ص1      الفهرس     41-50

عتبات العتمات النصية

إدريس الملياني

قد يكون الديوان تجميعا لنصوص مختلفة وقد يحقق وحدة التجربة، لغة ورؤية وإيقاعا ودلالة. ذلك ما قاله الشاعر الراحل أحمد المجاطي، منذ عام 67، في تقديمه لديوان حب للشاعر الدكتور إبراهيم السولامي: "فما زال الشعراء يؤلفون مجموعاتهم الشعرية من قصائد لا يجمعها موضوع بعينه ولا توجد بينها رؤيا واحدة للإنسان وللكون ولو أن جماعة من الشعراء الجدد قد اختطوا لأنفسهم سنة جديدة، تؤثر ألا يضم الديوان الواحد من الشعر إلا ما كان مرتبطا بخط فكري معين، فإن بدا للشاعر أن يطبع ديوانا جديدا كان عليه أن ينطلق فكريا من حيث انتهى في الديوان الأول. وبذلك يكون لكل ديوان نكهته الخاصة وكيانه المتميز". (ص.1، ص86).

لكن ظروف الطبع لا تسعف الشاعر دائما بنشر أشعاره إلا في الدوريات، "فإن بدا له أن يطبع ديوانا جديدا" بعد ذلك بسنوات، يجد القصائد تراكمت عليه كما تكاثرت الظباء على خراش، فلا يدري خراش ما يصيد! ولا يستطيع بالتالي "أن ينطلق فكريا من حيث انتهى في الديون الأول". وقد لا يصدر له هذا "الديوان الأول" حتى بعد أن يسلم الروح وينضم إلى آبائه في شيبة صالحة شيخا شبع من الحياة على حد قول الكتاب المقدس!..

وإذا كان الديوان الأول المشترك أشعار للناس الطيبين (67) والثاني كذلك في مدار الشمس رغم النفي(74) تجميعا لنصوص مختلفة حقا، فإن هذا الديوان الجديد زهرة الثلج(98) يطمح إلى أن يحقق وحدة الديوان ويكون له "نكهته الخاصة وكيانه المتميز" لكن دون "أن ينطلق فكريا من حيث انتهى الديوان" السابق عليه، في ضيافة الحريق(94)، ولو أنه، في عدة قراءات نقدية، لم يحد عن تلك "السنة الجديدة"..

لذلك، فهذه النصوص مجتمعة تشكل –كما آمل- "قصيدة مطولة" أو "بوئيما" حسب الاصطلاح الروسي، تتعدد فيها العناوين لكن "توجد بينها رؤيا واحدة" وتتداعى عليها مشاهد الاسترجاعات بدءا من هذه اللازمة: "عندما تذكرين أرى" إلى أن يسدل الستار على هذه الجملة الأخيرة من الخاتمة: "حين لا تذكرين". وللعدد أيضا دلالته الرامزة فيها: إذ تتألف المجموعة من فاتحة "بروفيل" وخمسة عشر نصا تحيل كلها على الجبل الجليدي المنهار والصحراء.

لكن الحضور "الطاغي" لموسكو لا يغيب –كما آمل- فضاءات أخرى تتفاعل فيها تارة وتتقاطع معها حينا وتتعارض أحيانا. كما أن هذا الهناك والأمس لا يحجب الهنا والآن.

على أن موسكو ليست غريبة عنا، إذ شكلت الوعي العربي زمنا طويلا، ثقافيا وسياسيا، كمدينة للحلم –أو الوهم سيان- بماضي أحلامنا الآتية ومستقبل أوهامنا الماضية، وكثيمة أساسية في ديوان الشعر العربي-والعالمي-الحديث الحافل بأجمل القصائد الموسكوفية المشرقية لكبار الشعراء: كالبياتي والجواهري وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر (العراق) وعبد الرحمان الخميسي ونجيب سرور (مصر) ومعين بسيسو وتوفيق زياد وسميح القاسم من حواريته مع الشاعر يفتوشينكو عن قصيدته "بابي يار" حول مناهضة السامية إلى قصيدته الأخيرة عن "طفاريش" غوربي..

