضيق (فيما بين قريش) المعيار الأساسي في حسمه، حيث كان الصراع أموياً-هاشمياً (عثمان ومعاوية من بني أمية وعلي من بني هاشم) كما كان الأمر في مكة قبل الإسلام.[20]

مازال الفكر السياسي العربي يعاني من هذا التحويل في مقاربة الشأن السياسي من نوع وشكل الحكم إلى هوية الحاكم (الضيقة)، الذي أفقر علم السياسة عموماً. إذ لم تلق أُمهات المسائل السياسة في الدولة، السلطة، المشاركة وكيفية الحكم الاهتمام الجدير بها، فيما أُطنب في المفاضلة بين الفروع المذهبية مغذية بذلك المناظرات الحامية التي شكلت سنداً أيديولوجياً للحروب الأهلية. فلم يتسن بناء فكر سياسي "موضوعي" يتجاوز المرجعية القبلية من خلال "فقه" للسلطة، أصولها وقواعدها، بطريقة موضوعية وعقلانية، يحظى بإجماع شعبي وفقاً لقواعد واضحة للحكم مستمدة من تعاليم الإسلام.[21] هذه المقاربة (التاريخية) الخاطئة لمسألة السلطة، قد تفسر كون "مسألة الدولة وشكلها ونموذجها الأصلي لم تكن شأناً يحتل الموقع المركزي في تفكير العلماء".[22]

أسباب تجذر التسلطية السياسية في العالم العربي

مقاربة الكواكبي لقضية الاستبداد تظهر أن هذا الأخير نقيض السياسة. فإذا كانت السياسة هي "إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة" فإن الاستبداد هو "التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى". ويرى الكواكبي أن "الاستبداد هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بلا خوف تبعة" [23] التسلطية حسب خلدون حسن النقيب "هي التعبير المعاصر للاستبداد".[24] يعتبر العديد من الكتاب أن التسلطية السياسية العربية استفحلت بسبب تقاليد الطاعة للحاكم. هذا الكلام فيه قدر من الصحة، ذلك أن التراث العربي-الإسلامي في شقه الداعي إلى طاعة أولى الأمر خوفاً من الفتنة ساهم في إيجاد بيئة اجتماعية تبدي قابلية للإذعان للحاكم، وقد استغلت الأنظمة العربية هذه الظاهرة بتعميقها من خلال مؤسستها الدينية. من هنا نشأ ما يمكن تسميته، على حد تعبير منى مكرم عبيد، بـ "مجمع المصالح السياسي-الديني" المكون من السلطة ورجال الدين الموالين لها.[25] وكما حدث في تاريخ الإسلام لاسيما في العهدين الأموي والعباسي، هاهي المؤسسة الدينية اليوم تساعد السلطات الحاكمة في الوصول إلى مآربها. لكن لا يمكن القبول لا بـ "مدخل الطاعة" ولا بـ "مدخل الخصوصية العربية" لشرح الإذعان الاجتماعي وتجذر التسلطية في الواقع السياسي العربي، وذلك لمجموعة من الأسباب سوف نتطرق إليها بالتحليل.

أولاً، مدخل (براديغم) الطاعة يحجب الطابع السياسي المعارض الذي ميّز المجتمعات العربية في الصراع مع السلطة، فالمعارضة السياسية في الإسلام كانت متأصلة ولو بمسوّغ ديني. والتاريخ يشهد أن معارضة مؤسسة الخلافة كانت القاعدة، وكما لاحظ علي عبد الرّازق، فإن "مقام الخلافة الإسلامية كان منذ الخليفة الأول، أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، إلى يومنا هذا، عرضة للخارجين عليه المنكرين له، ولا يكاد التاريخ الإسلامي يعرف خليفة إلا عليه خارج، ولا جيلاً من الأجيال مضى دون أن يعرف مصرعاً من مصارع الخلفاء. نعم ربما كان ذلك غالباً شأن الملوك في كل أمة وكل ملة وجيل، ولكن لا نظن أن أمة من الأمم تضارع المسلمين في ذلك. فإن معارضتهم للخلافة نشأت إذ نشأت الخلافة نفسها، وبقيت بقائها. و لحركة المعارضة هذه تاريخ كبير جدير بالاعتبار. وقد كانت المعارضة أحياناً تتخذ لها شكل قوة كبيرة، ذات نظام بيّن كما فعل الخوارج في زمن علي بن أبي طالب، وكانت حيناً تسير تحت ستار الأنظمة الباطنية، كما كان لجماعة الاتحاد والترقي مثلاً، وكانت تضعف أحياناً حتى لا يكاد يحس لها وجود، وتقوى أحياناً حتى تزلزل عروش الملوك، وكانت ربما سلكت طريق العمل متى استطاعت، وربما سارت على طريقة الدعوة العلمية أو الدينية على حسب ظروفها وأحوالها".[26]

ثانياً، الحديث عن "طاعة الحاكم" تفادياً للفتنة، لا يكفي لشرح الإذعان للسلطة مهما كان مصدر شرعيتها. الحقيقة أن سر هذا الإذعان يكمن في القمع الممارس على المجتمع". من الطبيعي في أولئك المسلمين الذين يدينون بالحرية رأياً، ويسلكون مذاهبها عملاً، ويأنفون الخضوع إلا لله رب العالمين، ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد في كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل، في خمسة أوقاتهم للصلاة. من الطبيعي في أولئك الأباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من غيرهم ذلك الخضوع الذي يطالب به الملوك رعيتهم، إلا خضوعاً للقوة، ونزولاً على حكم السيف القاهر".[27] كما أن الحديث عن الشق المتعلق بطاعة الحكام في التراث العربي-الإسلامي يعني قراء انتقائية لهذا الأخير لأنها تتجاهل تنديد رموز هذا التراث، مثل ابن رشد، بالتسلطية ووحدانية السلطة.[28] كما أن هذه القراءة الانتقائية تشكل ظلماً في حق الفقهاء والعلماء. ذلك أن الفقهاء لم يدعوا "إلى طاعة السلطان عادلاً كان أم جائراً لأنهم كانوا أتباعاً له"، بل إن مواقفهم أملتها ظروف تاريخية وموضوعية محددة. فلا الماوردي، ولا أبو يعلى، ولا ابن جماعة، ولا ابن تيمية كانوا تابعين للحكام،[29] أو كانوا من أقطاب ما نسميه بالمصطلح الحديث بـ "الإسلام الرسمي". فابن تيمية مثلاً توفي في غياهب سجون السلاطين. كما أن الحديث عن الطاعة في التراث تؤدي إلى سلخ الأقوال عن سياقها التاريخي-السياسي فيما يتم في نفس الوقت التغاضي عن أقوال أخرى (لنفس العلماء). وبالتالي يتعرض بعض أقطاب الفكر العربي-الإسلامي إلى قراءة انتقائية تسيء إليهم وتُظهر مدى بؤس السياسة. ولنأخذ أقوال ابن تيمية نموذجاً.

مع تدهور الدولة الإسلامية داخلياً واحتدام الغزو المغولي خارجياً، اضطر ابن تيمية إلى الاختيار بين أمرين أحلاهما مر؛ حيث فضل الخضوع إلى الحاكم الجائر حفاظاً على المسلمين من الفوضى وغياب الحكم. رغم أن هذه المفاضلة آنية واستثنائية، إلا أن المؤسسة الدينية عموماً سلختها من سياقها التاريخي وجعلتها مبدءاً عاماً. فسخرتها لتشرّع الاستبداد بغطاء ديني، فأصبح التسلط والخضوع له مع مرور الوقت متأصلاً في الفكر والممارسة السياسية.[30] بينما تتعرض الأفكار الأخرى لابن تيمية، والتي تستحق أن يُستشهد بها، إلى التعتيم. فمن يستدلون بمفاضلة ابن تيمية المشار إليها متجاهلين سياقها التاريخي والسياسي لا يستشهدون به لما قال: "إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة".