ولا يخلو مشهدنا الشعري من قصائد مغربية موسكوفية جميلة للشعراء: أحمد هناوي والحسين القمري وعبد الرحيم حزل وعبد الله راجع وعبد الرفيع جواهري وللأديب إبراهيم الخطيب قصيدة يتيمة عن لينينغراد..

هكذا، تتعدد المدن لدى الشعراء والشعر واحد يقسمونه في عواصم كثيرة للألم والحلم..

ليس بدعة إذا ولا شيئا فريّاً أن ترتدي "زهرة الثلج" بياض هذا الفضاء حدادا لا يقل سوادا عن فضاءات أخرى من دمشق والعراق واليمن ومصر وفلسطين وسانتياغو والأندرين إلى "المغرب الذهبي الغروب". قد "يَجُبُّ المكانُ المكانَ"، إلا أن الهنا والآن أكثر حضورا من الهناك والأمس.. وهذه الثنائية غير الضدية بالضرورة تختزلها فاتحة "بروفيل" وعنوان "بارالاكس" كمصطلح فلكي يعني اختلاف الرؤية باختلاف زاوية النظر.. "وما الوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعددا"!.. وقد أحصيت بنفسي ما لا يقل عن ستين ثنائية تحيل كلها على الجبل الجليدي والصحراء. ومن ذلك على سبيل المثال: "معنا كإنسان الثلوج، يسير في مدن الخيام"(ص11)، "من تراك تحب، أيها الكسعي الغريب، عروسا من الثلج أم غزالة بيد"؟(ص39)؛ "عميقا أنام كغول، على الثلج سكران، نومة رامبو على الرمل في واحة المستحيل"(ص43)؛ "طائر الثلج الحبيب، أيها الهائم في صحراء قلبي من كثيب لكثيب"(ص54)..

وللإهداء (إلى شعراء وقراء الدهشة الأليفة والألفة المدهشة) دلالته الخاصة الرامزة كذلك. إذ تتجاور داخلها وتتحاور مع شخوص ونصوص مختلفة بلغات مؤتلفة من مرجعية تراثية وحداثية، عربية وغربية، فرنسية وروسية، وأجناس أخرى بشرية شعرية ونثرية كالمثل الروسي: ذاب الجليد لكن المياه لا تجري، والعربي: كحاطب الليل وندامة الكسعي وعند جهينة الخبر اليقين.. ومن الحكاية الشعبية: كالجد والجدة في "أنشودة طائر الثلج" والخرافة والأسطورة: كالجن والغول وطائر الصدى أو الهامة الذي يخرج من جمجمة الموتور ولا يكف عن الصراخ: اسقوني اسقوني! حتى يؤخذ بثأر القتيل. و"كإنسان الثلج" الذي يقال إنه يخرج من غابته ولا تدل عليه إلا آثار قدميه. وكصخرة "السي زيف" وبروميثيوس سارق النار من الأرباب وخيط أريان في قصة المينوطور اليونانية وعروس الثلج أو حفيدة بابا نويل التي تولد في الشتاء وتذوب في الربيع.. فضلا عن الانفتاح على الدين، إسلامي ومسيحي ويهودي ووثني كذلك: كالنبي إدريس في الجنة والمسيح والسيدة العذراء وحور العين وكنيسة القديس قاسيلي السعيد والمباركة والتعميد والقداس والصليب وهللويا وطوبى وقبض الريج والمطهر والجحيم والنعيم و"أبانا الذي في الزنازين" و"تربت حتى يدي شلت وغلت" و"السلام عليك يوم ولدت.. يا يوم القيامة والقيام من الصقيع.." و"هل انتقلتم من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة النيران والحرائق" و"الحقيقة في الخمر تشفي العليل" الواردة عند ألكسندر بلوك والشائعة في الطقوس الدينية القديمة.. والامتياح من القصة القصيرة: البرتقال الحزين لغسان كنفاني وطائر الثلج لبرهان الخطيب أو أحد أبطالها كدانكا في أقصوصة غوركي "العجوز إيزرغيل" حيث يشق صدره ويرفع قلبه شعلة وهاجة يضيء بها الطريق للناس في الغابة ليخرجهم من الظلمات إلى النور وفي غمرة الفرح بالنصر تدوسه أقدامهم فيتناثر شرارات زرقاء.. ومن الرواية: رفاق السلاح لسيمونوف والثلج الحار لبنوداريف والحياة جميلة يا صاحبي لناظم حكمت.. ومن المسرحية: تراجيديا بوشكين روسالكا أو حورية الماء، ابنة الطحان التي ألقت بنفسها إلى نهر دنيبر وتحولت في قاعه إلى حورية تنتقم لشرفها من الأمير الذي قضى منها وطردها وليتزوج من بنات البلاط، فتبعث إليه ابنتها الحورية الصغيرة التي أنجبتها منه لتسحره بأغانيها حين يأتي إلى الضفة.. ومن الرقص: كالبارينيا الروسية الملتهبة الإيقاع ورقصة الخنجر الفجرية والدبكة الشامية.. ومن الغناء: شرقي وغربي، فرنسي وروسي، كأغنية ألا بوغاتشيوفا وكاتيوشا وأمسيات ضواحي موسكو وناتلي لجلبيربيكو والنشيد الأممي والنشيد المصري: بلادي بلادي!.. إلى غير ذلك من العناصر، الحركية والصوتية واللونية والمائية التي تحفل بها طبيعة الثلج والصحراء، تؤثتها كلها الموسيقى الخليلية والأخفشية وألاعيب أخرى من أساليب البلاغة قديمة وحديثة كالفراغ والتوزيع والتقطيع والحوارية والمشهدية والسخرية السوداء ومما تعيه الذات الكاتبة أو لا تعيه، تتخيله أو تتمثله كالنصوص الغائبة يستحصرها الشاعر أو تحضر وحدها إليه أثناء الكتابة، جريا على السنة العادية والطبيعية جدا لأي شاعر وناثر يكتب بالذاكرة والبصر والبصيرة والتمثل والتخيل والحلمي والواقعي وبكل حواسه الممكنة والمستحيلة.