ثالثاً، وجود الدولة التسلطية (التي لم تكن ميزة عربية حصراً) قي الواقع السياسي العربي يرجع إلى عدم التمكن من تحييد تدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع. فكما يقول خلدون حسن النقيب، التسلطية "وليدة القرن العشرين [و] لقد كانت من حيث هي أسلوب في الحكم، ومنهاج في الحياة، وطريقة مسيطرة في التفكير محصلة ديناميات واسعة ووليدة مجموعة من الحركات التاريخية الكبرى، أدت إلى تدخل الدولة الهائل في الاقتصاد والمجتمع على مستوى العالم كله، ومن ثم تعاظم دور الدولة وتسيّدها على المجتمع. ولكن جموع العمل الأجير في المجتمعات الرأسمالية الغربية نجحت من خلال حركاتها وإضرابها ونقاباتها في لجم جماح هذه الدولة حتى اتخذت بعد الكساد العظيم شكل دولة الرعاية، التي تجسدها الدولة البيروقراطية-البرلمانية المستقرة منذ الحرب العالمية الثانية (لكن) في المشرق فشلت الأقطار العربية في تقييد تدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع، مما أدى بالتالي إلى فشل التجربة الليبرالية البرلمانية فشلاً ذريعاً".[31]

رابعاً، تكوّن التسلطية في الواقع السياسي العربي تزامن، كما يرى محمد حافظ يعقوب، تاريخياً مع التقاء سيرورتين كبيرتين في سياق واحد؛ الحداثة العربية. الأولى هي نشأة الدولة العربية الحديثة، وتوسع إدارتها وسيطرتها على المجتمع، وتحول هذا الأخير من جماعات عضوية إلى أفراد مشتتين في مواجهة قوة الدولة. الثانية هي التكوّن التاريخي للهويات السياسية القطرية للجماعات في إطار جغرافي. هاتان السيرورتان تفاعلتا مع سيرورات اجتماعية أخرى والتي تشكل نسيجها التاريخي الكلي: اضمحلال بنى التضامن التقليدية (القرابة، العشيرة، القرية)؛ خروج فئات واسعة من فقراء المدن والأرياف من عزلتها التاريخية ودخولها المعترك السياسي؛ عدم حل شبكات تضامنية حديثة (التعاونيات، النقابات، الضمان الاجتماعي) محل الشبكات التقليدية المنحلة للعمل على الاندماج الاجتماعي والحيلولة دون تهميش الأفراد. و بما أن التسلطية تقوم على إخراج الجماعة من السياسة بحصر هذه الأخيرة في السلطة لا غير، تحول المجتمع إلى جمهور بدون ضابط وإلى أفراد مهمشين.[32]

ومن هنا فإن التسلطية من نتاج الدولة العربية المعاصرة. فهي من إفرازات القطيعة بين الأجيال؛ بين جيل الكهول السابقة وجيل الشباب الذي أراد في الخمسينات والستينات من القرن الماضي التغيير بواسطة العنف المسلح. هكذا وسيلة للتغيير تفسر غياب النسق التعددي في حركة هؤلاء التي لعبت دوراً كيراً في عسكرة السياسة واحتكار السلطة، وفي ظاهرة الاستعصاء الديمقراطي الراهن. فالتسلطية هي أساساً من نتاج القطيعة مع الماضي العثماني، ولا يوجد ما يدعم بعض الفرضيات الرّائجة القائلة بأن التسلطية العربية الراهنة مردها خصوصية عربية تاريخية. هذا من جهة، من جهة أخرى، من البيّن أن التسلطية لا تنسحب فقط على الواقع العربي دون سواه، بل تميز كل دول الجنوب. ولا يعقل أن تُحمّل النخبة العربية الجماهير معضلة التسلطية وأن تتهمها بعدم الوعي الديمقراطي، في حين أن هذه النخبة أو على الأقل قسم منها يفتقر إلى العقلية الديمقراطية. فـلا يمكن أن يُحمّل الشعب مسؤولية الانقلابات العسكرية، خطاب تأجيل الديمقراطية وتبرير عدم صلاحيتها له وتبرير انتهاك الحريات. لا يمكن تفسير هذه السلوكيات بموروث الجماعة (الوطنية) أو بثقافاتها (المحلية). ومن هنا لا يمكن تفسير الإذعان الشعبي للتسلطية بـ "براديغم" الطاعة، الرّائج لدى العديد من الكتاب العرب.[33] إن الآلة القمعية للدولة التسلطية العربية، المعقدة والمتشعبة، هي العامل الرئيس في تفسير الإذعان للسلطة أو الانطباع بوجود استعداد اجتماعي للإذعان للدولة العربية المعاصرة.

خامساً، انزراع الدولة التسلطية واستمرارها بعنفها الرسمي وسياساتها الهادفة إلى تحجيم وقهر كل جمعيات المجتمع السياسية والمدنية (تنظيمات سياسية، نقابات،اتحادات،) بجعلها تسير في فلك النظام القائم وفرض الخطاب السياسي الرسمي عبر المؤسسات التربوية والتعليمية وأجهزة الإعلام،[34] أدى إلى تحييد القوى الاجتماعية وتشديد قبضة الدولة على المجتمع مما أجهض المبادرات المستقلة. ويجب أن نشير في هذا الخصوص إلى أن "الحركات الاجتماعية القوية هي وحدها التي بمقدورها مقاومة سلطان الدولة التسلطية، لأنها تشكل مجتمعاً مدنياً قادراً على التفاوض مع الدولة مما يعطي استقلالية حقيقية للمجتمع السياسي".[35]

سادساً، تداعيات التحولات الاجتماعية-السياسية التي عرفها العالم العربي خلال العقود الأخيرة تجعل الحديث عن طاعة الحاكم غير واقعي. صحيح أن السلطة تعوَّدت على إذعان المجتمع خاصة مع التراكمات التراثية لطاعة الحاكم، لكن مع هذه التحولات تغيرت المعطيات. الأغلبية الكاسحة من المجتمعات العربية من جيل الشباب الذي لم يعرف الثروات، الحروب التحريرية، الاستقلال، ولا تصفية الحسابات السياسية داخل السلطة (عقب الاستقلال) ولا حتى الانقلابات. لهذا الشباب تطلعات وأمال تختلف عن تلك التي كان يحلم بها جيل الاستقلال. فشباب اليوم أقل حساسية للخطاب الوطني وتمجيد الماضي، بينما بقيت هياكل السلطة على حالها، وهذا مما فاقم من محنة شرعية الأنظمة الحاكمة وجعلها تنفصل نهائياً عن المجتمع. فكان أن عمّق هذا الانفصال بين الدولة والمجتمع من أزمة الثقة بين الحاكم والمحكوم فأتى على ما تبقى من "شعرة معاوية". وبالتالي تفاقمت حدة محنة شرعية السلطة بسبب التغيرات التي عرفتها البلدان العربية. فالشرعية "الثورية" أو "الدينية" أو "التاريخية" التي تدعيها هذه الأنظمة لا تعني شيئاً بالنسبة إلى هذا الشباب، خاصة وأنها أهلكت قوى البلاد والعباد وجلبت الخراب والدمار. تذمر الشباب من ممارسات السلطة ومن الظلم الاجتماعي جعله لا يبدي أية قابلية للإقناع السياسي والتعبئة الشعبية ولم يعد يبالي بالمناورة بالشعارات والقيم الوطنية وهي اللعبة المعتادة للسلطة بمختلف توجهاتها. فلا قناعة له إطلاقاً بأهلية الحكام في السلطة. بفضل احتجاجاته العنيفة، بدأ الشباب العربي في أكثر من بلد وبدرجات متفاوتة يتغلب على الخوف وبدأ يتمرد على الوضع القائم كما هو الحال في الجزائر، الأردن، المغرب