يقول الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه حفريات في الذاكرة: "هناك نوع من الحضور لما نقرأ في ما نكتب، حضور لا نشعر به ولا نعيه. وكل إنسان عندما يكتب يفعل ذلك وهو يجر وراءه جميع ما قرأ، أعني مخزونه الثقافي بأجمعه. وهناك نوع آخر من الحضور هو الذي يعيه الكاتب عندما يكتب".

فهل لدينا قارئ مدقق؟ وإلى أي حد يبذل الجهد "لوضع الأشياء تحت العين" كما قال أرسطو؟

وهل لدينا ناقد محقق للنصوص الحديثة على غرار تحقيق نصوص التراث؟ وإلى أي حد يستطيع، هذا وذاك، أن يفحص ليكتشف كالطبيب.. المتمرن والخبير، فيضع هو الآخر كل شيء في مختبره العيني تحت المجهر؟!

وحده الشاعر يستطيع ذلك.. أليس كذلك؟

لأن من عادة القارئ، الكريم، أن يقف حَيِيّاً عند العتبة ولا يدخل إلى المنزل وإذا دخل لا يتأمل مليا محتويات البيت الشعري ولا يلمس شيئا من تحفه الجميلة، مخافة أن يكسرها كأنه سيطالب "بالغرامة"!.. وعلى عادتنا في الضيافة لا يذهب إلى بيت النظافة لغسل يديه بل يقدم إليه "الطاس ويده" سيد الناس.. فلم لا يكون الشاعر ذلك السيد الخدوم؟ يرفع الكلفة ويشيع الألفة بينه وبين ذوي قرباه لحفز الخيال القارئ وإذكاء جذوة الفضول وحب الاستطلاع لديه والخروج به من حيز الانطباع والدخول معه إلى عالمه الشعري ليتخطى مرحلة الاستجابة العفوية إلى القراءة المتأملة القائمة على الاستجابة الواعية والتجريبية الرامية إلى الإجابة عن الأسئلة حتى يحقق فعلا ما يقال عن القراءة: إنها كتابة جديدة للقصيدة.. ويتجاوز بذلك ما يسمعه "الضرير" عن توصيف الآخرين للألوان.. والقراءة الواصفة مهما تتسلح بالمنهجية والمرجعية فهي لا تعدو المقاربة والقراءة والإضاءة والشهادة التأملية المغرمة بالزخرف اللغوي "المضيء" أو الفلسفي "العميق"، ولكن، كثيرا ما تنتهي بلي عنق القصيدة!