سابعاً، "براديغم" الطاعة يعطي التسلطية بعداً دينياً (إسلامياً) مما يجعل التحليل مشوهاً وناقصاً. فمن ناحية، تغض هذه المقاربة النظر عن قضية هامة وهي أنه لا زعامة دينية بعد الرسولr ، "وإذا كانت الزعامة لا دينية فهي ليست شيئاً أقل ولا أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية، زعامة الحكومة والسلطان، لا زعامة الدين".[36] وبالتالي يبدو "براديغم" الطاعة محاولة لتبرير التسلط باسم الدين، لأنه يلوم المحكوم أكثر مما يلوم الحاكم. من ناحية أخرى، هذه المقاربة، تُسقط من تحليلها توظيف العلمانية سياسياً. فليس الدين هو الوحيد الذي وٌظف، بل العلمانية وٌظفت كذلك لتبرير تسلط الحاكم. وبالتالي فهما (الدين والعلمانية) وجهان لعملة واحدة: التسلط. فكما يقول منح الصلح، الدين والعلمانية، لا يعنيان في الواقع السياسي العربي-الإسلامي "إلاّ المعنى نفسه وهو حق الحاكم في أخذ السلطة كل السلطة لنفسه، فكما أن هناك من يحاول الاستئثار بالسلطة باسم إرادة الله هناك أيضا من يريد أن يأخذ السلطة باسم إبعاد الدين عن السياسة". خلافاً لمعناها لدى المثقفين (الفصل بين السلطة الزمنية والسياسية) تعني العلمانية "في التطبيق السياسي ذلك الشعار الذي يرفعه الدكتاتور لتصفية تلك القوى والأعراف والروادع التي يمكن أن تستخدمها جهات تعمل لتوازن لا يكون فيه هو الحاكم المتفرد". فباسم العلمانية حكم أتاتورك والجيش بقبضة من حديد تركيا، وباسمها تقمع أنظمة عربية شعوبها. فأصبحت العلمانية "الوسيلة المعتمدة في بلادنا لمطالبة الحاكم الشرقي بكل السلطة. فحين لا يمكن إدعاء الحاكم بحق الحكم باسم الإرادة الإلهية المقدسة يطالب بالحكم باسم العلمانية".[37] ومن هنا فتفسير تشبث الحاكم العربي بوحدانية السلطة بمبررات دينية[38] يعبر عن قصور في التحليل وربما عن موقف سياسي. الحقيقة أن رفض الشريك في السلطة والتشبث بالحكم الفردي يطبع كل الأنظمة العربية بمختلف توجهاتها ولا فرق هنا بين تلك التي تبني شرعيتها على أساس مسوّغات دينية أو علمانية.

هل من مخرج؟

المخرج من حالة الانسداد السياسي وتجاوز مرحلة الدولة التسلطية بالولوج في عالم الدولة الديمقراطية ودولة القانون يكمن في الحل الديمقراطي كحل أنسب للاستعصاء السياسي العربي الراهن. لكن لا بد من الإشارة إلى أن الديمقراطية ليست وليدة مراسيم وقرارات سياسية، بل هي ثقافة وسلوك مدني وسياسي. بمعنى أنها أولا وقبل كل شيء قضية تربية وتنشئة. وليس من الصدف أن وزارات التعليم تسمى عادة لا سيما في الدول المتقدمة بـ وزارات التربية، لأن التربية تسبق التعليم. وهذا ما يفسر عجز الدول المتخلفة رغم نخبها المتعلمة من الالتحاق بركب الأمم المتقدمة. على أية حال لا يمكن الخروج من عهد التسلطية وبناء دولة ديمقراطية بين عشية وضحاه، بل العملية هي سيرورة اجتماعية وسياسية معقدة، وعلى النخب السياسية تهيئة الظروف لتوجيه هذه السيرورة في مسارها الصحيح والعمل على ألاّ تحيد عنه. لأن عدم اليقظة السياسية قد يقود إلى مجرد انتقال من نموذج تسلطي إلى نموذج آخر.

 

 

 

 

 

التسلطية السياسية العربية *

 

عبد النور بن عنتر

 

رغم موجة الانفتاح السياسي التي عرفها العالم خلال العقدين الماضيين، يبقى العالم العربي في منأى عن هذه التغيرات وكأنه جزيرة معزولة في بحر العولمة. إذ تبقى الدولة التسلطية أحد أبرز السمات السياسية للمنطقة، حيث تواصل سعيها عبر آلتها القمعية لـ صيانة "الإذعان الاجتماعي". تحاول هذه المقالة المتواضعة مقاربة ظاهرة التسلطية السياسية العربية من خلال التطرق إلى الفهم الخاطئ للشرعية السياسية من قبل الأنظمة العربية وكيفية نشأة التسلطية في البيئة السياسية العربية وأسباب تجذرها.

 

الشرعية السياسية عملية تطورية

أساس الشرعية هو قبول الأغلبية حق فرد (أو جماعة) في الحكم وممارسة السلطة بما فيها حق اللجوء إلى القوة إن اقتضى الأمر ذلك. هذا التعريف المبسط يرسم بدقة معالم الشرعية. أولاً، يوضح أن "قبول المحكومين" وقناعتهم، وليس "إذعانهم"، هو جوهر الشرعية. ثانياً، الشرعية لا تستلزم "القبول" الأبدي لأنها ليست مكسباً نهائياً بل هي ذات طبيعة تطورية ومتقلبة تتجدد باستمرار، وعلى الحاكم صيانتها دوماً وإلا سقط "العقد" الذي بموجبه تحصّل من قبل المحكومين على هذه الشرعية.[39] إذ يجب صيانة ما يسميه ماكس فيبر بـ "الإيمان بالشرعية" الذي يعتبره فيبر "عاملاً حاسماً". إذ يرى أن كل سلطة تسعى إلى صيانة الإيمان بشرعيتها.[40] بتعبير أخر، "الشرعية هي فكرة واعتقاد وقناعة شعبية بجدارة الحاكمين باحتلال موقع القرار ومركز السلطة السياسية". وإن اندثرت هكذا فكرة، انهارت شرعية السلطة القائمة. فالشرعية إذن متحركة على الدوام: تتغير، تُكتسب، تُكرس، كما تضعف وتتآكل إلى أن تُفتقد.[41] إذا فقد نظام سياسي شرعيته فإنه يفقد مسوِّغ وجوده وبقائه.[42]

توضح مقاربة ابن خلدون للبيعة معنى الشرعية السياسية من حيث هي عقد كالذي يُبرم بين البائع والمشتري، ذلك أن "المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شئ من ذلك، ويطيعه فيما يكلِّفه به من الأمر على المنشط والمكره. وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا في يده تأكيداً للعهد؛ فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري".[43] فهذه العلاقة التعاقدية المبنية على الرضى المتبادل تُفسخ إذا أخلّ أحد المتعاقدين بشروط العقد.

الشرعية، حسب فيبر، تستمد من مصادر ثلاث: التقاليد، الزعامة الملهمة، والعقلانية القانونية.[44] وتعتبر الشرعية القانونية، المعمول بها في الديمقراطيات الغربية، أرقى نموذج  وتُعرف أيضاً بالشرعية الدستورية أو المؤسسية. ويمكن إضافة الأيديولوجيا التي أصبحت تقريباً المصدر الوحيد للشرعية لبعض أنظمة الحكم في العالم الثالث وفي المنطقة العربية خلال العقود الماضية.[45] فلقد كانت الإيديولوجية القومية مصدراً لشرعية العديد من الأنظمة العربية، وحتى التي لم تتبن هذه الأيديولوجية كانت تعلن التزامها القضايا القومية حفاظاً على استقرارها.[46]

للشرعية السياسية علاقة وطيدة بالاستقرار السياسي، فكلما تدعم هذا الأخير ترسخت، وكلما تدهور تضعف وتتآكل. وعلى السلطة في هذه الحالة توفير الاستقرار اللازم حتى تعيد إنتاج وتجديد مسوِّغات وجدودها.[47] من العوامل الأساسية في تكريس الشرعية، الكفاءة والفاعلية في تسير الشأن العام. الشرعية والفعالية تحددان مستوى الاستقرار في المجتمع، لكنهما لا تأخذان دائماً نفس المنحى، فقد يحدث أن يتميز نظام سياسي بأداء عال (فاعلية)، لكن افتقاره للشرعية يقود إلى عدم الاستقرار الظاهر أو الكامن. تصور المحكومين لكل من الشرعية والفاعلية في تغير مستمر، ذلك أن المحكومين قد يقبلون في حقبة من الزمن بمصدر ما للشرعية، لكنهم يرفضونه في مرحلة لاحقة تبعاً للتطورات الاجتماعية.[48]

في الأنظمة غير الشرعية يكون الاستقرار ظاهرياً فقط، ذلك أنها كثيراً ما تمارس العنف الرسمي لكبح جماح القوى المناوئة لها، وبالتالي، حتى وإن وفقت، فلا تحقق إلا استقراراً سلطوياً، ظاهراً يخفي غلياناً كامناً والسبب هو أن هذا "الاستقرار" لم يكن نتيجة لسعي "النظام لتدعيم شرعيته، وزيادة فاعليته"، وإنما نتيجة لضرب قوى التغيير في البلاد. لهذا "فإن حالة عدم الاستقرار السلطوي تتضمن في إطارها مقوّمات كامنة لعدم الاستقرار، سرعان ما تنفجر في شكل دورة جديدة من العنف والعنف المضاد". ومن هنا فإن "العنف السياسي هو المظهر الأساسي لعدم الاستقرار".[49]

فقدان السلطة لشرعيتها في نظر المحكومين يجعلها تسعى لاستدراك الأمر بالإيحاء بأهليتها في الحكم. إذ تميل النظم غير الشرعية عموماً إلى إجراء انتخابات شكلية (وإلى تزويرها). و بالتالي يصبح هذا السلوك والتظاهر بالتمتع بالشرعية بحد ذاتهما تعبيراً على أزمة شرعية السلطة. معالجة المشكلة بالتحايل على المحكومين يعمق إذن من محنة الشرعية.[50] وهذا ما يحدث مع "ديمقراطية الواجهة" التي تبنتها بعض الدول العربية.

ليس الهدف من هذه الإطلالة المفهومية مناقشة مختلف المقاربات النظرية للشرعية السياسية، وإنما للتأكيد على طابعها التطوري والمتغير. وحسبنا أن أزمة الشرعية التي تعانيها الأنظمة السياسية العربية حالياً ناجمة عن عدم إدراكها لهذه الحقيقة التاريخية. فهذه الأنظمة التي تربعت على الحكم تحت مختلف المبررات (تقليدية، قبلية، دينية، ثورية، تاريخية) في مرحلة من التاريخ اعتقدت أن شرعيتها مكسباً لا رجعة فيه وأنها مسوّغة إلى الأبد وهذا ربما ما يفسر ظاهرة الحكام على مدى الحياة في العالم العربي وتأصل شخصانية السلطة.

نشأة التسلطية أو غلبة خيار "من يحكم؟" على خيار "شكل الحكم"

قبل الخوض في أسباب التسلطية كظاهرة معاصرة من حيث تشعبها وتعقيداتها، لابد من التوقف عند نقطة أساسية وهي أن ظاهرة التسلط والانفراد بالحكم تضرب بجذورها في التاريخ العربي-الإسلامي، ويمكن القول إنها ترجع إلى الانحراف التاريخي السياسي، لما فضل المسلمون خيار "من يحكم؟" على خيار "شكل الحكم". وقد تأصل هذا الخيار في الواقع السياسي العربي. إنه بؤس السياسة في تاريخنا وواقعنا الراهن.

يبدو العالم العربي-الإسلامي وكأنه فقد بوصلته السياسية أو لم يعثر عليها بعد - وبقيت السياسة الحلقة الأضعف في التراث العربي-الإسلامي. فمنذ التأزم المبكر للخلافة حتى الإجهاض السياسي لمحاولات النهوض المعاصرة،[51] ومنطقتنا في اضطراب مزمن. فرغم ثراء هذا التراث في مختلف العلوم، فإن الشأن السياسي بقي تقريباً مهمشا من قبل العلماء، بل منبوذ في بعض الأحيان.

رغم ثرائها، فإن الحركة العلمية الإسلامية لم تول العناية اللازمة لعلم السياسية مقارنة بالعلوم الأخرى، فليس للمسلمين مؤلفات في السياسة، وفي أنظمة الحكم وأصولها. وما كُتب في هذا المجال ظل نسبياً للغاية مقارنة بمؤلفاتهم العلمية الأخرى. وربما يرجع هذا القصور، حسب علي عبد الرّازق، إلى ضغط السلاطين على حرية العلم ذلك أن الملك يحتاط دوماً من العالم لأنه يرى فيه خطراً على أُسس ملكه. ويُعتبر علم السياسة أخطر العلوم على الملك، كونه يبحث في أنواع الحكم وخصائصه. من هنا جاء عداء هؤلاء لهذا العلم.[52] الكواكبي كان أيضاً قد أشار إلى تخوف المستبد من العلوم كعلم سياسة المدنية لما يكشفه من خصائص الحكم.[53] ربما عداوة السلطان لكل ما يتعلق بالسياسة والبحث في فروعها يفسر خلو (شبه الكامل) التراث العربي-الإسلامي، فكراً وممارسة، من محاولات الحد من الانفراد بالسلطة. إذ يلاحظ محمد عابد الجابري أن التاريخ العربي-الإسلامي لم يعرف صراعات من أجل تقييد سلطة الحاكم المتفرد، بل اكتفت الأدبيات السياسية بـ "نصح الملوك". وبالتالي لم تكن الرقابة ولا الحد من السلطة المحور الرئيس في الفكر السياسي الإسلامي وإنما النصح. لكن من كان يعمل بنصائح العلماء والفقهاء؟ وهل كان هؤلاء يجرءون دائماً على الإدلاء بنصائحهم؟ الحقيقة أنهم كانوا باستمرار عرضة الخيار (الأموي المنشأ لما فُرضت مبايعة يزيد بالقوة) القاتل: "إما هذا، وإما هذا"، بمعنى إما الرضوخ لمشيئة السلطان وإما السيف![54] الاحتكام إلى القوة في الصراعات السياسية على السلطة كانت السمة البارزة في التاريخ الإسلامي حتى أنه قيل: "ما سُل سيف في الإسلام كما سُل من أجل الإمارة". فكان التسلط لما سخر السلاطين الفكر السياسي لتبرير سلطتهم، مما حال دون خوض الفقهاء في المسألة الدستورية للحكم.[55]

محنة السياسة العربية في رأي محمد جابر الأنصاري تعود إلى الانقلاب التاريخي لما فرضت المرجعية القبلية نفسها على السياسة العقلانية: الانتقال من إشكالية "كيف نحكم؟" إلى إشكالية "من يحكم؟". هكذا أصبحت المرجعية القبلية والعشائرية منذ وفاة الرسول r المحدد الرئيس للسلوك السياسي، إذ لم يكن هاجس الجميع طبيعة الحكم الذي يجب إقامته، بل من سيحكم؟ من أية قبيلة وأية عشيرة؟ هذا هو السؤال الذي فرض نفسه في حادثة سقيفة بني ساعدة التاريخية. أما السؤال السياسي الحاسم؛ كيف يكون الحكم (المستمد من مبادئ الإسلام)، فلم يُطرح. وبالتالي نقلت "ذاتية" القبيلة القضية من "موضوع" الحكم، بمعنى كيف يقام، يُنظم ويُقنن إلى "ذاتية" الحاكمين، بمعنى هويتهم وانتماءاتهم القبلية والعشائرية.[56] وحتى مثول الأنصار لإرادة المهاجرين من قريش (في حادثة السقيفة)، كان أيضاً نتيجة للمفعول القبلي الأضيق (فيما بين الأنصار) بين الأوس والخزرج. وبالتالي كان العامل القبلي لا الديني هو الذي حسم أول صراع على السلطة في الإسلام.[57] تحرك هذا المفعول هذا بين الأنصار مرده أن الأوس والخزرج كانتا في صراع على الزعامة في يثرب (قبل الإسلام). لكن هذا المفعول لم يتحرك بين المهاجرين إبان حادثة السقيفة، لأن المهاجرين كانوا من قريش أساساً وسعوا لتكون السلطة قرشية. لكن لما تأجج الصراع على السلطة إبان الخلافة الراشدة، لا سيما بين عثمان بن عفان وعلى بن أبي طالب وفيما بعد بين هذا الأخير ومعاوية بن أبي سفيان، كان المفعول القبلي الأضيق (فيما بين قريش) المعيار الأساسي في حسمه، حيث كان الصراع أموياً-هاشمياً (عثمان ومعاوية من بني أمية وعلي من بني هاشم) كما كان الأمر في مكة قبل الإسلام.[58]