ذلك ما يختزله هذا الرأي للشاعرين لوران غاسبار وروني شار كما يقول خالد النجار:

"ولوران غاسبار الشاعر يدري قبل غيره أن ما تقوله القصيدة يستحيل أن يقال خارجها، خارج جسدها اللغوي، وخارج طقوسها وغوامضها وحضورها العيني المتميز، وهو يحتج على ذلك بكلام لروني شار في مقدمته لأعمال آرثر رامبو إذ يقول شار: إن الملاحظات التي نسوقها حول القصيدة أو النقد الذي نكتبه لها قد يكون عميقا ومضيئا ولكنه لا يقدر أبدا أن يختزل أو يقول هذه الظاهرة الفذة (يعني القصيدة) والتي ليس لها مبرر خارج وجودها" (مجلة كتاب الأسئلة، ربيع 9).

فإلى أي مدى يستطيع القول النقدي الارتقاء إلى مستوى القول الشعري؟

وحده الشاعر يستطيع ذلك.. أليس كذلك؟

لأنه يمتلك وحده مفتاح شفرته السرية..

ولا أحد يستطيع الإحساس بالشعر الخارج من بين الصلب والترائب كإحساس الشاعر.. تماما كما تقول هذه الشهادة للرائع "با" إدريس الخوري وهو طبعا من شعاب أخرى:

"الشعر غير الإشهار، إنه شيء حسي لا يحسه إلا صاحبه، الشعر بوح، لكنه بحاجة إلى من يوصله إلى المجتمع كالفلسفة"(الاتحاد الاشتراكي).

قد لا يصل الشعر عندنا إلى مستوى الفلسفة لكنه لا يقل عنها معرفة بفن الجمال.. ولا تنطلي على أي شاعر تلك الخدعة النقدية المتذرعة بقول الشاعر نفسه: إن السفينة لا تجري على اليبس!.. فسفينة الشعر تجري، وراء البحار، رغم أنها محاصرة تشق جبال الجليد المحيط بها من كل جانب، لكن رياح النقد هي التي لا تهب بما تشتهيه السفينة الرامبوية النشوانة التي لم تكد تنسى المقولة المشرقية: بضاعتنا ردت إلينا حتى ابتليت بمقولة أخرى مغربية: ترهن جودة الإنتاج النقدي بجودة الإنتاج الشعري. ليس هذا صحيحا! إبداعنا الشعري غاية في النضج وآية في الجمال.. وليس إلا النقد لا يزال يراوح في المكان منشغلا عنه بالمنهج يشحذ المفاهيم والأدوات ليمارس عليه الحب بدلا من أن يمارسه معه.. وعلى كثرة الانهمام بالبنية الإيقاعية مثلا لا يعير الناقد اهتماما خاصا بنظام القافية وحركة البحور الشعرية كما قال الشاعر عبد المعطي حجازي يوما عبر التلفزة المغربية.. والناقد نفسه يقر بذلك، يقول الدكتور مختار علي أبو غالي في المدينة في الشعر العربي المعاصر (ص103):

"فلدينا انشطار عميق بين الفن والنقد، وغياب لرؤيا شاملة للفنون ككل، وهناك فجوة عميقة بين النص والجمهور".

ولا إشارة طبعا في كتابه هذا عن المدينة في الشعر العربي المعاصر إلى مدن شعرائنا المغاربيين "العرب المعاصرين"! فمن يردم هذه الفجوات العميقة؟!

ومن غريب المفارقات: أن يجوم الناقد حول العتبات النصية: الغلاف، العناوين، فرعية وأساسية، الفهرس، الإهداء، الطبعة، الناشر، الورق، الحجم، الإصدارات، السنة الهوامش، إلخ..

ولا يكاد يدخل إلى البيت الشعري متصببا عرقا مرهقا بالمناهج والمراجع والمصطلحات إلا ليتلقط أنفاسه ويستلقي على أريكة القصيدة!

قد لا يتأخر النقد عن الشعر طبعا بل قد يحاكيه ويضاهيه أحيانا بالحمولة المعرفية العميقة والسيولة اللغوية الجميلة لكنه قطعا لا يحاذيه أو يجاريه أو يوازيه، بله أن يتقدم عليه كي يفتح ويمهد وينير له الطريق أو يقوم ويصحح ويوجه مسار سفينته نحو ضفاف أخرى جديدة.. وحده الشاعر يستطيع ذلك: بالكتابة الموازية والمفاتيح الأساسية يقدمها إلى جمهرة القراء. قد لا تفتح العتبات مغاليق كنوز سحرية لكنها تستطيع إضاءة العتمات النصية وإشاعة الوعي "التربوي" بالشعر، ما دام يمتلك –وحده- مفتاح رموزه وألغازه المشفرة والسرية.. ولن يستطيع إلى ذلك سبيلا: ما لم يبح بكلمة السر للوشاية بذاته و"بلترة" تجربته قربانا للشعر وزلفى لأتباعه في غواية الوشاية الجميلة!

لكن، قبل أن يؤول القارئ ويحلل الناقد ألا ينبغي لهما أن يعرفا أولا متخيل الشاعر؟ كالدخول إلى البيت لا بد له من عنوان وعتبة وباب بل كلغتنا الجميلة نفسها لا تقرأ قبل أن تفهم، كذلك القصيدة عنيدة لا تؤول وتحلل إلا بعد الإصغاء إليها والتفاهم معها بلسانها الخاص أو بترجمان..

وليس من قرأ كالذي رأى وكتب:

1 – إلى أي حد مثلا يستطيع قارئ لم يزر موسكو أن يتمثل صورة نافورة "الصداقة بين الشعوب" في معرض منجزات الاقتصاد السوفييتي (فيدينخا) وهي تتدفق ماء وضياء وموسيقى وجمالا من "15" تمثالا لنساء تحمل كل واحدة منهن في يدها شيئا يرمز لإنتاج بلادها الوطني، دلالة على وحدة الجمهوريات "15"؟

وهل يدور في خلده أنها هي أيضا النافورة الموسيقية المضيئة في ساحة الدار البيضاء؟ كما في هذا المقطع من الخاتمة "بيت أولغا": "وعن كثب في البعيد، يشع علي، كل وجه حبيب، يشع علي، كنافورة من ضياء، دافقا بالصداقة بين الشعوب"..

2 – وإلى أي حد يستطيع مشاركة الشاعر إحساسه بالأشياء؟ كما في هذا المقطع من الفاتحة "بروفيل":

"وتغمض عينيك حتى ترى، نجمة القطب، بيضاء يسري إليك، ضياها كقوس قزح"..

إلى أي حد يستطيع وحده أن يدرك أن قوس السحاب، هذه المتعددة الألوان التي تسري (من الإسراء) بضياء نجمة القطب البيضاء إنما هي "علامة ذكرى وعهد" وأنها مستقاة من الكتاب المقدس وفي قصة الطوفان بالذات: "وقال الله هذه علامة العهد(…) جعلت قوس قزح السحاب، فتكون علامة عهد، متى غيمت على الأرض وظهرت القوس في السحاب، ذكرت عهدي(…)"، وتكون القوس في السحاب، علامة العهد والذكرى، متى غيمت (على الشاعر) الأرض يتذكر العهد و"الحبيب" بعيد قريب كنجمة القطب وقوس قزح..

ويتحدثون، مع ذلك، عن النص الغائب – فلم لا يستحضرونه؟!

3 - قد لا يكون المعنى بعيدا ولا يلتفت إليه، كما في هذا السطر من "إنسان الثلج":

"فوق الثلوج الحارة المتكسرة"

ما هي هذه الثلوج الحارة؟ حارة بماذا؟ بالدم والنار طبعا، إشارة بسيطة إلى سبعة وعشرين مليونا من شهداء الحرب الوطنية العظمى كما تصور مآسيها عدة روايات روسية مترجمة إلى العربية ومنها "الثلج الحار" ليوري بونداريف بترجمة الروائي العراقي الراحل غائب طعمة فرمان.