مازال الفكر السياسي العربي يعاني من هذا التحويل في مقاربة الشأن السياسي من نوع وشكل الحكم إلى هوية الحاكم (الضيقة)، الذي أفقر علم السياسة عموماً. إذ لم تلق أُمهات المسائل السياسة في الدولة، السلطة، المشاركة وكيفية الحكم الاهتمام الجدير بها، فيما أُطنب في المفاضلة بين الفروع المذهبية مغذية بذلك المناظرات الحامية التي شكلت سنداً أيديولوجياً للحروب الأهلية. فلم يتسن بناء فكر سياسي "موضوعي" يتجاوز المرجعية القبلية من خلال "فقه" للسلطة، أصولها وقواعدها، بطريقة موضوعية وعقلانية، يحظى بإجماع شعبي وفقاً لقواعد واضحة للحكم مستمدة من تعاليم الإسلام.[59] هذه المقاربة (التاريخية) الخاطئة لمسألة السلطة، قد تفسر كون "مسألة الدولة وشكلها ونموذجها الأصلي لم تكن شأناً يحتل الموقع المركزي في تفكير العلماء".[60]

أسباب تجذر التسلطية السياسية في العالم العربي

مقاربة الكواكبي لقضية الاستبداد تظهر أن هذا الأخير نقيض السياسة. فإذا كانت السياسة هي "إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة" فإن الاستبداد هو "التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى". ويرى الكواكبي أن "الاستبداد هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بلا خوف تبعة" [61] التسلطية حسب خلدون حسن النقيب "هي التعبير المعاصر للاستبداد".[62] يعتبر العديد من الكتاب أن التسلطية السياسية العربية استفحلت بسبب تقاليد الطاعة للحاكم. هذا الكلام فيه قدر من الصحة، ذلك أن التراث العربي-الإسلامي في شقه الداعي إلى طاعة أولى الأمر خوفاً من الفتنة ساهم في إيجاد بيئة اجتماعية تبدي قابلية للإذعان للحاكم، وقد استغلت الأنظمة العربية هذه الظاهرة بتعميقها من خلال مؤسستها الدينية. من هنا نشأ ما يمكن تسميته، على حد تعبير منى مكرم عبيد، بـ "مجمع المصالح السياسي-الديني" المكون من السلطة ورجال الدين الموالين لها.[63] وكما حدث في تاريخ الإسلام لاسيما في العهدين الأموي والعباسي، هاهي المؤسسة الدينية اليوم تساعد السلطات الحاكمة في الوصول إلى مآربها. لكن لا يمكن القبول لا بـ "مدخل الطاعة" ولا بـ "مدخل الخصوصية العربية" لشرح الإذعان الاجتماعي وتجذر التسلطية في الواقع السياسي العربي، وذلك لمجموعة من الأسباب سوف نتطرق إليها بالتحليل.

أولاً، مدخل (براديغم) الطاعة يحجب الطابع السياسي المعارض الذي ميّز المجتمعات العربية في الصراع مع السلطة، فالمعارضة السياسية في الإسلام كانت متأصلة ولو بمسوّغ ديني. والتاريخ يشهد أن معارضة مؤسسة الخلافة كانت القاعدة، وكما لاحظ علي عبد الرّازق، فإن "مقام الخلافة الإسلامية كان منذ الخليفة الأول، أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، إلى يومنا هذا، عرضة للخارجين عليه المنكرين له، ولا يكاد التاريخ الإسلامي يعرف خليفة إلا عليه خارج، ولا جيلاً من الأجيال مضى دون أن يعرف مصرعاً من مصارع الخلفاء. نعم ربما كان ذلك غالباً شأن الملوك في كل أمة وكل ملة وجيل، ولكن لا نظن أن أمة من الأمم تضارع المسلمين في ذلك. فإن معارضتهم للخلافة نشأت إذ نشأت الخلافة نفسها، وبقيت بقائها. و لحركة المعارضة هذه تاريخ كبير جدير بالاعتبار. وقد كانت المعارضة أحياناً تتخذ لها شكل قوة كبيرة، ذات نظام بيّن كما فعل الخوارج في زمن علي بن أبي طالب، وكانت حيناً تسير تحت ستار الأنظمة الباطنية، كما كان لجماعة الاتحاد والترقي مثلاً، وكانت تضعف أحياناً حتى لا يكاد يحس لها وجود، وتقوى أحياناً حتى تزلزل عروش الملوك، وكانت ربما سلكت طريق العمل متى استطاعت، وربما سارت على طريقة الدعوة العلمية أو الدينية على حسب ظروفها وأحوالها".[64]

ثانياً، الحديث عن "طاعة الحاكم" تفادياً للفتنة، لا يكفي لشرح الإذعان للسلطة مهما كان مصدر شرعيتها. الحقيقة أن سر هذا الإذعان يكمن في القمع الممارس على المجتمع". من الطبيعي في أولئك المسلمين الذين يدينون بالحرية رأياً، ويسلكون مذاهبها عملاً، ويأنفون الخضوع إلا لله رب العالمين، ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد في كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل، في خمسة أوقاتهم للصلاة. من الطبيعي في أولئك الأباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من غيرهم ذلك الخضوع الذي يطالب به الملوك رعيتهم، إلا خضوعاً للقوة، ونزولاً على حكم السيف القاهر".[65] كما أن الحديث عن الشق المتعلق بطاعة الحكام في التراث العربي-الإسلامي يعني قراء انتقائية لهذا الأخير لأنها تتجاهل تنديد رموز هذا التراث، مثل ابن رشد، بالتسلطية ووحدانية السلطة.[66] كما أن هذه القراءة الانتقائية تشكل ظلماً في حق الفقهاء والعلماء. ذلك أن الفقهاء لم يدعوا "إلى طاعة السلطان عادلاً كان أم جائراً لأنهم كانوا أتباعاً له"، بل إن مواقفهم أملتها ظروف تاريخية وموضوعية محددة. فلا الماوردي، ولا أبو يعلى، ولا ابن جماعة، ولا ابن تيمية كانوا تابعين للحكام،[67] أو كانوا من أقطاب ما نسميه بالمصطلح الحديث بـ "الإسلام الرسمي". فابن تيمية مثلاً توفي في غياهب سجون السلاطين. كما أن الحديث عن الطاعة في التراث تؤدي إلى سلخ الأقوال عن سياقها التاريخي-السياسي فيما يتم في نفس الوقت التغاضي عن أقوال أخرى (لنفس العلماء). وبالتالي يتعرض بعض أقطاب الفكر العربي-الإسلامي إلى قراءة انتقائية تسيء إليهم وتُظهر مدى بؤس السياسة. ولنأخذ أقوال ابن تيمية نموذجاً.

مع تدهور الدولة الإسلامية داخلياً واحتدام الغزو المغولي خارجياً، اضطر ابن تيمية إلى الاختيار بين أمرين أحلاهما مر؛ حيث فضل الخضوع إلى الحاكم الجائر حفاظاً على المسلمين من الفوضى وغياب الحكم. رغم أن هذه المفاضلة آنية واستثنائية، إلا أن المؤسسة الدينية عموماً سلختها من سياقها التاريخي وجعلتها مبدءاً عاماً. فسخرتها لتشرّع الاستبداد بغطاء ديني، فأصبح التسلط والخضوع له مع مرور الوقت متأصلاً في الفكر والممارسة السياسية.[68] بينما تتعرض الأفكار الأخرى لابن تيمية، والتي تستحق أن يُستشهد بها، إلى التعتيم. فمن يستدلون بمفاضلة ابن تيمية المشار إليها متجاهلين سياقها التاريخي والسياسي لا يستشهدون به لما قال: "إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة".