ومن جميل الصدف أن يهتدي المشرف الفني بمطبعة "النجاح الجديدة" الأخ كمال الرايس من تلقاء حسه الجمالي إلى اختيار اللونين الأبيض والأحمر للعنوان والأرضية الرملية اللون للغلاف، تجسيدا لذلك "الثلج الحار" وتأكيدا لثنائية الجبل الجليدي والصحراء!

4 – وهل تخطر على باله الآية الكريمة في قصة نوح والطوفان إذ قال ابنه "سآوي إلى جبل يعصمني من الماء" عندما يقرأ هذا الفعل "آوي" من هذا المقطع: "وفي أول الليل "آوي" إلى حانة الكوسموس"؟ أو يتذكر قول الحارث بن حلزة في معلقته: "رب "ثاو" يمل منه الثواء" حينما يقرأ: "كأنك "ثاو" هنا جسدا دون روح"؟ أو قول أبي نواس: "والدن منطرح جسما بلا روح"؟ وهل يذهب خياله أبعد من الخمرة المعتقة حين يقرأ: "فإن "الحقيقة في الخمر" تشفي العليل" إلى شعر ألكسندر بلوك المترجم إلى العربية: "أنت محق، أيها الغول الثمل! فأنا أعرف أن الحقيقة في الخمر"؟ أو إلى "حقيقة الخمر" في التراث اليهودي "شرب الخمر مقدس والسكر خطيئة" وقبله حيث كانت تستخدم كعلاج في الطقوس الدينية الوثنية القديمة من العصر الحجري إلى ديونيسوس وباخوس وجلجامش والخيام إلخ..؟

فكيف يؤول هذا ويحلل ذاك وهو لا يمتلك المعرفة الأولية والمفاتيح الأساسية المحشوة في جيوب الشعراء، يذكرون بأسمائهم وألقابهم من امرئ القيس إلى الشاعر اليمني الصديق سلطان الصريمي أو بعناوين قصائدهم كالمومس العمياء للسياب وخراشو ونشيد اليسار ولينين وغيمة في البنطلون ومطيلو الجلوس وعاشقو الاجتماعات وأشعار على جواز السفر السوفييتي لماياكوفسكي أو بعناوين كتبهم كترجمان الأشواق لابن عربي ومنطق الطير لفريد الدين العطار وبستان عائشة للبياتي؟

ولأجل ذلك كله أسوق هذه الوشاية بالإحالة –دون الدلالة- بعيدة كانت أو قريبة- لتأكيد أن الشعراء الأقارب أكثر حضورا من الشعراء الأجانب. ولسائل أن يجيب هل بإمكانه الاهتداء إليها كلها دون ارتكاز إلى عكاز العتبات النصية؟!

I  - الشعراء الأقارب:

1 – امرؤ القيس: ـ بكى صاحبي.. حين أبصرني بينهن أميل، وأيقن أني قتيل، فقلت له: آه لا تبك يا صاحبي، إنني لا أحاول ملكا، ولكن أموت وأبعث في كل ليل، (ص42) و"كامرئ القيس يندب ملكا مضاع(23) و"أطلب فيهن أمرا من المستحيل" (ص42).

ـ من قوله: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه، وأيقن أنا لاحقان بقيصرا، فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا. وقوله:اليوم خمر وغدا أمر..

2 – طرفة: ـ آه من ظلم ذوي القربى وصد الأصدقاء(ص70).

ـ من قوله في المعلقة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة، على المرء  من وقع الحسام المهند.

3 – الشعراء الصعاليك: ـ وكأن الصعاليك من عصرنا الجاهلي(ص22).

4 – الحارث بن حلزة:  ـ كأنك ثاو هنا جسدا دون روح(ص8).

ـ إشارة إلى قوله في المعلقة: رب ثاو يمل منه الثواء.

5 – عمرو بن كلثوم:  ـ "أو.. من الأنرينة"(ص35).

ـ من مطلع المعلقة: ولا تبقي خمور الأندرينا.

6 – تأبط شرا: ـ "نتأبط شعرا وفودكا"(ص17).

7 – (…):  ـ "ويقول لآل جهينة" (ص35).

ـ من المثل الشعري: وعند جهينة الخبر اليقين.