ثالثاً، وجود الدولة التسلطية (التي لم تكن ميزة عربية حصراً) قي الواقع السياسي العربي يرجع إلى عدم التمكن من تحييد تدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع. فكما يقول خلدون حسن النقيب، التسلطية "وليدة القرن العشرين [و] لقد كانت من حيث هي أسلوب في الحكم، ومنهاج في الحياة، وطريقة مسيطرة في التفكير محصلة ديناميات واسعة ووليدة مجموعة من الحركات التاريخية الكبرى، أدت إلى تدخل الدولة الهائل في الاقتصاد والمجتمع على مستوى العالم كله، ومن ثم تعاظم دور الدولة وتسيّدها على المجتمع. ولكن جموع العمل الأجير في المجتمعات الرأسمالية الغربية نجحت من خلال حركاتها وإضرابها ونقاباتها في لجم جماح هذه الدولة حتى اتخذت بعد الكساد العظيم شكل دولة الرعاية، التي تجسدها الدولة البيروقراطية-البرلمانية المستقرة منذ الحرب العالمية الثانية (لكن) في المشرق فشلت الأقطار العربية في تقييد تدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع، مما أدى بالتالي إلى فشل التجربة الليبرالية البرلمانية فشلاً ذريعاً".[69]

رابعاً، تكوّن التسلطية في الواقع السياسي العربي تزامن، كما يرى محمد حافظ يعقوب، تاريخياً مع التقاء سيرورتين كبيرتين في سياق واحد؛ الحداثة العربية. الأولى هي نشأة الدولة العربية الحديثة، وتوسع إدارتها وسيطرتها على المجتمع، وتحول هذا الأخير من جماعات عضوية إلى أفراد مشتتين في مواجهة قوة الدولة. الثانية هي التكوّن التاريخي للهويات السياسية القطرية للجماعات في إطار جغرافي. هاتان السيرورتان تفاعلتا مع سيرورات اجتماعية أخرى والتي تشكل نسيجها التاريخي الكلي: اضمحلال بنى التضامن التقليدية (القرابة، العشيرة، القرية)؛ خروج فئات واسعة من فقراء المدن والأرياف من عزلتها التاريخية ودخولها المعترك السياسي؛ عدم حل شبكات تضامنية حديثة (التعاونيات، النقابات، الضمان الاجتماعي) محل الشبكات التقليدية المنحلة للعمل على الاندماج الاجتماعي والحيلولة دون تهميش الأفراد. و بما أن التسلطية تقوم على إخراج الجماعة من السياسة بحصر هذه الأخيرة في السلطة لا غير، تحول المجتمع إلى جمهور بدون ضابط وإلى أفراد مهمشين.[70]

ومن هنا فإن التسلطية من نتاج الدولة العربية المعاصرة. فهي من إفرازات القطيعة بين الأجيال؛ بين جيل الكهول السابقة وجيل الشباب الذي أراد في الخمسينات والستينات من القرن الماضي التغيير بواسطة العنف المسلح. هكذا وسيلة للتغيير تفسر غياب النسق التعددي في حركة هؤلاء التي لعبت دوراً كيراً في عسكرة السياسة واحتكار السلطة، وفي ظاهرة الاستعصاء الديمقراطي الراهن. فالتسلطية هي أساساً من نتاج القطيعة مع الماضي العثماني، ولا يوجد ما يدعم بعض الفرضيات الرّائجة القائلة بأن التسلطية العربية الراهنة مردها خصوصية عربية تاريخية. هذا من جهة، من جهة أخرى، من البيّن أن التسلطية لا تنسحب فقط على الواقع العربي دون سواه، بل تميز كل دول الجنوب. ولا يعقل أن تُحمّل النخبة العربية الجماهير معضلة التسلطية وأن تتهمها بعدم الوعي الديمقراطي، في حين أن هذه النخبة أو على الأقل قسم منها يفتقر إلى العقلية الديمقراطية. فـلا يمكن أن يُحمّل الشعب مسؤولية الانقلابات العسكرية، خطاب تأجيل الديمقراطية وتبرير عدم صلاحيتها له وتبرير انتهاك الحريات. لا يمكن تفسير هذه السلوكيات بموروث الجماعة (الوطنية) أو بثقافاتها (المحلية). ومن هنا لا يمكن تفسير الإذعان الشعبي للتسلطية بـ "براديغم" الطاعة، الرّائج لدى العديد من الكتاب العرب.[71] إن الآلة القمعية للدولة التسلطية العربية، المعقدة والمتشعبة، هي العامل الرئيس في تفسير الإذعان للسلطة أو الانطباع بوجود استعداد اجتماعي للإذعان للدولة العربية المعاصرة.

خامساً، انزراع الدولة التسلطية واستمرارها بعنفها الرسمي وسياساتها الهادفة إلى تحجيم وقهر كل جمعيات المجتمع السياسية والمدنية (تنظيمات سياسية، نقابات،اتحادات،) بجعلها تسير في فلك النظام القائم وفرض الخطاب السياسي الرسمي عبر المؤسسات التربوية والتعليمية وأجهزة الإعلام،[72] أدى إلى تحييد القوى الاجتماعية وتشديد قبضة الدولة على المجتمع مما أجهض المبادرات المستقلة. ويجب أن نشير في هذا الخصوص إلى أن "الحركات الاجتماعية القوية هي وحدها التي بمقدورها مقاومة سلطان الدولة التسلطية، لأنها تشكل مجتمعاً مدنياً قادراً على التفاوض مع الدولة مما يعطي استقلالية حقيقية للمجتمع السياسي".[73]

سادساً، تداعيات التحولات الاجتماعية-السياسية التي عرفها العالم العربي خلال العقود الأخيرة تجعل الحديث عن طاعة الحاكم غير واقعي. صحيح أن السلطة تعوَّدت على إذعان المجتمع خاصة مع التراكمات التراثية لطاعة الحاكم، لكن مع هذه التحولات تغيرت المعطيات. الأغلبية الكاسحة من المجتمعات العربية من جيل الشباب الذي لم يعرف الثروات، الحروب التحريرية، الاستقلال، ولا تصفية الحسابات السياسية داخل السلطة (عقب الاستقلال) ولا حتى الانقلابات. لهذا الشباب تطلعات وأمال تختلف عن تلك التي كان يحلم بها جيل الاستقلال. فشباب اليوم أقل حساسية للخطاب الوطني وتمجيد الماضي، بينما بقيت هياكل السلطة على حالها، وهذا مما فاقم من محنة شرعية الأنظمة الحاكمة وجعلها تنفصل نهائياً عن المجتمع. فكان أن عمّق هذا الانفصال بين الدولة والمجتمع من أزمة الثقة بين الحاكم والمحكوم فأتى على ما تبقى من "شعرة معاوية". وبالتالي تفاقمت حدة محنة شرعية السلطة بسبب التغيرات التي عرفتها البلدان العربية. فالشرعية "الثورية" أو "الدينية" أو "التاريخية" التي تدعيها هذه الأنظمة لا تعني شيئاً بالنسبة إلى هذا الشباب، خاصة وأنها أهلكت قوى البلاد والعباد وجلبت الخراب والدمار. تذمر الشباب من ممارسات السلطة ومن الظلم الاجتماعي جعله لا يبدي أية قابلية للإقناع السياسي والتعبئة الشعبية ولم يعد يبالي بالمناورة بالشعارات والقيم الوطنية وهي اللعبة المعتادة للسلطة بمختلف توجهاتها. فلا قناعة له إطلاقاً بأهلية الحكام في السلطة. بفضل احتجاجاته العنيفة، بدأ الشباب العربي في أكثر من بلد وبدرجات متفاوتة يتغلب على الخوف وبدأ يتمرد على الوضع القائم كما هو الحال في الجزائر، الأردن، المغرب