8 – الفرزدق:  ـ "أيها العسكي الغريب"(ص39).

ـ من قوله: ندمت ندامة الكسعي لما، غدت مني مطلقة نوار.

9 – أم الضحاك المحاربية: ـ "لمحبين قالوا: الشفاء، من الحب حب يزيله (ص56).

ـ من قولها: فقالوا: شفاء الحب حب يزيله. فتى آخر أو نأي حب على هجر.

10 – ديك الجن:  ـ "وتشرب دمعك ممتزجا بدمي في القدح(ص7).

ـ إشارة إلى قصته مع ورد أودينا الفتاة النصرانية التي قتلها وجبل من بقايا جثتها المحروقة كأسه كما في قوله:

أجريت سيفي في مجال خناقها

ومدامعي تجري على خديها

رويت من دمها الثري ولطالما

روى الهوى شفتي من شفتيها

11 – أبو نواس: ـ "كأنك ثاو هنا جسدا دون روح(ص8).

ـ من قوله: مازلت أستل روح الدن في لطف وأستقي دمه من جسم مجروح، حتى انثنيت ولي روحان في جسدي، والدن منطرح جسما بلا روح.

12 – صريع الغواني:  ـ "كامرئ القيس أو كصريع الغواني(ص41).

13 – العباس بن الأحنف: ـ في "شارع غوركي، ص47):

ـ لعمري لقد جلبت نظرتي، إليك علي بلاء طويلا، فيا ويح من كلفت نفسه، بمن لا يطيق إليه سبيلا. هي الشمس مسكنها في السماء، فعز الفؤاد عزاء جميلا، فلن تستطيع إليها الصعود، ولن تستطيع إليك النزولا. (عن الحماسة المغربية لأبي العباس الجراوي).

14 – ابن الرومي: ـ "شبت وشابت حكمة، كالزهر في الغصن الرطيب(ص9).

ـ من قوله: قد يشيب الفتى وليس عجيبا أن يرى النور في القضيب الرطيب.

15 – المتنبي: ـ "وترقص في نشوة، مثل ديك ذبح(ص7)

ـ من قوله: فالطير (أو الديك) يرقص مذبوحا من الألم.

ـ "لنخلو إليك، ونطلب فيك الطعان، كالجبان(ص17). من قوله: وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا.

ـ "أتوك يجرون خيـ..بةكل القبائل(ص22).

ـ من قوله في معركة الحدث الحمراء: أتوك يجرون الحديد كأنما، تسروا بجياد ما لهن قوائم.

ـ "وعيد يعود بأية حال يعود، بما قد مضى من زمان أم بحب جديد(ص38). من قوله: عيد بأية حال عدت يا عيد، بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟

16 – ابن عربي: ـ عنوان ديوانه ترجمان الأشواق في "أشواق بلا ترجمان" (ص13 و86).

17 – فريد الدين العطار: ـ عنوان كتابه منطق الطير(ص86).

18 – شوقي: ـ من قوله في جبل التوباد: وخططنا في نقا الرمل (الثلج) فلم تحفظ الريح ولا الرمل (الثلج) وعى(ص78).

19 – حافظ: ـ "ما باله لا ينصف الموتى من الأحياء(ص78).

ـ من قوله في رثاء شوقي: قد كنت أوثر أن تقول رثائي، يا منصف الموتى من الأحياء.

20 – الأخطل الصغير: ـ "أأنا العاشق وحدي، كي أعاني ما أعاني في هواك(ص60) من قوله: أأنا العاشق الوحيد لتلقى تبعات الهوى على كتفيا؟

21 – (…):

ـ "ينادي: بلادي، بلادي!(ص20) من النشيد الوطني المصري.

22 – السياب: ـ عنوان قصيدته في "أم أنها كالمومس العمياء في شارع غوركي(ص89).

23 – البياتي: ـ "ببستان عائشة في ضواحي المدينة(ص40).

ـ وبستان عائشة أحد دواوينه.

24 – أمل دنقل: ـ "يا أبانا في سماوات الزنازين، لك الفضل ولا شيء لنا غير هذي العضلات(ص60).