سابعاً، "براديغم" الطاعة يعطي التسلطية بعداً دينياً (إسلامياً) مما يجعل التحليل مشوهاً وناقصاً. فمن ناحية، تغض هذه المقاربة النظر عن قضية هامة وهي أنه لا زعامة دينية بعد الرسولr ، "وإذا كانت الزعامة لا دينية فهي ليست شيئاً أقل ولا أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية، زعامة الحكومة والسلطان، لا زعامة الدين".[74] وبالتالي يبدو "براديغم" الطاعة محاولة لتبرير التسلط باسم الدين، لأنه يلوم المحكوم أكثر مما يلوم الحاكم. من ناحية أخرى، هذه المقاربة، تُسقط من تحليلها توظيف العلمانية سياسياً. فليس الدين هو الوحيد الذي وٌظف، بل العلمانية وٌظفت كذلك لتبرير تسلط الحاكم. وبالتالي فهما (الدين والعلمانية) وجهان لعملة واحدة: التسلط. فكما يقول منح الصلح، الدين والعلمانية، لا يعنيان في الواقع السياسي العربي-الإسلامي "إلاّ المعنى نفسه وهو حق الحاكم في أخذ السلطة كل السلطة لنفسه، فكما أن هناك من يحاول الاستئثار بالسلطة باسم إرادة الله هناك أيضا من يريد أن يأخذ السلطة باسم إبعاد الدين عن السياسة". خلافاً لمعناها لدى المثقفين (الفصل بين السلطة الزمنية والسياسية) تعني العلمانية "في التطبيق السياسي ذلك الشعار الذي يرفعه الدكتاتور لتصفية تلك القوى والأعراف والروادع التي يمكن أن تستخدمها جهات تعمل لتوازن لا يكون فيه هو الحاكم المتفرد". فباسم العلمانية حكم أتاتورك والجيش بقبضة من حديد تركيا، وباسمها تقمع أنظمة عربية شعوبها. فأصبحت العلمانية "الوسيلة المعتمدة في بلادنا لمطالبة الحاكم الشرقي بكل السلطة. فحين لا يمكن إدعاء الحاكم بحق الحكم باسم الإرادة الإلهية المقدسة يطالب بالحكم باسم العلمانية".[75] ومن هنا فتفسير تشبث الحاكم العربي بوحدانية السلطة بمبررات دينية[76] يعبر عن قصور في التحليل وربما عن موقف سياسي. الحقيقة أن رفض الشريك في السلطة والتشبث بالحكم الفردي يطبع كل الأنظمة العربية بمختلف توجهاتها ولا فرق هنا بين تلك التي تبني شرعيتها على أساس مسوّغات دينية أو علمانية.

هل من مخرج؟

المخرج من حالة الانسداد السياسي وتجاوز مرحلة الدولة التسلطية بالولوج في عالم الدولة الديمقراطية ودولة القانون يكمن في الحل الديمقراطي كحل أنسب للاستعصاء السياسي العربي الراهن. لكن لا بد من الإشارة إلى أن الديمقراطية ليست وليدة مراسيم وقرارات سياسية، بل هي ثقافة وسلوك مدني وسياسي. بمعنى أنها أولا وقبل كل شيء قضية تربية وتنشئة. وليس من الصدف أن وزارات التعليم تسمى عادة لا سيما في الدول المتقدمة بـ وزارات التربية، لأن التربية تسبق التعليم. وهذا ما يفسر عجز الدول المتخلفة رغم نخبها المتعلمة من الالتحاق بركب الأمم المتقدمة. على أية حال لا يمكن الخروج من عهد التسلطية وبناء دولة ديمقراطية بين عشية وضحاه، بل العملية هي سيرورة اجتماعية وسياسية معقدة، وعلى النخب السياسية تهيئة الظروف لتوجيه هذه السيرورة في مسارها الصحيح والعمل على ألاّ تحيد عنه. لأن عدم اليقظة السياسية قد يقود إلى مجرد انتقال من نموذج تسلطي إلى نموذج آخر.



* النص مقطع من ورقة قدمت إلى ندوة نظمتها "جمعية الثقافة العربية في بريطانيا" في عنوان "إشكالية السلطة في الفكر العربي الإسلامي"، لندن ، 28 و29 جويلية 2001.

[1]- سعد الدين إبراهيم، "مصادر الشرعية في أنظمة الحكم العربية"، في: سعد الدين إبراهيم وآخرون، أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1984، ص 404.

[2]  Max Weber, Economie et société, tome 1, Paris, Pocket, 1995, p. 286.

[3] محمد حافظ يعقوب، العطب والدلالة في الثقافة والانسداد الديمقراطي، رام الله، مواطن-المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 1997، ص ص 83، 98.

[4] لذا فالأنظمة غير الديمقراطية، تنهار بمجرد توقف أجهزتها القمعية عن وظيفتها (مثال سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية).

[5] عبد الرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، بيروت، دار الكتب العلمية، 1993، ص. 164.

[6] M. Weber, op.cit., p. 289.

[7] س. إبراهيم، مصدر سبق ذكره، ص 406-407، 409.

[8] Paul Noble, «The Arab System: Pressures, Constraints and Opportunities», in: Bahgat Korany & Ali E. Hillal Dessouki (eds), The Foreign Policies of Arab States : the Challenge of Change, 2nd ed, Boulder (Colorado), Westview Press, 1991, p. 57; Michael Barnet, «Institutions, Roles and Disorder: the Case of Arab States System», International Studies Quarterly (Detroit), vol.3, september 1993, pp. 279-284.

[9] م. ح. يعقوب، مصدر سبق ذكره، ص 83.

[10] س. إبراهيم، مصدر سبق ذكره، ص 407-408.

[11] حسنين توفيق إبراهيم، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية، ، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ، 1992، ص 57

[12] م. ح. يعقوب، مصدر سبق ذكره، ص 98.

[13] محمد جابر الأنصاري، العرب و السياسة: أين الخلل؟ جذور العطل العميق، بيروت/لندن، دار الساقي، 1998، 7.

[14] علي عبد الرّازق، الإسلام وأصول الحكم، تونس، دار الجنوب للنشر، 1996ص 36، 43.

[15] عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، بيروت، دار النفائس، ط 3، 1993، ص 51.

[16] محمد عابد الجابري، وجهة نظرنحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، بيروت/الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1992،ص ص 130-131.

[17] علي خليفة الكواري، "مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية"، المستقبل العربي (بيروت)، مجلد 23، عدد 264، فبراير 2001، ص 111.

[18] م. ج. الأنصاري، مصدر سبق ذكره، ص 185.

[19] عبد المجيد بوقربة، "مشكل السلطة في الإسلام: حفريات في الوعي السياسي"، المستقبل العربي، عدد 162، أوت 1992، ص 147.

[20] لكن هذا "التضامن العشائري" لم يكن دائماً في الموعد، حيث حدث انشطاراً في داخل الكتلة الهاشمية (الخلاف بين علي وبعض أفراد ‘آل البيت‘) وفي داخل "الكتلة الأموية" (عدم استجابة معاوية لنجدة عثمان). حول الصراع على السلطة بصفة عامة إبان الخلافة الراشدة وفي العهد الأموي، انظر، رياض عيسى، الحزبية السياسية منذ الإسلام حتى سقوط الدولة الأموية، د د ن، دت ن ، 1992، 329 ص.

[21] م. ج. الأنصاري، مصدر سبق ذكره، ص 185-186.

[22] خالد زياده، "الإسلام السياسي وإشكالية الدولة المعاصرة"، الاجتهاد عدد 14، شتاء 1992، بيروت ص 218

[23] يقول الكواكبي أن "صفة الاستبداد كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولّى الحكم بالغلبة، أو الوراثة تشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيّد الوارث، أو المنتخب، متى كان غير محاسب، وكذلك تشمل حكومة الجمع ولو منتخبا لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد، وإنما قد يعدّله نوعاً و قد يكون أحكم وأضرّ من استبداد الفرد". ع, الكواكبي، مصدر سبق ذكره ص ص 29-32.

[24] خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة، ط 2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1996، ص 335.

[25] منى مكرم عبيد، "إشكالية تداول السلطة في العالم العربي: خبرة الماضي وآفاق المستقبل"، المنتدى (عمان)، عدد 165، جوان 1999، ص 4.

[26] ع. عبد الرّازق، مصدر سبق ذكره، ص 37.

[27] نفس المصدر، ص 41.

[28] محمد أبو الوليد ابن رشد، الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، إشراف محمد عابد الجابري؛ نقله عن العبرية إلى العربية أحمد شحلان، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، 340 ص.

[29] الفضل شلق، "أفكار حول الأمة والوحدة والدولة"، الاجتهاد، مجلد 3، عدد 12، صيف 1991، ص 13.

[30] خلدون حسن النقيب، "محنة الدستور في الوطن العربي: العلمانية والأصولية و أزمة الحرية"، المستقبل العربي، مجلد 17، عدد 184، جوان 1994، ص 31.

[31] خ. ح. النقيب، "الدولة التسلطية"، مصدر سبق ذكره، 1996، ص ص 335-336.

[32] م. ح. يعقوب، مصدر سبق ذكره، ص ص 143، 148.

[33] المصدر نفسه، ص 143-144.

[34] المصدر نفسه، ص 145.

[35] Alain Touraine, Qu’est-ce que la démocratie ? Paris, Fayard, 1994, p. 34.

[36] ع. عبد الرّازق، مصدر سبق ذكره، ص 100.

[37] منح الصلح، "السلطة مطلقة للحاكم العربي إما بزعمه الحق الإلهي لنفسه، أو بالعلمانية!"، الحياة (لندن)،1996/4/22 ، ص 19.

[38] قيما يخص المعارضة الإسلامية، قامت التبريرات الدينية على أساس الحاكمية لله التي نادى بها الخوارج ثم تبنتها بعض التيارات الإسلامية المتأثرة بفكر أبي الأعلى المودودي وسيد قطب.

* النص مقطع من ورقة قدمت إلى ندوة نظمتها "جمعية الثقافة العربية في بريطانيا" في عنوان "إشكالية السلطة في الفكر العربي الإسلامي"، لندن ، 28 و29 جويلية 2001.

[39]- سعد الدين إبراهيم، "مصادر الشرعية في أنظمة الحكم العربية"، في: سعد الدين إبراهيم وآخرون، أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1984، ص 404.

[40]  Max Weber, Economie et société, tome 1, Paris, Pocket, 1995, p. 286.

[41] محمد حافظ يعقوب، العطب والدلالة في الثقافة والانسداد الديمقراطي، رام الله، مواطن-المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 1997، ص ص 83، 98.

[42] لذا فالأنظمة غير الديمقراطية، تنهار بمجرد توقف أجهزتها القمعية عن وظيفتها (مثال سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية).

[43] عبد الرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، بيروت، دار الكتب العلمية، 1993، ص. 164.

[44] M. Weber, op.cit., p. 289.

[45] س. إبراهيم، مصدر سبق ذكره، ص 406-407، 409.

[46] Paul Noble, «The Arab System: Pressures, Constraints and Opportunities», in: Bahgat Korany & Ali E. Hillal Dessouki (eds), The Foreign Policies of Arab States : the Challenge of Change, 2nd ed, Boulder (Colorado), Westview Press, 1991, p. 57; Michael Barnet, «Institutions, Roles and Disorder: the Case of Arab States System», International Studies Quarterly (Detroit), vol.3, september 1993, pp. 279-284.

[47] م. ح. يعقوب، مصدر سبق ذكره، ص 83.

[48] س. إبراهيم، مصدر سبق ذكره، ص 407-408.

[49] حسنين توفيق إبراهيم، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية، ، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ، 1992، ص 57

[50] م. ح. يعقوب، مصدر سبق ذكره، ص 98.

[51] محمد جابر الأنصاري، العرب و السياسة: أين الخلل؟ جذور العطل العميق، بيروت/لندن، دار الساقي، 1998، 7.

[52] علي عبد الرّازق، الإسلام وأصول الحكم، تونس، دار الجنوب للنشر، 1996ص 36، 43.

[53] عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، بيروت، دار النفائس، ط 3، 1993، ص 51.

[54] محمد عابد الجابري، وجهة نظرنحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، بيروت/الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1992،ص ص 130-131.

[55] علي خليفة الكواري، "مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية"، المستقبل العربي (بيروت)، مجلد 23، عدد 264، فبراير 2001، ص 111.

[56] م. ج. الأنصاري، مصدر سبق ذكره، ص 185.

[57] عبد المجيد بوقربة، "مشكل السلطة في الإسلام: حفريات في الوعي السياسي"، المستقبل العربي، عدد 162، أوت 1992، ص 147.

[58] لكن هذا "التضامن العشائري" لم يكن دائماً في الموعد، حيث حدث انشطاراً في داخل الكتلة الهاشمية (الخلاف بين علي وبعض أفراد ‘آل البيت‘) وفي داخل "الكتلة الأموية" (عدم استجابة معاوية لنجدة عثمان). حول الصراع على السلطة بصفة عامة إبان الخلافة الراشدة وفي العهد الأموي، انظر، رياض عيسى، الحزبية السياسية منذ الإسلام حتى سقوط الدولة الأموية، د د ن، دت ن ، 1992، 329 ص.

[59] م. ج. الأنصاري، مصدر سبق ذكره، ص 185-186.

[60] خالد زياده، "الإسلام السياسي وإشكالية الدولة المعاصرة"، الاجتهاد عدد 14، شتاء 1992، بيروت ص 218

[61] يقول الكواكبي أن "صفة الاستبداد كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولّى الحكم بالغلبة، أو الوراثة تشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيّد الوارث، أو المنتخب، متى كان غير محاسب، وكذلك تشمل حكومة الجمع ولو منتخبا لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد، وإنما قد يعدّله نوعاً و قد يكون أحكم وأضرّ من استبداد الفرد". ع, الكواكبي، مصدر سبق ذكره ص ص 29-32.

[62] خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة، ط 2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1996، ص 335.

[63] منى مكرم عبيد، "إشكالية تداول السلطة في العالم العربي: خبرة الماضي وآفاق المستقبل"، المنتدى (عمان)، عدد 165، جوان 1999، ص 4.

[64] ع. عبد الرّازق، مصدر سبق ذكره، ص 37.

[65] نفس المصدر، ص 41.

[66] محمد أبو الوليد ابن رشد، الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، إشراف محمد عابد الجابري؛ نقله عن العبرية إلى العربية أحمد شحلان، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، 340 ص.

[67] الفضل شلق، "أفكار حول الأمة والوحدة والدولة"، الاجتهاد، مجلد 3، عدد 12، صيف 1991، ص 13.

[68] خلدون حسن النقيب، "محنة الدستور في الوطن العربي: العلمانية والأصولية و أزمة الحرية"، المستقبل العربي، مجلد 17، عدد 184، جوان 1994، ص 31.

[69] خ. ح. النقيب، "الدولة التسلطية"، مصدر سبق ذكره، 1996، ص ص 335-336.

[70] م. ح. يعقوب، مصدر سبق ذكره، ص ص 143، 148.

[71] المصدر نفسه، ص 143-144.

[72] المصدر نفسه، ص 145.

[73] Alain Touraine, Qu’est-ce que la démocratie ? Paris, Fayard, 1994, p. 34.

[74] ع. عبد الرّازق، مصدر سبق ذكره، ص 100.

[75] منح الصلح، "السلطة مطلقة للحاكم العربي إما بزعمه الحق الإلهي لنفسه، أو بالعلمانية!"، الحياة (لندن)،1996/4/22 ، ص 19.

[76] قيما يخص المعارضة الإسلامية، قامت التبريرات الدينية على أساس الحاكمية لله التي نادى بها الخوارج ثم تبنتها بعض التيارات الإسلامية المتأثرة بفكر أبي الأعلى المودودي وسيد قطب.