ـ من قوله: ابانا الذي في المباحث باق، لك الجبروت، وباق لنا الملكوت.

25 – سلطان الصريمي: "غرفة سلطان(ص29). وهو شاعر يمني صديق.

II - الشعراء الأجانب:

1 – بوشكين: ـ أشواق بلا ترجمان(ص14).

ـ خاصة تراجيدياه القصيرة "روسالكا" أو حورية الماء.

2 – رامبو: ـ واحة المستحيل (ص47) المصدرة بقوله: أجمل شيء نومة سكرانة على الرمل.

3 – ألكسندر بلوك: ـ "فإن الحقيقة في الخمر تشفي العليل(ص43).

ـ من قوله: أنت محق، أيها الغول الثمل! فأنا أعرف أن الحقيقة في الخمر..

4 – ماياكوفسكي: ـ "انتظار في محطة ماياكوفسكي(ص49) مع الهامش.

5 – يسينين: ـ الهامش ص57.

6 – ليرمنتوف: ـ الهامش ص57.

7 – دافيد كوجيلتينوف

ـ الشاعر الكالميكي القائل: ما لكم تتخذون الموتى هراوة لضرب الأحياء(ص77) من قصيدته المترجمة إلى العربية ضمن كتاب (50 قصيدة سوفياتية) –دار الآداب-

8 – بول إيلوار: ـ "هذا غد مبارك يسود اليوم فوق الأرض-قلنا بلسان الشعراء(ص85). من قوله: غد يسود اليوم على الأرض.

9 – الشاعر الألماني: ـ في زهرة الثلج (ص10) من قوله: لك أنحني يا عشب..

10 – ناتلي: ـ أغنية لجلببير بيكو (ص87).

11 – النشيد الأممي:  ـ وهو قصيدة لشاعر الكومونة الفرنسي إ.بوتيي.

12 – كاتيوشا: ـ الأغنية-القصيدة(ص18 و86) للشاعر إيساكوفسكي.

13 – أمسيات ضواحي موسكو : ـ الأغنية-القصيدة(ص86) للشاعر ميخائيل ماتوسوفسكي.

14 – أغنية ألا بوغاتشيوفا(ص38).

الخلاصة:

ـ الشعر العربي: 25 (17 قديم و8 حديث)

ـ الشعر الغربي: 5

الشعر الروسي: 9 (6 شعراء و3 قصائد أغان)

ـ فالشعر الغربي (14) أقل من الشعر العربي(25)

ـ والشعر الروسي لا يتعدى نسبة(9) من مجموع (39)..

ومع ذلك: قد تخفي الشجرة الغابة!

لتكن إذن هذه الباقة من أشعار زهرة الثلج مقتطفة من تجربة ذاتية أو من "حصاد الهشيم" فهي على أي حال مجرد نبتة تزيينية صغيرة وجميلة من فصيلة "النرجسيات" المعمرة والمتعددة الألوان، تتفتح أزهارها البيضاء في نهاية فصل الشتاء بينما الأرض مكسوة بالثلوج لا تزال.. واسمها –بالمناسبة- بالفرنسية: "بيرس نيج" وبالروسية: "بود سنيجنيك" وبالفارسية: "كولي يخ" وليس كما ترجمت في بعض صحفنا بالفرنسية!

وعلى تلك "الأرضية الثلجية البيضاء" كانت هذه المغامرة الشعرية محاورة بين ذاكرتين ثقافيتين أو "حفريات في الذاكرة" على حد قول الدكتور الجابري.

وهل للشاعر من سيرة ذاتية أصدق أنباء من القصيدة؟ لقد كان "في ضيافة الحريق"(94) بردا وسلاما إذ أعادت عدة قراءات نقدية إلى هذه التجربة الاعتبار الذي حرمت منه في وقت من الأوقات، غير أن بعضها انساق كتابها وراء الإهداء (إلى عزيز بلال) فحشروه في علاقة الصداقة والرثاء! ألم يكن من شأن هذا المنطق أن يجعلني رفيقا لإيكاروس بن ديدالوس في زنزانته ورحلته إلى الشمس بجناحين من ريش وشمع والسقوط معه على البحر؟! لذلك، ربما حان وقت الاقتداء بشعراء التقية؟!